الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فمن حوارهم العلمي الذي اتخذ الشعر أسلوبا له ما وقع بين الشيخ "محمد الأمير"، والشيخ "العوضي" المتوفى سنة 1214هـ، إذ يقول الأول:
حي الفقيه الشافعي وقل له
…
ما ذلك الحكم الذي يستغرب
نجس عفوا عنه فإن يخلط به
…
نجس فإن العفو باق يصحب
وإذا طرا بدل النجاسة طاهر
…
لا عفو بأهل الذكاء تعجبوا
ويجيبه الثاني بقوله:
حييت إذ حييتنا وسألتنا
…
مستغربا من حيث لا يستغرب
العفو عن نجس عراه مثله
…
من جنسه لا مطلقا فاستوعبوا
والشيء ليس يصان عن أمثاله
…
لكنه للأجنبي يجنب
وأراك قد "أطلقت ما قد قيدوا"
…
وهو العجيب وفهم ذلك أعجب
اقتباسهم من القرآن والحديث:
ومن الظواهر العامة في شعرهم إشراق القرآن في مجاليه، وظهوره في كثير من نواحيه، واقتباسهم من القرآن في شعرهم أمر طبعي؛ لأنهم أشد عناية بحفظ القرآن، ودراسة تفسيره واستنباط الأحكام الشرعية منه، واكتناها لأسراره وفهما لمغزاه، وتأدبا بأدبه وتذوقا لبلاغته، كما اقتبسوا من الأدب النبوي كثيرا من آياته البينات التي جرت على ألسنتهم من طول ما أخذوا من أحكامه الشرعية وآدابه الرفيعة، فمن اقتباسهم من القرآن قول الشيخ "حسن قويدر الخليلي":
فقال طب نفسا فقد زال الألم
…
والصفو من كل الجهات قد ألم
كأنه يتلو على القلب ألم
…
نشرح لك الصدر بهذه النعم
روض ووجه حسن ونهر
ويقول الشيخ "حسن العطار":
مرج البحرين فيضا دمعه
…
إذ رأى جفنيه لا يلتقيان
ويقول "السيد علي درويش" يمدح المرحوم محمد علي باشا، ويؤرخ مجيء الجراد عام البقر سنة 1259هـ:
لواحة للأرض لا
…
تبقي البنات ولا تذر
وصغيرة في حجمها
…
لكنها إحدى الكبر
ويقول "عبد الله فكري باشا":
أليس بكاف عبده وهو قائم
…
على كل نفس بالقضاء المحتم
كما يقول:
فمن بالعفو إني
…
منه على غير ياس
وإن عتبت فحق
…
"وما أبرئ نفسي"
ومن اقتباسهم من الحديث النبوي قول الشيخ "مصطفى الصاوي":
فالصبر عند الصدمة الأولى رضا
…
ما حيلة المحتال إن لم يصبر
وقول "عبد الله فكري باشا":
ألا إن أوساط الأمور خيارها
…
مقال نبي عن هدى الله مخبر
وخير عباد الله أنفعهم له
…
كما جاء في قول النذير المبشر
وقول "السيد عبد الله نديم":
دع عنك لومي في شيء خصت به
…
وانظر لنفسك تعذر مثلك الجاني
فتركك الشيء لا يعنيك منقبة
…
بل ذاك للمرء يدعى حسن إيمان
شعراء الأزهر
مدخل
…
شعراء الأزهر:
قامت دولة الشعر في هذا العصر على كثير من الأزهريين، وكانوا المرحلة التي عبرها الشعر إلى مجده الذي بلغه "بالبارودي" و"شوقي""وحافظ""وإسماعيل صبري"، وغيرهم من شعراء العصر الفحول.
وفي الأزهر اليوم جمهرة من الشعراء النابهين، وفي شبابه من يعقد به الأمل، ويناط به الرجاء، ولولا أننا التزمنا الحديث عن الراحلين، وكففنا عن التحدث عن الأحياء، خشاة أن نتهم بالمجاملة، ونرمى بالتجني "وحاشا للمنصف أن تحثي على عطفيه تلك الظنون"، لولا ذلك لبسطنا شعر الأحياء الأزهريين، وأفضنا في دراسة نابهيهم وأفذاذهم.
ومما التزمناه في الحديث عن الشعراء أن قصرنا القول على أشهرهم، وأيسرهم ذكرا وأعظمهم قدرا، فلم نتبع كل نابه ولم نستقر كل مجيد، كما أننا توخينا في الشعراء الذين نتناولهم بالدرس والتحليل أن يكونوا أزهريين أقحاحا بدأوا ثقافتهم في الأزهر وأتموها فيه، ومن ثم لم نعرج على من كانت خاتمته الدراسية في المعاهد الأخرى، رغم أنها فروع من الأزهر، وأغصان من دوحته، فلم نتكلم عن المرحوم "حفني بك ناصف"، والمرحوم "محمد عبد المطلب"، والمرحوم "أحمد مفتاح"، وغيرهم ممن أتموا بعد المرحلة الأولى دراستهم في غير الأزهر.
وسنبدأ بذكر أشهر شعراء الأزهر حسب وفياتهم.
الخطأ والعامي في شعرهم:
ومن الإنصاف أن نقرر أن العامية قد تتسرب إلى شعرهم، والخطأ في النحو الصرف قد يجري على ألسنتهم، ولكن ذلك في قلة وندرة، فأما العامية في شعرهم فكما جاء في شعر السيد علي درويش، إذ يجمع "سقف" على "سقفان" في قوله في مسجد:
إذا سجدت حيطانه فهي ركع
…
وتسمع تسبيح الحصا منه سقفان
وكإطلاقه لفظ "برادن" على من أصابه البرد، وذلك إذ يقول:
بردان لا نفع "للبردان" عندهما
…
وجبة البرد تكسو كل عريان
فكلمة بردان عامية والفصيح بارد وبرد وبرود.
ومن العامية في شعرهم قول الشيخ محمد شهاب الدين:
وتفضل بجبر خاطر من هم
…
أتقنوا صنعه وخذ منه شيا
ويقول السيد علي درويش:
ولا عجب إذا كان المربي
…
مربي الروح بالعقل المصان
فهو يخطئ في مجيء اسم المفعول من صانه على مصان بدلا من مصون.
ويخطئ كذلك إذ يستعمل الفعل أحرمه من كذا بدلا من حرمه، وهو الفصيح ولا يقال: حرمه من كذا بل حرمه كذا، وذلك حيث يقول.
السيد إسماعيل الخشاب:
المتوفى سنة "1230هـ-1815م"
نشأته وحياته:
هو، "السيد إسماعيل" بن "إسماعيل الوهبي الشهير بالخشاب"، كان أبوه نجارًا ثم أنشأ متجرًا للخشب بالقرب من باب زويلة بالقاهرة، وولد له الشاعر المترجم وهو أصغر إخوته، وشب مولعا بحفظ القرآن راغبًا في العلم مشوقا لتحصيله، فطلب العلم في الأزهر حتى صارت له مشاركة في كثير من علومه1.
وكان رقيق الحال حتى اضطر للتكسب في المحكمة الشرعية، وكان عاكفا على مطالعة الكتب الأدبية والتصوف، والتاريخ يستظهر كثيرا من أشعار العرب والمراسلات، والمكاتبات الأدبية، ويلم بطرف من حكايات المتصوفين وأقوالهم حتى أصبح فريد عصره في المحاضرات، واستحضار البدائع في المناسبات، وكثيرا ما يصفه "الجبرتي" بأنه البليغ النجيب، والنبيه الأديب نادرة الزمان فريد الأوان المتقن العلامة يتيمة الدهر، وبقية نجباء العصر.
وعرف بالشعر الرائق والنثر العذب، وكان نبيها أديبا عظيم الأخلاق لطيف السجايا كريم الشمائل، خفيف الروح، وذلك مما يسر له مخالطة الرؤساء والأمراء، ومصاحبة الكبراء والعظماء، فتنافسوا في صحبته وتباهوا بمجالسته حيث يرتاحون لخلقه، ويستطيبون منادمته، ويجدون من طيب فكاهته ولطف عبارته، وعذب بيانه ما يدفعهم إلى طلبه، والحرص عليه كما كان رقيقا مهذبا كريم النفس محبا للمجد متطلعا لمعالي الأمور.
وكان له قوة استحضار في إبداء المناسبات بحسب ما يقتضيه حال
1 المفصل في تاريخ الأدب العربي ج2 ص334.
المجلس، فكان يجانس ويشاكل كل جليس بما يدخل عليه السرور في الخطاب، ويخلب عقله بلطف محادثته كما يفعل بالعقول الشراب1.
ولما أنشأ الفرنسيون ديوانا للقضاء بين المسلمين عين في كتابة التارخي لحوادث الديوان، وما يقع فيه؛ لأن الفرنسيون كانت لهم عناية بالغة بتسجيل الحوادث يوما فيوما، وتدوين ما يجري منها في الدواوين، ومقر أحكامهم ثم يجمعون هذه الحوادث، ويطبعون منها نسخا يوزعونها على الجيش في مختلف مواضعه ومواطنه في الأمصار والقرى، فلما رتبوا ذلك الديوان كان الخشاب هو الذي يتولى كل ما يتصل بعمله، وظل ف يهذه الوظيفة إلى أن ولي "جاك منو"، وعلى رغم ذلك لم يتخل عن التكسب بالشهادة في المحكمة.
ولما عاد المرحوم "الشيخ حسن العطار" من طوافه بالبلاد التي كان قد ارتحل إليها امتزج بالخشاب، فصفا ودهما وطابت مخالطتهما، وصارا لا يفارق كل منهما صاحبه حتى ليحدث "الجبرتي"، بأنهما كثيرا ما كانا يبيتان معا، ويقطعان الليل بحديث أرق من نسيم السحر، وألطف من اتساق نظم الدرر، وكثيرًا ما كانا يتنادمان بداره لما بينهما من الصحبة الأكيدة، والمودة العتيدة ثم يتجاذبان أطراف الكلام، فيجولان في كل فن من الفنون الأدبية والتواريخ والمحاضرات.
ومع أن "الخشاب" أدرك في أواخر حياته "محمد علي باشا"، نراه لم يل في عهده عملا من الأعمال مع شهرته الأدبية، وبعد صيته في البيان؛ لأن والي مصر لم يكن إلى هذا العهد قد اتجه إلى استصناع الأدباء والشعراء، إذ كان مصروفا لغير ذلك من شئون الدولة، وإصلاحها الداخلي، وتأثيل ملكه الذي خلفه المماليك منهوك القوى محلول العزائم.
وبرح الداء "بالخشاب" فلزم فراشه حتى غلبه المنون في يوم السبت ثاني شهر ذي الحجة من سنة ثلاث ومائتين وألف من الهجرة.
1 تاريخ الجبرتي ج4 ص238.
وقد جزع عليه صديقه الوفي الشيخ "حسن العطار"، وجمع ما تفرق من شعره، فأودعه ديوانًا طبع في الآستانة.
شعره:
"الخشاب" أقدم شعراء العصر الحديث، وأقلهم حظا من الحضارة الغربية التي وفدت إلى مصر، ونبهت الأذهان والقرائح بعد أن استقر الحكم "لمحمد علي"، وأبنائه واتصلت مصر بالغرب اتصالا مختلفا، ولم يكن "الخشاب" قد تعلم اللغات الأجنبية، فيستعين بها على الاطلاع على ثقافة الغرب، وعلمه الجدي فتتسع مداركه وتترامي آفاقه خياله، وتأتيه من هذه الآداب سهولة الطبع ورقة التعبير، وعلى رغم ذلك يتسم شعره بالوضوح والسلاسة، ومجانبة التعقيد والإقلال من البهرج والطلاء، وهذه ظاهرة واضحة في شعره، فهو لم يتهالك على البديع، ولم يكلف بالصناعة ولم يتورط فيما تورط فيه غيره من الشعراء الصناع على قربه من الشعر الضعيف المنحل في عهد المماليك، ووثيق اتصاله بآداب ذلك العصر الواهن المتخاذل.
والذي يبدو أن في طبع "الخشاب" ميلا فطريا إلى الإشراق، والوضوح والبعد من التعمل، وقد تهيأ له من الاتصال بالفرنسيين في مصر ما طوع أدبه، وجلى شعره، ونحا به نحو السهولة والانطلاق، فقد أقاموه في ديوان القضاء أمينا لمحفوظاته، وكاتبا سلسلة التاريخ فيه ومسجلا لأحداثه تباع، وعاش طول حياته شديد المخالطة للكبراء والأمراء، والعظماء بين منادمة ومطارحة ومفاكهة، ولا ريب أن ذلك كله هيأ له تطويع أدبه، وسهولة قريضه وإشراق ديباجته، وصفاؤه من التعقيد والزخرف والصنعة.
وقد حدث "الجبرتي" أنه علق شابا من رؤساء كتاب الفرنسيين كان لطيف الطبع جميل الصورة عالما ببعض العلوم العربية، مائلا إلى اكتساب النكات الأدبية، فصبيح اللسان العربي يحفظ كثيرًا من شعر العرب، فلتلك المجانسة مال كل منهما للآخر، ووقع بينهما تواد وتصاف حتى لا يقدر أحدهما
على مفارقة صاحبه، فتارة يذهب الخشاب إلى دار صديقه، وتارة يذهب الشاب الفرنسي إلى دار الخشاب، فيتجاذبان أطراف الأحاديث، ويقع بينهما من لطف المحاورة ما يتعجب منه، يقول "الجبرتي": -وعند ذلك قال "الخشاب" الغزل الرائق والنظم الفائق1.
أفلام تكون هذه المخالطة من أسباب تنشيط شعره، وانطلاق قريضه وسعة خياله؟
وهل لنا أن نذهب إلى أن هذه المخالطة دلت "الخشاب" على كثير من أخلاق الفرنسيين، وعادتهم وأحوالهم، وطبائعهم فبسط ذلك في فكره وفسخ في مخيلته؟
يقول الخشاب في صديقه الفرنسي:
علقته لؤلؤي الثغر باسمه
…
فيه خلعت عذاري بل حلا نسكي
ملكته الروح طوعا ثم قلت له
…
متى ازديارك لي أفديك من ملك
فقال لي وحميا الراح قد عقلت
…
لسانه وهو يثني الجيد من ضحك
إذا غزا الفجر جيش الليل وانهزمت
…
منه عساكر ذاك الأسود الحلك
فجاءني وجبين الصبح مشرقة
…
عليه من شغف آثار معترك
في حلة من أديم الليل رصعها2
…
بمثل أنجمه في قبة الفلك
فحلت بدرا به حفت نجوم دجا
…
في أسود من ظلام الليل محتبك3
وافى وولى بعقل غير مختبل
…
من الشراب وستر غير منهتك4
1 تاريخ الجبرتي ج4 ص239.
2 رصعها: ملأها.
3 محتبك: موثق محكم.
4 منهتك: هتك الستر جذبه فقطعه من موضعه، أو شق منه جزءا فبدا ما وراءه وهتك ستر فلان فضحه.
فهذه أبيات عذبة سائغة لا تعقيد فيها ولا التواء، لم تشبها شائبة الصنعة، ولم يفسد جمالها المحسن البديعي الذي أسرف العصر في تناوله، وتاه في فيافيه.
هذا إلى ما ذهب إليه من غزو الفجر جيش الليل وانهزام عساكره، وقدوم صاحبه وصد أشرق جبين الصبح يبدو عليه من شغفه آثار معترك، وتشبيهه في حلته التي كأنها من أديم الليل تلمع فيها الأنجم التي رصعتها وحلتها بالبدر أشرق نوره، وحفت نجوم الدجى به في الليل الحالك الذي وثق سواده وأحكم.
هذا ويجوز أن تكون كلمة شغف محرفة، وأصلها "شفق" أي أن صاحبه وفد إليه، وعلى جبين الصبح آثار معترك من الشفق، لما بينهما من المنازعة والمغالبة، ويستأنس له بما ذهب إليه من قبل من غزو الفجر جيش الليل، وانهزام عساكره.
غير أنا نلاحظ أن الشاعر وصف جبين الصبح بلفظ مشرقة، فلم يطابق بين الموصوف والصفة في التذكير والتأنيث، وكان يجب أن يقول "مشرق" ففي اللسان "الجبين يذكر لا غير"، إلا أن يقال: إنه أنث الوصف باعتبار الجبين جبهة، وبذلك تتأتى المطابقة أو جرى على ما يذهبون إليه من أن كل ما لا يعقل يجوز تذكيره وتأنيثه؛ أو تقول: إن كلمة آثار فاعل "مشرقة"، ويكون مرجع الضمير لجبين الصبح لا لفاعل جاء.
وقال في فرنسي آخر اسمه "ريج".
أدرها على زهو الكواكب والزهر
…
وإشراق ضوء البدر في صفحة النهر
وهات على نغم المثاني1 فعاطني
…
على خدك المحمر حمراء كالجمر
وموه لجين الكأس من ذهب الطلا
…
وخضب بناني من سنا الراح بالتبر
ومزق رداء الليل وامح بنورها
…
دجاه وطف بالشمس فينا إلى الفجر
1 المثاني: من أوتار العود الذي بعد الأول واحدها مثنى.
وأصل بنار الخد قلبي وأطفه
…
ببرد ثناياك الشهية والثغر
أ "ريبج" ذكي أنفاسك التي
…
أريج شذاها قد تبسم عن عطر
معنبرة يسري النسيم بطيبها
…
فتغدو رياض الزهر طيبة النشر
رشافاتك1 الألحاظ عيناه غادرت
…
فؤادي في دمعي دما سائلا يجري
طويل نجاد السيف ألمى2 محجب
…
شقيق المها3 زاهي البها ناحل الخصر
رقيق حواشي الطبع يغني حديثه
…
عن اللؤلؤ المنظوم والدر والنثر
ولما وقفنا للوداع عشية
…
وأمسى بروحي يوم جد النوى سيري
تباكي لتوديع وأبدى شقائقا4
…
مكللة5 من لؤلؤ الطل بالقطر
فهذا شاب فرنسي آخر خالطه الخشاب وأدمن الود معه، وكانت لهما مجالس وسمر، وغدو ورواح، فصفا أنسهما، وطابت مودتهما ووجد الشاعر فيه ما ارتاح له وبهره منه فتك ألحاظه، وطول نجاده، وسمرة شفته وتحجبه، وأنه شبيه بالمها زها بهاؤه ونحل خصره، ورق طبعه، وأغنى عن اللؤلؤ المنظوم والدر المنثور عذب حديثه، ووصف يوم الوداع وما لقيه من هوله، وأن صاحبه تباكى فبلل بدمع كاللؤلؤ خدودا حمرًا كالشقائق.
هذه صورة ناطقة رسمها الشاعر فجاءت رائعة فاتنة، ولم تتعثر ريشته أو ينب رسمه، والشاعر في إيداعه هذه المعاني تلك الأبيات، وفي تعبيره عن هذا
1 رشا: الرشأ محركة الظبي إذا قوي ومشى مع أمه.
2 ألمى: اللمى مثلثة اللام سمرة في الشفة.
3 المها: جمع مهاة وهي البقرة الوحشية.
4 الشقائق: جمع شقيقة -وشقائق النعمان معروفة. سميت بذلك لحمرتها تشبيها بشقيقة البرق أضيف إلى ابن المنذر؛ لأنه جاء إلى موضع وقد اعتم تبته من أصفر وأحمر، وفيه من الشقائق ما راقه فقال: ما هذه الشقائق احموها وكان أول من حماها، وقيل: النعمان اسم للدم وشقائقه قطعه، فشبهت حمرتها بحمرة الدم "شارح القاموس".
5 مكللة: الروضة المكللة المحفوفة بالنور.
كله لم يحم حول تعقيد أو التواء، ولم تهده صنعة أو طلاء اللهم إلا أنه يشك المحسن البديعي شكا خفيفا، ويتناوله برفق ولطف، فيستعمل الجناس بين كلمة زهر الكواكب التي هي جمع أزهر، والزهر للذي هو النبت المعروف.
ويلهمه اسم صديقه "ريج"، فيوقع الجناس بينه منادى بالهمزة، وبين أريج الشذى، وهو إن كان بهذا الجناس المتكرر يجاري شعراء عصره، لم يظهر بمظهر المتكلف، والمتهالك عليه.
