المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الأزهر والصحافة 1: اعتمدت الصحافة على الأزهريين قبل غيرهم في نهضتها، - الأزهر وأثره في النهضة الأدبية الحديثة - جـ ١

[محمد كامل الفقي]

فهرس الكتاب

- ‌المجلد الأول

- ‌أثر الأزهر في النهضة الأدبية الحديثة

- ‌الفاطميون في مصر

- ‌مدخل

- ‌إنشاء الأزهر:

- ‌المعز وجوهر:

- ‌المساجد والجوامع

- ‌الغرض من إنشاء الأزهر:

- ‌عناية الخلفاء بالأزهر:

- ‌صلاة الجمعة في الأزهر:

- ‌تاريخ التعليم في الأزهر:

- ‌نشأة الحياة المدرسية في الأزهر:

- ‌تأثر الأزهر بإنشاء دار الحكمة

- ‌مدخل

- ‌طريقة التعليم بالأزهر:

- ‌مواد الدراسة في الأزهر:

- ‌الكتب التي كانت تدرس بالأزهر:

- ‌الحملة الفرنسية على مصر وأثرها الفكري

- ‌مدخل

- ‌حجر رشيد:

- ‌صلة الأزهر بالحملة الفرنسية:

- ‌نابليون وعلماء الأزهر:

- ‌تأليف الديوان:

- ‌محمد علي باشا:

- ‌كلمة عامة في فضل الأزهر

- ‌مدخل

- ‌الأزهر مصدر الثقافة:

- ‌اعتماد محمد علي في إنشاء المدارس على الأزهر:

- ‌فروع من دوحة الأزهر

- ‌مدخل

- ‌البعوث العلمية

- ‌الأزهر والبعوث:

- ‌البعوث بعد محمد علي باشا:

- ‌الترجمة والتأليف ونهوض الأزهر بهما

- ‌مدخل

- ‌إبراهيم النبراوي

- ‌أحمد حسن الرشيدي

- ‌أبو السعود:

- ‌رفاعة بك رافع الطهطاوي:

- ‌التحرير

- ‌الأزهر والتحرير

- ‌محمد عمر التونسي:

- ‌محمد عمران الهراوي:

- ‌الشيخ محمد قطة العدوي:

- ‌الشيخ أبو الوفا نصر الهوريني:

- ‌الشيخ إبراهيم الدسوقي:

- ‌مصححون آخرون أزهريون:

- ‌لمحة تاريخية عن الطباعة والصحافة بمصر

- ‌مدخل

- ‌الأزهر والصحافة

- ‌الشيخ على يوسف وصحفه:

- ‌الأزهريون والصحف الحاضرة:

الفصل: ‌ ‌الأزهر والصحافة 1: اعتمدت الصحافة على الأزهريين قبل غيرهم في نهضتها،

‌الأزهر والصحافة

1:

اعتمدت الصحافة على الأزهريين قبل غيرهم في نهضتها، ووجدت منهم منذ نشأتها الأعوان الأقوياء، والأعضاء النافعين، والأقلام البليغة، والأفكار الناهضة، وأمدوا الصحف ببحوث العلم وروائع الفكر وطرائف الأدب، واتخذوها منبرًا اعتلاه الأدباء والشعراء وكبار المفكرين وقادة المشرعين، فروَّجوا سوق الأدب، ودعوا إلى الإصلاح الاجتماعيّ في مختلف ألوانه وشتَّى أساليبه.

نعم لقيت الصحف بفنونها المختلفة أبلغ عونٍ من الأزهريين، فهم الذين شقّوا طريقها، وآزروها في رسالتها؛ اجتماعية، وسياسية، وعلمية، وأدبية، وسيتبين خلال البحث أنها ابتدأت بهم، وأن مجدها انتهى إليهم، وأن أعلامهم كانت أقباسًا تضيء، ولمعًا تهدي، وطالما كانت صحائفهم معلم الشعب وهاديه ومثقفه ومربيه.

وطالما وقفت من الوطن موقف المناضل الذي لا يهدأ، واللسان الذي لا يتلعثم، تذود عن الحقِّ، وتنافح عن الحرية، وتمحص الفكرة، وتعرض الثقافة في شتى أساليبها، ومختلف أولوانها، وكم تناضلت في صحفهم آراء، وتساجلت مذاهب، وأبدعت قرائح، وافتتنت عقول.

وبذلك كانوا هدأة الأمة، وممحِّصي أفكارها، وقادتها في ضروب الإصلاح الدينيّ والسياسيّ والاجتماعيّ.

وحَسْبُ الأزهريين أنهم بنهوضهم بها أحيوا اللغة العربية وآدابها في وقت كان فيه سادة الشعب يتحدثون باللغة الأجنبية، ويفرض المحتلون لغتهم في الديوان والمدرسة.

وقد استطاعت اللغات الفرنسية والإنجليزية والإيطالية أن تنتزع من

1 تطور الصحافة المصرية، لإبراهيم عبده، ص233.

ص: 142

اللغة التركية سيطرتها الأولى، ولم تملك القضاء على اللغة العربية التي أحيتها وحمتها الصحافة بانتشارها، ومجادلاتها في المسائل السياسية والاجتماعية، وهي مسائل اتصلت بكلِّ موضوعٍ، سواء في الآداب أو العلوم أو القانون.

وما فضل ذلك إلّا الأزهريين الذين كانوا في ثنايا العصر سياج الصحف وقلمها وروحها.

صحيفة محمد علي الأولى:

كان محمد علي باشا حريصًا على الوقوف على شئون بلاده، معنيًّا بالاطلاع على خطوات الإصلاح، وما يكون عليه الموظفون من جَدِّ أو خمول، ومن ثَمَّ، قد رأى أن يُقَدَّمَ إليه نهاية كل عام، أوكل شهر، تقريرٌ ضاف بهذه الشئون، ثم استكثر هذه المدة التي قد تكون مجالًا للعب عماله وتكاسلهم، فأصدر أمره بأنه: في اليوم الآخير من كل أسبوع ترد إليه كشوف الأقاليم البحرية والقبلية، بمقدار المال المتحصل، وكميات الغلال والأصناف الأخرى، حتى يعلم منها نشاط المأمورين أو تكاسلهم، ثم ترآى له أن فترة الأسبوع لا تسمح برعاية شئون الدولة على ما يرجوه، وأن بعض الأمور يتطلب سرعة النظر، فأمر بعرض هذه التقريرات يوميًّا، أو في أيِّ ساعة للنظر في الشئون المستعجلة1، فكانت ترفع إليه هذه التقريرات في كل عشرة أيام، أو أسبوع، أو في فترات أخرى يحددها.

وقد خصص لذلك نخبةً من الكتَّاب يجيدون العربية والتركية، ثم انتظمت هذه التقريرات وتشعبت مواردها بعد أن قامت المطبعة

1 تطور الصحافة المصرية، للأستاذ إبراهيم عبده، ص30.

ص: 143

مقام النسخ، واستمرت الأقاليم والدواوين توفايها بالأخبار والكتابات الوافية المفصلة عن سير الأمور في مختلف الأنحاء.

ويذكر "فورشي" الذي كان موظفًا بمطبعة بولاق، أنه كان يطبع هذه الصحيفة -إذا ساغ أن نسميها هذا الاسم- كل يومٍ مائة نسخة، باللغتين العربية والتركية، متضمنةً الأخبار الرسمية والحكومية وبعض قصص من كتاب "ألف ليلة وليلة"1.

وقد كانت هذه الصحيفة ترسل إلى رجالات الدولة ومأموريها، ومن يهمهم الاطلاع على أحوالها وشئونها.

وتدرجت هذه الصحيفة فأصحبت سجلًا لأخبار البلاد جميعًا، كما أصبحت خلاصةً وافيةً لأعمال الحكومة والموظفين والعمال، وقد كانت أقدم الصحف المصرية وأسبقها إلى الوجود.

الوقائع المصرية 1828م:

بدا لمحمد علي باشا أن وقف الأخبار على المأمورين ورجالات الدولة دون سائر الشعب ليس من أصله الرأي، ولا مما يتفق مع حبه أمته، ورغبته في النهوض بها.

وإذ ذاك، أمر بأن تطبع شئون الحكومة والشعب في صحيفةٍ تنشر على الناس كافة، وقد سميت واشتهرت "بالوقائع المصرية".

