الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[المبحث الثامن حسن العرض والخطاب]
المبحث الثامن
حسن العرض والخطاب لا يكفي أن يكون الخطيب أو الداعية حامل حق، بل ينبغي إلى جانب ذلك أن يكون ذا بصيرة بما يحمل، ذا بصيرة في الدعوة إلى هذا الحق، وكم داعية ومعلم يحمل فكرة صائبة، أو رأيا سديدا لا يستطيع إيصاله إلى الناس، بل كان أسلوب عرضه منفرا للناس عن هذا الحق عن غير قصد منه.
رام نفعا فضر من غير قصد
…
ومن البر ما يكون عقوقا (1)
. وكم حامل باطل زينه للناس، وجذبهم إليه لحسن عرضه ولباقة أسلوبه، فلا يكفي أن يكون موضوع الخطبة هاما، وأفكارها ضرورية عظيمة الفائدة، كثيرة النفع للأمة، بل لا بد أن يكون للخطيب قدرة على إيصال هذه الأفكار إلى قلوب الناس وعقولهم، واستمالة قناعاتهم إليها، والتأثر بها.
قال علي رضي الله عنه: أف لحامل حق لا بصيرة له. . . إن قال أخطأ، وإن أخطأ لا يدري، شغوف بما لا يدري حقيقته، فهو فتنة لمن فتن به.
لذا كان على الخطيب أن يتحرى الأسلوب الناجح، والوسيلة المشروعة المحببة إلى النفوس لعرض حقه، وإبراز فكرته، وهذا يتطلب علما بنفسيات المدعوين، ومستوياتهم، واغتنام المناسبة، وتوظيف الحدث في مخاطبتهم، مع تخير الألفاظ اللائقة، والأمثال والصور الأدبية والواقعية المؤثرة.
وحسن العرض لا يعود إلى حسن الأسلوب وطريقة الإلقاء فقط، بل إن حسن العرض يشتمل على أمور أخرى منها:
(أ) قوة شخصية الخطيب، ومدى قناعته بفكرته، وحماسته لها.
(ب) علم الخطيب وفقهه الذي يبرز في معالجته للقضايا معالجة شرعية،
(1) ديوان الإمام الشافعي (ص 67) .
تظهر قوة تمكنه من الفقه بالمصالح المرسلة، والموازنة بين المصالح والمفاسد، وترتيب الأولويات، وحسن استدلاله بالكتاب والسنة.
(ج) قوة الخطيب البيانية، وجزالة ألفاظه وتعابيره.
(د) حسن الأدب في مخاطبة الناس، فلا يواجههم بالغلظة والجفاء، كأن يقول: أنتم أكلتم الربا، واستحللتم الزنا، وفسدتم، وفعلتم وفعلتم.
أو يقول منفرا من الكذب: فأنت أيها الكذاب، وأنتم أيها المفسدون الضالون، ونحو ذلك مما يؤذي النفوس، ويجرح المشاعر.
(هـ) عدم الإكثار مما ينفر الناس كثرته، ككثرة الحلف بالله على كل صغير وكبير، أو كثرة التكرار لبعض الكلمات ككلمة "يعني " ونحوها، فإن الكلام إذا تكرر كثيرا يصيب السامع بالملل والنفور.
(و) تجنب الأخطاء اللغوية، والتعثر بالكلمات، وخاصة في تلاوة الآية القرآنية أو الحديث، أو قراءة الشعر.