ونلاحظ على أن الشاعر عبر بلفظ تباكى لتوديع -وكان المفهوم أن يقول "بكى"؛ لأن ذلك موقف البكاء لوجود دواعيه، أما "تباكى"؛ فتعبير يفيد أن صاحبه تكلف البكاء، ومن شأن هذا الوصف أن ينفي عنه صفة التأثر بالرحيل إلا أن يقال: إن صاحبه لشدة هول التوديع جمدت عيناه، فلم تبكيا فتكلف البكاء ليوائم بين حاله، وحال المودعين وفي الحديث: $"فإن لم تجدوا بكاء فتباكوا"، أي تكلفوا البكاء وتكلف البكاء يستدعيه، وهذا الوجه يثبت لصاحب الخشاب تأثرا أبلغ من تأثره، وأنه بلغ من الحزن ما جمدت به عيناه، ولم تسمح بالبكاء إلا أن يتكلفه تكلفا.
ومما قاله يتغزل به:
يا شقيق البدر نورًا وسنا
…
وأخا الغصن إذا ما انعطفا
بأبي منك جبينا مشرقا
…
لو بدا للنيرين انكسفا
بغيتي منك رضاب1 ورضا
…
وعلى الدنيا ومن فيها العفا2
فهذه أبيات رقيقة عذبة حلوة الروح خفيفة المذاق لم يشبهها تعقيد، ولم تتأثر بصنعة إلا الجناس المقبول في "رضاب"، و"رضا".
وقال يمدح الشيخ "محمد الأمير" العالم الفقيه المتوفى سنة "1232 إلى 1817".
1 الرضاب -كغراب الريق المرشوف، أو قطع الريق في الفم، وفتات المسك.
2 العفاء: الهلاك والدروس ومن معانيه التراب.
أدر لي في الربا القدحا
…
وكن للعذل مطرحا
ونبه صاح ساقيها
…
فضوء الصبح قد وضحا
وثغر الدهر مبتسم
…
وشادي الورق قد صدحا
وخذها من يدي رشا
…
مليح قد حوى ملحا
غزال إن يلح للبد
…
ر أو غصن القا افتضحا
وأطرب مسمعيك بما
…
به أستاذنا امتدحا
"محمد الأمير" المر
…
تجي كم آملا منحا
إمام إن تزنه بكل
…
م مولى ماجد رجحا
سراج في ذكائه الوها
…
ج ليل المشكلات محا
فهذه الأبيات تقطر سلاسة ورقة، ويفيض ماء الشعر من أعطافها وتبدو صفحتها نقية من الزخرف، والطلاء حتى لتشبه أعذب ما ينظم الآن من الشعر العربي السهل على ما فيها من معان خصبة وتصوير بديع، كرجحان الإمام الممدوح حين تزنه بكل مولى ماجد، وجعل الشاعر ذكاء الممدوح سراجا وهاجا يمحو المشكلات التي جعل لها ليلا.
وكان "محمد بن الحسن بن عبد الله الطيب" المتوفى سنة خمس ومائتين وألف من الهجرة شاعرا يلتزم في شعره ما لا يلزم، فلما جمع شعره في ديوان كتب الخشاب على ظاهر هذا الديوان يداعب صاحبه، فقال:
قل للرئيس أبي الحسن محمد
…
خدن1 المعالي والسرى الأمجد
والحاذق2 الفطن اللبيب أخي الذ
…
كاء اللوذعي3 الألمعي4 الأوحد
ألزمت نفسك في القريض مذاهبا
…
ذهبت بشعرك في الحضيض الأوهد
1 الخدن والخدين الصاحب.
2 الحاذق الماهر البارع.
3 اللوذعي: الخفيف الذكي الظريف الذهن الحديد الفؤاد، واللسن الفصيح كأنه يلذع بالنار.
4 الألمعي الذكي المتوقد.
وتركت ما قد كان فيه لازما
…
هلا عكست فجئت بالقول السدى
كدرت منه بما ضعت بحوره
…
فغدت مشارع1 ليس ينحوها الصدى2
فإذا نظمت فكن لنظمك ناقدا
…
نقد البصير بذهنك المتوقد
أولا فدع تكليف نفسك واسترح
…
من قولهم ما شعره بالجيد
ولئن عنفت عليك فيما قلته
…
فلقد بذلت النصح للمسترشد
فلما قرأ صاحب الديوان هذه الأبيات ضحك، ولم يزد على أن قال:"أنت في حل"، وكان "محمد بن الحسن" قد علق غلاما، فكتب إليه الخشاب.
إني أجلك أن تصبو بمبتذل
…
على تسنمك العلياء من صغر
أمسك عليك وحاذر من إخاء فتى
…
قميصه مذ نشا ينقد من دبر
وهذه قطعة رائعة تزخر بالمعاني الكريمة، وتفيض سلاسة ولطافة فلا ينبو منها لفظ، ولا يقلق فيها تعبير وتطرد أجزاؤها، وتتسلسل حتى لتكون كالعقد انتظمت
حباته قالها يرثي بها المرحوم الشيخ "أحمد بن موسى بن داود" المتوفى سنة ثمان ومائتين وألف من الهجرة.
تغير وجه الدهر وازور حاجبه
…
وجاءت بأشراط المعاد عجائبه
وكدر صفو العيش وقع خطوبه
…
وقد كان وردا صافيات مشاربه
فمالي لا أذري المدامع حسرة
…
وأفق سطء المجد تهوي كواكبه3
وما لي لا أبكي على فقد ذاهب
…
موصلة لله كانت مذاهبه
أغرسنا شمس الضحى دون وجهه
…
وفوق مناط الفرقدين مراتبه
حليف ندى كالسيل سيب يمينه
…
وكالبحر تجري للعفاة مواهبه
له عفو ذي حلم ورأي أخي نهى
…
يضيء لدى محلولك الخطب ثاقبه
على نهج أهل الرشد عاش وقد مضى
…
مطهرة أردانه وجلاببه
1 المشارع -موارد الشرب.
2 الصدى -الظامئ.
فمن ذا الذي ندعو لكل ملمة
…
وترجو إذا ما الأمر خيفت عواقبه
لقد هد ركن الدين حادث فقده
…
وشابت له من كل طفل ذوائبه
وغادر ضوء الصبح أسود حالكا
…
كأن الدجى ليست تزول غياهبه
ألم تر أن الأرض مادت بأهلها
…
وأن الفرات العذب قد غص شاربه
سطت نوب الأيام بالعلم الذي
…
تزال به عن كل شخص نوائبه
عجيب لهم أنى أقلوا سريره
…
وفد ضم طودا أي طود يقاربه
وكيف ثوى البحر الخضم بحفرة
…
وضاق بجداره الفضا وسباسبه
خليلي قوما فابكيا لمصابه
…
بمنهل دمع ليس ترقا سواكبه
لقد آد1 إذا أودى2 وأعقب مذ مضى
…
أسى يجعل الأحشا جذاذا3 تعاقبه
وأي شهاب ليس يخبو ضياؤه؟
…
وأي حسام لا تفل مضاربه؟
وأي فتى أيدي المنية أفلتت؟
…
وأي فتى وافته يوما مآربه؟
وماذا عسى نبغي من الدهر بعد ما
…
أصمت4 وأصمت5 كل قلب مصائبه؟
فانظر كيف جاءت هذه القصيدة سهلة مشرقة لم تعكرها صنعة، ولم يذهب بروائها تكلف.
نقاء شعره من التاريخ:
ومما امتاز به "الخشاب" أنه لا يميل إلى التاريخ الشعري، ولا يتصل بل
1 آده الحمل أثقله.
2 أودى هلك.
3 جذاذ قطعا.
4 أصمه سد أذنه.
5 أصمى الصيد رماه فقتله مكانه.
في قليل أو كثير، وعلى رغم أنه أقرب شعراء العصر الحاضر إلى العصر السالف، وكان مقتضى ذلك أن ينحو منحى الشعراء في ذلك العصر فيفتن في التاريخ
الشعري، ويولع به كما أولعوا ويستعمله في الشطر أو البيت، أو القصيدة على رغم من معاصرته لهؤلاء الذين كلفوا به خلا شعره منه، فلا تكاد تعتر على تاريخ له في حادث أو أمر ذي بال، وإن هذه لحسنة من حسنات "الخشاب"، فقد نجا من قيوده وأغلاله، وكم طغت هذه الصناعة على الشعر، فذهبت بجماله
وكسبته الغموض والتعقيد، والالتواء واستبدت بالشاعر فصرفته عن روعة
التصوير وجمال المعنى، وحسن الأداء، ولكن "الخشاب" نجا من هذا، وكره هذه الطريق الملتوية فحاد عنها، وسلك مسلك السهولة والإشراق والوضوح.
الشيخ حسن العطار:
المتوفى سنة "1250هـ-1834م"
نشأته وحياته:
ولد بالقاهرة سنة نيف وثمانين ومائة وألف من الهجرة، ونشأ بها في ظل أبيه الشيخ "محمد كتن"، ويمت بنسبه إلى أسرة مغربية، وفدت إلى مصر وكان أبوه رقيق الحال "عطارا"، ملما بالعلم كما يدل عليه ما يقوله في بعض كتبه "ذاكرت بهذا الوالد رحمه الله"، وكان يستصحبه إلى متجره، ويستعين به في صغار شئونه -نشأ حاد الذكاء قوي الفطنة، إلى التعليم هواه، شديد الغيرة والتنافس، إذ يرى أترابه يترددون على المكاتب، ومن ثم يتسلل إلى الجامع الأزهر مستخفيا من أبيه، وقد عجب والده إذ رآه يقرأ القرآن في زمن وجيز، فشجعه ذلك على أن يدع ابنه الذكي الفطن المحب للعلم يختلف إلى العلماء، وينهل من وردهم ما يشاء، فجد في المثابرة والانتفاع من الفحول أمثال الشيخ "محمد الأمير"، والشيخ "الصبان"، وغيرهما حتى بلغ من العلم والتفوق فيه ما أهله للتدريس بالأزهر على تمكن وجدارة.
ولكن نفسه لم تقنع بهذه الغاية، بل مال إلى التبحر في العلوم، واشتغل بغرائب الفنون، والوقوف على أسرارها.
وكان منذ صباه ذا شغف بالأدب، جادا في مطالعته والتزود منه حتى أجاد النظم، والنثر في ريعان صباه وبواكير حياته.
وعني بالأدب الأندلسي عناية فائقة فأخذ يدرسه ويحاكيه، وكثيرا ما كان يأسف على انحطاط الأدب في عصره، ويصف شعراء زمانه بأنهم "اتخذوا الشعر حرفة، وسلكوا فيه طريقة متعسف، فصرفوا أكثر أشعارهم في المدح والاستجلاب والمنح، حتى مدحوا أرباب الحرف الجمع الدراهم، وكان منهم
من كان يصنع القطعة من الشعر في مدح شخص، ثم يغيرها في مدح آخر، وهكذا حتى يمتدح بها كثيرًا من الناس، وهو لا يزيد على أن يغير الاسم والقافية، وما أشبهه في ذلك إلا بمن يفرق أوراق الكدية1 بين صفوف المصلين في المساجد، وهكذا كان حال الرجل، فلا يكاد يتخذ وليمة أو عرسا أيبني بناء أو يرز بموت محب إلا بادره بشيء من الشعر قانعا بالشيء النزر".
ولما كانت تلك نظرته إلى الشعر والشعراء رأيناه قد أغفل شعره، ولم يحتفظ بما قاله في المدح، والهجاء اضطرارًا ورجا ألا يحفظ عنه، إلا ما لطف من النسيب"، مما ولع به "أيام الشباب حيث غض الشبيه، والزمن من الشوائب محض، ولأعين الملاح سهام بالفؤاد راشقة، وتثني قدود الغيد تظل له أعين الأحبة وامقة.
ذاك وقت قضيت فيه غرامي
…
من شبابي في ستره بالظلام
ثم لما بدا الصباح لعيني
…
من مثيبي ودعته بسلام"
ولما اضطربت الفتن بدخول الفرنسيين مصر رحل إلى الصيعد، ومعه جماعة من العلماء، ثم عاد إلى مصر بعد أن استقرت الأمور، وقد أداه حبه الحياة الاجتماعية وميله إلى المخالطة، وما عرف به من خفة الروح، وطيب المعاشرة، إلى الاتصال بالفرنسيين العلماء فاستفاد من فنونهم، وأفادهم اللغة العربية وكان يقول:"إن بلادنا لا بد أن تتغير أحوالها ويتجدد بها من المعارف ما ليس فيها"، وكان يتعجب مما وقف عليه من علوم الفرنسيين، ومن كثرة كتبهم وتحريرها وقربها من العقول وسهولة الاستفادة منها، وقد تحدثنا عن ذلك في صلة الأزهر بالحملة الفرنسية.
وهو الذي وقف في امتحان مدرسة الطب خطيبا يشيد بفائدة الطب في تقدم الإنسانية، ويفخر بأن أتيح للأزهر في تاريخ مدرسة الطب أول نشأتها
1 الكديسة: السؤال.
أثر جليل إذ كان جل تلامذتها الأول من الأزهر، وكان لهم في مدرسة الطب من الذكاء، وحسن الاستعداد ما راع وبهر.
والشيخ "حسن العطار" هو الذي قدم الشاب الشيخ "رفاعة رافع""لمحمد علي"، ليكون إماما للبعث الذي أرسل إلى فرنسه في سنة 1826م.
وهو الذي أوصى "رفاعة" أن يقيد مشاهداته في بلاد الغرب من الأمور التي يرى فيها فائدة لبني وطنه، كي يظهرها على النواحي المختلفة للحضارة الأوروبية، حتى إذا أطاع "رفاعة" أستاذه، وأتم رحلته "تخليص الأبريز في تلخيص باريز" أوصى العطاء بها حتى قامت الحكومة على طبعها ونشرها.
تنقله:
ثم إنه ارتحل إلى الشام، وأقام بدمشق زمنا كان يقرض فيه الشعر حينا بعد حين، قال:"وقلت وأنا بدمشق هذه القصيدة، وسببها أن صاحبنا العلامة محمد المسيري كان قدم من بيروت لدمشق، فأقام بالمدرسة البدرية حيث أنا مقيم، ومكث نحو شهرين فوقع لي به أنس عظيم".
ثم عاد إلى بيروت وأرسل مكتوبا لبعض التجار فيه قصيدة تتضمن مدح دمشق، وعلمائها وتجارها الذين صاحبوه مدة إقامته، فكان جزاء تلك القصيدة أنها لم تقع منهم موقع القبول، وساروا يهزأون بكلماتها، وقوافيها فانتدبت لنظم هذه القصيدة على بحرها، ورويها انتصار للشيخ "المسيري"، وقد ذكرت بعض متنزهات دمشق في أول قصيدتي، وأتيت فيها بفنون من الغزل، والهجاء وغيرها، فقلت:
بوادي دمشق الشام جزبي أخا البسط
…
وعرج على باب السلام ولا تخطي
ولا تبك ما يبكي امرؤ القيس حوملا
…
ولا منزلا أودى بمنعرج السقط
هنالك تلقى ما يروقك منظرا
…
ويسلي عن الأخوان والصحب والرهط
عرائس أشجار إذا الريح هزها
…
تميل سكارى وهي تخطر1 في مرط2
كساها الحيا أثواب خضر تدثرت
…
بنور شعاع الشمس والزهر كالقرط3
ومنها:
وقف بي بجسر الصالحة وقفة
…
لأقضى لباتات الهوى فيه بالبسط
وعرج على باب البريد تجد به
…
مراصد للعشاق في ذلك الخط4
وحاذر سويقات العمارة أنها
…
مهالك للأموال تأخذ لا تعطى
فلو أن قارونا تبايع بينهم
…
لعاد فقيرًا للخلائق يستعطي
ولست لما أنفقت فيها بآسف
…
ولا بالرضا مني أمازج بالسخط
وجاء في بعض كتبه أنه أدى فريضة الحج، واتفق له بعد أدائه أن توجه مع الراكب الشامي إلى معان تم بلدة الخيل فأقام بها عشرة أيام، ثم ارتحل يمم القدس فنزل دار نقيبها، وهنأه بعودته إلى منصبه بعد عزله منه، ثم ارتحل إلى بلاد الروم وأقام بها طويلا، وسكن بلدًا من بلاد الأرنأود، وتأهل بها وأعقب، ولكن لم يعش عقبه.
1 تخطر -خطر في مشيته اهتز وتبختر.
2 المرط -كساء من صوف أو خز.
3 القرط -ما يعلق في شحمة الأذن.
4 الخط بالضم موضع الحي والطريق والشارع ويفتح، وبالكسر الأرض لم تمطر، والتي تنزلها ولم ينزلها نازل قبلك.
عودته إلى مصر:
ولما عاد إلى مصر تولى تحرير الوقائع المصرية، فكان أحد الأزهريين الأدباء الذين نهضوا بها، وكانت له شهرة علمية أدبية، ومكانة أذعن لها معاصروه من العلماء، والأدباء، والأفذاذ.
كان يعقد مجلسا لقراءة تفسير البيضاوي، فيتوافد الشيوخ عليه تاركين حلق دروسهم، وقد أهلته هذه المكانة العلمية والأدبية، وما اتسم به من النبوغ، وما طار من شهرته، وبعد صيته أن يكون شيخا للأزهر بعد وفاة الشيخ "أحمد الدمهوجي الشافعي".
ولما قدم إلى مصر عام سبعة وثلاثين ومائتين وألف من الهجرة كبير الدروز، وكانوا قد انتقضوا عليه ملتجئا إلى "محمد علي باشا"، وكان في صحبته "بطرس النصراني" اجتمع به، وكان بينهما اتصال ومودة ورأى المترجم فيه تمكنا من الأدب والمحاضرة، ومعرفة بالتواريخ والأنساب وعلوم العربية، وقد حدث1 بذلك، وبأن "بطرسا" امتدحه بقصيدة منها:
أما الذكاء فإنه
…
أذكى وأبرع من إياسه
في أي فن شئته
…
فكأنه باني أساسه
أضحى البديع رفيقه
…
لما تفرد في جناسه
مواهبه:
كان رحمه الله طموحا محبا للاجتماع والتنقل، ومشاهدة الحضارات المختلفة، وكان معروفا بالجد والذكاء معًا، حدث عنه معاصره المحروم الشيخ "محمد شهاب الدين المصري"، الشاعر بأنه كان آية في حدة النظر وشدة
1 الخطط التوفيقية ج4 ص39.
الذكاء، وأنه ربما استعار منه الكتاب في مجلدين، فلا يلبث عنده الأسبوع، أو الأسبوعين ثم يعيده إلي وقد استوفى قراءته، وكتب في طرره1 على كثير من مواضعه2، ومما عرف عنه أنه كان يرسم بيده المزاول النهارية.
آثاره:
له تآليف عدة منها حاشيته على جمع الجوامع نحو مجلدين، وحاشية على الأزهرية النحو، وحاشية على مقولات الشيخ "السجاعي"، وحاشية علي السمرقندية، ورسائل في الطب والتشريح "والرمل"، "والبازرجة" وغير ذلك، وقد شرح جزءًا من الكامل للمبرد.
شعره:
لم يجمع شعر العطار في ديوان، وقد أراد هو كما قلنا ألا يحتفظ بشعره الذي نظمه في المدح والهجاء، ورغب ألا يحفظ عنه إلا ما كان غزلًا رقيقا نظمه في صباه حيث العيش غض، والزمن من الشوائب محض، وأن مما يؤسف له أن يفقد كثير من ثروة العطاء الشعرية النفيسة، ولو توفر جميع شعره لارتسمت فيه صورة ناطقة لشاعريته، ومواهبه وشخصيته، ووضحت هذه القصائد مجتمعة كثيرا من أحوال العصر إذ الشعر مرآته المجلوة.
ومهما يكن من شيء ففي القصائد المتناثرة التي وقعنا عليها ما يعين -ولو في جهد- على دراسة شعره، وطريقته واتجاهه الشعري.
يدل ما بين أيدينا من شعر "العطار" على السهولة، ووضوح الغرض وإشراق المعنى وسعة الأفق، وغزارة مادة التشبيه، ولعل مما بسط في أفقه الشعري، ومد في خياله، ومال به في الشعر إلى الوضوح والرقة والسجاحة
1 الطرر جمع طرة، وهي جانب الثوب الذي لا هدب له، وشفير النهر والوادي وطرف كل شيء وحرفه والناصية.
2 الخطط التوفيقية ج4 ص39.