الغرض من إصدار الوقائع:

كان الغرض من إصدار الوقائع المصرية هو ما تتوخاه أرقى الشعوب في إصدار الصحف، ولكن هذه الصحيفة لم تحقق من هذا الغرض إلّا ما لاءم

1 تطور الصحافة المصرية، للأستاذ إبراهيم عبده، ص35.

ص: 144

الزمن، وسمحت به الأسباب.

صدر العدد الأول من الوقائع، في يوم الثلاثاء 25 من جمادى الأولى سنة 1244هـ، الموافق 3 من ديسمبر سنة 1828م، وكلمة الافتتاح في هذا العدد تجلوا الغرض من إصدار الوقائع، وتضع أمام الأعين نموذجًا لإنشاء الصحف في ذلك الحين؛ إذ ظلت الوقائع إلى سنة 1858م، وليس في العالم العربيِّ كله صحيفةٌ عربيةٌ سواها.

كلمة الافتتاح:

الحمد لله بارئ النعم، والصلاة والسلام على سيد العرب والعجم، وبعد: فإن تحرير الأمور الواقعة من اجتماعٍ جنسيّ بني آدم، المندمجين في صحيفة هذا العالم، ومن اختلافهم في حركاتهم وسكونهم ومعاملاتهم ومعاشراتهم، التي حصلت من احتياج بعضهم بعضًا، هي نتيجة الانتباه والتبصر والتدبير، وإظهار الغيرة العمومية، وسبب فعال منه يطلعون على كيفية الحال والزمان، وهذا واضح لدى أولي الألباب، ومن حيث أن الأمور الدقيقة الحاصلة من مصالح الزراعة والحراثة وباقي أنواع الصنائع، التي باستعمالها يتأتى الرخاء والتيسير، هي أسباب الحصول على الرفاهية، وعلى الاجتناب والاحتراز مما ينتج منه الضرر والأذى، خصوصًا في مصر، بل هي أساس نظام البلدان، وتدبير راحة أهلها، ففكر حضرة أفندينا وليّ النعم، في تدبير أحوال البلاد وتمهيدها، واعتدال أمرو أهلها وتوطيدها، وفي نظام القرى والبلدان ورفاهية سكانها وراحتهم، ووضع ديوان "الجرنال" قاصدًا من وضعه أن ترد الأمور الحادثة، الناتج منها النفع والضرر إلى الديوان المذكور، وأن ينتخب وينقح فيه منها ما منه ينتج النفع والإفادة، حتى إذا ظهرت عند المأمورين نوعًا النفع والضرر، ينتخب ما منه تصدر المنفعة، ويتجنب ما عنه يحصل الضرر، وهذه الإرادة الصالحة الصادرة من حضرة سعادة ولي النعم، وإن كان قد جرت في ديوان "الجرنال" إلى الآن، إلّا أنها لم تكن عموميةً، فأراد وليُّ النعم أن الأخبار التي ترد إلى الديوان المذكور، تنقح وينتخب منها ما هو مفيد، وتنشر عمومًا مع بعض الأمور التي ترد من مجلس المذاكرة السامي، والأمور المنظورة في ديوان

ص: 145

الخديو، والأخبار التي تأتي من أقطار الحجاز والسودان، وبعض وجهات أخرى، وذلك ليكون كله نتيجة للحصول على الفوائد الحسنة التي هي مقصودة ولي النعم، وتقويمًا لممارسة المأمورين الفخام، وباقي الحكام الكرام، المقلدين تدبير الأمور والمصالح، ومن كون هذا الشيء قد لاح في ضمير الذات السنية ولي النعم، صدر أمره الشريف بطبع الأمور المذكورة وانتشارها عمومًا، مستعينًا بالله، وقد سُمَّيَت واشتهرت بالوقائع المصرية، وبالله حسن النية.

وزعت الوقائع على العلماء وتلاميذ المدارس، وكبار رجال الجيش، وأرسلت إلى كريت والشام وبلاد العرب والسودان1 كما قرأها المبعوثون في أوربة2 لكن هؤلاء القراء لا يتجاوزون ستمائة قارئ، وقد كانت أخبارها إلى ذلك الحين في نطاق ضيق.

تحرير القسم العربيّ بالوقائع:

أول ما أنشئت الوقائع كانت تصدر باللغتين العربية والتركية، وقد اختلف الكتّاب فيمن أشرف على تحرير القسم العربيّ ونهض به في الوقائع، وأكبر الظن أن أول من ساعد على صياغة الأخبار صياغة عربيةً صحيحةً هو السيد: شهاب الدين محمد بن إسماعيل الخشاب، الذي عُيِّنَ بعد ذلك مصححًا أول لمطبوعات بولاق، سنة 1836م، وبقي في خدمة الوقائع والمطبعة حتى سنة 1849م، حيث انقطع عن العمل الرسميّ، ومضى يؤلف شعرًا وأهازيج ومواليا تغنى3.

وممن كان له سهمٌ في تحرير الوقائع العربية في ذلك الوقت، أحد علماء الأزهر وأدبائه، الشيخ: عبد الرحمن الصفتي4.

1 محفوظات عابدين، وثيقة رقم 176 و 316 في 29صفر 1249، دفتر رقم 787.

2 تاريخ الوقائع المصرية، الطبعة الثانية ص38 - 106.

3 الآداب العربية في القرن التاسع عشر، تأليف لويس شيخو، ج1 ص84.

4 الوقائع المصرية بتاريخ 25 من نوفمبر سنة 1865م، عن مقال للأستاذ أحمد خيري بك.

ص: 146

تولَّى الخشاب والصفتي وجمهرة من أدباء الأزهر النهوض بتحرير الوقائع العربية، وبذلوا في العناية بها جهدًا كان من أثره أن ارتقى أسلوبها، واتسع أفقها، فلم تقتصر على نشر الأخبار الرسمية، بل كانت تصوِّر أحيانًا حياة الشعب ونواحي الخير والشر فيه، وتعرض لبعض الحوادث بأسلوب يرتفع عن أسلوب الأخبار، بلغةٍ عربيةٍ فصيحةٍ، إلّا أن فيه شيئًا من السجع، وبدت فيها إذ ذاك محاولةٌ لإنشاء المقالة، أو أدب المقالة.

وفي أوائل ذي القعدة سنة 1257هـ، الموافق ديسمبر سنة 1841م، اتجهت رغبة وليِّ الأمر إلى إصلاح الوقائع، وتبسيط أفقها، فعهد إلى رفاعة رافع بترجمة بعض المواد المحدثة التي تلائم قراءة الوقائع، وإدخال بعض القطع الأدبية، وتهذيب الجريدة وترتيبها بصفة عامة، ويشير السيد صالح مجدي بك، أحد تلامذة رفاعة، إلى أن نظارة الوقائع أحيلت على رفاعة في سنة 1251هـ-1835م، وبقي مشرفًا عليها حتى سنة 1267 هـ -1850م"1:

وإذ آل إلى رفاعة الإشراف عليها، ومُكِّنَ من رعايتها، جعل اللغة العربية في مكان الصدارة، بدلًا من التركية في صفحاتها الأربع، وعُنِيَ بها عنايةً بالغةً، واستعان بطائفة من المحررين الماهرين، من أمثال:"أحمد فارس الشدياق، والسيد شهاب الدين"2.

وحملت المقالة الرئيسية في العدد 623 جديدًا لم يعهد في الوقائع، كانت هذه المقالة بعنوان:"تمهيد" وقد تحدثت عن السياسة والسياسيين، وعن نظم الحكم؛ الشورى، والفرديّ، وعن الوليد بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز، ثم بَرَّت الوقائع بعهدها، فخصصت في صفحاتها سطورًا لنشر ما له علاقة بالأدب3، ونشرت في العدد 632 طرفًا مما أثر عن ابن خلدون في صناعة

1 حلية الزمن في مناقب خادم الوطن، ص 25، 16.

2 فيليب دي طرازي، ص39، 50.

3 تاريخ الوقائع المصرية، لإبراهيم عبده، ص106.

ص: 147

الأدب.

وجاء في العدد الثاني قصيدةٌ من شعر الشيخ: محمد شهاب الدين، قالها بمناسبة تولية الشيخ: محمد الحبشي منصب مفتي السادة المالكية، وهو أول شعر ينشر في الوقائع.

