المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الشيخ على يوسف وصحفه: - الأزهر وأثره في النهضة الأدبية الحديثة - جـ ١

[محمد كامل الفقي]

فهرس الكتاب

- ‌المجلد الأول

- ‌أثر الأزهر في النهضة الأدبية الحديثة

- ‌الفاطميون في مصر

- ‌مدخل

- ‌إنشاء الأزهر:

- ‌المعز وجوهر:

- ‌المساجد والجوامع

- ‌الغرض من إنشاء الأزهر:

- ‌عناية الخلفاء بالأزهر:

- ‌صلاة الجمعة في الأزهر:

- ‌تاريخ التعليم في الأزهر:

- ‌نشأة الحياة المدرسية في الأزهر:

- ‌تأثر الأزهر بإنشاء دار الحكمة

- ‌مدخل

- ‌طريقة التعليم بالأزهر:

- ‌مواد الدراسة في الأزهر:

- ‌الكتب التي كانت تدرس بالأزهر:

- ‌الحملة الفرنسية على مصر وأثرها الفكري

- ‌مدخل

- ‌حجر رشيد:

- ‌صلة الأزهر بالحملة الفرنسية:

- ‌نابليون وعلماء الأزهر:

- ‌تأليف الديوان:

- ‌محمد علي باشا:

- ‌كلمة عامة في فضل الأزهر

- ‌مدخل

- ‌الأزهر مصدر الثقافة:

- ‌اعتماد محمد علي في إنشاء المدارس على الأزهر:

- ‌فروع من دوحة الأزهر

- ‌مدخل

- ‌البعوث العلمية

- ‌الأزهر والبعوث:

- ‌البعوث بعد محمد علي باشا:

- ‌الترجمة والتأليف ونهوض الأزهر بهما

- ‌مدخل

- ‌إبراهيم النبراوي

- ‌أحمد حسن الرشيدي

- ‌أبو السعود:

- ‌رفاعة بك رافع الطهطاوي:

- ‌التحرير

- ‌الأزهر والتحرير

- ‌محمد عمر التونسي:

- ‌محمد عمران الهراوي:

- ‌الشيخ محمد قطة العدوي:

- ‌الشيخ أبو الوفا نصر الهوريني:

- ‌الشيخ إبراهيم الدسوقي:

- ‌مصححون آخرون أزهريون:

- ‌لمحة تاريخية عن الطباعة والصحافة بمصر

- ‌مدخل

- ‌الأزهر والصحافة

- ‌الشيخ على يوسف وصحفه:

- ‌الأزهريون والصحف الحاضرة:

الفصل: ‌الشيخ على يوسف وصحفه:

‌الشيخ على يوسف وصحفه:

توفي سنة 331هـ-1913م:

نجم الشيخ: علي يوسف، في شهر جمادى الآخرة، سنة 1280 في "بلصفورة" من بلاد مديرية جرجا، من أسرةٍ كريمة الأصل، رقيقة الحال، ولما كانت والدته من بني عديّ، التابعة لمركز منفلوط، وهي بلدة شهيرة بالعلم والعلماء، انتقلت إليها به بعد وفاة والده، فحفظ القرآن بها، وتلقى العلم على أستاذه الشيخ: حسن الهواري، أحد علماء الأزهر النابهين، ولما شدا طرفًا من العلم، قدم إلى الأزهر، فنهل منه بعض سنين، ثم استشرفت نفسه إلى الأدب، ومال هواه إلى الارتواء منه، وقرض الشعر، وظلّ يعالجه حتى صارت له به شهرة، فمدح ورثى، وتغزل وهجا، وجال في فنونه وألوانه حتى اتسق له ديوان كامل، وقد طبعه باسم:"نسمة السحر".

ودعاه حبه للأدب، ونزوعه إليه، أن يختلف إلى مجالس العلماء والأدباء يسامرهم ويفاكههم، ويروي عنهم، وأن يغشى دور العليّة التي كان الأدباء والشعراء يحجون إليها، ثم طفق يرسل مقالاته إلى الصحف في ذلك الحين

1 تاريخ الإمام 1 ص304.

ص: 170

ولمّا نما هواه إلى الصحف، ساعد المرحوم "أحمد فارس الشدياق" في تحرير صحيفة "القاهرة" وكان يكتب أول الأمر على طراز الكاتبين في عصره؛ مقدمات طويلة تمهد بين يدي كل موضوع، ولولم تدع إليها حاجة الكلام، واحتفال بالمحسنات البديعية تستكره استكراهًا، ولو استهلكت الغرض المطلوب1.

ثم مضى مع نهضة جمال الدين، وتوجيه المرصفي، يُدَرِّبُ قلمه، ويروّض بيانه، ويسلس أسلوبه، ويرسله جزلًا سهلًا لا عنت فيه، حتى استقام له أسلوبٌ رصينٌ منطلقٌ عُرِفَ به.

مجلة الآداب 1884م:

وبعد أن تهيأ للشيخ: علي يوسف، هذا القدر من الآدب، وعبّد له طريقه، ويسّرت مسالكه، لبَّى هوى الصحف في نفسه، فأنشأ صحيفةً علميةً أدبيةً سماها:"الآداب" وقد كانت هذه المجلة شيئًا مذكورًا في ذلك الحين، ولا سيما بعد أن دالت دولة صحيفة "روضة المدارس" التي كان يقوم على تحريرها صدور العلماء وأفذاذ الكتاب والشعراء، وفي السنة التالية لجريدته كَثُرَ إقبال الناس عليها، وعرف منشئها بمكانة مهَّدت له وضع جريدة "المؤيد" الغراء2.

