الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والآداب، بعد أن كانت موضع دراسةٍ مستفيضةٍ، وأصبحت دراسة الفقه والحديث جامدةً تستظهر، وتتخذ في العلم بها مظهرًا شكليًّا محضًا، وزالت منه علوم الحياة على وجه التقريب إلّا ضربًا من الحساب للحاجة إليه في مسائل المواريث، وطرفًا من مبادئ علم الهيئة لضبط المواقيت، وتحديد مواعيد الصلاة، وبعض نظريات الهندسة والفلك وأشباه ذلك.
نشأة الحياة المدرسية في الأزهر:
كيف بدأت الحياة المدرسية في الأزهر: بعد أن كان مسجدًا للعبادة، ومنبرًا للدعوة المذهبية؟ هذا سؤال تتجه به النفوس في شوقٍ ورغبةٍ لمعرفة النواة الأولى لذلك المعهد العظيم.
بدأت فكرة الدراسة في الأزهر ضئيلةً متواضعةً؛ ككل حديث في مطلع نشأته ومستهلِّ تكوينه، ثم لم تلبث هذه النواة أن تمت وأثمرت، وغدا الأزهر في ثوبه الجامعيّ القشيب.
أول درس بالأزهر:
كان ذلك في صفر سنة 365هـ-أكتوبر سنة 375م" في أواخر عهد المعز لدين الله الفاطميّ؛ إذ جلس قاضي القضاة - أبو الحسن عليّ بن النعمان القيروانيّ- بالجامع الأزهر، وقرأ مختصر أبيه في فقه الشيعة، وهو المسمى بكتاب "الاقتصار" في جمع حاشدٍ من العلماء والكبراء، وأثبتت أسماء الحاضرين، فكانت هذه أول حلقة للدرس بالجامع الأزهر1.
كانت هذه هي الحلقة الأولى للقراء والدرس في الجامع الأزهر، بعد أن مضى على إنشائه زهاء ثلاثة أعوام ونصف، وكانت بدايةً ضئيلةً لحركة دراسيةٍ متواضعةٍ، بيد أنها كانت بدايةً جامعيةً في معنى من المعاني2.
1 الخطط التوفيقية جـ4 ص56.
2 تاريخ الجامع الأزهر، لمحمد عبد الله عنان ص42.
حلقات بني النعمان:
ثم توالت بعد ذلك حلقات بني النعمان بالأزهر، وكانوا من فضلاء علماء المغرب الذين اصطفتهم الخلافة الفاطمية، وجعلتهم دعامتها وألسنتها الروحية، وكانت حلقات أولئك المغاربة العلماء بالأزهر حلقات دعاية دينية سياسية، يعمرها في أغلب الأحيان الأكابر والخاصة.
وفي مستهلِّ عهد العزيز بالله، حدث حادثٌ مدرسيٌّ آخر بالجامع الأزهر؛ ففي رمضان سنة "369هـ-980م" جلس يعقوب بن كلس، وزير المعز لدين الله والعزيز من بعده بالجامع الأزهر، وقرأ على الناس كتابًا ألفه في الفقه الشيعيّ على المذهب الإسماعيلي، ضَمَّنَهُ ما سمعه في ذلك من المعز لدين الله وولده العزيز، وهو المعروف بالرسالة الوزيرية، نسبةً إلى مؤلفها الوزير، وكان يجلس ليقرأه بنفسه على المستمعين؛ خاصَّتهم وعامَّتهم، ويسعى لدرسه جُلَّةُ الفقهاء والعلماء والقضاة والأدباء وأكابر القصر والدولة، وأفتى الناس يومئذ بما فيه1.
وابن كلس، هو أول من فكَّر في رسم الخطة الجامعية للأزهر؛ ففي سنة "378هـ-980م" استأذن الخليفة العزيز بالله أن يعين بالأزهر فريقًا من الفقهاء؛ للقراء والدرس، يحضرون مجلسه، ويلازمونه، يعقدون مجالسهم به عصر كل جمعة بعد الصلاة، وكان عددهم سبعةً وثلاثين فقيهًا، ورئيسهم والمشرف على حلقتهم الفقيه: أبو يعقوب، وكان جُلُّ حديثهم في الفقه، وما له به صلة.