وفيما بعد ذلك، عادت اللغة العربية إلى اليسار، واحتلت التركية الناحية اليمنى من الصحيفة، فكان ذلك إيذانًا بانحلال الوقائع والانصراف عنها، ولم تتسع بعد لشعر أو أدب، وذلك حيث آل الحكم إلى عباس الأول.

وحينما ظهرت الوقائع في صورتين؛ إحداهما عربية والأخرى تركية، كان يتولى تحرير العربية الشيخُ: إبراهيم بن عبد الغفار الدسوقي1.

وفي عهد الخديو إسماعيل، انتعشت الواقائع واتجه إلى الأمر لإحيائها، وقد جاء في أمره لنظارة المالية إذ ذاك:"أن من المسلَّم به أن للجرائد منافع، ومحسنات عند الأهالي، ولدى الحكومة، ولذلك، فإنني أرغب في إدخال جريدة الوقائع المصرية في عداد الصحف المفيدة2".

تهيأ بهذه العناية نوعٌ من حياة الوقائع، وزخرت بالأنباء والبرقيات، وأنباء الأقطار الشقيقة، وحملت كثيرًا من الشئون التجارية والاجتماعية والأدبية، وخصص الخديو لتحرير القسم العربيّ بها أحد علماء الأزهر المشهورين بالأدب، وهو الشيخ: أحمد عبد الرحيم، فاضطلع بهذا العمل، وندب لمعاونته فيه شقيقه الشيخ: محمد عبد الرحيم، الذي كان مدرسًا بالأزهر.

مضى الشيخ: أحمد عبد الرحيم في تحرير الوقائع، وفي الإشراف عليها أربعة عشر عامًا، وفي خلال إشرافه عليها عُيِّنَ لمساعدته في التحرير أحد شعراء الأزهر وأدبائه، الشيخ: مصطفى سلامة النجاريّ، والشيخ: محمد عبده الذي عُيِّنَ

1 أحد علماء الأزهر وأدبائه، ترجمنا له في المصححين.

2 محفوظات عابدين، وثيقة رقم 64، أوامر للمالية في 3 من رجب سنة 1282.

ص: 148

محررًا ثالثًا1.

وإذ ذاك أُضِيفَ إلى الأخبار لونٌ من الأدب يمتزج بها، وعُنِيَت بالأخبار الخارجية التي تمس حياة الشعوب الساسية والاجتماعية، تقدم لها وتعلق عليها، وفسحت صدرها للأدباء من غير محرريها؛ فنشرت لهم شعرًا، كالشعر الذي نشرته للشيخ: علي الليثي، ثم نشرت لهم نثرًا؛ كالذي أرسله إليها المبعوثون إلى باريس؛ كالشيخ: علي نائل، وغيره من عشاق التحرير، هذا عدا ما كانت تزخر به من آدابٍ يحررها المحررون الموظفون في الوقائع.

وهنا نلاحظ أن الوقائع جاد أسلوبها، وهذبت لغتها، وانفسح أفقها، وأشرق الأدب على صفحاتها بفضل رعاية علماء الأزهر وأدبائه، الذين مكنوا لها من هذه الحياة الأدبية الجديدة.

ولمَّا عُيِّنَ الإمام محررًا ثالثًا في الوقائع، وضع تقريرًا ضافيًا لإصلاحها، ورفعه إلى رياض باشا ناظر النظار إذ ذاك، فارتاح لهذا التقرير، وأمر بتعيين لجنةٍ من مدير المطبوعات، ووكيل وزارة الداخلية، وصاحب التقرير، لوضع لائحةٍ لقلم المطبوعات وتحرير الصحيفة الرسمية، فوضعت اللائحة، وأمضاها الوزير، ثم كافأ الإمام على تقريره، بتعيينه رئيسًا لقلم تحرير الجريدة الرسمية، ومشرفًا على المطبوعات2.

الوقائع في عهد الإمام:

صدرت الوقائع برياسة الإمام في 9 من أكتوبر سنة 1880، وأصبحت صحيفةً يوميةً تصدر في كل يوم عدا يوم الجمعة، وأصبح لها مطبعةً خاصة بها، وقد كان للإمام أبلغ الأثر في خلق هذه الصحيفة، وجعلها كأحسن ما تكون الصحف لغةً ورسالةً، بل لقد اتخذ منها أداةً لإنهاض الأدب وخدمة اللغة

1 الإسلام والتجديد في مصر ص44 وما بعدها.

2 الإسلام والتجديد في مصر ص44 وما بعدها.

ص: 149

العربية مما أضاف إليه أبلغ المآثر.

إنشاء قسم أدبيّ بالوقائع:

فقد كان له بوصفه رئيسًا لتحريرها أن يكتب فيها ما يَعِنُّ له، أو ما يرد إليه من الفصول الأدبية، ورغبةً منه في النهوض بالآداب، وتخليصها من الجمود، وتهذيب الكتابة، وتقشيع ما غشيها من الضعف والتكلف، وما رسفت فيه من الأغلال، أنشأ في الوقائع قسمًا يضم ما تجود به قريحته، وقريحة أعوانه من الكتّاب، مِنْ كل ما له صلة بالإصلاح، وبثّ بروح النهوض بأقلام بارعة، ولغة مهذبة، وأسلوب فصيح، فاختار طائفةً من المحررين الذين تستميل أقلامهم الناس، وأودع الوقائع أحكامًا غربية يعجب بها الناظر فيها، خصوصًا إذا كان من أبناء الشعوب المتمدينة، أو من المقلدين للمتدين1.

اختار الإمام لمعاونته في التحرير طائفةً من الأدباء المطبوعين الذين عرفوا بالثورة على الجمود، والفرار من قيود الكتابة وسجعها وزخرفها، فضم إليه سعد زغلول، والشيخ: عبد الكريم سلمان، والشيخ: سيد وفا، وإبراهيم الهلباوي، وقاسم أمين، وإبراهيم اللقاني، وغيرهم.

وقد كانت الكتابة في الوقائع قبل أن يرعاها الإمام، ويعاونه أصحابه النابهون الأزهريون، ركيكةً ضعيفةً يبدو عليها العجز عن الإبانة، ويحاول كتابها أن يفصحوا عن إبانتهم، ويبينوا غرضهم، فيحول العيّ بينهم وبين الإفصاح، حتى لكأنك أمام رجل مقعود اللسان، فلما بدأ الأستاذ الإمام وأصحابه يجرون قلمهم بها، بدل عليها نطقًا، وضعفها قوةً، وقيدها انطلاقًا، وتعقيدها وضوحًا وسهولةً.

لم يكن الإمام في المقالات التي كتبها في الوقائع في عهدها الجديد يتكلف

1 تاريخ الأستاذ الإمام، للسيد: رشيد رضا ج1 ص166.

ص: 150

السجع، أو يجري وراء حشو اللفظ الذي يحجب معناه، بل درج في بيانه على أسلوبٍ هادئ، فيه من السهولة والدعة ما يُسَهِّلُ على الناس فهمه، ويتبينون منه قصده، وكانت مقالاته فضلًا عن هذا صورةً لحياة الأمة، فيها تحليلٌ لا غُلُوَّ فيه، ولا مبالغة1.

وقد نهج زملاؤه نهجه في الكتابة، ومضوا في طريقه لا يتعثرون، وكانت له رقابةً نافذةً على كل ما يرد إلى الصحيفة، فلا يسمح أن يتسلل إلى صفحاتها من محرريها، أو من غيرهم، ما يتنافى مع ما ينشده من الكتابة المطبوعة السهلة الواضحة، وإذ ذاك لبست الوقائع حلةً جديدةً من حسن التعبير وسداد الآراء، وامتد أسلوبها الممتع إلى كتابة دواوين الحكومة جميعها، إلى الصحف والمجلات العربية2، وانقرض السجع الذي كان هوى الكتاب، وتقلص ظل الزخرف الذي طالما تهالك الكتاب عليه، وافتنوا في استعماله، وظهر أدب المقالة بمعناه الواضح، وبدت اللغة العربية صحيحة العبارة، فصيحة التراكيب، ونَحَّى عنها ما كان يشوبها من العاميّ والدخيل، ومن يَطَّلِعُ على صفحات الوقائع في هذه الفترة يركتابها كم كانوا يجتهدون في البحث عن لفظ عربيٍّ يؤدي ما يؤديه العاميّ، وكثيرًا ما يعبرون بالعربيِّ ثم يضعون العاميَّ والدخيل بجانبة، إشارة إلى أن العربيَّ يغني غناءهما، ويقوم مقامها في الفائدة والدلالة.