وأيّا ما كان، فإن "الآداب" لم تكن هي المديان الذي جُلّيَ فيه الشيخ: علي يوسف، بل كان ميدانه "المؤيد" أعظم صحيفة عربيةٍ في ذلك الزمان.

1 الشيخ عبد العزيز البشري، مجلة الرسالة، مجلد2 من السنة الثانية ص1768.

2 مرآة العصر، لإلياس زخورا، ص358.

ص: 171

المؤيد 1889م:

كانت جريدة "المقطم" صحيفة الاحتلال في ذلك الحين، تُظَاهِرُ الإنجليز وتعاونهم، وتؤيد سياسة الاحتلال وتروجها، ولم يكن للأمة المصرية الإسلامية صحيفةٌ إذ ذاك ترفع صوتها، وتعلي كلمتها، وتنشر فكرها ورأيها، فتلك أقلام المصريين حبيسةً لا تجد مجالًا تصور فيها آمال الأمة وآلامها، ولا تجد متنفسًا لما يخالجها من كربٍ وحسرةٍ على المجد المغصوب، والموطن المنكوب.

لم يكن للوطنيين مَفَرٌّ من أن يتجهوا بتفكيرهم إلى إنشاء صحيفة وطنيةٍ تعبر عن إحساسهم وآمالهم، ويتخذونها منبرًا يذودون منه عن وطنهم وكرامتهم ودينهم وحقوقهم.

فاجتمع لطيف باشا سليم الحجازي وحسن باشا عاصم وإبراهيم بك الهلباوي، وغيرهم من الوطنيين النابهين، واستقَرَّ رأيهم على أن يعرض الأول فكرة إنشاء صحيفة على رياض باشا، وعلى أن تجاهد الاحتلال، وتنتهي الأحداث على رغم منه، وأعانها على ذلك وطنية هذه الحكومة وشعورها الغيور على مجد البلاد، فلم ير رئيس الحكومة مانعًا يحول دون إنشاء "المؤيد"1.

تقدَّم الشيخ: علي يوسف، ومعه صديقه الشيخ: أحمد ماضي، أحد رفاقه في الأزهر، فأنشأ صحيفة" المؤيد" وكان الشيخ: أحمد ماضي، معروفًا بالذكاء والنباهة، وفيه هوًى شديد إلى الكتابة والإنشاء، وكثيرًا ما كتب بصحيفة "الآداب" التي كان يصدرها صديقه الشيخ: علي يوسف، فلا عجب أن يشرك زميله في عمله الصحفيّ الجديد.

1 صحيفة الشباب، العدد الثامن في سنة 1936، من حديث محمد بك فريد.

ص: 172

ولكن عقبةً أثيرت في طريق "المؤيد" وهي في مستهلِّ الطريق؛ إذ لم يلبث الشريكان أن اختلفا، ولا ينزل أحدهماعن الشركة إلّا على مال، والشيخ: علي يوسف، لا يجد من المال ما يسعفه، وهنا اهتزت أريحة -المغفور له- سعد زغلول باشا، فأعانه في حلكة اليأس، وأمده بما خَلَّصَ "المؤيد" له، ولما أتى صاحب "المؤيد" بمطبعة جديدةٍ من طراز فاخر، وعقد لذلك حفلًا رائعًا في دار "المؤيد"، خطب في الجمع، فأتى على سيرة هذه الحادثة، ونوّه بفضل سعد زغلول -المستشار بمحكمة الاستئناف- الذي أبى أن يسمع الخطبة إلّا واقفًا1.

أغراض المؤيد:

صدرت المؤيد في أول ديسمبر سنة 1889م، ومن أهم أغراضها كما تقول: بَثُّ الأفكار المفيدة، والأخبار الصادقة، والمبادرة إلى نشر الحوادث الداخلية من باب الاعتبار والتحذير، أو الترويج والتبشير

غير تاركةٍ شأن التجارة الداخلية والخارجية.... ومن واجباتها: نشر كل ما يهم الوطنيّ معرفته من الحوادث، معتمدةً في كل ذلك على البرهان القويّ، والسند المثبت،.. والخدمة الحقيقية، والبحث الدقيق، وإرسال النظر خلف كل سائحة2.

وقد كانت "المؤيد" مؤيدة لحكومة رياض باشا، مواليةً له، ولا بدع في ذلك، فهو الذي ارتاح لإنشائها، وصرّح بها، وقد عملت على نشر الأغراض التي أنشئت من أجلها في رويِّةٍ وهوادةٍ، وبذلك ظفرت برضا المسلمين الوطنيين وبثقتهم.

أصبحت "المؤيد: ميدانًا للأقلام المشبوبة التي يجريها على صفحاتها زعماء السياسة والأدب والاجتماع، وجرى "المؤيد" إلى غاياته طلقًا يرفده.

1 الشيخ عبد العزيز البشري، مجلة الرسالة ص2 مجلة 2 س 1769.

2 المؤيد الصادر في أول ديسمبر سنة 1881.

ص: 173

بالمقالات الرائعة أبطالُ الراي والأدب والعلم؛ من أمثال الشيخ: محمد عبده، وسعد زغلوك بك، ومصطفى كامل، وقاسم أمين، ومصطفى لطفي المنفلوطي، فتحي بك زغلول، وحفني بك ناصف، وإبراهيم اللقاني، ومحمد المويلحي، وإسماعيل أباظة، وعالجت هذه الأقلام، وعالج معها صاحب "المؤيد" هذه الموضوعات المصرية الإسلامية، في مقالاتٍ مسهبةٍ قد تبلغ الصحفة الأولى جميعًا1.