ما تهيأ له من مخالطة الكبراء والعظماء، وما كلف به من حب الحياة الاجتماعية وغشيانها في شتى مجاليها، ومختلف ميادينها وما اجتلاه في الممالك التي ارتحل إليها وجال في ربوعها من مشاهد وحضارات، وأخلاق وعادات، وما اطلع عليه من ألوان الحياة المتقاربة والمتباينة، فإن كل ذلك من مقومات الشعر، ومن أسباب بسيطه وتلوينه، على أن هذه المخالطات، وتلك الاتصالات التي وثق "العطار" أسبابها صرفت شعره عن التعقيد، والغموض والالتواء.
ويظهر أن العطاء يميل بطبعه إلى السلاسة، وينحرف بفطرته إلى الإشراق والسهولة، وإذا رجعت إلى أقدم ما عثر عليه من شعره لم تفتك منه هذه الصفات، وطالعتك منه صفحة نقية من الغموض والالتواء.
فمن أقدم شعره قصيدته التي رواها "الجبرتي"1 يمدح بها الشيخ "شامل أحمد بن رمضان" المتوفى سنة خمسة عشر ومائتين وألف من الهجرة، حينما ولى مشيخة رواق المغاربة إذ يقول:
انهض فقد ولت جيوش الظلام
…
وأقبل الصبح سفير اللئام
وغنت الورق على أيكها
…
تنبه الشرب لشرب المدام
والزهر أضحى في الربا باسما
…
لما بكت بالطل عين الغمام
وللغصن قد ماس بأزهاره
…
لما غدت كالدر في الانتظام
وعطر الروض مرور الصبا
…
على الرياحين فأبرا السقام
كأنما الورد على غضنه
…
تيجان إبريز على حسن هام
كأنما الغدران خلجان أغصـ
…
ـان النقا والنهر مثل الحسام2
كأن منظوم الزراجين بها
…
قوت غدا من نظمه في انسجام3
1 الجزء الثالث ص113.
2 النقا -القطعة من الرمل تنقاد محدود به.
3 الزرجون، كقربوس شجر العنب أو قضبانها والخمرة، وماء المطر الصافي المستنقع في الصخرة.
كأنما الآس1 عذار2 على
…
وجنته وقد علاها ضرام
كأنما الورقاء لما شدت
…
تتلو علينا فضل هذا الإمام
بشراك مولاي على منصب
…
كان له فيك مزيد الهيام
وافاك إقبال به دائما
…
وعشت مسعودا بطول الدوام
فقد رأينا فيك ما نرتضي
…
لازلت فينا سالما والسلام
هذه الأبيات من أقدم شعره الذي عثرنا عليه، وهي متسعة بالسهولة ووضوح الغرض ومجافاة الغموض، مع حسن صياغتها وتسلسلها، وكثرة تشبيهاتها المحكمة السائغة.
ومما قاله متغزلا:
إلى متى أشكو ولم ترث لي
…
أما كفى أن رق لي عذلي؟
يا باخلا بالوصل عن عاشق
…
بعسجد الأجفان لم يبخل
أنفق في حر الهوى عمره
…
وعن أمانيه فلا تسأل
لم يبق في الصب سوى مهجة
…
أمست بنيران الهوى تصطلي
ومقلة ترعى نجوم الدجى
…
شقيقك الزاهر عنها سل
تبيت تبكي شجوها كلما
…
هاج بذكراك فؤاد بلي
ما أطول الليل على عاشق
…
فارق محبوبا عليه ولي
كأنما الصبح اتقى سطوه
…
من كافر الليل فلم ينجل
فهذه القطعة من أرق أبيات الصبابة وأعذبها، أودعها الشاعر عواطفه وشجونه فعبرت عنها أصدق تعبير، فهو يعتب على محبوبه عتاب الشاكي، ويسائله إلام يغضي من شكواه، وقد رثى العذل لحاله؟ ثم يتجه إليه فيخاطبه قائلا متى بخل بالوصل على عاشق جاد بعسجد أجفانه لطول بكائه، وأنفق
1 الآس نبت معروف من الرياحين.
2 عذار اللحية الشعر النازل على اللحيتين.
عمره في حر الهوى، وأنت معرض لا تسأل عن أمانيه، لم يبق في محبك إلا مهجة تصطلي بنار الهوى، ومقلة تبيت ساهرة ترعى النجوم، فسل شقيقك ينبئك عن حالها، إنها تبيت تبكي كلما هاج بذكراك الفؤاد البالي، ثم ينتقل الشاعر إلى التبرم من طول الليل على العاشق الذي فارق محبوبا ولى عليه، وينتظر الصبح فلا يطلع، فيخيل إليه أنه يخشى سطوة الليل الكافر، فمن ثم لم ينجل، وهو مسبوق إلى هذا المعنى يقول البهاء زهير:
لي فيك أجر مجاهد
…
إن صح أن الليل كافر
المحسنات في شعره:
والمحسنات البديعية تبدو في شعر "العطار"، وتبدو أنواعها في شعره كما تدور في شعر أقرانه المعاصرين.
ففي شعره الطباق كقوله:
أسروني وأطلقوا دمع جفني
…
وأثاروا في القلب نار الجحيم
وهو بين "أسروا" و"أطلقوا".
والتقسيم كقوله:
فطرفي إلى رؤياكم متشوف
…
وقلبي إلى لقياكم متشوق
مع ما في البيت من الجناس بين متشوف ومتشوق.
وتجد في شعره الاقتباس كقوله:
مرج البحرين فيضا دمعه
…
إذ رأى جفنيه لا يلتقيان
وهو اقتباس من قوله تعالى: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ} .
ويستعمل الثورية في شعره، وتطالعك كثيرًا كما في قوله:
حلمه الروض جناه يجتني
…
ويرجي العفو منه كل جان
فقد روي بلفظ "جان" بين معنيه الآثم والقاطف.
وكما في قوله:
وكيف أجوز في ميدان قوم
…
حقيقة فضلهم أرجو مجازه
فقد روي بلفظ "مجاز" المضاف إلى الضمير يبين معنيه مقابل الحقيقة، والمصدر الميمي الذي هو بمعنى الاجتياز.
وكما في قوله:
كسر القلب وما كان التقى
…
فيه من حين هواه ساكنان
فلفظ "ساكنان" مورى به بين مثنى اسم الفاعل من سكن بمعنى حل، أو سكن بمعنى لم يتحرك، ويحسن أن نشير إلى أن "العطار" أخذ هذا المعنى من قول الشاعر:
يا ساكنا قلبي المعنى
…
وليس فيه سواك ثان
بأي معنى كسرت قلبي
…
وما التقى فيه ساكنان
أما الجناس فإنه مولع به، مفتون بفنونه، يستعمل منه في شعره ألوانا مختلفة ويدور في شعره في صور شتى، وكأن "بطرسًا" الذي قدم إلى مصر ضيفا مع كبير الدروز لم يقل في "العطار".
أضحى البديع رفيقه
…
لما تفرد في جناسه
إلا حيث كانت "العطار" شهرة بإدمان الجناس والافتتان فيه، وتلوينه بألوان مختلفة، فقد يعمد إلى الجناس في الكلمة الواحدة، فيوردها ذات معان شتى وفي صور متغايرة قد تصل أحيانا إلى أربع كقوله يمدح "إبراهيم باشا":
سمهري1 ينثني أم غصن بان
…
أم قوام دونه صبري بان
صان بالعسال2 معسول اللمي
…
وتهادي هادما ما أنا بان
1 السمهري -الرمح الصلب، والمنسوب إلى سمهر زوج ردينة، وكانا مثقفين للرماح، أو إلى قرية بالحبشة.
2 العسال الرمح الذي يهتز لينا، والمعسول المخلوط بالعسل.
يا مليك الحسن رفقا بشبح
…
كلما حاول كتم الشجو1 بان
فكلمة "بان" في هذه الأبيات كررها الشاعر أربع مرات، وهي على ترتيبها "اسم" للشجر، وفعل ماض بمعنى تعد، واسم فاعل من بني بمعنى أقام وشيد، وفعل ماض بمعنى ظهر، وولوعه بالجناس هذا هو الذي أوقعه في هذا التكرار الذي غاض معه جمال الشعر وبهاؤه، وجاء متكلفا لا تنفتح الأسماع له، وهو لا ينسى في غمار هذه الضجة التي أثارها بجناسه، "وبان" تكلفها في شعره أن يسوق جناسات أخرى في سياق هذه الأبيات، كما بين "العسال""ومعسول" اللمي "وتهادى" و"هادما" و"شج" و"شجو".
وهذا الجناس الذي يغرق "العطار" في تناوله، ويسرف في استعماله يحلو أحيانا، فيكون مقبولا سائغا لا نبو فيه كقوله:
وصفا لي زمان أنس صفا لي
…
بحبيب غض وراح قديم
وقوله:
وما لي إن منعتكها اقتدارا
…
وما لي إن منحتكها إجازة
وقوله:
يمم اليم ورد ما تشتهي
…
وعلى المورد يا صاح الضمان
وقوله:
وغنت الورق على أيكها
…
تنبه الشرب لشرب المدام
وقوله:
همم فوق السموات سمت
…
ومعال دونهن الصعب هان
فالجناس بين "صفا" و"صفا" و"منعتكها"، و"منحتكها" و"يمم" و"اليم" و"الشرب" جمع شارب و"الشرب" مصدر شرب و"السموات"، و"سمت" و"دونهن" و"هان"، وهذه جناسات سائغة لا تمجها النفس
1 الشجو -شجاه حزنه وطرفه كأشجاه فهما ضد.
ولا تتكره لها ومن جناسه ما يسمح، وينسبو وتسمعه الآذان بغضاضة، وتسخط لما يبذله له من التكلف والتعسف كقوله:
وحلى حلت وجلت غاية
…
أيجاري من له سبق الرهان
وقوله:
فهو كالشمس سمت آفاقها
…
وسناها كان في كل مكان
هذه جناسات موسومة بطابع التكلف ارتصد لها الشاعر، فلم تخف على الأسماع.
حسن الانتقال في شعره:
والشاعر يحسن الانتقال من معنى إلى معنى، فلا تحس بقلق بين المعنيين أو اقتضاب، أو تنقل من الأول إلى الثاني بل نجد تمام الالتئام، وحسن السبك وأحكام التآخي كقوله:
يا نديمي قم وباكرها وطب
…
هذه الجنة والحور الحسان
وأدر لي بنت كرم عتقت
…
نورها الباهر يحكي البهرمان
بالنهى قد فعلت كاساتها
…
فعل إبراهيم سلطان الزمان
فقد انتقل من أثر الكؤوس في النهى، وما تفعل به إلى أثر إبراهيم الممدوح في نفوس الناس دون مجافاة بين المعنى الأول والثاني، أو تعثر أو فجوة بينهما.
أغراض شعره:
هو واسع الأفق في شعره يتناول فيه جميع الأغراض الشعرية من غزل، ومدح وهجاء وفخر ورثاء، ووصف وتهنئة وحكم وغير ذلك.
ومن حكمه قوله:
قد يطلب الحسناء من لم يكن
…
كفؤًا لها للحمق في عقله
قد يتساوي اثنان في منصب
…
وإنما التفريق في سبله
ويفخر المرء بأفعاله
…
لا بالذي قد مات من أهله
المصطلحات العلمية في شعره:
تبدو المصطلحات العلمية في شعره، ولكن على قلة فمن ذلك قوله:
فمنصب المرء قرين له
…
والشكل مجذوب إلى شكله
وقد ترى فرعين من دوحة
…
تخالفا في الحكم مع شكله
التاريخ الشعري وبراءته منه:
أما التاريخ الشعري الذي تهافت عليه الشعراء المعاصرون له، فختموا به قصائدهم وسجلوا به كل حادث، وافتنوا في تناوله، فقد تحرر "العطار" منه ولم نعثر فيما وقع بين أيدينا من شعره على استعماله هذا النوع.
نثره:
جرى "العلطاء" في إنشائه على طريقة عصره، وخاصة في أوائله فالتزم السجع حتى لم تفلت منه جملة، وتكلف الصنعة ما طاوعه جهده، فكان نثره عكس شعره قيودا، والتزامات في النثر وسهولة وانطلاقا في الشعر في أغلب الأمر، وقد أودع ما كتبه في كتاب سماه "إنشاء العطار"، وقسمه قسمين "كتابة الشروط والصكوك، وإنشاء المراسلات الواقعة بين السوقة والمملوك، وأثبت في هذا الكتاب" من كل فن منهما قدرا به اللبيب عن غيره يستغني، فهو لكل كاتب عن الافتقار لسواه مغني".
وكان له في صباه أغراض دونها في أوراق تلاعبت بها الأيدي، ولم يبق منهما إلا النزر القليل، فلخص منها ما يحسن إيراده في "المخاطبات"، وترك "ما لا يتعلق به غرض في المكاتبات".
ولما كانت الأقلام في هذه الفترة متقاصرة عن تصوير المشاعر، وتسجيل الخواطر، وتدوين الرسائل في مختلف الأغراض، وضع "العطار" لشتى المناسبات إنشاء مختلفا يستعمله كل كاتب في غرضه، مراعيا مقام المكتوب إليه، فإن كتب رسالة ترفع إلى أمير، أو سلطان حشن له المدح والثناء، أو لمرجو في حاجة بسط إليه أكف الضراعة والاستجداء، واستدر عطفه ونداه، وإن خاطب عالما كان خطابه متسقا مع ما عرف به المخاطب من نوع علمه، وراعى في رسالته إليه ما يناسب من العبارات، والتراكيب مستشهدا بالشعر حينا من نظمه، وحينا آخر من محفوظه.
وبعد أن حشد في القسم الأول من هذه المخاطبات طائفة من الرسائل المتنوعة، عقب بخاتمة "تشتمل على أبيات تورد في أوائل الصدور، ويستشهد بها في أثناء السطور"، وبطائفة أخرى من "شطور أبيات تحلى بها السجعات".
ثم كتب في القسم الثاني ما يلائمه من رسائل أعدها لمن يعجز عن الكتابة، فيستعين بها من صور مبايعات، وصلح وحوالة وشركة وشفعة، ووكالة ونحو ذلك.
نماذج من إنشائه:
مما كتبه في رسائل الإخوان:
"الإخاء بيننا أدام الله سعدك وأثل مجدك، وأورى زندك، وأهلك ضدك، وأجرى على الألسنة شكرك وحمدك.
فالناس أجدر من أن يمدحوا رجلًا
…
حتى يروا عنده آثار إحسان
قوى الارتباط بعيد الانحطاط، متزايد متصاعد، عتيد أكيد، لا يطمع واش في نثر عقده، ولا يوجب طول التباعد تناسى عهده، كيف وأنت الجليل الذي عليه المعول، والحبيب الذي آخر شوقي إليه أول، لي بلقياك أنس وارتياح، وبدارك غدو ورواح، ومبيت ومقيل، في ظل عيش ظليل قوبل بإجلال، وعومل بإفضال:
وقيل له أهلا وسهلا ومرحبا
…
فهذا مكان صالح ومقيل
يجد منك القاصد إليك، والمستقر لديك، ما تقر به عينه، ويستقر أينه من نفيس كتاب، ولذيذ خطاب، وجليس أنيس، ونديم نفيس.
مجلس تكثر الفوائد فيه
…
وتسر العيون والأسماع
وكتب لعالم نحوي
"يقبل الأرض إجلالًا ويشرح ما
…
يحس من حرق الأشواق والقلق
ويشتكي بعض ما يلقى وأعجب ما
…
رأيت أن تخمد النيران بالورق
ويبدي غراما تحرك سواكنه عوامل الاشتياق، وحبا أضرمت ناره في الضمير فكاد يشعله الاحتراق، وينعت ودا ممتزجا بتوابع الثناء والمدح، ويرفع أدعية صارت بها الأكف مبنية على الفتح، ويصف أشواقا سكنت في صميم الضمير، وسلم جمعها من التكسير، بعد دعاء إذا قصد باب القبول قيل: ادخلوها بسلام، وسلام أعطر من حديث النسيم بأخبار زهر الكمام، وينهى بعد بث أشواق أصبحت بها الدموع في محاجر العين معثرة، ولو لم يقرأ إنسانها بمرسلات الدمع لقلقت في حقه قتل الإنسان ما أكفره.
إنه إن تفضل المولى بالسؤال عن حال هذا العبد المخلص، والمحب المتخصص، فهو باق على ما تشهد به الذات العلية، من صدق المحبة ورق العبودية، ويخبركم بكذا وكذا
…
إلخ".
السيد على درويش المصري
…
السيد علي الدرويش المصري:
المتوفى سنة "1270هـ-1853م"
نشأته وحياته:
هو، "السيد علي الدرويش" بن "حسن" بن "إبراهيم الأنكوري"، ولد بالقاهرة في غرة شهر المحرم سنة 1211هـ، ولما شب ألحق بالأزهر، فتلقى علومه على جلة من شيوخه، وكان منذ صباه ميالا إلى الأدب وفنونه، فأقبل على كتبه يغذي ملكته بقراءتها ويرتوي من محاسنها، ويستظهر ما يستطيبه منها، وقلب في كتب اللغة فعرف أسرارها، ووقف على مكنونها، وكان هواه إلى الهندسة والحساب أيضا فأجال فيهما نظره، ثم تفرغ للكتابة وقرض الشعر، وحرر الرسائل ونظم جمهرة من الأصوات "أدوار الغناء"، واشتهر بصناعة المواليا والموشحات، وتهيأت له بأدبه وشهرته منزلة رفيعة لدى الوجوه، وأمراء العصر حتى أصبح شاعر المرحوم "عباس الأولى".
وكان غنيا بماله وعقاره عن التكسب بشعره معروفا بميله إلى اللهو، والطرب غزير المدح لمن يحبه لاذع الهجاء لمن يبغضه، ولعله امتاز بهذين من الشعراء الأزهريين الذين لم يكونوا في ذلك مسرفين، كما كان حاضر البديهة عذب المفاكهة، حلو المنادرة، كانت وفاته في السابع والعشرين من ذي القعدة سنة سبعين ومائتين وألف من الهجرة.
شعره:
عصر الدرويش عصر صناعة وزخرف وطلاء، وتعمل وكلف بالبديع وإغراق فيه على تفاوت الشعراء في ذلك، ولو أن الدرويش اقتصر في شعره على الحظ الذي تناوله المعاصرون له من الصناعة، والمحسنات لكان من أجودهم شعرًا إلا أنه أغرق في البديع، وكلف بالزخرف يحشده حشدا، ويشده شدا،
ويسرف فيه إسرافا، ويتصيده بسهولة ويرتقبه رضيه الذوق أو أباه، وبذلك استغلق شعره، والتوى قصده، وانحط نسجه، وضت معانيه فيما أغرى به من صنعة، وما سهر عليه من زينة.
فمن جناسه الذي يستعمله في شعره قوله:
أيام أفراح هي الحسن
…
صدق اليمين بأنها يمن
فالجناس بين اليمين واليمن، وهو متكلف إلا أنه غير موغل في الثقل.
وقوله:
كالروض مختلف الثمار مهذبا
…
أفنانه من عنده فن
فالجناس بين أفنان جمع فنن "وفن".
وقوله:
أملي وعلم مآله أعياني
…
أو لم تكن منقولة أعياني
فالجناس بين أملي ومآله، وبين "أعياني" بمعنى أثقلني و"أعيان" المضافة إلى ياء المتكلم جمع عين.
وقوله:
صفو الليالي أحسنا
…
يمن تراهم أحسنا
فالجناس بين أحسن ضد أساء وأحسن وصفا من الحسن.
هذه الجناسات ليس فيها ما واتاه عفوا، أو انساق إليه دون استكراه بل احتفل الشاعر بها، فشدها شدا أضاع المعنى الشعري، وجرد الشعر من الجمال والروعة.
ومما أسرف فيه من الجناس، وكان غاية في الثقل والتعمل والنبو والقلق قوله:
جسمي لعري غدا بالبرد مكتسيا
…
ليلا وشمس نهاري بردي الثاني
بردان لا نفع "للبردان عندهما
…
وجبة البرد تكو كل عريان
أخاف أطلب بردا أستغيث به
…
يرده بردا بالغيث حرماني
لا أسأل الحظ بردا أن يحرقه
…
والبرد والبرد في التحرير سيان
فإنه ما زال يكرر لفظ "البرد"، ويديره في شعره في أوضاع مختلفة طلبا للجناس حتى قبح نسج الشعر وسمح نظمه، وأصبح غاية في السخف و"البرودة"، ولعل كلفه بالجناس أوقعه في الخطأ باستعمال كملة بردان العامية، وفصيحها بارد وبُراد وبَرُود وبَرْد.