وقد تحدث الأستاذ العقاد عن أثر الإمام في نهضة الوقائع، وفي تقدم الكتابة وإصلاحها، بأن سعدًا والإمام عَمِلَا على تحرير العبارات، وتقويم الأساليب، وإدخال القصد والمعاني في الألفاظ، فأفادا في هذا الباب أحسن ما يفيد كاتبان في هذا الزمان، وبدأ عهد الكتابة بالعربيةلم يسبقهما إليه سابق في هذه الديار3.

1 تاريخ الوقائع المصرية، لإبراهيم عبده ص185.

2 كلمة للأستاذ المرحوم عبد الوهاب النجار، في الأهرام الصادر في 23 ديسمبر 1940.

3 الأستاذ عباس محمود العقاد، من مقال له في البلاغ الأسبوعيّ، الصادر في سبتمبر 1927.

ص: 151

وقد كان من أثر هؤلاء في الوقائع أن تحررت أيضًا من اللغة التركية، ودخلتها العنونات التي توضح للقارئ ما تحتويه الصحيفة، وأصبحت في تهذيبٍ ونظامٍ جديدين.

ومن رواج الأدب فيها ما جارت فيه صحيفة "روضة المدارس" من نشر الكتب الأدبية على صفحاتها تباعً، احتى يستطيع من يعنى يجمعها أن يتوفر له كتابٌ كامل، لا عناء في جمعه والحصول عليه، وذلك كرسالة السيد: صالح مجدي بك، "حلية الزمن في مناقب خادم الوطن" -رفاعة بك رافع- فقد استغرقت أربعين صفحةً من صفحات الوقائع، نشرت موصولة الحلقات في أعداد متتالية، وهذه الرسالة أوفى ترجمةٍ لرفاعة بك، الذي أنهض العصر بجهوده، وجليل آثاره.

وكانت الملاحظات التي تحملها الوقائع، والنقد الذي يبديه المحررون بها قاسيًا لاذعًا، ولم يدخر الإمام وسعًا في الحثِّ على النهوض بأسلوبه الصارم العنيف، فقد دعا إلى إصلاح التعليم، وانتقد نظمه، وصور ما فيه من عجز وقصور، وحمل على نظارة المعارف حملةً شعواء، أقضت مضجعها حتى استاء ناظر المعارف استياءً شديدًا، واعتبر ذلك افتياتا على حقوقه، ولكن الإمام مضى في حملته حتى أقرت الحكومة وجهة نظره، وشكلت المجلس الأعلى للتعليم، في 31 من مارس سنة 1881م، وحَدَّ من سلطان الوزير، وأصبح منفذًا فحسب، بل إن الحكومة كانت أكثر سخاءً مما قدرت الوقائع ومحررها، فاختارت الشيخ: محمد عبده، بين أعضاء هذا المجلس1 ثم اختير عضوًا في لجنةٍ فرعيةٍ ألفها المجلس، للنظر في إصلاح طرق التعليم والتربية في جميع المدارس، وكان الكاتب العربيّ لها2.

وهكذا اتخذ الإمام وصحبه صحيفة الوقائع منبرًا يدعون منه لإصلاح شامل، وهذّبوا الكتابة، وصححوا لغتها، وتسابق الأدباء إلى ميدانها يتبارون فيه بالأقلام، ويتنافسون فيه باليراعات، ويدعو كلٌّ إلى الإصلاح بأسلوب يرتضيه، كل ذلك في لغةٍ فصيحةٍ مهذَّبَةٍ، لا تمت إلى السجع والزخرف

1 تاريخ الإمام، ج1 ص179.

2 الإسلام والتجديد ص46.

ص: 152

بسبب، حتى خُلِقَ في الفئة المتعلمة رأيٌ عامٌّ، وتيارات فكريةلم تكن معهودةً من قبل.

الوقائع ونفوذها الجديد:

كان للإمام بما أحدثه من لائحة إدارة المطبوعات، الهيمنة على جميع ما يطبع، ومن بينه الصحيفة الرسمية، وكان رياض باشا ناظر النظار حينئذ، قد أحسن بتوجه الأفكار إلى طلب شيء من طلاوة العبارة، ووفرة المعنى، وحسن الانتقاد1 ورأى أنه لم يكن في الجريدة الرسمية وراء أوامر الحكومة إلا مدائح لجناب الخديو، وبعض كبار المأمورين على الطريقة القديمة، كما أنه لم يكن في شئونها وحدها ما يحرك النفوس للاطلاع على الصحيفة الرسمية2.

ومن ثَمَّ، قد تلقف التقرير الذي كتبه الشيخ محمد عبده، متضمنًا إصلاح الصحيفة، وكلفه وضع لائحة لإدارة المطبوعات، ولم يتردد ناظر النظار في الموافقة عليها.

تضمنت اللائحة أن جميع إدارات الحكومة، ومصالحها الكبرى "المجالس الملغاة" ملزمةٌ بأن تكتب إلى إدارة المطبوعات جمع ما لديها من الأعمال التي تمت، أو شُرِعَ فيها، على أن تتم، وعلى المحاكم أن ترسل جميع نتائج أحكامها3.

وإنك لتعجب حين تعلم أن لرئيس تحرير الصحيفة الرسمية باعتباره مدير الإدارة والمطبوعات حق الانتقاد على أيِّ عمل من الأعمال، عندما يرى له وجهًا، حتى أعمال نظارة الداخلية نفسها، التي كانت الإدارة جزءًا منها، وإذا رأت إدارة الجريدة في الجرائد التي تنشر في مصر، أو الأجنبية، ذكرًا

1 من كلام الإمام ج1، من تاريخ الإمام للسيد رشيد ص175.

2 المصدر نفسه.

3 المصدر نفسه ص176.

ص: 153

لخلل في عمل، أو سوء تصرف في أمر ما، فلها الحق أن تكتب بوساطة نظارة الداخلية إلى النظارة، أو الإدارة التي يختص بها ذلك العمل، تسأل عن الحقيقة1 فإن تبين بعد البحث كذب الصحيفة فيما نشرته كُلِّفَ صاحبها بإثبات ما ذكره، وإلّا أنذر مرةً أو مرتين، وعطلت الصحيفة في الثالثة جزاءً له.

ذلك هو النفوذ العريض، وتلك هي الرقابة الموغلة، والإشراف النافذ، كفل ذلك كله إدارة المطبوعات التي هي من وضع الإمام، ومن رأيه وتفكيره.

وكان من أثر النفوذ الشامل أن بذل الموظفون عنايةً وجهدًا فيما يكتبونه؛ لأن الرقابة كانت تمتد إليهم؛ ولأن النقد كان يصدر عن قلم رئيس التحرير، وهو في الواقع ترجمان الحكومة المعبِّر عن آرائها، فأدّى هذا إلى الإصلاح في أعمال المصالح المختلفة شيئًا فشيئًا2.

بدأ الشيخ محمد عبده بسلطانه الجديد يمد إصلاحه إلى مختلف الإدارات والنظارات، فهاجم طريقة التحرير التي كانت متبعة فيها، وبين عيوبها، وأظهر نقصها، ورسم الطريقة المثلى التي ينبغي أن يجري الكاتبون على نسقها، فلم تمض أشهر قليلة حتى ظهر فضل ذوي الإلمام باللغة العربية من موظفي الحكومة، وحضهم ورؤساؤهم على مكاتبة الجريدة الرسمية سترًا لعيوب الإدارات3.

وكان من أثر ذلك أن تسابق الكاتبون الموظفون وتباروا في تجديد الكتابة وتنقيتها من الخطأ، ومسايرتها النهج الجديد، وخجل الجاهلون باللغة العربية من جهلهم بها، وشعروا بنقصٍ بادورا إلى تلافيه، واضطروا إلى استدعاء المعلمين، والمبادرة إلى المدارس الليلية؛ ليتعلموا فيها كيفية التحرير، وعَمَّ ذلك المديريات، كما عَمَّ النظارات4.