وقد كانت "المؤيد" ممتازة من بين الصحف المصرية بالدفاع عن الوطن والذود عن حقوقه، ومهاجمة الاستعمار في شتى أساليبه، فكانت قلب الوطن الخافق، ولسانه الناطق، ودأبت على مهاجمة الأجانب كلما وافتها الفرص والأسباب، وصوّرت ظلم الاحتلال للمصريين، وعسفهم بهذا الوطن المنكود، ولعل مما يحسن ذكره إيراد أبياتٍ من القصيدة الرائعة التي نظمها المرحوم حافظ بك إبراهيم، في رثاء صاحب "المؤيد" فما قاله في ذلك:

كم أرجفوا بعد موت الشيخ وارتقبوا

موت "المؤيد" فينا شر مرتقب

وإن يمت تمت الآمال في بلد

لولا "المؤيد" لم ينشط إلى طلب

صبابة من رجاء بين أضلعنا

قد بات يرشف منها كل مغتصب

الم يكن لبني "مصر" وقد دهموا

من ساحة الغرب مثل المعقل الأشب؟

كم أنبرت فيه أقلام، وكم رفعت

فيه منائر من نظم ومن خطب

وكان ميدان سبق للألى غضبوا

للدين والحق من داعٍ ومحتسب

فكم يراع حكيم في مشارعه

قد التقى بيراع الكتاب الأرب

1 المؤيد في 8 من مارس سنة 893.

ص: 174

ومن أبلغ ما قيل عن "المؤيد" وصاحبه، قصيدة المرحوم الشيخ: محمد عبد المطلب، التي يقول في مطلعها:

وما ذرفت تلك العيون وإنما

قلوب عليه بالوجيعة تفأد1

بكت همة كانت مرامي مرامها

تفوت مدى العيوق أو هي أبعد2

نعم ملأت لوح الزمان مآثرًا

لها الشعر يتلو والعظائم تنشد

مآثر تحيي منك ميتًا سودًا

وليس من الموتى فقيد مسود

فكم موقف جَمِّ المخاوف قمته

شديد القوى، والهول يرغي ويزبد

إذا الناس إما واجمٌ أو مدله

وسيف الليالي للقضاء مجرد3

وليل به تقع السياسة ساطع

بهيم الليالي غيمه متلبد4

كشفت نواحيه بأبيض لامعٍ

من الرأي؛ إذ ضل الحليم المسدد

مواقف حزم معرب عنك صوتها

وآيات عزم عن مضائك شهد

إلى أن يقول:

سل القلم الفياض هل لك بعده

معين حجا يملي عليك ويرفد5

عهدناه زخّار البيان بكفه

معين المعاني والقرائح ركد

1 تفاد: تصلى بنار الوجيعة وتقاسي شدتها.

2 العيوق: نجم أحمر مضيء في طرف المجرة الأيمن، يتلو الثريا لا يتقدمها.

3 الواجم: العبوس المطرق لشد الحزن، والمد له: الساهي القلب، الذاهب العقل.

4 النقع: الغبار، الساطع المنتشر، ويقال سطع الغبار سطوعًا وسطعًا؛ إذ ارتفع وانتشر، والبهيم الأسود ودياجي الليل: حنادسه، وهي الشديدة الظلمة.

5 يرفد: يعطي.

ص: 175

إذا صرفي القرطاس ظل لوقعه

فؤاد الليالي راجفًا يترعدد1

يشق ستور الغيب فهي مراقب

لما في ضمير الكون والغيب مشهد2

وكم أفزعت عرضًا تخر لعزه

وجوه الدراري عانيات وتسجد

شباة لها تفري الخطوب وصولة

لها البأس جند، والحقيقة منجد3

إذا حميت بأساء خلت لعابه

شواظًا على أعدائه يتوقد4

وكم بين أثناء المؤيد آية

يغور بها في العالمين وينجد5

إذا الصحف العظمى تناقلن حادثًا

له فيه عظمى ورأي مؤيد

تراءى لدار الوكالة البريطانية أن ساعد "المؤيد" قد اشتد، وأن خطرها قد تفاقم، فلم تطق صبرًا على أمرها، ولم تدعها تنفث في الناس أفكارها، فأمرت بمعنها من دخول السودان، وحوربت بشتى الأساليب، فكانت تمنع هنا وهناك دون علم إدارتها، فلا تصل إلى مشتركيها6.

هبت على "المؤيد" رياح وأنواء كان من شأنها أن تعصف بها، ولكنها كانت تستمد من الأحدث قوةً، ولم يهن عزم صاحبها بما دبر له من كيد وعنت، وما ارتصد له من ضيق وعسف، بل كان يمضي في طريقه قدمًا.

هذا هو الاستعمار يضيق على "المؤيد" ويخلق لها المتاعب والعقبات، فيحرم إصدرها في السودان والشرق، ثم يحرض صحفه على مهاجمتها والنَّيْلِ منها، ويشيرها على الؤيد، فتكتب ملبيةً داعي الاحتلال ونداءه.

1 صرير القلم: صوته عند الكتابة، يترعدد: تأخذه الرعدة.

2 المراقب: جمع مرقب، وهو الموضح المشرف يرفع عليه الرقيب.

3 الشباة: حد كل شيء، ومنجد: عون.

4 الشواظ: اللهب لا دخان فيه.

5 يغور: يدخل في الغور، وهو ما اتخذ من الأرض، ويقابله: النجد.

6 المنبر في 22 من يناير سنة 1916م.