وقد رتَّب العزيز لهم مالًا، وأنشأ دارًا يسكنونها بجوار الأزهر، كما رتَّبَ لهم ابن كلس أيضًا رزقًا من ماله حثًّا وتشجيعًا.
1 الخطط التوفيقية جـ4 ص57، وابن خلكان جـ2 ص441، والإشارة إلى من نال المزارة لأمين الصيرفيّ ص23.
نبذة عن ابن كلس:
وزير المعز لدين الله الفاطميِّ - اجتمع له مجد العلم والسياسة، وكان نصيرًا قويًّا للأدباء والعلماء، يعقد مجالسه الفقهية والأدبية تارةً بالجامع الأزهر، وتارةً بداره الخاصَّة، فيتوافد إليه رؤوس العلماء والأدباء والطلاب من كل حدبٍ.
ونستطيع أن نَعُدَّ هؤلاء أول الأساتذة الرسميين بالأزهر؛ فقد أدوا مهمتهم العلمية تحت إشراف الدولة، ولقاء أجرٍ ثابتٍ منها.
وهو إلى جانب ذلك، عالمٌ فَذٌّ، ووزيرٌ خطيرٌ، وعبقريةٌ سياسيةٌ نادرةٌ -يهوديّ نشأ ببغداد، وغادرها إلى الشام في شبابه للعمل بالتجارة حينما أثقلته الديون، فسعى إلى مصر في حكم كافور، ودفعه الطموح والتوثب إلى المجد أن يسلك الإسلام وسيلةً وسبيلًا، وقد كان، بلغه أن كافورًا يقول: لو كان هذا مسلمًا لصحَّ أن يكون وزيرًا- فدرس قواعد الإسلام وشرائعه سرًّا، ثم غشي جامع عمرو سنة 356هـ وصلى به الصبح في موكب حافل، ثم ركب إلى كافور، فخلع عليه، وإذ ذاك توجس وزير مصر، جعفر ابن الفرات في نفسه خيفة منه، وخشى من تقشعه، وبلوغ نفوذه، فدسَّ له، وأوغر عليه الصدور، حتى فرَّ إلى المغرب؛ ليلحق بالمعز لدين الله وهو يهيء مشروعه لغزو مصر، فقدَّر المعز مواهبه، وأظله بعطفه وتكريمه، إلى أن تمَّ فتح مصر، فقلده شئون الخراج والأموال والحسبة والأحباس، وسائر الشئون العالية الأخرى، وهو في كل هذا دقيق بارع.
ثم إن العزيز بالله حين انتهى إليه الأمر بعد أبيه المعز لم يغمطه حقه، بل فوّضَ إليه النظر في شتى أموره، ولقبه بالوزير الأجلِّ، وغدا أقوى رجل في الدولة على رغم أن العزيز اعتقله استجابةً للوشاة، ثم أكرمه وقدره بعد براءته.
ومَنْ يدري، فلعل الله أراد أن يكسب الأزهر هذه الصفة الجامعية، ويدوي في ربوعه صوت العلم والأدب والثقافة؛ فقيض له ذلك العالم الأديب -يدع دينه الضالّ إلى دين الله، وهداه، ويدعو إلى بثِّ العلم والأدب في جنبات الأزهر؛ فيسير العلماء والأدباء من بعده ركضًا، وتنمو الفكرة، ويتطور الأزهر، فإذا هو كما ترى كعبة تُحَجُّ، ومنارة تُقْصَدُ، ومنهل عذب يرتوي منه كل ظامئ.
ومهما يكن من شيء، فابن كلس مع أنه سياسيٌّ ووزيرٌ ورجل دولةٍ، عالم أديب، وأينما حلَّ، وحيثما ارتحل يعقد المجالس العلمية، والندوات الأدبية، ينتظم في سلكلها الفقهاء والأدباء والشعراء، ويشجع على نفاقها بالفكر، وبالمناظرة، وبالتوجيه، وبالمال