1 تاريخ الإمام ج1 ص177.

2 الإسلام والتجديد ص45.

3 تاريخ الإمام ج1 ص177.

4 المصدر نفسه.

ص: 154

وقد تطوع الإمام على جهده وثقل متابعه بإلقاء دروسٍ في هذه المدارس الليلية، فكان تفضلًا كريمًا رسم أبلغ الطرق في التحرير والكتابة، وجرى عليه الكاتبون سراعًا.

هكذا احتفل الإمام بهذه الصحف، فوثَّق أسباب نجاحها، وغلا في التضييق على الأساليب القديمة المنحلة، ولم يقنع بالإشراف على الصحيفة الرسمية وغيرها، وبذل الجهد في تجديد أساليبها، بل بسط رعايته على الكتاب في أقطار الوظائف جميعًا، ولعلك تعجب إذا تعلم أنه أنذر مدير جريدة كبرى بتعطيل جريدته، إذا لم يختر لها محررًا صحيح العبارة في مدة عينها1.

ذلك هو بعض ما ما فعله الإمام، وذلك هو فضله في تهذيب لغة الكتابة، وما دفع به الكتاب إلى التنافس والجد والتسابق إلى السلامة من خجل التشهير ونكال العقوبة.

نهاية الوقائع:

كأنما كانت الحوادث تسعى سعيها لتخفت صوت الوقائع، ولتغيب شمسها، ففي العهد الأخير لرياسة الشيخ محمد عبده، حرمت الجريدة من المقالات الأدبية والاجتماعية، نظرًا للاضطراب السياسيّ الذي شمل مصر في ذلك الوقت بحدوث الثورة العرابية، فكانت الكلمة العليا لرجال الحرب، وشغلت الشئون العسكرية جُلَّ صحفاتها.

ثم حيل بين الإمام ورئاسة تحريرها، فقد سجن عقب دخول الإنجليز مصر، فانقطع عهده بهذه الصحيفة بعد أن قضى زهاء ثمانية عشر شهرًا يجاهد لخدمة الأدب واللغة على صحفاتها، ويدعو من منبرها إلى الإصلاح في مختلف شئونه.

1 الإسلام والتجديد، ص46، وهذه الجريدة التي أنذرت هي "التنكيت والتبكيت" للنديم، كما جاء في تاريخ الإمام، ج1 ص336.

ص: 155

وقد حَلَّ محله في رياسة تحريرها صديقه الشيخ: عبد الكريم سلمان، ابتداءً من 21 من سبتمبر سنة 1882م، فظل قائمًا على شئونها مدةً من الزمان، عُيِّنَ بعدها عضوًا بالمحكمة العليا الشرعية، وإن كان قد بذل الجهد المشكور في اضطلاع هذه الصحيفة برسالتها الأدبية والاجتماعية والحكومية، كانت شمسها قد آذنت بمغيب، فتقلص ظل الأدب من صفحاتها روريدًا، وما زالت تفقد حياتها الحافلة حتى اقتصرت على الأخبار الرسمية والقوانين وتجردت لها، وبقيت على ذلك إلى يومنا هذا.

وهكذا طويت هذه الصحيفة الخالدة بعد أن ظلَّت ردحًا من الزمان مجالًا فسيحًا للفكر والأدب، وميدانًا يتسابق فيه الأدباء، ويتبارى فيه المصصحون بآرائهم وتوجيههم، ولم يُعْرَفْ في تاريخ الصحف الشرقية جريدةٌ شغلت الحياة الفكرية كالوقائع الرسمية، فقد كانت معلمًا لأدباء الشرق كالشدياق، ولمفكري مصر الكثيرين، تحنوا على طلاب العلم ومبعوثي الدولة؛ فتفتح لهم صدرًا، وتسمح للعامة بنشر مقالاتهم وآرائهم فيها1.

كانت الوقائع مثقف الشعب ومعلمه وهاديه ومربيه، أيقظت الشعور، وكونت الرأي، وألهمت الأفكار حرية النقد التي تحيا بها الشعوب، ولا يُذْكَرُ في تاريخ الصحافة الرسمية في العالم كله جريدةٌ حكوميةٌ تنقد الحكومة ورجال الدولة نقدًا ينغص عليهم حياتهم، كما كانت تنقد الوقائع المسئولين في مصر قبيل الثورة العرابية نقدًا لاذعًا، أفاد جوانب الحياة المصرية، ومكن للإصلاح في إدارات الدولة ومصالحها، ونقلها إلى مصاف جرائد الرأي التي تصدر عادةً عن الأفراد والجماعات2.

1 تطور الصحافة المصرية ص65، 66.

2 المصدر نفسه ص 36 وتاريخ الإمام ج1.

ص: 156

وادي النيل 1867:

رغب إسماعيل في إنشاء نهضةٍ صحفيةٍ غير رسمية، تعبر عن مجلس الشورى واتجاهه وتساير فكرته، فأوحى إلى أحد أبناء الأزهر وهو: عبد الله أبو السعود، بإنشاء هذه الجريدة، فكانت أول صحيفةٍ عربيةٍ قامت بهذا العمل، ويذكر "فيليب دي طلازي" في تاريخها: أنها مجلةٌ سياسيةٌ علميةٌ أدبيةٌ، تصدر مرتين في الأسبوع، وعبارتها صحيحة، وأفكارها سليمة، ساعدها الخديوي إسماعيل؛ لأنها كانت تخدم أفكاره بإخلاص واعتدال، دون أن تتعرض للمسائل الدينية1.

أنشئت هذه المجلة سنة 1867م، وذكرت "الوقائع المصرية" خبر إنشائها في محلياتها2 وتلقتها بالتحية صحيفةٌ فرنسيةٌ معاصرةٌ، كانت تصدر بالإسكندرية، فقالت: قد حدثت صحيفة مصرية جديدة بمدينة القاهرة، تسمى:"وادي النيل" وقد أوضح منشئها وناظرها أبو السعود أفندي، فيما أورده من بيانٍ لغرض المقصود من إنشائها، أنه التزم بأن ينشر فيها الأخبار النافعة للديار المصرية، سواء كانت ترد من أوربا أم من الأقاليم المصرية3.

وصحيفة وادي النيل أول صحيفةٍ وطنيةٍ شعبيةٍ صدرت بمصر، وقد كانت صورةً للواقع في تفكيرها واتجاهها4.

أضاء أبو السعود الطريق لهذا النوع من الصحف، فنهج نهجه كاتبان شهيران في عصر إسماعيل، هما: إبراهيم المويلحي، وعثمان جلال، فأنشأا مجلة

1 تاريخ الصحافة العربية، ج1 ص96.

2 الوقائع في 23 من ربيع الأول سنة 1284هـ.

3 وادي النيل العدد العاشر.

4 تطور الصحافة المصرية ص77.

ص: 157

"نزهة الأفكار" سنة 1869م، سياسيةً أسبوعيةً.

وقد كان أبو السعود هذا علمًا من أعلام الأدب، وله جولات موفقة في الشعر والنشر، عدا جهده الرائع في التأليف والترجمة، وقد تكلمنا عنه في المؤلفين والمترجمين، ويتمثل أسلوبه الجزل في صحيفته وفي مقالاته التي نشرها بصحيفته "روضة الأخبار" التي أنشأها ابنه "محمد أنسي" للسياسة والعلم والأدب والزراعة والتجارة سنة 1875م.

روضة المدارس 1870م:

كان علي مبارك باشا مشرفًا على شئون التعليم في عهد إسماعيل، وكان النهضة المشبوبة تحمل ذوي الغيرة على الشباب المثقفين أن يهيئوا لهم ما يوسع مداركهم، وينير أفكارهم، ويهذِّبُ لغتهم، فلم يكن أولى بتقحيق هذا الغرض من إنشاء صحيفة "روضة المدارس" التي نهضت باللغة العربية وأحيت آدابها، ونشرت المعارف الحديثة، والأفكار الجديدة، وقد ألقيت مقاليد أمورها إلى أستاذ الصحافة الرسمية في القرن التاسع عشر، رفاعة بك الطهطاوي، محرر "الوقائع" وناظر الترجمة في عهد إسماعيل، يعاونه في إصدارها جهابذة العصر في العلوم والآداب والفنون المختلفة1.