ص: 176

تلك هي "المقطم" بوق الاحتلال وداعيته، تعتبر صاحب "المؤيد" جاهلًا بآداب المناظرة، وتحمل على مصطفى كامل؛ لأنه دعا إلى تكريم "المؤيد"؛ لأنها أقدر الصحف على الإساءة إلى "المقطم" وأصحابه1 ثم هي توجه نظر الصحف الأوربية إلى ما تنشره "المؤيد" وتحكم إلى الرأي العام؛ ليحافظ على التقاليد الخديوية المشهورة بمنع التقسيم بين الرعية، وتشرح للصحف العربية خطر الدعوة إلى تبثها "المؤيد" وأذنابها من الصحف، وتلفت نظر صحيفة "الحقوق" إلى ذلك؛ إذ لا تجد جريدةً أخرى من الجرائد العربية التي انتصرت للمؤيد تستحق أن تذكر على مسمع من أهل الفضل والأدب2".

كتبت "المقطم" ذلك، واحتفلت الصحف الأجنبية بما كتبته، وبذلت كبريات الصحف لذلك اهتمامًا بليغًا، ومن هذه الصحف:"لوبروجريه اجبسيان" التي ردت على الشيخ علي يوسف حملته، وهاجمت سياسة التعصب، وأغرت الحكومة بهذه الصحيفة؛ لأنها تدعو إلى التعصب الذي من شأنه أن يعرض الأمن للاضطراب، وحياة الأوروبيين للخطر؛ لأن الشيخ: علي يوسف، يدعو إلى أن يقوم قسم من الشعب بذبح القسم الآخر3.

ولم تقتصر صحف الاحتلال على مهاجمة "المؤيد" فسحب، بل كانت تناهض الصحف الموالية لها مناهضة جاهدة، ومن هؤلاء صحيفة "المقياس" التي كانت تطبع في دار "المؤيد" وتكتب مقالاتها بوحي من الشيخ: علي يوسف، وأنصاره.

والحق أن "المقياس" كانت قاسيةً، صريحةً في عصبيتها للدين والوطن، وأنها سلّت أقلامها للنيل من "المقطم" وأصحابه، وحملت عليها حملةً شعواء، وأساءت إلى

1 تطور الصحافة المصرية ص179.

2 المقطم في 28 من سبتمبر سنة 1895م.

3 تطور الصحافة المصرية ص180 عن "لوبروجرية الصادرة في 30 من سبتمبر 1895م.

ص: 177

المسيحيين إساءات لا لبس فيها ولا إيهام1؛ إذ نشرت مقالًا بعنوان: "يضرمون نار التعصب وينكرون".

ثم إن صحف الاحتلال تذكر ما تنشره "المقياس" من نثر وشعر تدعو فيه إلى أن يسل المسلمون سيوفهم، ويقتلون الكافرين لأنهم زلزلوا صروح دين المسلمين.

وقد حكى صاحب "مرآة العصر" أن قناصل الدول قرروا مرةً مخاطبة رئيس مجلس النظار، دولة رياض باشا في هذا الشأن، فأجابهم بما ينفي الريب، ثم حَدَثَ أن الحكومة أعادت إنشاء قلم المطبوعات في نظارة الداخلية مرةً ثانيةً، تحت رياسة أحد الأجانب، فكان يتعقب "المؤيد" في كل ما يصدر منه، ويناقش صاحبه الحساب على كل سطر يكتبه فيه.

وهناك عامل آخر غير الاستجابة لرغبات الاحتلال حمل "المقطم" ونظرئرها على مناهضة "المؤيد" والكيد له، وذلك هو حسدها على ما بلغته من مكانة، وما توالى لها من مجدٍ وشهرةٍ، ولعل مما يؤيد ذلك موقف "المقطم" من صاحب "المؤيد" في قضية الزوجية المشهورة، التي شغلت المجتمع المصريّ ردحًا من الزمن، وكانت مادةً خصبة للصحف والمجامع، وذلك أن الشيخ عليًّا يوسف، أراد أن يتزوج ابنة السيد عبد الخالق، شيخ السادات الوفائية، ورات هي هذا الرأي معه، وانعقد عزمهما على إتمام الزواج دون علم شيخ السادات الذي عارض الفكرة أشد المعارضة، ورأى الصحفي غير كفء لابنته؛ لأنه دونها حسبًا ونسبًا، وتَمَّ العقد كما يقضي بذلك الشرع، ولكن والد العروس أصر على إبائه، وثار على الواقع، فأقام الدعوى في المحكمة الشرعية؛ ليحال بين ابنته وزوجها؛ ولأنه يمتهن مهنةً لا يكرم بها صاحبها.

كان لهذه القضية ضجةً في الصحف شغلت الأذهان، وكان للدفاع فيها حظ

1 المقياس، العدد العاشر من سنة 1985م.

ص: 178

من البيان الرائع والحجة المناهضة، وحاولت الحكومة أن تحول دون فصل الزوجين، وتنفيذ قرار القاضي، وكاد قاضي القضاة أن يثير أزمةً حادةً في دوائر القضاء، ويوقف القضايا الشرعية جميعًا، ويغلق أبواب المحكمة لولا أن الحكومة نزلت عند أمره، وحلت بين الزوج وزوجته إلى أن يفصل في القضية1.

ثم إنه كتب له الفوز في هذه القضية، وتولى مشيخة السادة الوفائية خلفًا لصهره المرحوم، السيد: عبد الخالق السادات.

ونظرة إلى موقف الصحف من هذه القضية، وموقفها من صاحب "المؤيد"، تريك كيف كان الشيخ: على يوسف، محسودًا على مجد صحيفته.

