الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فروع من دوحة الأزهر
مدخل
…
فروع من دوحة الأزهر:
كان الأزهر هو الدوحة الوارفة الظلال الطيبة الثمرات التي امتدت فروعها، وكانت المعاهد العليا في مصر غصنًا من أغصانها، وثمرةً من ثمارها.
وإذا كانت لمدرسة دار العلوم، والجامعة المصرية القديمة، ومدرسة القضاء الشرعيّ، فضلٌ مباركٌ وأثرٌ ملموسٌ في نهضة اللغة العربية وآدابها، وفي تخريج فحول البيان وحماة اللغة، وكان لهم القدح المعلَّى بين أعلام النهضة الحاضرة، فإن ذلك مما يفاخر به الأزهر ويباهي، فقد غذَّى هذه المدارس منذ إنشائها بطبقة من أفذاذ الأساتذة ونوابغ التلاميذ، فقامت عليهم بحثًا ودراسةً وإنتاجًا وتوجيهًا.
أما أساتذة هذه المعاهد الذين قاموا بتدريس اللغة العربية وآدابها، فإن الدولة لم تجد سواهم يضطلع بهذه الرسالة وتشرف به، ولم تجد موردًا تستقي منه أمثال هؤلاء إلّا الأزهر منبع الثقافة العربية.
وأما تلامذة هذه المدارس، فإنهم قضوا الشطر الأعظم من حياتهم العلمية في الأزهر، ولم يغشوا هذه المدارس وهم فراغ من العلم، خواء من الثقافة، بل كانت المدة التي أمضوها في الأزهر كافيةً لتثقيفهم وتوجيههم، وصقل بيانهم، ولو قيست المرحلة الأخيرة التي أمضوها في هذه المعاهد، بجانب مرحلتهم الأزهرية الأولى، لكانت حظًّا ضئيلًا وقسطًا متواضعًا على أنهم لم يفقدوا صبغتهم الأزهرية في إتمام تعليمهم بهذه المعاهد، فقد وجدوا بها أساتذةً من الأزهر يتلقون منهم التوجيه، وينهلون من وردهم علم الأزهر وأدب الأزهر، ووجدوا الكتب التي تدرس بهذه المعاهد هي كتب الأزهر.
كانت هذه المعاهد جزءًا من الأزهر، نأى عنه إلى مكان آخر، واختص
بزيٍّ غير زيِّ الأزهر، واسم غير اسم الأزهر، وما أظن أن هذا التغير بمخرج لها عن نسبتها إلى الأزهر، وانتزاع ثقافتها من ثقافته.
دار العلوم:
عَهِدَ الخديوي إسماعيل إلى علي مبارك - بإنشاء مدرسةٍ يتوفر أبناؤها على دراسة اللغة العربية والعلوم الدينية، مع التزود بشيءٍ من علوم العصر، وما يستعان به من وسائل التربية والتعليم؛ كي يعهد إلى المتخرجين فيها بتعليم اللغة العربية بمدارس الحكومة الابتدائية، وقد تمَّ إنشاء هذه المدرسة في "15 من صفر سنة 1288هـ 1871م" واستمدت تلامذتها وأساتذتها من الأزهر، فقام على التدريسفيها جمهرة من فحول العلم والبيان، وكان تلامذتها من نوابغ الأزهر وأفذاذهم الذين قضوا شطرًا طويلًا في التعليم والتثقيف في الأزهر، فنضجت موابهم، وكَلُمَتْ قرائحهم، ونما علمهم، واقتدرت أقلامهم وألسنتهم، ولا تزال هذه المدرسة تعتمد على النابهين من طلاب الأزهر بعد أن يحصلوا على شهادة الدارسة الثانوية "قسمًا ثانيًا" من المعاهد الدينية، فتُجْرَى بينهم مسابقةٌ في الدخول؛ لتظفر بالنوابغ المجلين.
وليس ينكر إلّا جاحدٌ من الناس ما كان لهذه المدرسة من الأثر الملحوظ في خدمة العلم والأدب، وما لأبنائها الفحول من عُلُوِّ المكانة في الشعر والكتابة، والأدب في مختلف فنونه، ولكن شيئًا واحدًا لا يغالط فيه إلّا معاند، ولا يُصِرُّ على جحوده إلّا مكابرن، وهو أن الثورة العلمية والأدبية في هذه المدرسة إنما مَردُّهَا إلى الأزهر الذي غذّاها بأساتذته وطلابه وكتبه.
وكان من العلماء والأدباء الذين تولَّوا التدريس بهذه المدرسة، والذين حملوا لواء البيان واللغة فيها من الأساتذة، وتخرج عليهم طائفة من ذوي العلم والأدب في مصر، المرحوم الأستاذ الإمام الشيح: محمد عبده، والمرحوم الشيح: حسن الطويل، وشيح الأدباء المرحوم: حسين الرصفي، والمرحوم
الشيخ: حمزة فتح الله، والمرحوم الشيخ: سليمان العبد، والشيخ: حسونة النواوي.