ومن الطباق الذي يستعمله قوله:
بيت جديد قديم المجد عن سلف
…
بسعد أنجالهم قد شرف السكن
فقد طابق بين جديد وقديم وقوله:
فكم قالت لها الأخرى هلمي
…
وكم قالت لها الدنيا تأني
فقد طابق بين الأخرى والدنيا:
ومن أنواع البديع التي يستعملها في شعره مراعاة النظير كقوله:
لهم جامع من غير باب فكم عوت
…
عليهم من المحراب في الصبح جرذان
إذا سجدت حيطانه فهي ركع
…
وتسمع تسبيح الحصا منه سقفان
وقد أخطأ إذ جمع سقف على سقفان، والصحيح سقف وسقوف.
ومما أولع به من التورية في شعره قوله في مليح اسمه رضوان.
قد أكثر البعض في إنكاره سفها
…
يوم القيامة جنات ونيرانا
فأبطل الله في الدنيا أدلتهم
…
لما أراهم من الجنات رضوانا
فيحتمل أن يكون أراد "رضوان" خازن الجنة، أو المليح المسمى "رضوان"، أو الرضوان مصدر كالرضا من رضى "ورضوان من الله أكبر".
ويروى في كتاب اسمه "مراتع الغزلان" فيقول:
يا واردا سلسال ذا البستان
…
منك الدعاء لصادر ظمآن
واسمع قمارى الحب في أقمارها
…
فلقد سقاها كأسه وسقاني
واسترحم المولى شهيدا في الهوى
…
أبدا صريع "مراتع الغزلان"
فالتورية في قوله "مراتع الغزلان"، إذ يحتمل أن يكون اسم الكتاب أو مواطن النساء الشبيهات بالغزلان.
وهو يغرى بالبديع أيضا في الموشحات و"الأدوار" الغنائية، فتراه يلتزم الجناس فيها، ويستعمل التورية ما استطاع، كقوله:
بافاتك الفتان
…
ناسي ناسي أهواء
وخده النعمان
…
كاسي كاسي آه
…
وآه
فقد أوقع الجناس بين ناسي اسم فاعل و"ناسي" بمعنى أهلي، وأوقعه بين كاسي اسم فاعل من كسا و"كاسي" التي هي إناء الخمر مضافة إلى ياء المتكلم، كما أوقعه بين أهواه، فعلًا بمعنى أحبه، وآه، وواه اسمي فعل بمعنى أتألم، وفي ذلك من التكلف والتشدد ما فيه، ويقول:
يا من على خده دينار
…
صرفت فيه فضة دمعي
جد لي ببوسه قال دي نار
…
والبوس محرم في شرعي
ففي كلمة "دينار" الثانية تورية إذ يحتمل أن تكون مكونة من "دي" اسم الإشارة بالعامية "ونار" أي هذه نار لا تطيقها، وأن تكون النقد المعروف من المذهب، والمعنى هات دينارا إن أردت القبلة.
ولوعه بالتاريخ الشعري:
وهو مفتون بالتاريخ الشعري، وما زال يستعمله في شعره حتى عرف به، ومهر فيه حتى ما كانت تمر به حادثة إلا أرخها عفو الساعة1.
1 أعيان البيان للسندوبي ص46.
فمن ذلك ما قاله يؤرخ به إنشاء قنطرة:
إنشاء ممدوح الملا
…
من عدله الدنيا ملا
أعني الوزير محمدا
…
رب المحامد والولا
لقبوله قد أرخوا
…
إنشاء قنطرة العلا
352 759 132
…
سنة 1243هـ
ويؤرخ لتجديد القصر العالي، فيقول:
قصر به نور السعادة آهل
…
إسعاد منشئه به متواصل
فكأنه الفردوس في أوصافه
…
ظل وفاكهة وماء هاطل
وبلابل الأغصان فيه ترنمت
…
فرحا فنقطها اللجين الوابل
والسعد نادي بالسرور مؤرخا
…
قصر به نور السعادة آهل
...............................
…
390 7 526 568 36
سنة 1257هـ
ومما كتبه ليؤرخ به
تاريخه كمولد السيد أباظه حسن
100 105 105 109 118
سنة 1232هـ.
وهو يستعمل الشعر في التاريخ للمناسبات التافهة، فإذا مات حماره قال:
الدرويش مات حماره
سنة 1246هـ.
وإذا مات حمار "خليل" قال:
قد نفق حمار خليل
سنة 1253هـ.
ويموت خادمه في ذلك العام الذي مات فيه حماره، فيؤرخ كما أرخ له فيقول:
قد مات خادمي أحمد
سنة 1253
وإذا جدد منظرته كان تجديدها عمارة تستحق التاريخ، فيقول:
جدد أحمد منظرة
سنة 1259
هذا وسنورد أبياتا متصلة من شعره لتكون أنطق دلالة على مذهبه في الشعر، وأكثر توضيحا لمسلكه فيه، مما هو من أغراض شعره المختلفة.
فمما قاله يمدح المرحوم "محمدا عليا"، ويؤرخ لامتحان المدارس.
أيجهد في سوى العلم المعاني
…
ومعنى الأنس إدراك المعاني؟
كفاني أن رب العلم باق
…
على الدنيا وهل باق كفاني؟
فلو عرف الكمي مجال علم
…
لزاجمنا عليه باليماني
وسن يراعه بسمت بنجح
…
متى عبس البنان من الطعان
بديوان المدارس نعم يوم
…
ولا أنساه يوم المهرجان
بأنجاب جميعهم تحلى
…
بعقد النجم مسعود القران
وقال لهم نزال لدى المعاني
…
وراهنهم فجالوا في الرهان
ترى شجعانهم بثبات جأش
…
إذ عرف الجبين من الجبان1
وهم يتنافسون بكل فضل
…
ليمتحنوا وعند الامتحان
كأن جوابهم لمغالطيهم
…
"عتاب بين جحظة والزمان"
فهم سادوا بمسودات فضل
…
بها قد بيضوا وجه الزمان
1 يقال امرأة جبينة وجبين وجبانه.
معانيهم تصرف نحو فقه
…
ومنطقهم بديع في البيان
ولا عجب إذا كان المربي
…
مربي الروح بالعقل المصان
خديو عدله في كل دان
…
وفضل علائه في كل آن
معان من معالي أريحي
…
أريح من زهور في جنان
به الأوطان مثل الروض أضحت
…
وفيها مدحه كالأقحوان
قد اكسب هيئة الدنيا جمالا
…
وجمل مصر منه بامتنان
بترجمة العلوم وكن عجما
…
وتأليف اللآلى والجمان
ينظم فوق صدر الفضل عقد
…
ونثر ذاك منه النيران
بلين تمدن وشديد دين
…
فريد ما له مثل يداني
به الإفضال نادي الفضل أرخ
…
أجل كرامة للامتحان
.........................
…
34 661 560
سنة 1255هـ.
فهذه الأبيات حشد الشاعر فيها ما قدر عليه من أنواع البديع المشدود، وألوان الصنعة المتكلفة المستكرهة حتى لكأنها مقصده الأول، وغرضه الأسمى فجاءت فجة مقفرة من جمال الشعر، لا تتنسم منها روح الشاعرية الخصبة، بل لعلي لم أهتز لبيت واحد منها بخيال يطرب، أو تصوير يعجب.
ودعاه صديقه "السيد أباظه" لمقابلته أحد الأمراء، فكتب إليه:
غيري تلفته تلك الخيالات
…
فهل لخطك فوق الماء إثبات
لا تحسب الفضل عند الكل منقبة
…
إحسان قوم لدى قوم إساءات
وحاسب النفس عن ساعات ما اشتغلت
…
في أي نفع مضت تلك السويعات
1 يقال امرأة جبينة وجبين وجبانة.
قرب صديقك وابعد عن عدوك في
…
سر إذا منعتك الجهر حاجات
الناس بحر فمن والى سباحته
…
لا بد يعيا وفي البر السلامات
فوحشة الناس أنس أو يمازجهم
…
فتى بضاعته في الناس مزجاة
إن عاتب الدهر غيري لا أعاتبه
…
إذ موجب العتب في دهري سجيات
فأكثر الناس لم أفرح لعيشتهم
…
في أي حال ولم أحزن إذا ماتوا
ولا أضر إذا غابوا وإن حضروا
…
فلا أسر ولم أنظر إذا فاتوا
فللدراويش حالات مناقضة
…
وللمجانين أوقات وساعات
وفي الحق أن هذه الأبيات لم تخل من المعاني الشعرية، ففيها دلالة على مذهب الشاعر في الحياة، وأنه لا يعبأ بكبار الناس، ولا يتهافت عليهم فما ذلك في رأيه إلا خيالات، هي أشبه عنده بخطك فوق الماء لا ثبات له ولا أثر، وأنه لا يحمل لأكثر الناس فرحا إذا عاضوا في أي حال، ولا يحزن عليهم إذا رحلوا عن الحياة، وإن غابوا فلا يضره غيابهم، وإن حضروا لا يسره حضورهم، وإن فاتوا لم يكلف نفسه نظرًا.
وهو يلتمس لنفسه العذر بأنه من "الدراويش"، "وفي ذلك تورية باسمه لطيفة"، وللدراويش حالات مناقضة، ويحسب نفسه في المجانين ليقوم جنونه عذرا عند صاحبه، وذلك عدا ما في الأبيات من حكم جرت على لسان مجرب خبر الحياة وعرف الناس، وأنه وإن لم يدع في هذه الأبيات ما جبل عليه من حب الزخرف، والطلاء كان غير مسرف، وذلك مما أبقى لها كثيرا من الجمال وأهلها لغير قليل من التقدير، وحسن الوزن.
ومن شعره الذي فيه شيء من الطرافة، وحسن السبك ما قاله من قصيدة يعتذر بها للشيخ "البديري":
بدر صفا بعد تكدير النوى فيه
…
وجاد لي بعد أن زالت نوافيه
فروح الروح وأغنم نور بهجتها
…
بمفرد قد سما عمن يحاكيه
قل "للبديري" واستعطف أصالته
…
فإن عوني عليه في معاليه
قد يهمل النقع في البيدا لخسته
…
ويرجم الغصن إن طابت مجانيه
فإذا أغضيت عن الجناس في البيتين الأولين، أعجبك من الشاعر تعبيره "استطف أصالته"، وأنه جعل عونه عليه في معاليه، وراقك تشبيهاه المحكمان في البيت الأخير.
وقال مضمنًا:
وغادة غار مني زوجها فسعى
…
يريد قتلي وفي أحشائه ضرم
يا زوجها كف عن قتلي مسامحة
…
بيني وبينك لو أنصفتني رحم
وقال مضمنا أيضًا:
قد قلت لما بدا يختال في خفر
…
وهز عطفا كغصن البان ممشوقا
هذا الذي ترك الأوهام حائرة
…
وصير العالم النحرير زنديقا
ومما قاله متغزلًا:
تعالى من أعار الغصن لينا
…
وأحرم من جناه العاذ لينا
يهنأ العاشقون بطيب عيش
…
فما أحلى عذاب العاشقينا
سعدنا بالتواصل بعد هجر
…
وقد كنا بجفونه شقينا
فقل للصابرين على هواه
…
دعوا العذال فيما يفترونا
"سيخزيهم وينصركم عليهم
…
ويشف صدور قوم مؤمنينا"
أرى لي في محبته يقينا
…
فهل من لحظه شيء يقينا
إذا ما كنت تهوى البحر فينا
…
فدع هذا لقوم آخرينا
فمن هدب ومن شعر وخال
…
يوالي المسلمون الكافرينا
فإنا في هواك عبيد رق
…
على حب وما كنا سبينا
فإن تمنن بإحسان علينا
…
"فإن الله يجزي المحسنينا"
فقل للجاهلين بجاه حسن
…
لظبي لم يضف للجاه لينا
رأيتم طرة سلبت فؤادي
…
بصفراء تسر الناظرين
وهذه أبيات تمثل غزل العلماء الجاف، فليس فها من لوعة ولا صبابة، وإنما هي شعر جدب لا تهتز له نفس، ولا يمس عاطفتك أثر منه، عدا ما فيها من الجناس الذي حرص عليه، والاقتباس الذي سعى إليه وساقه في غير موضعه "سيخزيهم وينصرهم عليهم، ويشف صدور قوم مؤمنينا"، و"إن الله يجزي المحسنينا".
ولكن شعر الدرويش لا يخلو أحيانا من شعر مقبول، ونظم على طرف من الجمال والحسن، ويظفر بذلك كلما تحرر من قيود التكلف، وآثر السهولة والتطلق.
ومن ذلك قوله:
ألا محب يلاقيني أطارحه
…
هوى حبيب منيع الدار نازحه
رأيت في الغصن شيئا من رشاقته
…
فكدت من فرط أشواقي أصافحه
حتى يؤجج نار الحب في كبدي
…
ظلما وقلبي مع هذا يسامحه
كأن شمس الضحى من طوقه شرقت
…
لنا ومن فرعه عادت بوارحه
وإن جفاني لبعدي عن منازله
…
واعتاض بي مائقا يهجوه مادحه
فطالما قصرت أوقاتنا معه
…
في ظل بان يثير الوجد صادحه
ورب ماض من الأعراب ذي شرف
…
تصافح الهام في الهيجا صفائحه
سابقته للمعاني ثم قدمني
…
قلب إلى الذروة العليا مطامحه
وبات يسري إلى شأو ليدركه
…
كالوعل يمشي إلى طود يناطحه
ومهمه نازح الأرجاء ذي محن
…
كأنما لجج خضر مناوحه
قطعته وركاب الركب واقفة
…
سيان سانحه عندي وبارحه
حيا العقيق من الوسمي صوب حيا
…
وجاد مغناه غاديه ورائحه
فكم فؤاد أبى فيه منطرح
…
وعاشق سفحت فيه سوافحه
فما من ريب في أن في هذه الأبيات غير قليل من الرصانة، وجمال الشعر وقوة التصوير، ولم يتهيأ ذلك الشاعر إلا بتخلصه شيئا من الأغلال التي كان يرسف فيها من التعسف، وكريه الصناعة.
ومن أبياته الرقاق ما قاله في الهرمين:
أنظر إلى الهرمين واعلم أنني
…
فيما أراه منهما مبهوت
رسخا على صدر الزمان وقلبه
…
لم ينهضا حتى الزمان يموت
ديوان شعره:
وقد جمع تلميذه "مصطفى سلامة النجاري" شعره ونثره في كتاب سماه "الإشعار بحميد الأشعار"، وطبعه على مطبعة الحجر سنة 1284هـ، ورتب الديوان على ثلاثة أبواب -الأول: في الصناعات مرتبة على السنين، والثاني: في غير المصنع مرتبا على حروف الهجاء، والثالث: في الثنر والأدوار، وقد نظم الدرويش جملة متون، وأراجيز منها متن التنوير ومنظومتان في العروض والقوافي افتتح الأولى بقوله:
إلهي لك الحمد فصل مسلما
…
على المصطفى والآل والصحب تفضيلا
واستهل الثانية بقوله:
لك الحمد فاللهم صل مسلما
…
لطه وآل فضلهم مد أبحرا
وبعد ففي نظم عروضا قوافيا
…
على هو الدرويش وازن أسطرا
وهو نظم ضعيف منحل السبك كما ترى:
نثره:
أما نثره فهو صورة من شعره في التكلف والتعسف، يلتزم فيه السجع حسن أو ساء، "ولولا ما كانت تجره إليه الأسجاع من الحشو والخروج لعد من كتاب الطبقة الأولى في منشئ ذلك العصر1".
وقد تضمن نثره الباب الثالث من كتاب "الإشعار بحميد الأشعار"، وله مقامات ورسائل فيها روعة ورصانة، فمن نثره ما كتبه أحد أصدقائه، وقد دعاه للحضور.
"سيدي كان مأمولي الحضور، لأحظى بالحبور، لكن قابلني القدر بنحسه وحضر لي من قد بناه بنفسه، فكادت النفس تحس لي أن أقتله بسيف علي ولو كنت من شيعته، لحضر لأعتابكم العبد من ساعته، ولما لم تكن لي وسيلة حتى أشاهد بطرفكم كل حيلة، قلت: حسبي الله ونعم الوكيل، واعتكف على إسماعيل.
ومن مقامة الفضيلة والرذيلة قوله:
"وفقك الله لما يرضاه، وعصمك من موجب الذم ومن لا يتحاشاه، وإن الفضيلة والرذيلة صفتان متضادتان، ونوع الإنسان مجبول على الميل للأولى والفرار من الأخرى على حسب آراء العباد وعوائد البلاد، فربما كانت الفضيلة عند قوم رذيلة عند آخرين، وكانت الرذيلة عند أمم فضيلة عند غيرهم من المتأخرين، وحسنات الأبرار سيئات المقربين، مع تفاوتهم في طبائعهم وأشكالهم وصنائعهم، فمنهم ذو الطبع السليم، ومنهم الذميم، ولا سبيل إلى ترغيب الأول ليجتهد في الازدياد، والترهيب للثاني ليتطبع على أن يتحاشى بالاعتياد، إلا باللسان الآتي بسحر البيان، فقد جاء في الحديث أن إيمان المرء ليربو إذا مدح، وربما يصح الجسم إذا جرح".
مؤلفاته:
من مؤلفاته كتاب الدرج والدرك، وهو كتاب وضعه في مدح من
1 أعيان البيان للسندوبي ص47.
اشتهر في أيامه بكريم الصفات وجميل المزايا، وذم ذوي الدنايا والمثالث على ما هداه ميله وأوحى إليه عقله، جعل الدرج للممدوحين والدرك للمذمومين روى تلميذه "مصطفى النجاري" أن هذا الكتاب استعاره منه صديقه "حافظ بك مصطفى"، ولم يرده.
وله كتاب آخر اسمه "تاريخ محاسن الميل لصور الخيل"، وهو كتاب وضعه تلبية لرغبة الخديو "عباس الأول" ذكر فيه محاسن الخيل، ومساوئها وله رحلة لم تطبع ولم يتيسر الاطلاع عليها، وله سفينة الآداب، استعارها منه صديقه "على أغا الترجمان"، ولم يردها.
الشيخ محمد شهاب الدين المصري:
المتوفى سنة "1274هـ-1857م"
نشأته وحياته:
هو، "محمد" بن "إسماعيل" بن "عمر المصري" الشهير بشهاب الدين، ولد بمكة سنة 1210هـ، ثم وفد إلى القاهرة صبيا، ونشأ بها والتحق بالأزهر، فطلب العلم على شيوخه، واختصر منهم بالشيخ "حسن العطار" والشيخ "العروسي"، وكان مفطورا على حب الأدب، بارع النظر في فنونه دائم التوفر على مطالعته، ونال حظا وافرا من علوم الرياضة كالهندسة والحساب والموسيقى والألحان، وكاتب أدباء عصره، ويعمه الطلاب للاقتباس من أدبه، والانتفاع بمعارفه، وممن تخرج عليه في فقه اللغة والبيان الأديب المعروف المرحوم الشيخ "أحمد فارس الشدياق".
وقد تولى "شهاب الدين" تحرير الوقائع المصرية، فكان أحد من رفعوا شأنها، وهذبوا لغتها، حيث كان الشيخ "حسن العطار" رئيس تحريرها، فلما تولى الأخير مشيخة الأزهر، وترك رياسة التحرير أسندت إلى "شهاب الدين"، فأطلق يد الشيخ "أحمد فارس الشدياق" في إنشاء الفصول وتحبير الرسائل، وظل هو مشرفا على تحريرها حتى سنة "1252هـ-1836م"، ثم جعل مصححا بالمطبعة ببولاق.
وكان مداخلا للكبرار موصولا بالعظماء نديما مسامر فكها، ومحاضرا ذا نكتة بارعة وبديهة مساعفة، وحديث طلبي، وقد تسامع الناس بهذه المواهب، ونمى للخديو "عباس الأول" براعته وسعة روايته وخفة روحه فقربه وأدناه من مجلسه، وجعله صاحب أسماره وكبير ندمائه، وأباح له الدخول دون إذن عليه، وبلغ من الخطوة والمكانة ما لم يبلغ شاعر معه "إذ جعل في كل قصر من قصوره حجرة يبيت فيها الليلتين والثلاث إذا طلبه
للمجالسة والمنادمة1"، فأفاض عليه من نعمه وأغدق عليه من كرمه، وصار شفيعا لديه فيما جل من الأمور.
وكانت له مع "عباس" نوادر ومفاكهات منها ما رواه صاحب أعيان القرن الثالث عشر، وذلك أن "شهاب الدين" كان جالسا في حجرته بأحد القصور، ومعه بعض جلساء الوالي ينتظرون الإذن بالدخول عليه، فقال في عرض الكلام.