أما صحف الأقباط فقد حرص كثيرٌ منها على عدم الخوض في هذا الموضوع، خلا "مصر" و"المقطم" فأما "مصر" فقد ساءها قرار محامي السادات في الصحافة، فهي ترى أن ما قاله الشيخ الفندي، وكيل السادات تعريضًا بالصحافة، وحسبانها من المهن الدنيئة المضرة، لا يصدر إلّا عن الجاهلين الأغبياء الذين لا يدركون ولا يفهمون.

وأما "المقطم" فقد حرصت على نشر تفاصيل القضية نشرًا يظهر فيه الغرض والتشفي، دون أن يعلق الكاتب على اتهام المحامي والمحكمة الصحافة بأسوأ ما تتهم به حرفة من الحرف2.

وأما "المنار" فقد كانت صحيفةً مواليةً لصاحب "المؤيد" في قضيته، وكان من الممكن أن يغار صاحب "المقطم" على كرامة الصحافة التي امتهنها الدفاع، وأن يقول كلمة إصنافٍ لمهنة هي مهنته، ولكنّ حقده على صاحب "المؤيد" أعماه عن الدفاع عن مهنته، والغيرة على شرف عمله، بل إنه وجد من القضية فرصةً اهتبلها؛ لينَفِّس بها من كربه، ويفرِّجَ بها غيظه الدفين.

1 "مرآة العصر، لإلياس زخورة ص444، صحيفة الشباب العدد الثالث سنة 36.

2 تطور الصحافة المصرية ص195.

ص: 179

ومما قام في طريق "المؤيد" من عقباتٍ أن استدعي المرحوم حسن باشا حسني، من الأستانة لينشأ صحيفةً تقوم مقام "المؤيد" لدى الرأي العام، كي يتقلص بها ظل "المؤيد" وتفقد رواجها وشهرتها، وقد حضر حسن باشا حسني إلى مصر، وأنشأ صحيفة "النيل" تلبيةً لهذه الرغبة، ولكنها لم تنل من "المؤيد" ولم تقف بجانبها، وظلت "المؤيد" على مكانتها، صحيفة العالم الإسلاميّ التي يتطلع الناس إليها أعناقهم، ويمدون إليها أنظارهم.

وقد حدث أن اتهم صاحب "المؤيد" بسرقة رسالة برقية، بعث بها "السردار" إلى ناظر الحربية، ونشرها "المؤيد" بحروفها، صبيحة ورودها، فلما عرض الأمر على القضاء أبرأ ساحته، وقامت على أثر براءته مظاهرات وطنية تهتف لصاحب "المؤيد" الذي حمله الجمهور على الأعناق، وتوافد عليه من الرسائل البرقية ما يكاد يبلغ الألفين1.

تلك الحواجز التي قامت في طريق "المؤيد" لم تعثر خطاها، بل زادتها قوةً وإجفالًا، وبحسبك أن تقف على أطوار النمو للمؤيد؛ لتعلم أنها كانت مطردة القوة والحياة، فقد كان عدد النسخ التي تطبع منها في السنة الأولى، كل يومٍ لا يزيد عن 800 نسخة، وبلغ في السنة الثانية 1200، وفي السنة الثالثة 2000 نسخة، وظل على ذلك في الرابعة والخامسة، وفي السنة السادسة بلغ ما يطبع منها 2800 نسخة، وفي السابعة 4000 نسخة، وكان كذلك حتى شهر أغسطس سنة 1896م، وما انتهت القضية حتى كان متوسط ما يطبع منها في اليوم ستة آلاف نسخة، وأمّا ما كان يطبع منها في أثناء مرافعات القضية فإنه بلغ عشرة آلاف نسخة، كما بلغ مثل ذلك أيام حرب الدولة، وفي كثير من الأيام كان ما يطبع منها يتجاوز هذا الكم بألفٍ أو ألفي نسخة، وأما المتوسط الذي انتهى إليه ما يطبع كل يومٍ من "المؤيد" إلى آخر ديسمبر سنة 1897م

1 مرآة العصر، لإلياس زخورة، ص444.

ص: 180

فهو ثمانية آلاف نسخة، وهي غايةٌ لم تدن منها صحيفةٌ ما، في جميع الأقطار العربية في ذلك الحين.

خاتمة المؤيد:

كانت صحيفة "المؤيد" في طليعة الصحف التي ناهضت الاحتلال، ونفخت في المصريين من روح عزمها وقوة مضائها، وخلال هذا النضال الذي تستمر فيه الأقلام، تَمَّ الاتفاق الودي بين فرنسا وانجلترا، في 8 من إبريل سنة 1904، وكان هذا الاتفاق صدمةً عنيفةً للمصريين، فقد نصّت المادة الأولى منه على أن انجلترا ليس في نيتها تغيير الحالة السياسية لمصر، والتزمت الحكومة الفرنسية من جانبها بأن لا تعرقل عمل انجلترا في هذه البلاد؛ وإذ ذاك بدأت صفحة جديدة في تاريخ الحياة المصرية، ودَبَّ اليأس إلى كثير من النفوس، وكان هذا الاتفاق عاملًا من العوامل الأساسية في تغيير الاتجاهات الصحفية، وتنكب أصحاب الأقلام عن سياستهم الأولى، لقد كانت نتيجة هذا الاتفاق فتور السماحة الوطنية في نفوس الكثيرين، وفترت معها شدة معظم الصحف الوطنية1.

فتلك هي" الأهرام" تلتزم جانب الحيادة ولو إلى حين، وهذه هي "المؤيد" يلين أسلوبها، وتخف حدتها، ويهدأ تيارها، فترت الصحف الوطنية خلا "اللواء" التي كان مصطفى كامل يصدرها، فقد ظلت مشبوبة الروح، ثائرة الفكر، فياضة الحماسة.