وممن التحق بها لإتمام الدراسة فيها من طلاب الأزهر النابغين طائفةٌ كانت من فحول الكتاب والشعراء والأدباء؛ كالمرحومين الشيح: أحمد مفتاح والشيخ: محمد الخضري، والشيخ: عبد العزيز جاويش، والشيخ: محمد عبد المطلب، وحفني ناصف، ومحمد زيد رحمهم الله.
الجامعة المصرية:
في سنة 1906م حملت الغيرة فريقًا ممن يرغبون في توسيع آفاق الثقافة المصرية أن يتضافروا على إنشاء جامعةٍ أهليةٍ تعين البلاد على تحقيق ما تنشده من التعليم العالي وثقافته، فتسابقت الهمم إلى الاكتتاب في هذا المشروع الجليل، واقترحه رسميًّا مصطفى كامل بك الغمراوي، أحد وجوه بني سويف، وافتتح الاكتتاب، واستحثَّ الهممَ على معاضدة الفكرة، فكان لدعوته أبلغ الأثر في النفوس؛ إذ التقى جمهور كبير من كرام الموطنيين في منزل المغفور له سعد زغلول باشا، وأسسوا لجنةً تحضيريَّةً للمشروع، كان سعد رئيسها، والمرحوم قاسم بك أمين كاتم سرها، وانتخب المغفور له -البرنس فؤاد "إذ ذاك" رئيسًا للمشروع يحيا في ظلاله، وشرع القائمون بالأمر في جمع المال، وعلى رغم الأزمة المالية التي حدثت في سنة 1907 فإن الجهود تضافرت والعزائم اتحدت، واحتفل بافتتاح الجامعة في يوم "21 من ديسمبر سنة 1908م" وحضر الاحتفال الخديوي، وألقى فيه خطابًا نفيسًا، وكان من أمدها ببره ورعايته، وبذل أكرم الجهد في إنجاحها، سمو الأميرة فاطمة هانم إسماعيل؛ إذ أمدَّت المشروع بالنقد والحبوس والحليّ.
وقد اعتمدت الجامعة في مهمتها الثقافية على الأساتذة الأجانب والمصريين في القيام بالتدريس فيها، وكان للجامع الأزهر أعظم الفضل بما قدّمه لهذه الجامعة من فحول العلم والأدب، ومن أساتذة يدرسون فيها، ويوجهون نشأها
الجديد، وتلامذة يتمون تعليمهم فيها، بعد أن زودهم الأزهر بحظٍّ وافر من علمه وأدبه وثقافته.
ومن الأزهريين الأفذاذ الذين قاموا بالتدريس بالجامعة، الشيخ: محمد المهدي، والشيخ: محمد الخضري1، والشيخ: عبد الرحمن عيد رحمهم الله كما أن منهم فضيلة الأستاذ الأكبر، الشيخ: مصطفى عبد الرازق، والدكتور: طه حسين.
مدرسة القضاء الشرعيّ:
أنشئت هذه المدرسة في سنة "1907م" حين كان المغفول له "سعد زغلول باشا" وزير المعارف، وقد أمدها الأزهر بصفوةٍ من أساتذته الممتازين، وطلابه النابغين، فكان من الأساتذة الفحول الذين قاموا على التدريس فيها، فضيلة الأستاذ الأكبر، الشيخ: مصطفى عبد الرازق، وصاحب الفضيلة الشيخ: عبد المجيد سليم، مفتي الديار المصرية السابق، وفضلية الأستاذ الشيخ: إبراهيم حموش، والمغفور لهم، الشيخ: أحمد نصر، والشيخ: عبد الغني محمود، والشيخ: محمد بخيت المطيعي، والشيخ: محمد طموم، والشيخ: محمد سليمان البجيرمي، والشيخ: حسين والي.
ومن تلامذتها الفحول الذين كان لهم فضلٌ في النهضة، وأثرٌ بالغ في حياة الأدب والثقافة العربية، طائفةٌ أتمت مرحلتها الأولى في الأزهر، وهي المرحلة التي تَمَّ فيها نضجهم واتجاههم، واستوت فيها ملكاتهم وقارئحهم؛ من هؤلاء التلامذة، أحمد أمين بك، والأستاذ: عبد الوهاب عزام، والأستاذ: عبد الوهاب خلاف، والأستاذ: علي الخفيف، والمرحوم الشيخ: محمد سليمان، نائب المحكمة الشرعية العليا.
وقد آتت هذه المدرسة أكلها، وأثمرت ثمرها، وخَرَّجَتْ لمصر نوابغ نابغين تفخر بهم؛ حيث انتفعت بهم البلاد في نواحٍ شتى؛ كالنهضة الأدبية، والاضطلاع بشئون القضاء، والمحاماة، والتعليم.
ومرجع الفضل في هذا كله إلى الدوحة الباسقة، والشجرة المورقة التي تفرعت منها هذه الفروع، وهي الأزهر.
1 هما وأن كانا من دار العلوم ممن سبق لهم أن تلقوا العلم في الأزهر دهرًا طويلا.