نهض رفاعة بك بهذه المجلة، وأسبغ عليها من أدبه وفنه وإرشاده، وعاونه طائفةٌ من أدباء الأزهر؛ كالشيخ: حسن المرصفي، وعبد الله باشا فكري، كما شارك في النهوض بها علي باشا مبارك، وإسماعيل باشا الفلكي، وكان عبد الله أبو السعود يترجم ما يفد إلى المجلة من مقالات الأساتذة الأجانب، فيجد الناس فيها أفكار الغرب وعلومه وآدابه.

1 تطور الصحافة المصرية ص62.

ص: 158

كانت روضة المدارس ميّاسة الغصون، فواحة الأزهار، يصدح على أيكها الأدباء والشعراء والمفكرون، وكان الميدان الرحيب الذي تتنافس فيه الأقلام، وتتبارى فيه الملكات، وزخرت بالآداب والعلوم والفنون، وجالت في التاريخ والاجتماع والرياضة والفلك، وحفلت بالشعر العربيّ في القرن الماضي، فنشرت الشعر الرقيق الطريف للمرحوم إسماعيل صبري باشا، وغيره، وكانت تصدر مرتين كل شهر، وقد أمر إسماعيل بتوزيعها مجانًا على طلبة المدارس، فاستهوتهم، وعودتهم حب الأدب والكلف بالاطلاع، وأثرت في مدراكهم وأفكارهم.

جاء في مقدمتها أن إرادة خديو مصر المتكفل بسموِّ درجتها، ونموّ بهجتها، وتقويم صعدتها، وتمكين نجدتها، شاءت إصدار صحيفة تكون مجالًا لأنفس المواد العلمية؛ بحيث تكون فيها الفوائد المتنوعة، والمسائل المتأصلة والمتفرعة، أقرب تناولًا للمطلع المستفيد، وأسهل مأخذًا لمن يعاينها من قريب الفهم والبعيد، بقلم سهل العبارة، واضح الإشارة، وألفاظٍ فصيحةٍ غير حوشية، ولا مجشمة لصعب التراكيب.

وتمضي في الإفصاح عن الغرض من إنشائها فتقول: "إن المراد من ظهورها بهذه الصورة هو أن تنكشف للعامة مخدرات العلم، وترفع حجبها المستورة، وتستضيء بنورها أرباب العقول السليمة، وأصحاب الطبائع المستقيمة، وخصوصًا بين أبناء المدارس.... حتى تتسع دائرة معقولهم ومنقولهم

ويبعثم على ازدياد اهتمامهم إذا علم كل منهم أن ما يظهر من أعماله المستحسنة، ويشير من أشغاله الدائرة على الأفئدة والألسنة، سيقيد بهذه الصحفية".

موضوعاتها:

أما موضوعاتها: فهي رسائل مؤلفة جديدة، ونُبَذٌ مصنفةٌ مفيدةٌ من علوم

ص: 159

وفنونٍ مختلفةٍ، مسامراتٍ من مستحسن الحكايات والأخبار مقتطفة، وبعض تراجم من لغات أجنبية.

وكان مما عنيت به بجنب ذلك شئون المدرسيين من تنقلات وترقية، واستغرقت بداية الصحيفة من كل عام أخبار الامتحانات المدرسية وحفلاتها، وشغلت بعض سطورها الإعلان المتصل بهذه الشئون؛ كفتح المدارس، وبيع الكتب، والحاجة إلى مدرسين، وغير ذلك، كما فاضت صفحاتها بروائع الشعر في مدح الخديو إسماعيل.

صحيفة الأهرام 1875م:

أنشأ "سلم تقلا" أحد الأدباء السوريين هذه الصحيفة المشتملة على البرقيات والمواد التجارية والعلمية والأدبية والاجتماعية والتاريخية، وكانت تصدر يوم السبت من كل أسبوع في أول عهدها، وكل ما نتعرض للكلام عنه من نواحي هذه الصحيفة، أن الشيخ محمد عبده كان يجري على صحفاتها قلمه الأديب الناشئ، وكان ذلك أول عهده بالإنشاء، فقد نشرت له "الأهرام" خمس مقالاتٍ متفرقة، فيما بين العدد الخامس من السنة الأولى، الصادر في 14 من شعبان سنة 1293هـ إلى العدد 41 وهذه السنة هي التي نال الشيخ محمد عبده فيما يليها "سنة 1294" شهادة العالمية من الأزهر، وكانت الأهرام تحتفي بمقالاته وتقدمه للقراء بديباجة فذة ومن ذلك ما جاء في العدد الخامس من السنة الأولى إذ قالت:"وردت إلينا هذه الرسالة من قلم العالم العلامة، والأديب الفهامة، الشيخ محمد عبده، أحد المجاورين بالأزهر، فأدرجناها بحروفها".

ص: 160

أبو نظارة 1788م:

كان لوجود الأفغانيّ بمصر أثر بليغ في إنارة الفكر وإثارة العزم، وإيقاظ الهمم، ولم يقتصر على محاضراته الفكرية، بل كان يوجه الأدباء والمفكرين والمصلحين إلى كل ما ينهض بالأمة والشعوب الإسلامية، فاستيقظت مشاهر، وتنبهت عقول، وخفَّ حجاب الغفلة في أطرافٍ متعددةٍ من البلاد، خصوصًا القاهرة1.

وكان له على الصحف العربية في مصر فضلٌ عظيمٌ، فقد اقترح على "أديب إسحاق" إنشاء "جريدة مصر" في القاهرة2.

وسعى في إخراج "مرآة الشرق" لصاحبها "سليم عنحوري" وتوسط لصاحبها حتى منح الترخيص بها، وكانت له المقالات الرائعة الثائرة، ومن أعنفها المقالات التي حمل فيها على الإنجليز، فقد كانوا يخشونها وتُعْنَى صحفهم بنقلها.

وأوصى الأفعانيُّ كلًّا من الإمام، وإبراهيم اللقاني، أن ينهضا بصحيفة "التجارة" لصحابها "أديب إسحاق قد تبجا بها المقالات، وأعاناها بالفكر والأدب والتوجيه، وأوصى الأفغانيّ أيضًا الإمام، أن يعاون "مرآة الشرق" فحرر بها كثيرًا من مقالاته، كما فعل مثل ذلك الشيخ علي يوسف، وقد كانت هذه الصحيفة لسان الحزب الوطنيّ في نهاية عصر إسماعيل.

وتغير أسلوب الصحف فجأةً في عهد إسماعيل، فأصبح لاذعًا متطرفًا ينقم على الخديو وحكومته، وكان يمثل هذا النوع من الصحف في نشأته يهوديّ

1 الأستاذ الإمام، ج1 ص37 من تاريخ الإمام للسيد رشيد.

2 تراجم مشاهير الشرق، ج2 ص70.

ص: 161

نشأ بمصر، يقال له: يقعوب بن صنوع، وهو كاتبٌ لازع النقد، ناقد الرأي، جامح القلم، برزت شخصيته في حصيفته، وبرع في الرسم والنحت والموسيقى، وخلال عمله المسرحيّ كان الرأي العام يدير حركته الأفغانيّ والإمام، وكان بين يعقوب وبينهما أوثق صلة؛ إذ درسا عليه الفرنسية، وتوشجت بينهم أواصر الصداقة، فتجاوبت رغباتهم في إحياء الأفكار الحرة عن طريق الصحف، واتفقت كلمتهم على إنشاء صحيفة هزليةٍ يديرها صنوع، ويحررها الشيخان بين آنٍ وآن، وفيها تنقد أعمال الخديو، وتشرح تصرفات بطانته1.

سميت هذه الصحيفة: "أبو نظارة" وصدر العدد الأول منها في سنة 1877، وهي أقدم الصحف الهزلية المصورة في الشرق2 وقد صدرت في مصر أولًا في ثوبٍ امتازت به في بلاد الشرق جميعًا، وكان أسلوبها دراجًا يمشي مع أمثال الوطنيين، وعبارات شيوخهم، إلّا ما كان يكتبه الأستاذان: الأفغانيّ ومحمد عبده، فقد كان باللغة الفصحى، ولقيت من الأمة إعجابًا وتهافتًا عليها، وتغلغلت في مختلف الطبقات حتى يذكر الدكتور: محمد صبري، في كتابه عن تكوين الرأي العام المصريّ، أن جريدة "صنوع" شغلت قراءها عن الاستماع إلى مطرب العصر "أحمد سالم" حين دخل بائع الصحف، فانصرفوا عن المطرب إلى قراءتها، مع أن "أحمد سالم" كان يترنم بأغنية من وضع "أبي نظارة" عنوانها:"المضهد" لقي بغنائها السجن عشرة أيام.