يقولون: إن البغلة لا تحمل أفلا يكون ذلك بسبب رطوبة، أو ما أشبهها مما يمنع الحمل، وعند الأمير أطباء كثيرون فلو أنه أطال الله بقاءه أمر بعضهم بالبحث عن سبب هذه العلة وإزالتها، فلست أشك في أنها تحمل بعد ذلك وأسرع بعض العيون، فأبلغ عباسا كلامه فجاء بعد هنيهة أحد رجال القصر، وقال له: يا أستاذ يقول لك "أفندينا" أننا سنأمر بعض الأطباء بما أشرت، ولكن إذا لم تحمل البغلة ماذا يكون؟ فبهت القوم لنقل الحديث بهذه السرعة إلا شهابا، فإنه وقف وقال: أبلغ مولاي أن شهابا له كذبتان كل سنة أيام الباذنجان هذه إحداهما1.
ويرجع اتصال "شهاب الدين""بعباس الأول" إلى ما قبل ولايته على مصر حيث كان "كتخدا" لجده، فقد كانت للشاعر تهان متعاقبة لفتت نظر "عباس" إليه، حتى إذا ما صارت الولاية إليه قربه وأدناه.
ولما صارت الولاية "لسعيد باشا" اتصل الشاعر به، وأجزل له المدح، وأزجى له التهاني في كل مناسبة إلا أنه لم يجد من خصب جنابه ما وجده من "عباس"، فقد كان الثاني أشد حدبا عليه، وتكريما له وبرًّا به.
ثم بدأ المترجم ينقطع للدرس، ويعكف على التأليف، وينشر أدبه على الناس حتى استأثر الله به.
1 أعيان القرن الثالث عشر لأحمد تيمور باشا ص138.
وكان ذكيًّا عبقريًّا ممتازًا بقوة المناظرة، ورصانة الجدل وقدرته على الحوار راوية كثير الإنشاء يتنادر في مجالسه بطرائف من شعره، ويطرف مجالسيه بألوان فاتنة من أدبه، فلا يمل له حديث ولا يغمض عنه جفن.
شعره:
شعر "شهاب الدين" من أجود الشعر في هذا العصر، وهو صورة صادقة للحياة الاجتماعية في زمنه، ومرآة صافية تتمثل فيها حياته وصفاته، وهو يقول الشعر غير مستعص عليه، وإنما يواتيه طيعا وينقاد إليه غير متأب.
وأكثر ما في شعره إنما هو المدائح التي وجهها "لمحمد علي ولعباس" الذي كان شاعره، ثم "لسعيد" من بعده، بل إنه ليمدح كثيرًا ممن لهم مقام كريم وجاه رفيع، فيمدح "أدهم باشا" و"مختار بك" ناظري المعارف، ومديري إدارة المدارس، ويمدح "عارفا بك" شيخ الإسلام بتركية، والشريف "محمد بن عوان" وأستاذيه الشيخ "حسن العطار"، والشيخ "محمد والعروسي"، كما يمدح الشيخ "أحمد الصائم"، والشيخ "محمد العباسي المهدي" المفتي والشيخ "محمد عليش" شيخ المالكية، "والسيد محمد البكري" نقيب الأشراف وغيرهم، ولعل لرقة حاله سببا يتصل بإفراطه في المدائح، فقد نشأ وزانا صغيرا يزاول ذلك في أسواق البيع، فاتخذ من هذه المدائح عنوانا له ليحيا حياة رغد وكرامة.
وقد كانت له مدائح نبوية إلا أنها لم تبلغ شيئًا من شعره بجانب ما بلغه المدح الآخر.
فمما قاله يمدح به "محمدا عليا"، وليكتب على مسجد القلعة الذي أنشأه سنة 1261هـ.
مليك جليل الشأن ليس كمثله
…
جليل بعلياه اقتدى كل مقتدي
محمد آثار على مآثر
…
عزيز افتخار ساد كل مسود
هو المنهل العذب الذي دون ورده
…
تزاحمت الأقدام في كل مورد
هو الغيث يحيي كل قطر بجوده
فيخضل من قطر الندى وجهه الندى
هو الشمس لم تحجب سناها غمامة
ولا أنكرت أضواءها عين أرمد
له همم تسمو إلى هامة العلا
إذا حددت لا تنتهي بالتحدد
مبان إذا أمعنت فيها مؤرخًا
تريك على قدر العزيز محمد
630 110 304 125 92
سنة 1261هـ.
ومما امتاز به شعر "شهاب الدين" السلاسة والسهولة، وخضوعه للشاعر يصرفه في كل أمر، ويطوعه لكل غرض فينساب بين يديه عذاب رقيقا، ويشف عن المعنى الذي سيق له بلطف وسلاسة، وذلك الذي جعل "شهابا" يستخدم شعره في التعبير عن رغائبه، والإفصاح عن آماله ومطالبه، وهو في هذه الأغراض لا تعقيد فيه ولا غموض، يحتاج إلى بغلة يركبها وله على "عباس" دالة، فيرفع إليه هذه الأبيات الطريفة، فيهتز لها ويجيب رغبته، وذلك حيث يقول:
تبت عن مدح غير بابك يا من
…
أنت ذخري وموئلي وثمالي
وتجردت عن سواك لعلي
…
أكتسي خلعة ألسنا المتلالي
وترجيت من جميل العطايا
…
بغلة حالها يليق بحالي
أن بدا لي ركوبها تهت عجبا
…
في ازدهار وبهجة واختيال
أو بدا لي ارتباطها فاجتلاها
…
في مجالي الجمال زين مجالي
فتفضل وامنن وأنعم على من
…
هو عبد من بعض بعض الموالي
وترق حاله، ويشتد عسره فيكتب إلى "عبد الباقي بك" خازن خزينة الخديو، فيقول:
أصبحت في مضايق
…
من فاقة وعطب
وصرت محتاجا إلى
…
نوالك المستعذب
وأنت باقي الكرما
…
وخير سامي الرتب
فاصرف إلى ما تشا
…
من فضة أو ذهب
حتى أعود ساعيا
…
في جمع شمل الحسب
ويكتب إلى "أدهم باشا" يشكو إليه ضيق يده، فيقول من قصيدة طويلة:
فبادر إلى الشكوى وقل: إن صاحبي
…
محا رسمه عصف الرياح الروامس
وقد ضاقت الدنيا عليه وأظلمت
…
وكان شهابا في الدياجي الدوامس
فوسع عليه بالذي أنت أهله
…
وخلصه من أشراك ضيق المنافس
ولم يكن "شهاب" يقرض الشعر يطلب به بغلة، أو ينشد فضة أو ذهبا فحسب بل كان ينظمه كلما عرضت له حاجة أو دفعته مسألة، فإنه لينظمه ملتمسا به من أمين "جمرك" بولاق "علي بك حسيب" شيئا من السمن لندرته، فيقول له:
ألية بالسمن أو بزبدة
…
لله در أصلها الحليب
لأعرضن الحال للفتى الذي
…
رجاء من يرجوه لا يخيب
وهكذا طوع الشعر فنظمه في حاجته ومسألته، وعبر به عن شكايته وأمله وأودعه مطامح نفسه جلت أو هانت.
"وشهاب الدين" يخضع في شعره لما شاع في عصره من طلب الزينة، ونشدان الصنعة والجرى وراء الطلاء، فيغرى بالجناس وخاصة في مطالع القصائد، فيقول في مطلع قصيدة يوجهها إلى "عباس" ويستهديه "بغلة":
أكؤس تجلي ببنت "الدوالي"
…
أم شهي الرضاب فيه "الدوالي"
فيوقع الجناس بين "الدوالي" بمعنى العنب، وكلمة "الدوالي" الثانية المركبة من "الدوا" مقصورا مضافا إلى اللام المقرونة بياء المتكلم.
ويقول في مطلع قصيدة يهنئ بها عباسا بنجاته من مرض.
تاب الزمان وقال: إني "نادم"
…
فادعوا الندامى والمدام و"نادمو"
فقد أوقع الجناس بين "نادم" من الندم، وفعل الأمر "نادموا" من المنادمة.
ويقول أيضا في مطلع قصيدة يهنئه بها على أثر عودته من الأستانة.
شرح الصدور قدوم أعدل "وال"
…
فأدر مدام الإنس صاح و"وال"
فالجناس بين "وال" الأولى بمعنى راع، والثانية فعل أمر من الموالاة.
ويولع بالتورية لا سيما في "شهاب" كنيته، فيستعملها في شعر طبعة حينا وعصية حينا، ومن ذلك قوله:
هاك مني وصيفة بنت فكر
…
مثلها خادم ومثلك يخدم
حرست في سماء حسن حلاها
…
"بشهاب" به الشياطين ترجم
ويقول في مدحه "عباسًا الأول".
هاك مني فريدة بنت فكر
…
ما اعترتها يد الخنا بمساس
لو أتاها الشيطان يسترق السـ
…
ـمع رماها "شهابها" بانتكاس
ويقول إذ يمدح الشيخ "أحمد الصائم" أحد شيوخ الأزهر.
هذا شهابك بالمرصاد يثقب من
…
يسمعون وترديهم قوافيه
فقد استعمل كلمة "شهاب" موربا بها بين معنييها "كنيته"، "والشهاب الذي ترجم الشياطين به المذكور في قوله تعالى:{وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا} .
ويتناول المصطلحات العلمية متأثرا بها، فيقول:
رطيب قوام أهيف القد لم تدع
…
ليانة عطفيه قياسا لقائس
فإن قسته بالبان فالفرق ظاهر
…
وإن بالعوالي فهي غير موائس
فالقياس هنا من مطصلح علم المنطق.
ويشير إلى علل الصرف، فيقول:
علل الصرف في الضرورة تلغي
…
كيف ذو الصحة اختيارًا يعل
ويغرق في مصطلحات علم النحو فيوري بها ويقول:
رأيت "حالا""مضى""فعل"
…
"أبرز" في شأنه "الضمير"
فكل هذه الكلمات مصطلحات نحوية ودى بها الشاعر عن معانيها النحوية وغير النحوية.
ولشهاب الدين كتابا لطيفة يعبر بها مبتكرا لها، فهو يكنى عن المطر "بابن السحاب"، فيقول:
زوجوها "بابن السحاب" فجاءت
…
من دراري حبابها بذراري
ويكنى عن "الخمر" ببنت الكرم" فيقول:
"بنت كرم" عذراء شهد لماها
…
كشذا المسك في مذاق العقار
وعن القصيدة "ببنت فكر" و"وليدة فكر" و"وصيفة"، فيقول:
هاك مني خريدة "بنت فكر"
…
ما اعترتها يد الخنا بمساس
ويقول خدا "وليدة فكر" راق منظرها
…
كأن ريقتها ضرب من الضرب
ويقول أرجو قبول "وصيفة" قد قلدت
…
بحلاك عقدا لم تنله وصائف
وشعر "شهاب الدين" من أوضح الشعر في هذا العصر وأسهله طريقا وأرقه حاشية، وهو أقل متكلفي الصنعة وطلاب المحسن تعقيدا وغموضا، وهذه المحسنات التي تشيع في شعر "شهاب الدين" لا تؤثر في جمال شعره كثيرا، فتراه على غير قليل من السلاسة والوضوح، وجمال المعنى -ومن رقيق شعره ما قاله متغزلا.
بروحي من لغصن البان شابه
…
ومشروب الطلاب بلماه شابه
مليح لم يخط له عذار
…
وفي رقي له أبدا كتابه
بدا العقد الفريد بفيه نظما
…
وحكم في ديوان الصبابة
ومر فلم أجد صبرا عليه
…
وأحشائي ترى عذابا عذابه
رمى قلبي بسهم قد مضى في
…
رميته ولم يخطئ مصابه
وراح وقد بدا برق الثنايا
…
ودمعي هاطل يبدي انسكابه
يلوح وجهه بدر ولكن
…
عليه من ذوائبه سحابه
بخد روضة يرعاه طرفي
…
وقلبي بالجوى يصلي النهاية
يدير من الحديث عتيق خمر
…
فيسكرني ولم أطعم شرابه
أراه في محاسنه عليا
…
ولكن ما تنزل للصحابة
سعيت فزرته فازاداد تيها
…
وولى معرضا يولي اجتنابه
أنا الجاني على نفسي لأني
…
دخلت على عزيز الغاب غابه
فبدلني بنوم الليل سهدا
…
وعوضني الشجون على الدعابة
سألقى منه غايات الأماني
…
وسوف تكون عقباها عتابه
ولا شك أن هذه الأبيات على حظ غير قليل من الجودة والرقة، والوضوح وخصب المعاني.
ونظم الأبيات الآتية لترسم على مائدة الطعام:
أيها السيد الكريم تكرم
…
وتنازل ما شئت أكلا شهيا
وتفضل بجبر خاطر من هم
…
أتقنوا صنعه وخذ منه شيا
وتحدث على الطعام وآنس
…
واحدا واحدا بشوش المحيا
واستزدهم أكلا وقل: إن هذا
…
طاب نضجا وصار غضا طريا
فهلموا بنا ومدوا إليها
…
أيديا باعها ينال الثريا
ثم قل: يا أحبتي هل لكم في
…
بعض شيء من النبيذ المهيا
ولئن ساغ شربه للتمري
…
وكلوا واشربوا هنيئا مريا
وإذا ما أكلت ضيفا فأرخ
…
أن هذا لرزقنا كل هنيا
................................
…
51 706 388 50 66
سنة 1261هـ.
وهذه الأبيات متوسطة الجودة إلا أنها طريفة الموضوع.
آثاره:
ديوان شعره:
ديوان شعره الكبير الحجم الواقع في 380 صفحة المشتمل على شعره الرقيق بالنسبة لعصره، وهو مرتب على حروف المعجم طبع بمصر سنة 1277هـ.
سفينة الملك ونفيسة الفلك:
وهو كتاب جليل اشتهر الشهاب به أودعه كثيرا من الموالي والموشحات والأهازيج، والأزجال التي يتغنى بها، وقد جدد بهذا الكتاب دارس الغناء العربي، "وافتتح مغالقه بعد إيصادها من عهد الأصبهاني، ومن سار على نهجه ممن جاء بعده، وأوضح معالمه وأبان ما استعجم من آياته، فكان فيه المبرز من بين أدباء المتأخرين والمعلم الأخير الذي لم يأت مثله إلى الآن1، وهو مرتب
1 أعيان البيان للسندوبي ص36.
على ثلاثة أبواب -الأول في الموسيقى، والثاني فيما نظمه فيها، والثالث في الألحان- وقد طبع بمصر غير مرة، ولما أتمه سنة 1259هـ، قال في تاريخه:
هذي سفينة فن بالمنى شحنت
…
والفضل في بحره العجاج أجراها
وإذ جرت بالأماني فيه أرخها
…
سفينة البحر باسم الله مجراها
...............................
…
600 241 102 66 250
سنة 1260هـ.
وله رسالة في التوحيد
ورسالة في الآوفاق
السيد علي أبو النصر المنفلوطي:
المتوفى سنة 1298هـ-1880م
نشأته وحياته:
ولد بمنفلوط من أعمال مديرية أسيوط، وقدم إلى القاهرة صبيًّا، ثم التحق بالأزهر بطلب العلم فيه، وقد شب مفطورًا على حب الأدب والتزود من فنونه، فبرع في قرض الشعر يافعا، ونظم الأزجال حدثا، ولم يلبث أن ذاع صيته وتسامع الناس به، وكان طيب المفاكهة والمجالسة لطيف المسامرة والمؤانسة، حاضر الذهن قوي الجدل لا يغلب في حوار، ولا ينهزم في مناظرة وكانت له مطايبات حافلة بالنكت الأدبية مع الحشمة، والحذر بما تأباه النفوس الأبية1، فكانت له مكانة عند أولي الأمر، وذوي الجاه يجلون قدره، ويلبون شفاعته، اتصل بالبيت العلوي من عهد محمد علي إلى توفيق، ورحل إلى القسطنطينية رحلتين أولاهما في عهد "محمد علي" سنة 1262هـ، حيث احتفل السلطان عبد المجيد بإعذار2 أنجاله، وطلب من محمد علي أن يوفد للحفل وفدا من العلماء والأمراء، فكان الشاعر في طليعة الذين أوفدهم "محمد علي" إلى القسطنطينية، وقد مدح شيخ الإسلام بقصيدة استجادها إذ قدمها إليه، وبكى متأثرا ببعض أبياتها، ثم سأله هل قلت في القسطنطينية شيئا؟ فأجابه بأن له "بيتين يستحي أن يعرضهما "لكونهما من زيف الكلام"، فقال: نسمعهما إن شئت فقال:
وكنا نرى مصر السعيدة جنة
…
ونحسبها دون البلاد هي العليا
فلما رأت دار الخلافة عيننا
…
علمنا يقينا أنها لهى الدنيا
فتبسم شيخ الإسلام، وقال له: "إن البيتين جيدان من جهة الأدب،
1 مقدمة الديوان للمحروم "أحمد باشا خيري".
2 أعذر الغلام ختنه كعذره يعذره: وللقوم عمل طعام الختان.
ولكنك في مدحك القسطنطينية فضلت مصر عليها؛ لأنك جعلت مصر هي العليا والقسطنطينية هي الدنيا، وفي علمك أن الدنيا تأنيث الأدون، فيفيد النظم أن القسطنطينية دون مرتبة مصر، فقال الشاعر مجيبا:"حب الوطن من الإيمان".
وأما رحلته الثانية إليها، فكانت في عهد الخديو "إسماعيل" سنة 1289هـ، حيث استصحبه إليها في خلافة السلطان عبد العزيز، وكان مقدمهما القسطنطينية مثقفا مع الاحتفال بعيد الجلوس، فأنشأ الشاعر قصيدة بليغة مطلعها:
تبسمت الآمال عن لؤلؤ القطر
…
ففاح شذاها في الحدائق كالعطر
وكان مصراع تاريخها
"جلوسك عيد الدهر أم ليلة القدر".
119 84 240 41 470 335 سنة 1289هـ.
ومما اتسم به أنه كان راجح العقل نافذ الرأي عالما بالأحوال السياسية خبيرا بشئون الأمم، محبا لتربية الأمة داعيا لتثقيفها ونضتها.
وكان شعره شتيتا غير مجموع حتى قيض له المغفور لهما "محمد باشا سلطان"، و"وحسين بك حسني" ناظر المبطعة الأميرية إذ ذاك، فجمعا أشتاته وضما متفرقة وعهدا إلى المرحوم "محمد أفندي الحسني" رئيس مصححي المطبعة بجمعه في ديوان صدر بخطبة الأخير، وبترجمة للشاعر بقلم المرحوم "أحمد باشا خيري" ناظر المعارف العمومية في ذلك الحين.
هذا عدا ماكان له من الطرف والملح والمواليا، والأزجال وغير ذلك مما عبثت به يد التفريط والإهمال.
شعره:
أقيس شعره بشعر عصره، فأراه شبيها به موافقا له يتجه متجه وينزع نزعته، وهو يميل إلى الجناس لكن في غير استكراه، ويطلبه لكن في غير
تكلف شديد، ويوري غير أنه لا يلحف في رجاء التورية، ولا يرتصد لطلبها، وتدور الصنعة في شعره غير مفتون بها، وإن تهيأت له فبغير إفراط ولا إسراف، أما التاريخ الشعري، فهو مغرى به متافت عليه، ملتزم له في الجمهرة العظمى في شعره، فمن تجنيسه قوله:
في الحان قد جس معسول اللمي وترا
…
فانهض لتسمع ألحان الصبا وترى
فقد أوقع الجناس بين "الحان"، وهو محل بيع الخمر و" ألحان" الصبا جمع لحن، كما أوقعه بين الوتر الذي هو شرعة القوس، ومعلقها الواقع مفعولا والفعل المضارع و"ترى" مقرونا بوار العطف، ويبدو لك تكلفة الجناسين إلا أنهما أقرب إلى القبول، ومن تجنيسه أيضًا قوله:
أبدًا تقلب فكرتي أبدى الأسى
…
طوعا لأمر الدهر أحسن أو أسا
فقد أوقع الجناس بين لفظ الأسى بمعنى الحزن، والفعل الماضي "أساء" محذوف الهمزة ليتم الجناس بحذفها، والجناس هنا مقصود للشاعر إلا أنه لم يبلغ من الثقل مداه، ومن تجنيسه أيضًا قوله:
كم ذا أحاول نصحا بالعظات وفي
…
ظني وجود سميع بالعهود وفي
فالجناس بين حرف الجر "فى" مقرونا بالواو، ولفظ "وفى" الصفة المحذوف إحدى يائية، وهو أقل ثقلا من صاحبه الماضي، ومن جناسه المقبول قوله:
رياض المجد أهدت نفح طيب
…
فقلت مهنئا يا نفس طيبي
ويغرب أن يلتزم الجناس في مطالع قصائده، وهو في هذا الموضع أكثر طلبا له واستشراقا إليه.