ولم تكن اللواء في مستَهَلِّ ظهورها؛ لتنال من مكانة "المؤيد" الراسخة المؤثلة، ولكن صاحب "المؤيد" التوى طريقه، وجنح إلى السلم قلمه، واستطاع الاحتلال أن يعطفه إلى جانبه، واحتفل الإنجليز بمقدمه يوم أن زار بلادهم

1 تطور الصحافة المصرية ص191.

ص: 181

وقال في "لندن" كلمته المشهورة: "إن لندرة كعبة المصريين السياسية".

من ذلك الحين تقلص ظل "المؤيد" وخفت صوتها، وانكمش مجدها، وبدأت تفسح الطريق للواء، تخفق في ربوع البلاد، فتخفق معه قلوب، وتهتز به مشاعر وأحساسات.

ومما مَهّدَ لهذه الخاتمة، ما كان لاغتيال "بطرس غالي" رئيس الحكومة في 20 من فبراير سنة 1910 من أثر في التضييق على الصحف وحرية القول، فقد صدر بمقتل هذا الرجل ثلاثة قوانين، كانت حربًا على الصحف وحريتها، وشرعت صحف المسيحيين تفحم المسألة الدينية في سياستها، وتفيض بالعصبية والملاحاة.

نعم، إن هذه المساجلات هيأت ثروةً أدبيةً خصبةً، وأنتج الأدباء والشعراء روائع الأدب وبدائع الشعر في تأييد وجهات النظر المتباينة، كما ترك هذا الخلاف كتبًا عربيةً وإفرنجيةً قيمةً1.

ولكن قانون المطبوعات كانت هزةً عنيفةً أصابت الصحف عامة، وجرائد مصر مهما تباينت مبادئها، واختلفت مذاهبها، تتفق على انتقاد هذا القانون، وتقييد حرية الصحافة به2.

أطلقت الحكومة بوحيٍ من الإنجليز يدها للتنكيل بالصحفيين وتعذيبهم، واتخذت في اضطهادهم ألوانًا شتى بين إنذار وسجن وتعطيل، وقد أصدرت أمرًا بتعطيل "اللواء" صحيفة الحزب الوطني؛ لأنها عينت محررًا مسئولًا دون حصولها على إذن بذلك، وعطلت صحيفة "العلم" مرةً بعد مرةٍ، ثم أمرت بتعطيلها نهائيًّا.

ولم تقو الصحف على احتمال هذه الصدمات، وكان من أثر ذلك أن تنكبت طريقها، وتعثرت في سبيلها، وقد قررت جريدة "الشعب" أن إرهاب

1 جريدة الوطن، في 8 من إبرايل سنة 1910.

2 جريدة الأهالي، في 17 يناير سنة 1911.

ص: 182

قانون المطبوعات ضيّق على الصحف، فأخذت تصور الرأي العام صورةً مشوهةً خوفًا من بطشه، كما جعل الصحف الإسلامية في تناقص، والقبطية في تزايد؛ إذ أغلق ستًا من الأولى، لم ينشأ على أنقاضها إلّا صحيفتان قبطيتان، هما:"الرقيب" و"الإقدام"1.

ذلك هو الجو الخانق الذي تنفست فيه الصحف، وتلك هي الكوارث التي كرثت بها الأقلام التي طالما شرعت رماحًا دينية، لم يطب للمؤيد في هذا الجو جهادًا، ولم يسع لصاحبها فيه حياة، فأصبحت شركةً بينه وبين غيره، واتجهت اتجاهًا جديدًا لا قوة ولا حياة فيه، وتخلى عنها الشيخ: علي يوسف، في سنة 1913، بعد أن أصبح شيخًا للسادة الوفائية، وبيعت أدواتها في 17 أبريل سنة 1916، فأختتمت بذلك تاريخها الحافل، ومجدها العظيم.

مكانة المؤيد وصاحبه:

بلغت المؤيد مكانةً تتقاصر دونها جميع الصحف العربية في عصرها، وانتهت من الشهرة إلى ما عجزت عنه آمال الصحفيين المعاصرين، وبلغ صاحبها منزلةً تتقصف دونها أعناق الرجال، فقد كان يرمى بالأصابع، وتخفق القلوب عند ذكره، أو الحديث عن صحيفته، وقد قالت "الأجبشيان غازيت": قَلَّ أن يوجد بين الصحفيين من يستطيع الوقوف إلى جانب المؤيد، ولا يوجد ذومسكة من العقل لا يضع الشيخ عليًّا يوسف في أعلى طبقة من طبقات رجال الصحافة، فإنه تمكن بالجدِّ والاجتهادِ والمثابرةِ من إيصال جريدته إلى درجة "التيمس" لا في العالم العربيّ فقط، بل في جميع العالم الإسلاميّ2 وكثيرًا ما كانت تسمى:"تيمس الشرق".

1 جريدة الشعب في 8 من مايو سنة 1912.

2 تطور الصحافة المصرية ص 196.

ص: 183

ويقول لطفي السيد باشا: "لو وجد في مصر كل يومٍ مائةُ صحيفةٍ، وأخرج معهد الصحافة كل يوم مائة أستاذ، فلن يوجد في مصر صحفيٌّ مثل علي يوسف، ولا صحيفة مثل المؤيد" ولطفي السيد من شيوخ الصحافة والأدب، فقد أخرج من قبل صحيفة "الجريدة" ومجلة "الشرائع".

ويقول الدكتور تشارلز أدمس، صاحب "الإسلام والتجديد":"أما الشيخ علي يوسف، فقد كان صحفيًّا ماهرًا، له دهاء يشوبه المكر أحيانًا، وقد رفع "المؤيد" إلى مقام الصدر في العالم العربي"1.