وإن صحيفة "كأبي نظارة" مُرّةُ النقد، ملتهبةُ الأسلوب، يعدها جمال الدين ومحمد عبده، وتهجم على الخديو وحاشيته، لا ريب أنها قصيرة العمر، لا يطيق الصبر عليها من هم هدف لها، ومن ثَمَّ لم تمض بضعة أشهر حتى أغلقها الخديو، وحصل من إيطاليا على الموافقة بنفي صاحبها من مصر، ولما سافر إلى باريس، وأصدرها باسماء مختلفة، حظّرت الحكومة دخولها إلى مصر،

1 تطور الصحافة المصرية، ص273.

2 تاريخ الصحافة العربية، للكونت دي طرازي ج2 ص283.

ص: 162

ولم تخل هذه الصحيفة من المقالات العربية الفصيحة الرائعة الأسلوب، التي كان يحررها الأفغانيّ والإمام تأييدًا لاتجاهها، وترويجًا لأفكارها.

صحف النديم:

قبل أن ينشئ عبد الله نديم صحفه، كان يثبت أفكاره، وينشر آراءه، في جريدتي "مصر" و"التجارة" على الأسلوب الحديث بلا سجعٍ ولا تكلفٍ، ولما صُرِّحَ لسلم النقاش بإصدار جريدتي "المحروسة" و"العصر الجديد" عقيب "التجارة" و"مصر" ونُفِيَ من مصر أديب إسحاق، تولى التحرير فيهما، فجاء بالمعجب والمطرب1.

التكنيت والتبكيت1881:

ومازال النديم كذلك حتى استدعى صاحب "المحروسة""والعصر الجديد" من بيروت، الكاتبين الفاضلين سليم أفندي عباس، وفضل الله الجوريّ، فترك لهما تحرير هاتين الصحيفتين، والقيام عليهما، وأنشأ صحيفة "التنكيت والتبيكت" في 6 من شهر يونية سنة 1881م، وهي صحيفةٌ وطنيةٌ أسبوعيةٌ أدبيةٌ هزلية، وكانت كما يقول: هجوها تنكيت، ومدحها تبكيت، ولغتها سهلة مرسلة واضحة، ولا تلجئك إلى قاموس الفيروزبادي، ولا تلزمك مراجعة التاريخ، ولا نظر الجغرافيا، وسخريتها نفثات صدور،

1 تراجم مشاهير الشرق، لجورجي زيدان بك، ج2 ص108.

ص: 163

وزفرات يصعدها مقابلة حاضرنا بماضينا، وهي في مجموعها مقالات أدبية، وأفكار اجتماعية خصبة، ظاهرها هزل، وباطنها جد، وأودعها مالم يسبقه أحد من كتاب العرب إليه.

الطائف 1892:

ثم أنشأ النديم صحيفة "الطائف1" قبل الثورة العرابية، وكانت في أول صدروها تحمل على المساوئ الاجتماعية العامة؛ كالمواخير والحانات والمراقص التي غزت القاهرة في ظل الامتيازات وتحت حمياتها2.

ثم انتقلت من الموضعات الاجتماعية الخالصة إلى الموضوعات السياسية العميقة، والأخبار المهمة التي تميزت بها في عهد الثورة، حتى نقل عنها أكثر الصحف المعاصرة ما كانت "الطائف" تنشره.

كانت الطائف صحيفةً سياسيةً عنيفةً، بلغت من الشهرة، ومن التأثير في الأذهان، ما لم يبلغه غيرها3 وكانت رسالتها الدفاع عن الثورة العرابية وأبطالها، احتفى بها رجال الثورة وأنصارها، فاشترك لها النواب بمبالغ كبيرة، وأصبحت لهم لسانًا فيه من العنف والشدة ما اضطر الشيخ: محمد عبده إلى تعطليها شهرًا4.

ومكَّن لها عطفُ الهيئات عليها من أن تتخذ لونًا رسميًّا، وقد ذكرت "جريدة مصر" في 23 من مارس سنة 1882م أن مجلس النواب قد اختار

1 سميت بالطائف تيمنًا باسم بلدة شهيرة بالحجاز، وتفاؤلا بأنها تطوف المسكونة كما جابتها جوائب أحمد فارس "أعيان القرن الرابع عشر للمرحوم أحمد تميور باشا ص17.

2 تطور الصحافة المصرية، ص148.

3 تراجم مشاهير الشرق، ج2 ص101.

4 تاريخ الإمام للسيد رشيد، ج1 ص336.

ص: 164

"جريدة الطائف" الغراء؛ لنشر ما يورم إبداءه من الآراء والخواطر والتقارير والمحاضر، فهي الآن صحيفته الشبه رسمية، ثم قالت:"وجريدة الطائف جديرةٌ بهذا الاختيار، فهي موصوفة بالوطنيةِ، معروفةٌ بصدق النية، منتشرةٌ نافذة الكلام، خطيرة مرعبة المقام، وقد استعان النديم بهذه الصفة "الشبه رسمية" على أن يكون ذا خبرة بشئون الدولة، وأن يجد من القوة ما يذلل به العقبات التي تعترضه، وامتازت "الطائف" بأسلوبها الحادِّ، ولغتها العنيفة، وأظهر ما فيها تاريخ الخديو إسماعيل، في أسلوب فيه من النقمة والتشفي منه ما أبعده عن التاريخ العادل1.

ومن ذلك الفصل الذي ورد فيه عن "الخديو" السابق بعنوان: "سليب الأملاك من الملاك" فقد استغرق صفحتين من صفحاتها الأربع، ومن العجيب أن النديم حين أقعده المرض، أرسل يعتذر عن تحرير جريدته إلّا ما كان من تاريخ حضرة إسماعيل باشا، فإنه يصر عليه، ويأبى عنه فيقول:"فإني أتكلف بكتابته؛ لأن نثره من ضمن علاج ما بي2".

ثم انتقلت من الحملة على إسماعيل، إلى الإقذاع في الخديو توفيق، في لهجةٍ قاسيةٍ، فيها تعريضٌ بمقامه، حتى إن حكومته أمرت بتعطيلها نهائيًّا في 17 مايو سنة 1882م ترضية للخديو، واعتذارًا له عما ارتكبته صحيفة الحكومة من الإساءة إلى الحاكم الشرعيّ3.

"الأستاذ" 1892م:

أصدرت الحكومة أمرها بالقبض على النديم، مع زعماء الثورة

1 الطائف في 6 من مايو سنة 1882م.

2 الثورة العرابية، لعبد الرحمن الرافعي ص374.

3 الإسلام والتجديد ص231.

ص: 165

العرابية، ففرَّ يلتمس النجاة لنفسه، وكانت الحكومة قد أغرت بمكافأةٍ ماليةٍ من يدل عليه، فقبض عليه بعد أعوامٍ قضاها متخفيًّا، ثم منح العفو على أن يغادر مصر، فغادرها إلى فلسطين، وأقام في "يافا" قرابة عام، ثم عاد إلى مصر، حينما انتهت ولاية مصر إلى "عباس الثاني"، وحنَّت أناملة إلى صحيفة تنشر دره، وتنشر رأيه وفكره، فأنشأ سنة 1892 جريدةً سماها:"الأستاذ"، وهي مجلةٌ أدبيةٌ نقديةٌ تشبه العورة الوثقى بعض المشاهبة، كما يقول السيد رشيد رضا: ولكنه لم يكتب لها البقاء طويلًا؛ إذ لم يكد يحول الحول حتى اضطره مرةً أخرى إلى مبارحة البلاد؛ لأنه اتهم بأنه كان يذكي روح التعصب الدينيّ، وينشر الآراء التي تخفر الناس على الثورة1 فنفي إلى "يافا" وبعد أن عاد منها، تدخل الإنجليز، فنفي إليها مدةً ثانيةً، ثم أبعد من يافا، فرجع إلى الإسكندرية وأقام بها أيامًا، ثم عاونه المندوب السلطاني على السفر إلى الأستانة، فسافر إليها بإرادة شاهانية، وعُيِّنَ على أثر وصوله مفتشًا للمطبوعات، واتصل هناك بالسيد جمال الدين، فتوثقت عرى الصداقة بينهما، وكان يود الرجوع إلى مصر، ولكن الباب العالي ضنَّ عليه بهذه الأمنية، وسافر الخديو هناك فرافقه إلى الدردنيل، ثم مرض بالسل، وتوفي سنة 1896م.

