الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فموضوع الخطبة لا يستطيع الخطيب أن يقدمه كامل الأفكار، متزن المعاني، بديع الألفاظ، رائع التعبير إلا بعد إعداد سابق، حيث يخلو الخطيب بمعارفه ومطالعاته فيختار منها ما يناسب موضوع الخطبة، ويرتبه، ويرصفه رصفا محكما كلبنات البناء الواحد، ويتخير العبارات المناسبة التي تمنح خطبته جمالا وتأثيرا.
وظاهرة الإعداد ليست دليلا على ضعف الخطيب، وضمور قدرته الخطابية، بل نجد في الإعداد دليلا على مدى اعتداد الخطيب بموضوع خطبته، واهتمامه بجمهوره الذي ينتظر منه النفع، ويستهدف الفائدة، إذ لو ارتجل خطبته، ولم يعد أفكارها ومعانيها لجاءت قليلة الزاد، عاجزة عن معالجة الموضوع بصورة محكمة في كافة جوانبه، مما يؤدي إلى انتزاع ثقة الجمهور به (1) .
[تقسيم الخطبة]
تقسيم الخطبة: الخطبة الجيدة تبدأ بمقدمة مناسبة تضع الموضوع في إطاره الصحيح، وتساعد المستمع على الفهم والاستيعاب. ثم تتناول نقاط الموضوع الرئيسة بدقة، مع عرض لخلاصة أخيرة تنتهي في الزمن المحدد (2) .
وللجمعة خطبتان كما هو معلوم، لذا فإن الخطيب يستطيع أن يوزع الأفكار الرئيسة للموضوع على الخطبتين دون أن يحاصره الوقت، أو يمل السامعين، وليس من السنة ما يفعله بعض الخطباء من قصر الخطبة الثانية على الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، والدعاء فقط، فالخطبة الثانية ينبغي أن يكون لها صلة بالخطبة الأولى، أو فيها استكمال للنقاط التي طرحت فيها، أو استكمال للموضوع بنقاط وأفكار جديدة.
المقدمة: ومما له أثر في شد انتباه المخاطبين، أن يقدم للخطبة بمقدمة تسترعي انتباههم
(1) خصائص الخطبة والخطيب (ص 152- 153) .
(2)
انظر دليل التدريب القيادي، هشام الطالب (ص154) ، فن الخطابة (ص118- 120) ، خصائص الخطبة والخطيب (ص25- 30) .
وتوقظ مشاعرهم، ويستحسن في هذه المقدمة أن تكون:
1 -
قصيرة موجزة.
2 -
قوية واضحة.
3 -
متعلقة بموضوع الخطبة.
4 -
مشوقة.
وقد تكون هذه المقدمة على شكل سؤال يوجهه إلى المخاطبين، ثم يكون جوابه في أثناء الخطبة، فإن السؤال يثير الرغبة لمعرفة الجواب، ويوقظ انتباه السامع، لذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يبدأ حديثه أحيانا بالسؤال، ومن ذلك:
1 -
قوله صلى الله عليه وسلم: «أتدرون ما أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ تقوى الله، وحسن الخلق، أتدرون ما أكثر ما يدخل الناس النار؟ الأجوفان: الفم والفرج» (1) .
2 -
وقوله صلى الله عليه وسلم: «أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره. . .» الحديث (2) .
3 -
وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: " خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أتدرون أي الأعمال أحب إلى الله تعالى؟ قال قائل: الصلاة والزكاة، وقال قائل: الجهاد، قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن أحب الأعمال إلى الله تعالى الحب في الله، والبغض في الله» (3) .
4 -
قوله صلى الله عليه وسلم: «أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا. . .» الحديث (4) .
(1) أخرجه أحمد (2 / 442) بإسناد صحيح، وابن ماجه (الزهد- 4246) .
(2)
رواه مسلم (البر والصلة- 2589) .
(3)
رواه أحمد (5 / 146) من طريق مجاهد عن رجل عن أبي ذر، وروى أبو داود الجزء الأخير منه.
(4)
رواه مسلم (البر والصلة- 2581) .