ويقول جورجي زيدان بك: "جريدة "المؤيد" أشهر الجرائد الإسلامية، وأوسعها انتشارًا في أنحاء العالم الإسلاميّ"2.

ويقول المرحوم الشيخ عبد العزيز البشري: "ويسير "المؤيد" ويذهب صيته، لا في مصر ولا في العالم العربيّ فحسب، بل في العالم الإسلاميّ كله، فلقد أصبح لسانه المعبر أفصح تعبير عن حقيقة حاله، والمترجم أفصح ترجمة عن آلامه وآماله، متحدث أخبار المسلمين وراويها، وملتقى أفكارهم في أقاصيّ الأراضي وأدانيها".

لا يرحل الناس إلّا نحو حجرته

كالبيت يفضي غليه ملتقى السبل3

أسلوب صاحب المؤيد:

قلنا: إن صاحب "المؤيد" بدأ كتابه بمجاراة كُتَّابِ العصر، ولكنه لم يلبث بترويض قلمه وتدريب بيانه، أن استقام له بيانٌ مشرق عذب، ما زال ينصقل ويعلو حتى بلغ ما شاء الله أن يبلغ في هذا الضرب من البيان، وحتى سوّى لنفسه أسلوبًا كتابيًّا لا عهد للناشئ به من قبل ولا من بعد حتى الآن"4.

1 الإسلام والتجديد ص217.

2 تاريخ آداب اللغة العربية ج4 ص279.

3 الشيخ عبد العزيز البشري في مجلة الرسالة، المجلد الثاني من السنة الثانية ص1769.

4 المفصل في تاريخ الأدب العربي ج2 ص375.

ص: 184

كان يجمع في كتابته بين انطلاق الأسلوب وسلامته، وقوة الكلام ومتانة رصفه، وقد وافاه من نفاذ الحجة ومضاء البرهان في حواره السياسيّ ما لم يتوات إلّا القليل من الكتاب، كان شديد الهيمنة فيما يكتب، نافذ السطوة، قويّ الأخذ، وإنك لتقرأ له المقال يفتنك ويروعك، وتشعر أن أحدًا لم ينته في البيان منتهاه، ثم تقلب صحيفته وتفتشها، فلا تكاد تقع على شيء من هذا الذي يتكلفه صدور الكتاب، وبهذا أنشأ الرجل لنفسه أسلوبًا، وعلى الأصح، لقد خط قلمه القويّ النهج من البلاغة غير ما درج عليه الناس من منازع البلاغات1.

كان يجمع الموضوع من أقطاره، وتشفى الغلة باستيفائه، ويسمو بسطوة قلمه على كل كاتب فحل، وقد أثر عنه أنه كان فيّاض الخاطر، متدفق المعاني، سريع الكتابة لا يتوقف ولا يتردد، ثم يدفع بالمقال فإذا هو سَويّ لا عوج فيه، ولا تجد المراجعة إليه منفذًا، وكان مما يشاع عنه -وعي الخصوم أن يكونوا من أشاع- أنه يقول: أنا لا أبالي أن أخسر هذا البلد، ففي إمكاني إن أعود فأكسبه بثلاث مقالات، فإن صحّ هذا القول إليه، فثقة أحسها في نفسه، فزها بها ودل، وما خسر البلد وما خان، وإن كان خصومه هم الذين تَقَوَّلُوا عليه، فإنهم لم يجردوه فيما وصفوه من فضله الذي امتاز به.

نموذجًا من كتابته:

مما كتبه مفتتحا به صحيفة المؤيد:

علمنا الدهر بمطالعة الأخبار، ووعظنا وجلًا عن قلوبنا ظلمات الجهل، فبان لنا أن أعمال السلف مدرسة الخلف، نتلقى فيها أن خدمة الأوطان من أوجب الواجبات، وألزم الفرائض، مَنْ أضاعها قضت عليه شريعة الطبيعة بالحرمان الأبدي، والشقاء الدائم، فمقصدنا من نشر "المؤيد" تأدية ذلك الفرض عن طهارة طويلة، وإخلاص نيةٍ، وإنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ

1 الشيخ عبد العزيز البشري في مجلة الرسالة، المجلد الثاني من السنة الثانية ص1768.

ص: 185

ما نوى، ولكل عامل وجهة يقصدها، عليها يكون الجزاء، وليس في عمل العاملين ولاجد المجدين أبرأ ولا أفضل من نصيحة مستنصح، وإرشاد مسترشد، ومادام الكل في حاجة إلى التعاون والمشاركة، فلا غنًى لهم عن تبادل الأفكار، ومعرفة الأخبار مما ينعو إليه صلاح شأنهم، وقوام معيشتهم، والناس رجلان، حاكم ومحكوم، وبينهما مطالب متبادلة، وحقوق متكاتفة، إن سكت عنها مديح المقال أبان عنها لسان الحال، ووظيفة الجرائد الصادقة في البلاد شرح مطالب الفريقين، وترجمة أفكار الهيئتين، و"المؤيد" جريدة وطنية، يقصد أن يكون على هذا المبدأ سفير الخير وبريد المطالب، وكما أنه سيشرح إحساساب الهيئة الحكومة مجتهدًا في إظهار ما بزو إياها من خفايا الحاجات، بين يدي الهيئة الحاكمة، وإن كانت هي أوسع علمًا، وأصدق خبرًا، وأطول باعًا، وأدرى بطبائع الأوقات، وأعرف بمواقع الحاجات، فلذلك يبين للأمة ما يحسن فيه الطلب، وينال به الأدب، ويسمع به النداء، ويقبل عنده الدعاء، ويكون به استجلاب المنافع، ومنه دفع المضارِّ غير ناكث عهد، أو لا خافر ذمة.