العروة الوثقى 1879م:

في سنة 1269هـ-1879م" صدر أمر الخديو توفيق بإخراج جمال الدين الأفغاني من مصر؛ لأن نشاطه السياسيّ أثار في نفوس الإنجليز ريبًا ومخاوف؛ ولأن تعليمه الفلسفيّ هيّجَ عليه الجامدين من الأزهريين، فجاءه الكيد من هنا وهناك2.

1 الإسلام والتجديد، ص213.

2 ترجمة الأستاذ الأكبر الشيخ مصطفى عبد الرازق لجمال الدين في رسالة الرد على الأزهريين.

ص: 166

صدع الأفغانيُّ بالأمر، واتجه إلى "حيدر أباد" فأقام بها عامًا، ثم شبت الثورة العرابية فدعي منها إلى "كلتكتا" وألزمته حكومة الهند بالإقامة فيها حتى انقشعت الفتنة العرابية التي فَهِمَ الإنجليز أن له فيه إصبعًا، ولما أتيحت له حرية التنقل لجأ إلى "لوندرا" فمكث بها أيامًا قلائل، وكتب في طريقه إلى "باريس" إلى صديقه، الشيخ: محمد عبده، أن يوافيه بها، وكان الثاني قد نفي إلى سوريا، سنة 1882م لاتهامه بالاشتراك في هذه الثورة، وبعد أن مكث بها عامًا التقى في "باريس" مع أستاذه وصديقه الأفغانيّ، استجابةً لدعوته، وتلبيةً لندائه.

كان أكبر مظهر من مظاهر النشاط السياسيّ والأدبيّ للأفغاني والإمام في باريس هو إنشاء "العروة الوثقى" وهي مجلة أسبوعيةٌ، كان يتولى الإنفاق عليها جمعية أسمها: جمعية العروة الوثقى، التي أسساها لإنارة الرأي العام في جميع الأقطار الإسلامية، ودعوته إلى الاتحاد والتضافر1.

وكان لهذه الجمعية فروع في الهند ومصر وغيرها من الشعوب الإسلامية، ومن أغراضها مقاومةُ الاحتلال البريطانيّ في الشرق، وتقليص ظل الإنجليز في هذه الديار، وقد جاء في خاتمة العدد الأول منها، أنه بلغ الإجحاف بالشرقيين غايته، ووصل العدوان فيهم نهايته، وأن الحالة السيئة التي أصبحت فيها الديار المصرية لم يسهل احتمالها على نفوس المسلمين عمومًا، وأن الخطر الذي ألَمَّ بمصر نغرت2 له أحساء المسلمين، وتكلمت به قلوبهم، ولن تزال آلامه تستفزهم ما دام الجرح فغارًا، وما هذا بغريب على المسلمين".

تألفت عَصَبَاتُ خيرٍ من أولئك العقلاء لهذا المقصد الجليل في عدة أقطار، خصوصًا البلاد الهندية والمصرية......... وملا كن نيل الغاية على

1 المنار ج8 ص10.

2 نغَرت القدر تنغَر، ونغِرت تنغَر، إذا غلت، ومن المجاز: نغر الرجل، اغتاظ، وفلانة غيري نغرة غيري وجرح نغار جياش بالدم "أساس البلاغة".

ص: 167

وجه أبعد من الخطر، وأقرب إلى الظفر، يستدعي أن يكون للداعي في كل قلب سليم حق، ودعوة صدق، طلبوا عدة طرق لنشر أفكارهم بين من خفي عنه شأنهم من إخوانهم، واختاروا أن تكون في مدينةٍ حرةٍ كمدينة باريس؛ ليتمكنوا بواسطتها من بَثِّ آرائهم، وتوصيل أصواتهم إلى الأقطار القاصية1.

كان جمال الدين الأفغانيّ مديرًا للصحيفة يرسم سياستها، وكان الشيخ محمد عبده رئيس تحريرها، فالآراء والأفكار فيها كانت مشتركةً بين الاثنين، والمحرر لجميع مقالاتها هو الثاني.

وكانت مقالات "العروة الوثقى" جامعةً بين روح جمال الدين، وقلم الأستاذ الإمام، فجاءت آيات بيناتٍ في سموِّ المعارف، وقوة الروح، وبلاغة العبارة، وهي أشبه ما تكون بالخطب النارية، تستثير الشجاعة في نفوس قارئها، وتداني في روحها وقوة تأثيرها أسلوب الإمام عليٍّ -كرم الله وجهه- في خطبة الحماسية المنشورة في "نهج البلاغة "كذا2".

ظهر العدد الأول منها في 5 من جمادى الأولى سنة 1301هـ، الموافق 3 من مارس سنة 1884م، وقد أخذت من قلوب الشرقيين كل مأخذ، وأثرت في نفوسهم أثرًا لم يبلغه وعظُ واعظٍ، ولا تنبيه منبهٍ، وهي ذات أثر في كلّ ما وجد بعد من حركات الوطنية والحرية في بلاد الشرق3.

وقد روّع الإنجليز من هذه المجلة، وهاجمها الصحفيون البريطانيون قبل ظهورها، حين كتب عنها بعض الصحف الفرنسية وهي في ضمير الغيب، وأنذر هؤلاء المحررون الإنكليز بما ستفعله هذه الصحيفة في سياستهم ونفوذهم في البلاد الشرقية.

1 تاريخ الإمام، ج1 ص295.

2 عصر إسماعيل، لعبد الرحمن الرافعي بك ص163.

3 ترجمة الأستاذ الأكبر الشيخ مصطفى عبد الرزاق للأفغانيّ.

ص: 168

ولما ظهرت وأحدثت في البلاد الإسلامية ضجةً عنيفةً ودويًّا هائلًا لم يطق الإنلجيز صبرًا عليهما، فمنعوها من دخول الهند، وانعقد مجلس النظارة المصريّ في القاهرة، ثم أصدر قراره إلى نظارة الداخلية المصرية قاضيًا بأن تشتد في منع هذه الجريدة من دخول الأقطار المصرية، وتراقب جولاتها في تلك الديار1.

وبعد أن نشرت الجريدة صورة الأمر، أعلنت أن كلَّ مَنْ تُوجَدُ عنده العروة الوثقى يغرم مبلغًا من خسمة جنيهات مصرية إلى خمسة وعشرين جنيهًا2.

وتسخر "العروة الوثقى" من هذا القرار، وتعده ضريبةً فرضت على المصرين ببركة تصرف الإنجليز في مصر.

وقد وصف السيد رشيد رضا هذه الجريدة في النفوس فقال:

"كان كل عدد منها كسلك من الكهرباء اتصل بي، فأحدث في نفسي من الهزة والانفعال والحرارة والاشتغال ما قذف بي من طور إلى طور، ومن حالٍ إلى حال، وإنما كان الأثر الأعظم لتلك المقالات الإصلاحية الإسلامية، ويليه تاثير المقالات السياسية في المسألة المصرية، والذي علمته من نفسي بالخبر ومن غيري بالخبر، ومن التاريخ، أنه لم يوجد لكلام عربيّ في هذا العصر، ولا في قرونٍ قبله بعض ما كان لها من إصابة موقع الوجدان من القلب، والإقناع من العقل، ولاحد لهذا".

وقال: "سمعت أستاذنا الشيخ: حسينًا الجسر، عالم سورية الوحيد في الجمع بين العلوم الإسلامية ومعرفة حالة العصر السياسية والمدنية يقول: "ما كان أحدٌ أن يشك في أن جريدة العروة الوثقى ستحدث انقلابًا في العالم

1 تاريخ الإمام ج ص301.

2 العروة الوثقى في 22 من مارس سنة 1884م.

ص: 169