وقد تكرر هذا في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، بل إنه من أساليب القرآن العظيم، وقد يبدأ الخطيب هذه المقدمة بخبر موجز مثير، وقد يبدؤها في كلمات موجزة، إما بقصة من التاريخ، أو من الواقع، أو يبدؤها بآية، أو حديث أو حكمة، أو ما شابه ذلك مما يكون فاتحة لموضوعه، ومنبها لأذهان السامعين إليه، وينبغي أن يحذر الرتابة في هذا المجال حيث تكون خطبه ذات مقدمة واحدة معروفة لدى سامعيه، بل عليه أن يلون ويجدد ويغير في طريقة تناوله للموضوع، وفي أسلوب استهلاله للخطبة.
وليعلم أن شدة إصغاء السامعين إليه، وانجذابهم، وتفاعلهم معه ليس لحسن تقدمته وحسب، بل لا بد من توفر مجموعة أمور تتعلق بإخلاصه، وحسن سيرته، وعلمه، وأدبه، وفصاحته. . . وغير ذلك.
ومما ينبغي أن يتنبه له أيضا أن خطبة الجمعة تختلف عن خطبة النكاح، أو عن خطبة الصلح، أو المحاضرة، أو نحو ذلك من الدروس والندوات، وغيرها.
قال ابن المقفع: "وليكن صدر كلامك دليلا على حاجتك، كما أن خير أبيات الشعر البيت الذي إذا سمعت صدره عرفت قافيته " كأنه يقول: " فرق بين صدر خطبة النكاح، وخطبة العيد، وخطبة الصلح، وخطبة التواهب، حتى يكون لكل فن من ذلك صدر يدل على عجزه " فإنه لا خير في كلام لا يدل على معناك ولا يشير إلى مغزاك، وإلى العمود الذي قصدت، والغرض الذي إليه نزعت.
فقيل له: فإن مل المستمع الإطالة التي ذكرت أنها أحق بذلك الموضع، قال: إذا أعطيت كل مقام حقه، وقمت بالذي يجب من سياسة الكلام، وأرضيت من يعرف حقوق ذلك، فلا تهتم لما فاتك من رضا الحاسد والعدو، فإنهما لا يرضيان بشيء، فأما الجاهل فلست منه، وليس منك، ورضا جميع الناس شيء لا ينال (1) .
(1) البيان والتبيين للجاحظ (1 / 116) .
وخلاصة القول في هذا الباب أن " المقدمة أول ما يطرق الأسماع من الخطبة، فإن كانت جيدة أصغى السامعون، وتأهبوا لما بعدها، وتفتحت نفوسهم للخطيب، وإلا كانت نذيرا بفشله وتفاهة أثره "(1) .
فليجتهد الخطيب في تحضير المقدمة، والتمهيد للموضوع جهده، أما التزام بعض الخطباء بخطبة الحاجة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في بداية كل خطبة فليس بلازم، وليست السنة كذلك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يلتزم به في كل خطبة، فهذه خطبة الوداع أشهر خطبه صلى الله عليه وسلم وأكثرها مستمعين لم ينقل أنه بدأها بخطبة الحاجة، عن ابن عباس رضي الله عنهما «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس في حجة الوداع فقال:" إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم، ولكنه رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم، فاحذروه. . .» الحديث "(2) .
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في بيان هديه صلى الله عليه وسلم في خطبه: «كانت خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة يحمد الله ويثني عليه» وفي لفظ: «يحمد الله ويثني عليه بما هو أهله ثم يقول: " من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وخير الحديث كتاب الله» .
وكان يقول في خطبته بعد التحميد والثناء والتشهد: " أما بعد "(3) .
إذا فالسنة أن يبدأ بحمد الله تعالى والثناء عليه بما هو أهله، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، وأحيانا يبدأ بخطبة الحاجة، ويبدأ بغيرها من الحمد والثناء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أحيانا أخرى.
(1) فن الخطابة (ص 117) .
(2)
رواه البخاري (الفتن - 8 / 91) ، ومسلم (الإيمان- 66) ، وكذلك رواه جابر رضي الله عنه في روايته المشهورة لحجة النبي صلى الله عليه وسلم، ورواه أبو بكرة كذلك رضي الله عنه.
(3)
خصائص الخطبة والخطيب (ص 95) .