الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
صلة الأزهر بالحملة الفرنسية:
قدم نابليون إلى مصر، واستصحب معه طائفةً من العلماء نشروا معارفهم على الناس، وبثُّوا من ثقافتهم ما لم يعهدوه من قبل، وكان الأزهريون أكثر من غيرهم إفادةً من هذه العلوم، وأوثق من سواهم اتصالًا بالفرنسيينن، وذلك مما مهد لهم أن يطلعوا على معارفهم، ويكشفوا أسرارها، ويكتنفوا دقائقها.
ويتضح هذا الاتصال أكثر ما يتضح في طائفةٍ عرفت بالميل إلى الحياة الاجتماعية، ومسايرة العصر في تطوره ونهضه، وذلك كالشيخ: عبد الرحمن الجبرتي، مؤرخ العصر، والشيخ: حسن العطار، الشاعر الكاتب.
أما الجبرتي: فقد طاف بحجرات المجمع العلمي الذي أنشأه الفرنسيون، ومَرَّ بأروقته، وسجَّل ما رآه من علماء الفلك والطب والكيمياء، وما شاهده من عِدَدٍ وآلاتٍ وتصويرٍ، وما أُجْرِيَ أمامه من تفاعل وظواهر وتجارب.
وقد كان حين قدم الفرنسيون ناضج العقل، قوى الشخصية، ملمًّا بجانبٍ من أصول الرياضة والفلك، واختاره الفرنسيون عضوًا في الديوان الذي أنشأوه لمعاونتهم في حكم مصر، فكثر اتصاله بهم، واستمع لحديثهم، ووقف على كثير من أفكارهم وآرائهم وثقافاتهم، وتردد على أماكنهم، وزار معاملهم، ثم عاد فعبر عمَّا رأى، وصوَّر ما شاهد، وحدَّث عما طالعه من حضارة الفرنسيين ومدنيتهم، ومن تقاليدهم وعاداتهم، وكان حديثه التاريخيّ عن هؤلاء مرجعًا تعرف به أحوالهم في الفترة التي قضوها بمصر.
هذا إلى أن صلته بالفرنسيين، ومخالطته لهم، هذَّب تفكره، وصقلت قلمه، ونضجت آثارهم في كتابته التاريخية دقةً في التحرير، وإفاضةً في التصوير، واستيعابًا في سرد الحوادث، ونقدًا لكل ما يتصل بالأحداث والرجال.
وأما الشيخ حسن العطار، فيحدث عنه علي مبارك فيقول:
"جدَّ الشيخ في التحصيل حتى بلغ من العلوم في زمنٍ قليلٍ مبلغًا تميز به، واستحق التصدي للتدريس، لكنه مال إلى الاستكمال والاشتغال بغرائب الفنون، والتقاط فوائدها".
وغرائب الفنون هذه، هي: الطب، والرياضة، والفلك، وقد وضع فيها عدَّةَ رسائل، وتمّ عنها في غير موطن شعره، ولما جاء الفرنسيون إلى مصر اتصل بهم، فكان يستفيد منهم الفنون المستعملة في بلادهم، ويفيدهم اللغة العربية، ويقول:"إن بلادنا لابد أن تتغير أحوالها، ويتجدد ما بها من المعارف مما ليس فيها، ويتعجب مما وصلت إليه تلك الأمة من المعارف والعلوم، وكثرة كتبهم وتحريرها، وتقريبها لطرق الاستفادة"1.
فالشيخ حسن العطار كان مستعدًّا بفطرته ورغبته في الاستكمال والاشتغال، وغرائب الفنون إلى الاتصال بالفرنسيين؛ ليقف على حضارتهم، وعلومهم الحديثة، وثقافتهم الغربية، وهو علَّمَ الفرنسيين لغة العرب، وتعلَّم منهم لغتهم، وفي ذلك من تبادل الثقافة شيءٌ كثير؛ إذ أنه ينقل بالاتصال بهم وتعلم لغتهم طرفًا من علومهم ومعارفلهم، ويقف بالتفاهم معهم على جوانب من أخلاقهم ومعيشتهم وعاداتهم، وهم يعرفون بالتفاهم معه طرفًا من علم المصريين وأخلاقهم وعاداتهم ومعيشتهم ومعاملاتهم.
ولابد أن يكون الشيخ حسن العطار بعد ذلك صلةً بين الفرنسيين، عن طريق ما ينقله من علومهم وثقافاتهم؛ إذ أنه لولوعه بهذه العلوم سيتحدث بها
1 الخطط التوفيقية ج3884
ويغري غيره بتتبعها، ويتحقق به وبغيره من الأزهريين الذين كان لم مثل هذا الاتصال التأثر بالفرنسيين في ثقافاتهم وحضارتهم، قبل أن يتاثر بذلك غيرهم من الناس.
ويقول الأستاذ "أغناطيوس كراتشفويفسكي" الأستاذ بجامعة لننجراد:
"إن العرب لم يتأثروا بالتيارات الفكرية في أوربة، إلّا بعد الحملة الفرنسية "1798-1801م" فإذا أردنا أن نبين مظاهر الثقافة الأوروبية التي تركت أثرًا أعمق من غيرها في التفكير العربيّ، ألفيناها في الوصف الذي أورده الجبرتي لأول مطبعة حروف، ورأيناه في أول مكتبةٍ نظمت على النمط الأوروبيّ في دار الشيخ حسن العطار، الذي أصبح فيما بعد شيخًا للأزهر، وأن في هذين المثلين فكرةً عن بعض العوامل التي قامت بدور هامٍّ في تكوين الأدب الحديث1".
وهذه هو المرحوم السيد اسماعيل الخشاب الشاعر، المتوفى سنة "1230هـ" يُعَيِّنُه الفرنسيون كاتبًا لسلسلة التاريخ التي تسجل حوادث الديوان الذي أنشأوه، ويعهدن إليه في مشروع إنشاء صحيفة عربية يشرف على تحريرها، لولا أن القدرلم يرد صدورها؛ إذ بقي مرسومها معطَّلًا، ويمتزج غاية الامتزاج، ويصادق أبلغ الصداقة شابًّا فرنسيًّا من رؤساء كتابهم، كان جميل الصورة، لطيف الطبع، عالمًا ببعض العلوم العربية، مائلًا إلى اكتساب النكات الأدبية، فصيح اللسان بالعربيّ، يحفظ كثيرًا من الشعر، فلتلك المجانسة مال كلٌّ منهما للآخر، ووقع بينهما توادٌّ وتآلفٌ، حتى كان لا يقدر أحدهما على مفارقة الآخر، فكان المترجم "الخشاب" تارةً يذهب لداره، وتارةً يزوره هو، ويقع بينهما
1 مما ترجمه الأستاذ أمين حسونة النواوي في السنة الرابعة من مجلة الرحالة ص1625 العدد 170.