ومن التورية التي يستعملها في شعره:
على مضض صبرت وكم أداري
…
بتاريخ الغرام وأنت داري
يجاذبني الهوى فأذوب وجدا
…
ويسلبني النوى ثوب اصطباري
وهذا لي دروا ما بي فلاموا
…
كأن هوى الأحبة باختباري
وإن سألوا عن اللآحي ودمعي
…
اقبول كلاهما لا شك جاري
فقد ورى يقوله "جاري" عن اسم الفاعل من جرى بمعنى سال، والاسم الذي هو بمعنى مجاور مضافا لياء المتكلم.
ويقول في رجل يدعي العلم يسعى "النخلي":
بروض الفضل أغصان
…
خلت عن حلية الفضل
سألناها أجابتنا
…
دهتنا غلطة التخلي
فيحتمل أن براد "الشجر" أو اسم الرجل، ومما يؤدي به قوله:
حروف ودي وسائل
…
والد مع جار وسائل
أي أن قطرات دمعة الشبيهة بالحروف وسائل تترضى الحبيب، فقد جانس بين "وسائل" الأولى جمع وسيلة و"سائل" الثانية التي هي اسم فاعل من سال بمعنى جرى مقرونا بالواو، ثم في وسائل الثانية تورية إذ يحتمل أن تكون اسم فاعل بمعنى جار، أو اسم فاعل من سأل بمعنى طلب.
ومن شعره التاريخي قوله:
يا من بطالعه الأسعى حوى شرفا
…
يزين بدر علاه قبة الفلك
أنت الذي بحلي الأخلاق زدت علا
…
لا زلت ترقى بفضل المنعم الملك
إسعاد نجمك إذ لاحت بشائره
…
أرخت أوليت بكباشي وأنت زكى
......................
…
447 335 457 37
ولا شك أن هذا التاريخ أضعف هذا الشعر، وحال دون روعته وجماله، ولكنها سنة العصر الذي أغرق فته وغالى وله في تاريخ لحية.
لماذا ازدهى روض المحاسن والبها
…
وبدا به الريحان وهو شريف
خط العذار كما تحب صحيفة
…
تاريخها صان الجمال نظيف
...................
…
141 105 1040
سنة 1286هـ
وهو شعر ضعيف متهافت كما ترى، ومما لا أسيغه وصف الريحان بالشرف، ولست أدري متى يكون الريحان شريفا، أو غير شريف فلعل علم ذلك عند الشاعر، وقد يقصد أن الريحان وهو أخضر الأغصان يبدو كالعمائم الخضر التي هي سمة الأشراف.
وقد يولع بالتاريخ، فيجعل في كل شطر تاريخا كما قال:
بشير الهنا لا حب بيمن قدومه
…
بدور بها نور البثائر قد صفا
512 87 439 102 155
…
212 8 256 544 104 171
سنة 1295هـ.
وشعره إذ ذاك لا روعة فيه، ولا تتنسم منه روح الشعر بحال، غير أنه يتناول كثيرا من الأغراض في شعره، ويتسع أفقه لألوان مختلفة من الشعر فيمدح، ويهنئ ويرثي ويعتب ويشكو ويشكر، ويتغزل ويصف وينصح، وتجد في شعره الحكم والمدائح النبوية، والقصائد الوطنية والخمريات بغير إغراق كما تجد فيه الوداع والحماسة، ويتناول الألغاز يكثر منها فيجيء شعره بها معمى مستغلقًا، ويطول نفسه في بعض القصائد حتى لتبلغ مائة بيت إلا أن شعره أقرب إلى شعر العلماء منه إلى شعر الفحول من الشعراء، وشعره وسط بين الإجادة، والغثاثة والضعف والقوة.
فمما قاله متغزلا:
إلى الأوطان يجذبني الهيام
…
ولي قلب يقليه الغرام
وفي دمعي غرقت ونار وجدي
…
بتذكار الديار لها ضرام
ولى في كل منزه حديث
…
إذا كررته ناح الحمام
وما عندي من الأشواق خاف
…
ولو أبديته لبكى الغمام
ويوم وداعهم كانت حياتي
…
مكابرة وللدمع انسجام
أراهم أينما كانوا بقلبي
…
وزفي نومي وهي يغني المنام
وقائلة إلام تحن شوقا
…
وتعلو جسمك المضني السقام
أتحسب أن من تهواه باك
…
عليك ولو أضر بك الهيام؟
فقلت له: فديتك إن نومي
…
علي لبعدهم أبدا حرام
وهل يجدي أخا الوجد المعنى
…
إذا ضنوا بزورته اعتصام؟
دعيني فالنصيحة لو أفادت
…
لضاع الحب وانقطع الملام
كلفت بحبهم فألفت سهدي
…
ولم يخطر على جفني المنام
أهيم بهم ولي فيهم شجون
…
إذا ظعنوا بقلبي أو أقاموا
أخلائي احفظوا عني حديثا
…
يسر به المقلد والإمام
قتيل الشوق يحييه التداني
…
وينعشه التواصل لا المدام
فإن مر النسيم بكم سلوه
…
فأخبار الهوى منه ترام
وساعات الوصال كلمح طرف
…
لدى المضني ويوم البعد عام
هذه أبيات ساقها الشاعر متغزلًا، فجاءت من أجود ما قاله رقة وخفة روح ووضوح أسلوب لم يسع الشاعر فيها وراء صنعة لفظية، أو محسن من المحسنات البديعية، ولم يمس طرفا من ذلك إلا الجناس الذي شكه شكا، وتناوله برق في عجز البيت الأول بين "قلب""ويقلبه".
ومما قاله في شكوى الزمان:
بشكوى الليالي كيف لا أتعلل
…
وديمة دمعي دائما تتهلل
رماني زماني في مكايد مكره
…
وفي وهمه أني له أتذلل
أكابد ما لا يستطاع من الأسى
…
وأحمل منه فوق ما يتحمل
وجربت أبناء الزمان بأسرهم
…
فلم أر منهم من عليه يعول
وسالمت إخواننا بدا لي أنهم
…
على نقض بنيان الصداقة عولوا
فيا دهر ماذا تبتغي من مجرب
…
وقد شاع في الآفاق أنك تجهل
تقدم من لا يستحق وتزدري
…
بمن هو أولى بالجميل وتعجل
تبرأ من أهل المعارف والتقى
…
وهم دولة الإسعادان كنت تعقل
وقربت أرباب الجهالة للعلا
…
كأنك لاستظارهم تتجمل
فهذه الأبيات من أجود ما قيل في شكوى الزمان صدرت من الشاعر مصورة عبث الزمان به، وتجهمه له وما يكابده من أساه الذي لا يستطاع، وما يحمله مما يشق حمله، وما لقيه من إخوان جربهم فلم ير فيهم من عليه المعول، وما سالمهم لما بدا له من تعويلهم عن نقض الصداقة ونكث العهد، وكان جميلا من الشاعر ما بينه ومن جهل الزمان من تقديم من لا يستحق، والزرارية بمن هو أولى بالجميل، وبراءة الزمان من أهل المعارف والتقى، الذين هم دولة الإسعاد لو ك ان يعقل ذلك، وتقريب أرباب الجهالة، وإيثارهم بالعلا كأنه يتجمل لاستظهارهم، فهي أبيات صادقة في شكوي الليالي، وصدق التجربة، وغدر الإخوان وعبث الزمان، كل ذلك مسوق بأسلوب غير نازل، ورصف رصين لم يتهالك على محسن ولا زخرف.
ومما قاله يمدح به النبي صلى الله عليه وسلم.
إذا هتف بمدحتك الموالي
…
وأنشد شعره فيك البديع
وحدث عنك من يروي حديثا
…
وصاغ من الثنا ما يستطيع
فما بلغوا اليسير ولو أطالوا
…
وكيف وأنت في الأخرى شفيع؟
إليك شكايتي من كل ذنب
…
وحصن حماك في حرز منيع
ومن يرجوك يسعف بالأماني
…
ومن قصد المشفع لا يضيع
ملأت سرادقات الكون فضلا
…
وجاهك سيدي جاه رفيع
فمن للمذنبين سواك يرجى
…
إذا ما استعظم الهول الفظيع؟
وهو شعر سهل رصين تتمثل فيه روح الشاعر المؤمن الذي يلتمس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون له حرزا منيعا، وشفيعا يغفر به كل ذنب، وإن كان في نفسي شيء من اللفظ الأخير "الفظيع".
وقال يعاتب بعض أصحابه:
لعمرك ما البواتر كالعصي
…
ولا الطرف المذلل كالعصي1
ولا فلق الصباح إذا تبدى
…
لذي بصر يقابل بالعشي
أراك رفعت أدنى الناس قدرًا
…
وآثرت الدنى على علي
شققت عصا الوفاق وبعت غبنا
…
صواب الرأي بالخطأ الجلي
وبدلت الأعزة من قريش
…
وأبناء الأماجد بالبذي2
ستعرف ما جهلت إذا التقينا
…
وبان لك الجبان من الكمي3
ولعل هذه الأبيات من أحسن شعره وأبلغه، وأحفلها بالتشبيهات المحكمة، وفيها جناس مقبول بين حرف الجر "على"، و"على" تورية لطيفة في لفظ "على" الذي يحتمل أن يكون وصفا مقابلا "للدنى"، وأن يكون مشيرا إلى اسم الشاعر "السيد علي" ومن رثائه قوله:
أمطري أعيني الدوامي دواما
…
إن غيث الكرام يأتي ركاما4
واستمدي من حبة القلب دمعا
…
فلعل الدموع تروي أواما5
1 البواتر السيوف القاطعة -الطرف الكريم من الخيل- المذلل السهل المنقاد.
2 البذي -كرضى الرجل الفاحش.
3 الكمي -كفنى الشجاع أو لابس السلاح.
4 الركام -السحاب المتراكم.
5 الأوام كغراب العطاش أو حره، وأن يضج العطشان.
ومن المهد للجفون اكتحالًا
…
ودعى عنك في الدياجي المناما
واسكبي الدمع خفية وجهارا
…
واستحلي من البكاء الحراما
واقرئي في صحيفة الدهر سطرا
…
نمقته يد القضا فاستقاما
واكتبي ما جنته أيدي المنايا
…
حيث لم تبق للأنام إماما
فهذه من أصدق المرثيات، وأرقها وأخصبها معنى وأحلفها تصويرا للجزع والأسى، ولم يكن الشاعر منصرفا فيها إلى الطلاء اللفظي اللهم إلا ما يكلف به من الجناس في مطالع قصائده، فإنه أوقع الجناس المتكلف بين "الدوامي" و"دواما" و"الكرام" و"ركاما"، ولكنه لم يستنفد جمال الأبيات، ولم يذهب بروعتها.
الشيخ علي الليثي:
المتوفى سنة 1313هـ-1896م
نشأته وحياته:
هو، الشيخ "علي" بن "حسن" بن "علي"، ولد في بولاق مصر سنة 1236هـ، وتوفي والده وهو حدث يافع، فانتقلت به أمه إلى جهة الإمام "الليث"، فكان يطلب العلم بالأزهر، ثم يعود إليها للمبيت بها، وظل على ذلك بضع سنين، ثم قدم إلى مصر الشيخ "السنوسي الكبير" قاصدا الحج، فاتصل به وحج معه، ولما رجع "السنوسي" إلى مصر لم يدعه، بل استصحبه إلى "جغبوب"، ولبث بها مدة يطب العلم ويفيد حتى فارق "السنوسي"، وعاد إلى مصر فاتصل بوالدة "عباس باشا" الوالي، فألحقته بوظيفة متواضعة في القصر، وازدلف إلى الأمير "أحمد باشا رفعت" بن "إبراهيم باشا الكبير"، فأدناه منه ومكنه من تقليب النظر في خزانة كتبه، فأفاد منها سعة أفق وخصب مادة.
ومن الطريف أن سفره إلى المغرب كان سببا في اتهامه بمعرفة الكهانة، والعرافة حتى إذا ولي "سعيد باشا" على مصر أمر بنفي هؤلاء الذين يحتالون على الناس إلى السودان، فكان المترجم من بينهم، وقد ظل بالسودان حتى عفا الخديو عنه، فعاد إلى مصر.
وقد طارت شهرة "الليثي" وذاع صيته، وعرف بحضور البديهة وحسن المنادمة، فلما ولي "إسماعيل باشا" على مصر قربه إليه، واتخذ منه ومن الشيخ "علي أبي النصر المنفلوطي" نديمين يستمتع بشعرهما، ويستطيب حديثهما.
فلما عزل "إسماعيل" وخلفه "توفيق" درج على ما كان عليه سلفه من إيثار "الليثي"، وإجلاله واصطفائه حتى إذا شبت الثورة العرابية كان "الليثي" بين من خاضوا غمارها، وأججوا جمراتها، ولكن "توفيقا" شمله بعفوه وصفح عن زلته، وهش له إذا تبرأ بقصيدته التي يقول في مطلعها:
كل حال لضده يتحول
…
فالزم الصبر إذ عليه المعول
بل إنه بعد أن تبرأ من الفتنة العرابية، وأبان عذره في مسايرة العرابيين زاد قربا من نفس "توفيق"، وأحله مكانة ترمقها الأبصار، وترنو إليها العيون فقد شيد لنفسه قصرا "بحلوان"، وكان يتردد عليه مرتين في كل شهر، فيركب من حلوان سفينة بخارية تقله إلى ضيعة "الليثي""شرق اطفيح"، فيؤاكله ويقيم عنده، ومن ثم
عني "الليثي" بهذه الضيعة، فغرس بها أطيب الكروم والأشجار، وأقام بها قصرًا أنيقا يكون للأمير وأتباعه نزلًا.
وقد كانت هذه الضيعة مقصد الأدباء، وكعبة للشعراء والعلماء يجدون فيها غذاء للروح والجسد من ثمار، وفاكهة وطيب مفاكهة، وقد كان مسرفا في كرمه حتى أن ضيفانه ليقيمون عنده أيامًا وأشهرًا.
ولما نزل بمصر "السلطان برغش" ملك "زنجبار" انتدبه الخديو "إسماعيل" لمرافقته ومجالسته، فاتراح السلطان لخلقه، وخفة روحه وعذوبة حديثه، حتى إنه لما عاد إلى بلاده كان يمنحه الهدايا الفاخرة كل عام مما تمتاز به هذه البلاد من عنبره وغيره، فيكون لأصدقاء "الليثي"، وخلطائه من هدايا السلطان نصيب.
وإذ قضى "إسماعيل" تقلص العطف الكريم الذي كان "الليثي" في ظلاله، وانقبض "عباس" عنه، ولم يكن "لليثي" من خصب جنابه بعض ما كان له من "إسماعيل"، فعكف على ضيعته يشتغل زرعها، ويدمن الاطلاع في مكتبته الضخمة التي ما زال يضم إليها من الأسفار النادرة، وأمهات الكتب الأدبية ما طبع منها، وما نسخ حتى كان من أوفى الخزانات، وأحفلها علما وأدبا، ولم يزل كذلك إلى أن تآمرت عليه العلل، فناء بها أشهرا حتى قضى في العاشر من شعبان سنة 1313هـ، فانطوت به صفحة من الأنس والصفاء، وطول المتاع.
منادمته:
كان "الليثي" خفيف الروح، عذب الحديث، حسن المحاضرة، سريع
البديهة، مواتي الجواب، معروفا بطيب السمر ورقة المنادمة حتى أطلق عليه "سيد الندماء".
والمنادمة فن دقيق يعتمد على مواهب وفطر خاصة، ويحتاج في تناوله إلى لباقة وكياسة، وتفطن إلى مواطن النكتبة وموقعها من النفوس، وتفرس فيما يطيب من القول، ويلذ لسامعه، هذا إلى سرعة البديهة، والحذق في معرفة الطبائع والبصر بمختلف الأخلاق، وتمييز كل موقف من صاحبه، والتملؤ من أدب المفاكهة والإلمام بما يهش له السامع في شتى أحواله، وما يرفه به عن نفسه إذا غشيها الملال.
على أن النديم قد تحاك حوله الدسائس لتصرف عن جمال نكتته، وتصد عن التبسم والبشاشة له، وقد يرتصد له بعض الخبثاء، فيفسد عليه غرضه بالتصريح أو بالإيماء، فإذا لم يكن حاضر البديهة، ومواتي الجواب لبقا في الأخذ بالشيء والإنصراف عنه، قادرًا على أن ينتقل من حديث إلى حديث، ومن مقام إلى مقام فشل في جر السرور، والمفاكهة الذي يهيئه، ويشرق الأنس منه.
وقد كان ذلك من مواهب "الليثي" في منادمته، فإنه ليجمع إلى طلاقة لسانه، وفيض خاطره وحلاوة حديثه، وحسن بصره بمواطن الحديث، وتهديه إلى ما يحسن أن يأخذ به من القول، وما يدع روائع من الأدب، وأطايب من البيان يصرفها في كل مجلس، ويديرها في كل مناسبة، ويعرضها إذا استشرقت لهما الأسماع، واهتزت لها العواطف والوجدانات، فيملأ النفوس أنسا وراحة والقلوب -بهجة ولذة.
ولا نحسب أن من شعراء الجيل الحاضر شاعرا يمثل مدرسة الندماء، كما كان يمثلها الشيخ "علي الليثي" الذي ارتقى في هذه الصناعة حتى نادم "إسماعيل""وتوفيقا"، وبقي من نوادره، ودعاباته ما يذكره المتأدبون والمعنيون بأخبار القصور حتى في أقصى الصعيد1.
1 شعراء مصر وبيئاتهم للعقاد ص103.
وقد بلغ من شغف "إسماعيل" به أن أعد له، ولصاحبه الشيخ "علي أبو النصر المنفلوطي" قاعة خاصة بديوانه يجلس بها كأنه أحد رجال القصر الذين توكل إليهم أعمال، كما قلنا من قبل أن "توفيقا" كان ينزل بضيعته حبا لمنادمته، وإيثارًا لمفاكهته.
ولم يؤثر فيما تقل إلينا عن نوادر "الليثي"، ونكاته أنه فرط في كرامته، أو أغضى على هيبته على ما تتحيف به هذه الصناعات من أقدار، فقد ظل "عالما" من علماء الأزهر لم تجرح هذه الصناعة كبرياءه، ولم تتدل به إلى ما يتدلى إليه المضحكون والممالثون.
وقد خلف "الليثي" من نوادره وأدبه الضاحك الباسم ما فيه أبلغ المتع واللذاذات، وما هو في هذا الأدب الرقيق غرة وجمال، ولكن ذهب أشتانا لم يعن بجمعه، أو يخلد بإيثاره، وكان في مثله لوحواه كتاب ما تستروح به نفوس، وتبتهج به صدور، وتتبدد كآبة ويذهب ملال.
طرف من نوادره:
كان أحد الكبراء يفرغ بالمدية تفاحة ليشرب فيها، فانقصفت المدية خلال ذلك فرنا إلى "الليثي"، كأنما يطلب القول منه فإذا به يرتجل البيتين.
عزت على الندماء حتى أنهم
…
تخذوا لها كاسا من التفاح
ولدي اتخاذ الكأس منه بمدية
…
لان الحديد كرامة للراح
وهما آية على صفاء ذهنه وحضور بديهته، واستجابة الشعر له.
ودخل يوما معه الشيخ "علي أبو النصر المنفلوطي" على الخديو "إسماعيل"، وهو منقبض، وكان الرجلان طويلي القامة دميمي الخلقة فاحمي السواد، فلما أبصرهما "إسماعيل" أخذ يقلب فيهما الطرف، وينظر إلى طولهما وعرضهما فما أن رآه "الليثي" كذلك حتى شرع يقلب كفا على كف، فقال له "إسماعيل": ما بالك تفعل هذا؟ قال: "أفكر في أمر أقوله إذا صفح عنه مولاي مقدما" قال: "قد صفحت فقل" قال: "أراني أستغرب ما الذي أعجب به مولاي في
مدخنتين مثلي وزميلي هذا"، فضحك الخديو وسرى عنه.
