الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والدعوة بالحكمة، والنظر في أحوال المخاطبين وظروفهم، والقدر الذي بينه لهم في كل مرة حتى لا يثقل عليهم، ولا يشق بالتكاليف قبل استعداد النفوس لها.
والطريقة التي يخاطبهم بها، والتنويع في هذه الطريقة حسب مقتضياتها، فلا تستبد به الحماسة والاندفاع والغيرة، فيتجاوز الحكمة في هذا كله وفي سواه.
والموعظة الحسنة التي تدخل إلى القلوب برفق، وتتعمق المشاعر بلطف، لا بالزجر والتأنيب في غير موجب، ولا يفضح الأخطاء التي قد تقع عن جهل أو حسن نية.
وبالجدال بالتي هي أحسن، بلا تحامل على المخالف ولا ترذيل له وتقبيح، حتى يطمئن إلى الداعي ويشعر أن ليس هدفه هو الغلبة في الجدل، ولكن الإقناع والوصول إلى الحق، والنفس البشرية لها كبرياؤها وعنادها، وهي لا تنزل عن الرأي الذي تدافع عنه إلا بالرفق، حتى لا تشعر بالهزيمة (1) .
إذا مهما كان موضوع خطبة الجمعة الذي يختاره الخطيب فإنه لن يستغني أبدا عن تضمينها الوعظ والتذكير، فبذلك ينفذ الخطيب بإذن الله تعالى إلى قلوب المخاطبين، فيوقظ مشاعرهم ويبصرهم بخطورة ما هم عليه من غفلة أو انحراف.
[الوعظ بالقرآن]
الوعظ بالقرآن: لما كان القرآن موعظة من ربنا جل وعلا، فهو خير ما يعظ به، ويذكر به الخطيب، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ربما جعل معظم خطبته قراءة آيات من القرآن، أو قراءة سورة، أو بعض سورة.
وقد تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ سورة " ق " على المنبر إذا خطب الناس. قال النووي: قال العلماء: سبب اختيار " ق " أنها مشتملة على البعث والموت والمواعظ الشديدة، والزواجر الأكيدة (2) .
(1) في ظلال القرآن (4 / 2202) .
(2)
شرح صحيح مسلم (6 / 161) .
قلت: هذه السورة العظيمة اشتملت على أمور كثيرة، فابتدأت بذكر القرآن {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ} [ق: 1] ثم ذكر البعث، ومصائر المكذبين، وما استحقوا من وعيد الله جل وعلا، ثم خلق الإنسان، وعدم خفاء شيء من وساوسه، وأقواله وأفعاله على الله تعالى، ثم ذكر مشاهد من القيامة والجنة والنار، واختتمت السورة بالأمر بالتذكير بهذا القرآن {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} [ق: 45] وأي وعظ أعظم نفاذا إلى القلب من الوعظ بالقرآن.
وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: «كانت للنبي صلى الله عليه وسلم خطبتان يجلس بينهما يقرأ القرآن ويذكر الناس» (1) .
قال الطبري رحمه الله في تفسير قوله تعالى: {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} [ق: 45] يقول تعالى ذكره: فذكر يا محمد بهذا القرآن الذي أنزلته إليك من خاف الوعيد الذي أوعدته من عصاني وخاف أمري.
وساق بإسناده إلى ابن عباس رضي الله عنهما قال: قالوا: «يا رسول الله لو خوفتنا، فنزلت {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} [ق: 45] » ، وعن عمرو بن قيس الملائي رضي الله عنه قال: قالوا: «يا رسول الله لو ذكرتنا، فذكر مثله» (2) .
ومما تقدم يتبين لنا أهمية اشتمال خطبة الجمعة على الموعظة والتذكير، واشتمالها على آيات من القرآن العظيم، خاصة الآيات التي تتضمن التذكير بلقاء الله جل وعلا، والتخويف من عقابه، والترغيب فيما عنده.
وإن لتلاوة الآيات أثرها في لمس القلوب، وجلاء الصدأ أو الرين الذي تراكم عليها، وفي هتك حجب الغفلة، وإقاظ الفطرة النقية لدى الإنسان.
ثم إن ما يورده الخطيب من آيات في خطبته ينبغي أن يكون في موضوع الخطبة، لتكون مدعمة لخطبته، مؤيدة لفكرته، إلى جانب ما تشتمل عليه من مواعظ وزواجر.
(1) رواه مسلم (6 / 149، 160) .
(2)
(1 / 1 440) وفي الإسنادين أيوب بن سيار أبو عبد الرحمن، وهو متروك الحديث، والثاني: مرسل أيضا.