وكيف نحن بعض من نطالب بحاجاتهم، ونعمل للحصول على مرضاتهم، ومهما جد سوانا في خدمتنا واجتهد، أو هجرت عينه الغمض، فلا تقوم النافلة مقام الفرض، وليس من المروءة أن نشارك من جاد علينا بخدمة الوطن، وندع نواظرنا لفتور الوسن.

فما الناس إلّا يقظة، فإذا غفت

عيونهم داستهم حمر الناس

فبالعين يُكْفَى المرء صدمة عاثر

وفي العين يهوي من ثغا فلما الناس

فلا يسعنا إلّا أن نقوم بهذا الواجب، معترفين لمن سبقنا له من فضل السبق، وأحقية الشكر على ما أدوه من الخدمة الجزيلة في هذه البلاد.

فإليكم يا بني مصر، جريدة نشأت في مهد الإخلاص، حميدة المبدأ والغاية، تناجيكم ولا تسر النجوى لسواكم.

ومما كتبه في المؤيد بعنوان: "لا تعصب في مصر":

ص: 186

"التعصب بالمعنى المعروف في الغرب عن أهل الشرق، وبعبارة أخرى عند المسيحيين، هو ابتثاث روح العداء والبغضاء من الآخرين ضد الأولين ابثثًا يحمل على الاعتداء عليهم حينًا بعد حين، والتعصب بهذا المعنى رذيلة من الرذائل التي ينهى الدين الإسلاميّ والقوانين الاجتماعية عنها، وفي نظر الأوربيين هو التوحش الذي يفتك بنفوس الأبرياء كُلَّمَا ثار ثائره، وهو أشبه بالقول الكاسر الذي يندفع بعماية فيفترس كل ما في طريقة من نفوس البشر، والتعصب على هذا، مجموع أرواح شريرة، ولا نظام لها في ثوراتها وعدوانها، نعوذ بالله من أن ترزأ أمة بهذا البلاء العظيم، قالوا: إن المصريين متعصبون تعصبًا دينيًّا، ومعنى هذا أنهم يكرهون المخالفين لهم في الدين كراهةً عمياء، ويعتدون عليهم بروح البغضاء المتناهية كلما سنحت لهم فرصة الافتراس، أو استفرزهم صائحٌ في البلاد، من قديم الزمان أديان مختلفة يتجاور أهلوها في المنازل، ويتشاركون في المرافق، ويتناقلون في الأعمال، فلم تكن بين المسلمين والأقباط تلك الروح الشريرة، ولو كانت في فطرة المسلمين، أو فطرة الفرقين لمحت الأكثرية الأقلية.

..أيها المدَّعُون! راقبوا الله في أمة رزئت بالإهمال في شئونها، حتى انحلت عرى الجامعة بين أفرادها، وذهب منه ريح الصعبية في كل شيء، فحرام عليكم مع هذا الانحلال أن تتهموها بالتعصب في أشد حالاته.

ومماكتبه ردًّا على خطبة اللورد كرومر، عميد الدولة البريطانية إذ ذاك، وهي الخطبة التي ألقاها في حفلة وداعه.

تقفو والفلك المحرك دائر

وتقدرون فتضحك الأقدار

وقف الخطباء مساء السبت الماضي موقف الممثلين في دار التمثيل الكبرى -الأوبرا الخديوية- يحكمون على الماضي والمستقبل حكم الأقدار في الكائنات، يبرمون وينقضون، ويرفعون ويخفضون، والناس يسمعون مختارين أو مكرهين، ولو أن الموقف كان حرًّا لكل قائلٍ لسمعوا ما يكرهون، كما قالوا

ص: 187

ما يحبون، قلنا إنهم وقفوا موقف الممثلين؛ لأنهم كذلك في حقيقة الواقع، وقد مثلوا آخر فصل من رواية كثيرة الحوادث، عديدة الفصول، طويلة الزمان، بطل وقائعها وفارس معمعانها ذلك الذي كان آخر الخطباء في الحفلة كلامًا، وأشدهم إيلامًا وأكثرهم آلامًا.

وقف ليمثل آخر سلطة له في هذه الديار، ولسان حاله يقول: مافي وقوفك ساعة من بأس.

مثلها في مكان هو أليق ما كان عظة لقائل، أو مظهرًا لسلطان راحلٍ ومجدٍ زائل، وأصدق ما ضرب له الأمثال "لكل مقام مقال".

وقف خطيبًا وهو يدافع كيد السقام، ويجاذب داعي الخصام، فجال في خاطره أن مفارق قصرًا تجري من تحته الأنهار، وملكًا خضع له فيه الليل والنهار، وتارك خصومًا قد يتوهمون أنهم نازعوه فغبوه، أنه حالمهم فأغضبوه، اللورد وله نفسان، نفس نزَّاعة إلى حب اللقاء، وأخرى تقول: كيف البقاء بعد الاستعفاء، وقد ذكر أصدقاءه القليلين كما يعلم، وأعداؤه الكثيرين كما يتوهم، فرؤساء وترخص، وتشدد وعدد وندد، ووعد وتوعد، وأرغى وأزيد، وحذّر وأنذر، وحكم وقدر.

ربما أخرج الحزين جوى الحز

ن إلى غير لائق بالسداد

مثلما فاتت الصلاة سلميا

ن فانحى على رقاب الجياد

نشرت بالمؤيد في 7 من مايو سنة 1907م.

ص: 188