ولما أمر "إسماعيل" أن يكتب على حجرات القصر لافتات تشير إلى وظيفة من فيها أشار "المهردار"، أحد كبار رجال القصر بأن يكتب على حجرة الشعراء التي كان "الليثي بها":{إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ} ، وإذ سأل الليثي عمن أشار بذلك قيل له أنه "المهردار"، فأراد أن ينتقم لنفسه فانتهز فرصة جلوسه مع الخديو، وحضور المهردار، وقال للخديو: إن حادثة وقعت لي اليوم فقال: ما هي فقال: صغتها زجلا، قال: ما هو؟، قال:
لي طاحونه في البلد
…
غلبت منها وعقلي دار
عقلت فيها الطور عصى
…
علقت فيها المهردار
ومر به كبير من رجال القصر فحياة تحية الغربيين بخفض رأسه، فلم يرقه ذلك فهر رأسه كمن يقول: لا فشكا الأول للخديو زراية "الليثي" به، فلما سأله الخديو عما صنع معه، قال: يهز رأسه كأنه يقول: تناطحني فقلت له: لا.
شعره:
خلف "الليثي" ديوان شعر ضخم لدى صهره الأستاذ "محمد سعودي" الخبير، ولكنه أبى أن يطبعه لعلم أهله، وخاصته بأن الشاعر لعن من يقوم على طبعه، ولعل "الليثي" فعل ذلك تحرجا من نشر ما عسى أن يكون قد تورط فيه كشأن أكثر الشعراء من دعابة، أو غلو في مديح أو ذم أو نحو ذلك، فلقد كان في الرجل تقية وورع، فهو يخشى حسابه على ما نظم، ولو كانت هذه الثروة الشعرية لشاعر غيره ممن يغربهم المظهر، والشهرة لجاز أن يحرص على طبع شعره وتدوينه، والمفاخرة به.
ولو تهيأ لنا الاطلاع على هذا الديوان، والتفرس فيما حواه من شعر، وفيما بين دفتيه من قصائد نظمها في أغراض مختلفة، وألوان متنوعة لاستطعنا أن ندرس شعره دراسة بحث، وتقص ولكن احتجاب ديوانه ألقى على شعره ستارا كثيفا من الغموض والإبهام، وجعل الحكم عليه مقرونا بالعناء، والجهد
وذلك مما دفعنا دفعا إلى مراجعة الصحف القديمة والمجلات المعاصرة له، وتتبع الكتب الأدبية المختلفة بما عساه أن يضم طرفا من شعره وجانبا من خبره، ونستطيع بعد أن تعبت أناملنا من التصفح والتقليب، وبعد العثور على جمهرة من قصائده المتنوعة أن نحكم على شعره جملة بأنه في المنزلة الوسطى من منازل الشعر1.
وكان القدر الأعظم من شعره في المدائح، فلقد اصطفاه "إسماعيل"، وخلع عليه لقب "شاعر الخديو" ولازمه ونادمه، كما أدناه "توفيق" وأحله مكانة من نفسه، وقد دعاه ذلك إلى أن ينظم فيهما مدائحه ملتمسا لها شتى المناسبات آية على ولائه ودليلا على وفائه، كما مدح المطصفين لهذين الأميرين من ذي جاه أو شفاهة أو حظوة لديهما، وكان "الليثي" حريصا في هذه المدائح وخاصة ما لإسماعيل وتوفيق على أن يجودها، ويكسوها حلة من الروعة وجمال الشعر، ولكنه على كل حال يدور فيها جميعا مع تباين أسبابها على معان متقاربة وطريقة متشابهة، فهو يبدأ بالغزل متأنفا في صوغه لينتقل منه إلى مدح الأمير حاشدا من معانيه، وألوانه ما شاء له الأسلوب، وما واتته القريحة واستتبع مدحه الأميرين الذي هو ثمرة لصلته بهما، وحدبهما عليه أن يقول مهنئا أو مواسيا، أو معزيا، فإن وفاءه الباعث على الإطراء والمديح هو نفسه الدافع على قرض الشعر في كل ما جل أو هان من مختلف المناسبات.
ولقد جهدت فيما تتبعته من الشعر كي أعثر على المنادمة في شعره، وأتبين أثر هذا الفن لأرى ما أبدع منه في نظمه، فلم يواتني منه شيء، فلعلها كانت منادمة مجلس وسمر يصورها حديثا يرويه، وقصة يسوقها ونكتة يرسلها ونادرة يفاكه بها، وبديهة مواتية لا تستلزم الشعر أسلوبا ولا أداة.
1 المفصل ج2 ص339.
نماذج من شعره:
مما قاله في عيد جلوس الخديو "عباس الثاني":
خل الملام فقلبي ليس بالسالي
…
يا عاذلا لج في لومي لتضلالي
دعني ووجدي وما ألقاه من وصب
…
أبيت أرعى الدياجي بائس الحال
ظننت لومك يثني قلب ذي شجن
…
هيهات لومك لم يخطر على بالي
أنا الوفي وقلبي ليس يشغله
…
عما عليه انطوى تنميق عذال
أرح فؤادك واحذر ما أكابده
…
أما نظرت إلى سقمي وإعلالي
دمع يسيل وقلب ذاب من كمد
…
وفكرة شتتها لوعة البال
عدتك حالي لا ذقت الهوى أبدًا
…
ولا رمتك اللواحي فيه بالقال
إلى أن قال:
قد قال لي القلب لكم حملتني نصبا
…
من الغرام وقد ضاعفت أثقالي
هلا التفت وألزمت اليراع بما
…
يخف عني به وجدي وبلبالي
فقلت: يا قلب صادفت المراد فذا
…
عيد جلوس الخديو المفرد العالي
عباس مصر الذي ضاءت بغرته
…
أرجاؤها وغدت روضا لحلال
صفو النفوس بتشريف النفوس بدا
…
كالبدر يعطي ائتناسا عند إهلال
فادخل بنا في تهانيه بموسمه
…
وإن تعاظم فاسلك نهج إجمال
ثم قال:
هذا الأبي الذي أمضت عزائمه
…
ما أوهن اللب من قول وأفعال
زند الشبيبة يوري رأي مكتهل
…
منه ويهدي لرشد عند تسآل
فيه لرائيه إيناس ومرحمة
…
وكم لراجيه منه نور آمال
فهذه أبيات تبتدئ بالغزل على عادة الشعراء، ثم تنتقل إلى ذكر الممدوح
بما شاع المدح به، وما ألف نظم الإطراء فيه، وهي وإن كانت أقرب إلى التوجيد في نظمها، وصوغها لا تحمل من روعة الشعر، والطابع الشخصي ما يسمو بصاحبها إلى مصاف المجيدين.
ومما قاله في ليلة عرس:
لله ليلات أنس عن سنا سفرت
…
وبالمراد إلى أسمى حمى وصلت
كأنها ليلة القدر التي نزلت
…
فيها الملائك والدنيا بها ابتهجت
سرت بحسن صفاها مصر وازدهرت
…
يا طيب عين بمرآها قد اكتحلت
فما رأى مثلها الرائي فقد شرفت
…
في خير دار بها الأفراح قد رسمت
دار بسدتها الأمجاد واردة
…
مثل الظماء فكم علت وكم نهلت
إن شئت قل جنة أو جنة وجنى
…
فيها الغياث وفيها الغيث مذ نبتت
نعم سويداك أو سود العيون بما
…
يروح الفكر فاللذات قد حضرت
وارع المثاني وراع العنب ليب بها
…
فيوسف الحسن أعطاها الذي طلبت
إلى أن يقول:
ولا أصرح بالداعي ولي أمل
…
يشيده من حلى أوصافه كملت
فاهنأ فهذا القران السعد أرخه
…
شمس البهاء بمحمود الصفا اقترنت
...........................
…
400 39 100 202 1151
سنة 1892م.
فهذه مظاهر للحسن والسرور والأنس، والبهجة حشدها الشاعر حشدا ونظمها بصورة تقليدية لا أرى فهيا روحا للشعر العذب الرائع على أنه عنى فيها بالزخرف والطلاء، فأشار إلى الاقتباس في "ليلة القدر" التي نزلت فيها الملائك، وجنس بين "جنة" و"جنى" و"الغياث" و"الغيث"، و"سويداك" و"سواد العيون" و"ارع" و"راع"، وبذل لذلك شيئا من جهده وطلبه، ثم ختم أبياته بالتاريخ الذي فتن به معاصروه والسابقون عليهم، وحرص
عليه هو أيضًا، ومن ولوعه بالمحسنات البديعية، وتكلفها وسعيه لها ما قاله للشيخ "الإنباني" ينفي ما وشى به إليه.
نبئت أني قد ذكرت بحضرة
…
تسمو بكوكب عصره "الإنبابي"
وعذلت أن لم أهد ساحة مجده
…
غرر التهاني عذل من أنبابي
ولقد نبا بي عن سمو مقامه
…
عز المهابة وازدحام الباب
فغدوت أدعو الله أن يرقى إلى
…
أسمى المعالي في أعز جناب
كيما يعز الدين منه بناصر
…
وتقر عين الشافعي بمهاب
فبمثله الإسلام يظهر نوره
…
وتقوم حجته على المرتاب
لا زال شيخ المسلمين محجبا
…
بمهابة الإعزاز والإرهاب
حتى يقول العلم سدت مؤرخا
…
بولي الأزهر شيخه الإنبابي
....................
…
48 244 915 97
سنة 1304
فقد كلف بالتجنيس في قوله "الإنبابي" فأدارها غير مرة مما "نبا" بها، ووضها موضع القلق، كما شد الجناس في قوله "بمهابة" والإرهاب وختمه بالتاريخ كدأبه.
ومن أبياته الرقيقة ما قاله حين زارته سائحة أمريكية، وهو في ضيعته بالصف.
وزائرة زارت على غير موعد
…
غريبة دار تنتحي كل مورد
تبدى لنا وقت الظهيرة نورها
…
ونحن على روض زها بالتورد
من اللاء لم يدخلن مصر لحاجة
…
سوى رؤية الآثار في كل مشهد
لها في أميريكا انتساب ودارها
…
ببستن إذ تعزى لمسقط مولد
فحيت وقالت والمترجم بيننا
…
لنا: فاذنوا نحظى يروضكم الندي
فقلنا ونور البشر أزهر ببيننا
…
على الرحب والإقبال مشكورة اليد
ودارت أحاديث التساؤل بيننا
…
فجاءت بدر من حديث منضد
إلى أن قال:
عن البحر حدث إذ وردنا وقد غدا
…
بصفو يصافينا فيا طيب مورد
سفينتنا تعلو على فلك السما
…
بما حل فيها من شموس وفرقد1
هناك مراد العين والسمع والهوى
…
مع العفة العلياء في كل مقصد
فقمنا وودعنا القلوب فهل درت
…
بما نابنا عند الوداع الممهد2
1 الفرقد - نجم قريب من القطب الشمالي.
2 المعهد - المهيأ.
الشيخ عبد الرحمن قراعة:
المتوفى سنة "1349هـ-1930م"
نشأته وحياته:
ولد بأسيوط قرابة سنة 1825م من أسرة عريقة في العلم والدين، فحفظ القرآن في صباه وكان والده أحد علماء الأزهر يحب الأدب، ويقرض الشعر وقد نظم في النحو خمسمائة ألف بيت تدارك فيها ما فات ابن مالك في ألفيته مما نبه إليه الشراح من قيود، وشروط وغيرها، فتأثر "عبد الرحمن" بأبيه واتجه متجهه، وتلقى العلم عنه في صغره، ولقي من رعايته وتوجيهه ما غذى قريحته بالأدب، وطبع ملكته على حبه.
ولما أصاب حظا من الثقافة الناشئة ألحقه والده بالأزهر، فانتظم في عقده وتلقى فنونه على أساتذته من أمثال الشيخ "حسن الطويل"، والشيخ "محمد الإنبابي" والشيخ "الأشموني" وأضرابهم، وقد قضى فترة في الطلب ناهزت عشر سنين، وكانت شهرته بالأدب قد ملأت الأذهان، وطوف صيته في ربوع الأزهر وخارجه، ووسم بالشعر الرصين والنثر المحكم، حتى كان علما بين شعراء الأزهر وأدبائه في ذلك الحين، وكان قد تقدم لامتحان العالمية، فحدثت في الأزهر فتنة كان من أثرها أن عين المرحوم الشيخ "محمد الإنبابي" شيخا للأزهر بعد سابقه المرحوم الشيخ "محمد المهدي العباسي"، ويقول بعض الرواة: إن "الإنبابي" غضب على قراعة ونفاه من القاهرة إلى أسيوط؛ لأنه أنشأ قصيدة هجاه بها قال في مطلعها:
خذوا حذركم فالأمر قد جاء بالضد
…
لقد ظهر الدجال واختبأ المهدي
ومما قاله الرواة - إن قراعة كان صديقا للمهدي، وكان المهدي يؤثره ويوليه حبه، فنظم قراعة هذا الشعر ولاء للمهدي، وزراية بالإنبابي، فأجرى
معه تحقيق كانت نتيجته النفي إلى أسيوط التي ظل بها قرابة أربعة عشر عاما كان يرسل فيها قصائد الاعتذار، والتنصل للإنبابي حتى عين الشيخ "حسونه النواوي وكيلا للأزهر، فاستوفده إلى القاهرة.
وقد رجعت في تحقيق ذلك إلى أسرته والأدنين منه ومن خالطوه، لأجلو الأمر واستوضح غامضه، فقيل: إن قراعة لم ينظم هذه القصيدة بل نحلها له خصوم الإنبابي اعتمادا على شهرة قراعة بالشعر وطلبا لذيوعها له، أما هو فبرئ منها لم يخط فيها حرفا، كيف وهو تلميذه المنتفع بعلمه المغتذى بثقافته؟ على أن فيما وجهه قراعة إلى الإنبابي من شعر ونثر ما يدل على نقاء صفحته، وبراءته من هذا الشعر، هذا ولم يكن ارتحال قراعة إلى بلده جزاء وعقوبة، وإنما كان انصرافا منه لكدر الجو من الدس والسعاية، ومهما يكن من شيء، فإن القصيدة سواء نظمها، أو نسبت إليه سارت على الألسن، وطوفت في الآفاق وعلقت بالأذهان.
وإذ ارتحل "قراعة" إلى أسيوط هذه الفترة الطويلة أكب على دراسة الأدب ونظم الشعر، وتوفر على التفسير والحديث، فتمكن من دراستهما واجتمع بجمهرة من علماء الأزهر الذين رحلوا إلى أسيوط وطنهم، فاتصل بهم وكان بيت أبيه شبيها بندوة أدبية، ودرس علمي يجمعهم، فعلا في هذا الندى صوته وتألق بين رواده نبوغه، فكان فيمن يفدون إلى هذا المجلس المرحوم "محمد بك أبو شادي" الذي أنشأ جريدة الظاهر فيما بعد، وكان من أبرع المحامين بأسيوط، كما كان منهم المرحوم "عبد الله هاشم" الأديب المطلع الذي وصفه "قراعة"، فقال:"أخذ هاشم نهايتنا فجعلها بداية له"، والمرحوم "حسين بك فهمي" الأديب أحد كبار محامي أسيوط، "وإمام بك فهمي" أحد أعلامهم أيضا، وما زالت شهرة "قراعة" تنمو، وتتطاير حتى كثر عشاقه، وأقبل عليه أنصار الأدب من كل حدب، فإذا بيته مقصد كل عظيم، وأديب من رجال القضاء والإدارة والتعليم، ومما قرأه على عشاقه في هذه الفترة
كتاب "الكشاف" للزمخشري "والنسائي" في الحديث، كما قرأ عليهم كتاب "الأغاني" على طوله واتساع جنباته.
بقى "قراعة" في أسيوط حتى استدعاه الشيخ "حسونه النواوي"، وكيل الأزهر إلى القاهرة فتقدم للامتحان، ونال شهادة العالمية، ثم اشتغل بتدريس الفقه والنحو في الأزهر حتى إذا وجهت العناية الخاصة إلى تدريس الأدب في الأزهر تولى تدريس مقامات الحريري، فجمع في شرحها بين اللغة، والأدب بأسلوبه العذب وبيانه الرائع، وكان "السيد مصطفى المنفلوطي" أحد من غشى درسه الأدبي.
ولم تطل هذه الفترة حتى عين مفتيًا شرعيا بمدينة سوهاج، فمكث بها عدة سنين عقد في أثنائها بأحد مساجدها درس التفسير الذي كان يلقيه بطريقة جذابة مشوقة، وأمه كثير من رجال العلم والأدب، واتخذ من بيته منتدى أدبيا يضم كثيرا من الأدباء، مثل المرحوم "الشيخ محمد عبد المطلب" الشاعر الذي لازمه، وانتفع به وبتوجيهه الأدبي، ولقي منه تشجيعا ورعاية، وكان أكثر عشاقه ملازمة له وترددًا عليه، كما كان من عشاقه أيضا، والمصاحبين له المرحوم "محمد أبو النعمان بك"، والمرحوم "يحيى أبو بكر باشا"، وكانا أديبين من أعلام القضاء الأهلي امتازا بمراعاتهما في تطبيق أحكام القانون موافقته، أو قربه لأحكام الشريعة الإسلامية، كما كان منهم المرحوم "أحمد أفندي عبد الباري طاهر" الأديب الذي كان مدرسًا بمدرسة سوهاج مع زميله الشيخ "محمد عبد المطلب.
ومما اقترحه الأدباء أن يشرح قصيدة عمر بن أبي ربيعة التي مطلعها:
أمن آل أنت غاد فمبكر
…
غداة غد أم رائح فمهجر
وقد أفاض "قراعة" في شرحها ونقدها، والتعليق عليها فقام هؤلاء بطبعها والاحتفاظ بها.
ثم نقل إلى وظيفة قاض بمديرية أسوان في فبراير سنة 1905م، وظل بها إلى سنة 1906م، حيث نقل قاضيا بمديرية المنصورة، فرئيسا لمحكمة بني سويف
الكلية الشرعية، ثم عين عضوا بمحكمة مصر العليا، فمديرا للأزهر والمعاهد الدينية، وقد بذل جهده في الإصلاح ما استطاع إليه سبيلًا.
وكان أول ما عمله منذ شغل هذا المنصب أن سعى لمنح الشيخ "سيد بن علي المرصفي، عضوية جماعة كبار العلماء، فكان ذلك إنهاضا للأدب ويدا تشجع على المضي فيه "ولا يؤخذ إلا من مصادره".
ثم أصبح مفتيا للديار المصرية، وذلك هو آخر ما تولاه من أعمال، وما أسند إليه من مناصب، حتى لستأثر الله به سنة 1349هـ، الموافقة 1391م.
شعره:
الشيخ "عبد الرحمن قراعة" شاعر مطبوع مشرق الديباجة متلاحم النسج متين السبك رائع التشبيه جزل العبارة رقيق المعنى واضح الغرض، يتدفق فيضه، ويجري بيانه في رقة وسلاسة ووضوح، فلا تعقيد في لفظه ولا التواء في غرضه ولا إغراب في معناه.
وكان الشعر قد طوع له وأرخى له عنانه، وأسلس قياده فهو بوافيه على غير تكره وينقاد له وكلما، خطرت له خاطرة، أو بدت له بادرة، أودع ذلك شعره الرصين الفخم، وكم كان للعربية من هذه الثروة الضخمة من نفع وجدوى ولقراء الأدب وعشاقه من لذة ومتاع، لو مكنت لهم رواية شعره جملة والوقوف على ما خلفه جميعا، ولكن شعره تفرق بددا، وذهب شتيتا، فلم يجمعه أو يطلبه من الصحف والمجملات، وصدور الناس حريص عليه، وكل ما رأيته في ذلك كتيب صغير جمع طرفا من نثره، وشعره بعنوان "عبد الرحمن قراعة كأديب".
وأيا ما كان فإنا لم نحكم هذا الحكم على شعره، إلا بدراستنا ما عثرنا عليه، وبتقليب النظر في كل ما تيسر لنا من مصادر مختلفة نثق بها.
فمما قاله يبرئ نفسه مما رمى به لدى أستاذه الشيخ "محمد الإنبابي":
أما آن أن تنسى الرباب وزينبا
…
وتقلع عما كان في زمن الصبا
ألا تعتبر إذ كنت أجرد أمردا
…
ودهم الليالي قد تركنت أشيبا
ضلال وغي أن يلج بك الهوى
…
فتقتعد الأخطار للهو مركبا
إذا لم يكن شيب الفتى رادعا له
…
فإن عناء أن تلوم وتعتبا
وإن أحق الناس باللوم من دعا
…
سواه إلى طرق الرشاد ونكبا
تركت التصابي ضنة بمناقبي
…
وصونا لعرض أن يشان ويثلبها
وما أنا من طعن الحسود بآمن
…
على أنه ما قال إلا ليكذبا
أبت همتي أني أقارف سبة
…
على مثلها لم ألف عما ولا أبا
جزى الله بالحسنى عداتي فإنهم
…
إذا حاولوا نقصي أزيد تأدبا
ورب صديق قد تجنبت سخطه
…
وآثرت ما يهوى خبيثا وطيبا
تحرش بالعدوان في وقت حاجتي
…
إليه وطبع المرء قد كان أغلبا
وألب أعدائي بما وصلت له
…
يداه ومنهم صار أنكى وأحربا
ومن ضرسته الحادثات بنابها
…
رأى أهوان الأشياء صديقا تألبا
ومن خبر الأيام لم ير باقيا
…
تمر به الأيام إلا تقلبا
سأضرب صفحا عن مساويه أنني
…
مقبل لعثرات الصديق إذا كبا
وأدرك بالصبر الجميل مآربي
…
فإن فات منها مأرب نلت مأربا
وأركب متن الرمح في طلب العلا
…
إذا لم أجد إلا الأسنة مركبا
وأطرح كل الناس إن علقت يدي
…
بحبل أمام الدين شرقا ومغربا
ملاذي وأستاذي وكهي ومعقلي
…
ووالد روحي البر إن شاء أو أبى
"محمد الإنبابي" أبدى الورى يدا
…
وأقومهم في نصرة الحق مذهبا
وأوضحهم عند الدراية حجة
…
وأعذبهم عند الرواية مشربا
إلى أن يقول:
خدمتك بالمدح الذي أنت فوقه
…
وما أبتغي إلا رضاك مطلبا
لعلك بالعفو الذي أنت أهله
…
تمن علي من لم يكن لك مذنبا
وهب أنني قارفت ما زعم العدا
…
فاعراضك الماضي كفاني مؤبا
حنانك إن الدهر صوب سهمه
…
إلي فأصماني بما كان صوبا
وخلفني عن ساقة القوم بعد ما
…
سبقتهمو نفسا وأصلا ومنصبا
وصبرني ما بين أهلي ومعشري
…
غريبا لفقدي ما ألفت معذبا
فخذ بيدي تحمد صنيعك إنني
…
رأيتك للمعروف أدنى وأقربا
وكف يد الأيام عني فإنها
…
لعمرك أبقت في نابا ومخلبا
بمن أحتمي منها إذا أنت لم تجب
…
ندائي وبعد الغيث لم ألف معتبا
فكن يا رعاك الله بالموضع الذي
…
عهدنك فيه أن تجيب وتطلبا
ودم سالما للدين تحمي ذماره
…
وللمجد توري زنده بعد ما خبا
فهذه الأبيات من خير ما قيل في براءة النفس والتنصل من الذنب، وطلب الرضا والتماس العفو، وهي تجلو عليك صورًا كريمة من خلق الشاعر وغير سجاياه، فقد أبت همته أن يقارف سبة لم يقترف مثلها عمه، أو أبوه وهو يدعو بمجازاة الحسنى أعداءه، ويزيد معهم تأدبا كلما حاولوا انتقاصه، وما أروع تأثر النفس بما قصه من صديق تجنب سخطه، وآثر هواه إن خبيثا أو طيبا جازه في وقت حاجته، فأذاه بالتحرش بالعدوان، وألقى في نفوس أعدائه، وصار أشد منهم حربا وأنكى إيلاما، ويعرج بعد ذلك بنفس مكلومة، وقلب جريح إلى أبلغ العظات
وأروع الحكم محدثا عن الصديق، والزمان متذرعا بالصبر يدرك به مآربه التي لا بد هو موف على طرف منها، ساعيا إلى العلا ولو كان مركبها الأسنة.
ثم يتجه إلى أستاذه، فيخاطبه بكل ما يلين عطفه، ويلفت إليه قلبه ملتمسا منه صفحا لم يكن عن ذنب، وإذ يفترض نفسه مذنبا، فإنما يستعطفه بأبلغ الأساليب تأثيرا في النفس، فقد يكفيه مؤدبا إعراض أستاذه الماضي عنه، ثم يعرض عليه ما قد أصابه من فعل الوشاة، وما تخلف به عن ساقة القوم، وقد سبقهم بنفسه
وأصله ومنصبه، وما زال يكرر له هول ما أصابه، وشدة إعراضه عنه، وتنكره له حتى أوفى على الغاية التي لا يصلها إلا الشعراء الفحول في قوة أسلوب، وبلاغة تصوير، وإشراق ديباجة، وحسن عبارة.
وإنك لتقرأ شعره، فتحس بروح الشاعر تطل عليك من خلال قصيدة، وتصافحك عاطفته الرقيقة، ويتمثل لك صدق إحساسه، حتى لتنطبع على شعوره، وتشاركه فيما ذهب إليه:
واستمع إليه إذ يرثي صديقه "محمد سلطان باشا"، فيقول:
كفى بي حزنا أنني صرت ناعيا
…
لنفسي نفسا في فناها فنائيا
فيا دمع أنجدني فما لي منجد
…
سواك فأنى قد فقدت اصطباريا
ويا حزن لا ترحل فما لك موطن
…
تقيم به إلا صميم فؤاديا
ويا حسرتى في كل يوم تجددي
…
ويا لوعتي لازدت إلا تماديا
ويا كبدي حزنا وبؤسا تقطعي
…
ويا جلدي إن كنت لا زلت واهيا
ويا صرف هذا الدهر جهدك إنني
…
أمنت الذي قد كنت من قبل حاشيا
فانظر كيف بلغ به الأسى مداه، وصور بك فجيعته بموت صديقه الذي نعاه لنفسه التي فناؤها في فنائه، وكيف استنجد بالدمع بعد أن فقد اصطباره واستبقى الحزن ليقيم بفؤاده، وأوصى الحسرة أن تتجدد، واللوعة أن تزيد تماديا، والكبد أن تتقطع حزنا وبؤسا، والجلد أن كان لا يزال واهيا، صرف الدهر أن يجهد ما شاء فقد أمن ما كان يخشاه "إن الذي تحذرين قد وقعا"، ثم انظر إلى هذه المعاني الرقاق التي يصور بها غفرانه زلات الدهر ما دام لم يكف عن صاحبه، وإغضاءه جفنه على القذى ما دام "أبو سلطان" باقيا:
غفرت لك الزلات قبل؛ لأنني
…
بكفك عن شخص العلا كنت راضيًا
وأغضيت عما فات جفني على القدى
…
لأن "أبا سلطان" قد كان باقيا
ثم يمضي الشاعر، فيصور عظم الخطب فيه، وبلاغة الخسران بفقده فيقول:
لك الويل كل الويل يا هر إنما
…
تعطلت مما منه قد كنت حاليا
عدوت على روض العلا فتركته
…
هشيما ومن بعد الضارة ذاويا
وأقفرت ربعا كان بالفضل آهلا
…
فأصبح -لا كفران لله- خاليا
إلى أن يقول:
فقدنا الندى لما فقدناه والحجا
…
وفصل القضايا والتقى والمعاليا
وكنت أرى نفسي وقيا فمذ قضى
…
ولم أقض قد أيقنت أن لا وفا ليا
وهذا المعنى الأخير من أبلغ المعاني الشعرية، وأروعها وأصدقها دلالة على الوفاء.
ومما قاله يهنئ به الشيخ "محمد عبده" إذ عين في الإفتاء.
بهديك للفتيا إلى الحق تهتدي
…
ومن فيض هذا الفضل نجدي ونجتدي
نمت بك للعلياء نفس أبية
…
وعزمة ماض كالحمام المجرد
ورأى رشيد في الخطوب وحنكة
…
وتجربة في مشهد بعد مشهد
وعلم كنور الشمس لم يك خانيا
…
على أحد إلا على عين أرمد
فضائل شتى في الأفاضل فرقت
…
ولكنها حلت بساحة مفرد
إلى أن يقول:
أمولاي يا مولاي دعوة مخلص
…
تقول فيصغي أو تؤم فيقتدي
لكل زمان من بنيه تجدد
…
لما أبلت الأهواء من دين أحمد
وقد علم الأقوام أن محمدا
…
مجد هذا الدين في اليوم والغد
فهذا شعر رائق عذب سائغ مقبول، لا نبو فيه ولا قلق ولا غموض، ولا التواء وكان صديقه الشيخ "محمد عبد المطلب" قد أرسل إليه إذ نقل إلى أسوان شطر البيتين المشهورين:
أمر على الديار ديار سلمى
…
أقبل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حب الديار شغفن قلبي
…
ولكن حب من سكن الديارا
فكتب إليه "قراعة" هذا التشطير الرائع الرقيق فقال:
أقضي الوقت أجمعه ادكارا
…
لمن عنهم ترحلت اضطرارا
وأطفئ بالمدامع نار قلبي
…
فتذكي أدمعي في القلب نارا
وأطلب الاصطبار وأين مني
…
منال الاصطبار ولا اصطبارا
وألتمس الديار على التنائي
…
كما قد كنت ألتمس الديارا
ديار سكينة وأبى سكين
…
ألا يا نعم ذاك الجار جارا1
رعى الله الوفاء ومن رعاه
…
دنا أو شط راعيه مزارا
ولا قرت عيون فتى يوالي
…
جهارًا ثم لا يوفى سرارا
ليهنك أن عهدك عهد صدق
…
وإنك خير من حفظ الذمارا2
وإنك إن تمر بدار ليلى
…
أحاد فقد مررت بها مرارا
أمر بخاطري ومناي إني
…
أقبل ذا الجدار وذا الجدار
وما حب الديار شغفن قلبي
…
فأمسح بالدموع لها ثرارا
وما همي الركون إلى الأماني
…
ولكن حب من سكن الديارا
وأرسل إلى صديق له يمدحه ويشكره إذ بعث إليه خطابا رقيقا حين كان عليلًا.
شقيق الروح أهداني "سلامه"
…
فألبسني به حلل السلامة
فلم أر قبله أبدًا سلاما
…
إذا وافى العليل شفى سقامه
سكرت بطيب رياه فلولا
…
تقاه لقلت أهداني المدامة
فيا لك ناظما عقدا ثمينا
…
يد الأفكار قد نسقت نظامه
لقد أحرزت غاية كل سبق
…
فما "عبد الحميد" وما "قدامه"
إذا همت دعاة المجد يومًا
…
بمكرمة تكون لك الزعامة
ومن يحكي "سليمان" إذا ما
…
دجى ليل الخطوب جلا ظلامه
1 سكينه -كريمة الشيخ محمد عبد المطلب الشاعر.
2 الذمار -ما يلزم حفظه.
عزائمه تفل يد الليالي
…
إذا امتدت لبغي أو ظلامة
يسدد سهمه نحو المعالي
…
فيدركها فما أمضى سهامه
إلى أن يقول:
كتابك للعليل وفي فوافي
…
على قلبي الهنا وروى أوامه
به عبرت عن حالي فشوقي
…
على أشواقكم أبدا علامه
به ابتدأ الشفا مما أقاسي
…
وأرجو الله مولانا تمامه
فهذه القطعة من أطايب الشعر، ورقراقه وأكثره ماء وأعذبه مذاقا، وقد استهل الأبيات بالتورية في لفظ "سلامه" هن معنيها سلام الصديق مضافا إلى الضمير، وسلامة التي هي بمعنى العافية -وختم الأبيات ببراعة المقطع في قوله "تمامه".
ومن توريته اللطيفة ما كتبه على مسجد اليوسفي الذي أنشأه بأسيوط صديقه "أحمد شكري باشا"، إذ قال:
مسجد اليوسفي تم بناه
…
وفق أمر الخديو توفيق مصر
فأقيموا الصلاة لله فيه
…
واشكروا من بناه "أحمد شكر"
فقد روي بأحمد شكر عن معنييه اسم صديقه وأبلغ الشكر.
وقد يستعمل التاريخ في شعره لكلن بقلة كما في قوله يهنئ "محمود بك رياض" مدير أسيوط إذ ذاك.
رياض المجد محمود رضاها
…
ومن يحمي العدالة لا يهاض
إلى أن يقول:
تلقيا البشائر أرختنا
…
يديم العدل محمود رياض
..................................
…
64 135 98 1011
ولعلك تلاحظ أن حرصه على التاريخ أضعف الشعر الذي حواه، وذهب بالجمال الذي ألف في شعره.
وأرسل إليه أيضا مهنئا بعيد الفطر، فكان مما قاله:
مولاي عيد الفطر أورق روضه
…
وجرت مياه سروره بحياضه
وسعى ليخدم منك أكرم ماجد
…
وليستميح الجود من فياضه
فاهنأ به في ظل والدك الذي
…
بالعدل داوى القطر من أمراضه
فبشيره بك قد أتى تاريخه
…
العيد محمود بعز رياضه
.......................
…
115 98 79 1016
سنة 1308
وهي أبيات ضعيفة واهية، وعسى أن يكون "التاريخ" هو المسئول عن تهافتها، وربما أودع شعره مسائل من العلم، وجوابا عنها وهي إذ ذاك نظم ليس فيه روح الشعر ولا روعته، ولكنك تجده مقبولا سائغا كما في سؤال وجهه المرحوم الشيخ "محمد الأمير"، وأجاب عليه فنسج "قراعة" برد السؤال والجواب، فقال في السؤال:
على قبر نعمان همت ديمة الرضا
…
وعمت أهاليه وجملة حزبه
فهم حرموا عرسا إذا مس أمها
…
بغير جماع بل بشهوة قلبه
فلما حمى حر الوطيس بقلبه
…
وفار وفاض الماء من عين سكبه
نفوا عنه تحريما فما السر أرشدوا
…
فتى في فتاويكم شفاء للبه
وقال في الجواب:
ألا أيها المولى الذي بحر فضله
…
تزاجمت الألباب في ورد عذبه
سألت عن المعنى الدقيق وطالما
…
كشفت الغطا عن مشكل الأمر صعبه
فخذ مدرك النعمان عني وإن أكون
…
إذا ذكر الأتباع أضعف حزبه
همو أثبتوا تحريم عرس بمسه
…
لابنتها اشتهاها بقلبه
لأن مساس البنت داع لوطئها
…
وبالوطء داعي الجزء قام فخذ به
ولم يثبتوا التحريم إن كان مسه
…
لها باشتهاء مع إفاضة عزبه
لتحقيقنا أن المراد بمسه
…
إذن شهوة تقضي تدور بصلبه
وهذا الذي أدركته من كلامهم
…
وأبصرتهم قد قرروه بكتبه
وقد يطول نفسه في الشعر، ويتدفق معينه كما في قصيدة الحج التي يقول في مطلعها:
على حقوق للمطي الرواسم
…
تطالبنيها كل حين عزائمي
فقد بلغت ستة وسبعين بيتا
نثره:
ولقراعة النثر الرائع الرصين الذي يضارع أرقى الأساليب في فصاحة تعبيره، وروعة معناه وحسن رصفه، وصفاء مائة، وبعده من التكلف ونقائه من الطلاء والزخرف.
ومن ذلك ما كتبه إلى أستاذه الشيخ "الإنبابي" ينفي عن نفسه ما رمي به من عقوق، وما اتهم به من طعن.
كتابي إلى المولى أطال الله بقاءه، وأنا أحمد من جثا على ركبتيه وانتفع بعلمك، وأخذ عن تلامذتك، وعرف لك جزيل حقك، حين تفاقم الخطب واشتد الكرب، وشمخ بأنفه الحاسد، وصغر خده الشامت، وسيدي وقاه الله ما يكره -يعلم أن الأعراض هي الزجاج لا يجبر كسرها، ولا يرأب صدعها والدنس إن لحقها لا يغسل بالأشنان، ولا يزول بتقادم الزمان، ومولاي أعزه الله هو الوالد المبرور، والناقم المشكور والعاتب الذي نتوخي
رضاه والغاضب الذي نخشى أن يحر غضبه علينا غضب الله، وهو القدوة الذي يتبع في فعله، ويتيمن برأيه، ويرجع إلى قوله، فلا أظن أن يرضى بأن يمزق في مجلسه أديمي، ويستباح ما حرم الله من عرضي، وأقذف بما أوجب الله فيه الحد وينتهك من حرمتي ما الله يعلم أنني منه براء، ولو شاء لعاملني بقوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ} -الآية- "فوضح له الحق الذي لا يجهله والرشد الذي لا ينكره، وعلم أن من وسموا أنفسهم بتتبع العثرات، وكشف العورات إنما صنعوا هذا الصنيع حين علموا أن النقلة أمثالهم، والسفلة أشباههم أشاعوا عني لهذه الحضرة سابقا أني أسأت الأدب بشعر صنعته، وهجو قلته فانتهزوا هذه الفرصة الآن، وذهبوا مذهبا آخر يغبرون في وجه الحق، ويدفعون في صدور اليقين، والله من ورائهم محيط
…
إلخ.
وإنه وإن كان السجع يتمثل في مثل هذه الكلمة تجد أنه سجع مطبوع لا يتسم بسمة التكلف والقصد، ولا يطلبه الكاتب على تكره واستعصاء، وقد يبذل جهدا في طلب السجع، ويحرص عليه لكن ذلك غير ملتزم في الموضوع كله، ولا ينفر الذوق منه، أو تنبو الأسماع عنه، كما قال في رسالة أرسلها لبعض أصدقائه الشيوخ يستعطفه، ويطلب مساعدة محتاج في طلبته.
أخي - أبى الله إلا أن أكاتبك إذا عرضت مهمة، وعنت حاجة، كلمة بالغة، وقدر لا مفر منه ومحنة منيت بها، وسمتني بميم الجفاء، الذي طالما كنت أنبو عنه، ولعل اعترافي بجنابتي يوصلني للإغضاء عنها، وهنا أعجل بعرض حاجتي.
رافع هذا "فلان" كاده الشيطان من "فلان" بالخبل الخابل، والبلاء النازل العاجل، والداهية التي تصفر منها الأنامل، فلم يستجب لراق ولم ينفع في سمه درياقي، فسدت في وجهه السبل وأعيته الحيل، إلا ما كان من الأمل في الأستاذ الأعظم شيخ الجامع الأزهر، فرغب إلي في مخاطبتكم فأجبته مستمنحا شافعا لجوابكم السابق، وواجب مساعدته بما في الوسع، وقد نبهتك ورقدت، ودعوتك للخير وما دعوناك له إلا أجبت والسلام.
الأزهريون أساتذة شعراء العصر
مدخل
…
الأزهريون أساتذة شعراء العصر:
كان جل شعراء العصر الحاملون لواء الشعر المعبرون به عن معاني الحياة حسبما تواتي لهم من القرائح، وتهيأ لهم من الأسباب من الأزهر، رضعوا أفاويقه واغتذوا بثقافته العربية، ومن الطبعي أن يكونوا وهم بهذه المثابة قدوة الناشئين، وإمام المبتدئين يهتدون بتراثهم، وينشأون على غرارهم وينزعون في قوسهم، ولو جهدوا في المخالفة وجدوا في المجافاة، وليس ينكر أثر المتابعة والاقتداء في الأفكار والأساليب، وشعراء الأزهر إذ ذاك زعماء يوجهون وقادة يتبعون، فليس بدعا أن يسايرهم غيرهم وأن يدرجوا على أساليبهم، ويمضوا في طريقهم صعدا، وإذا ساغ لفريق من الشعراء المعاصرين أن يتخطوا الأجيال، والعصور إلى شعراء الجاهلية، فيقلدوهم في طريقتهم، وينزعوا إلى محاكاتهم، ويديروا شعرهم على أسلوب العرب الضاربين في الفلا والبيد، فيتغنوا بالعيس ويخاطبوا النؤى ويسائلوا الدمن والأطلال، ويتشمموا الشيح والعرار على طول الزمن وترامي الأمد إذا ساغت المتابعة على انقطاع ما بين التليد والطارف، والماضي والحاضر، فأولى بها أن تكون بين معاصر ومعاصر وأولى بالتأثر أن يكون بالشاعر الذي يرى ويشاهد، ويقول ويسمع، ويغشى ناديه ويتلقى أدبه بالمشافهة والاستماع.
وإن الأبصار لتقلب في دواوين القدامى، وتغوص في آثار الراحلين على انقطاع الصلة طلبا للاقتداء والتماسا للمحاذاة، وأقل من ذلك عناء للشاعر أن يلي داعي المسايرة لشعر يطرق سمعه بالرواية المعاصرة، ويصافح إذنه من ألسنة قائليه، ويتهادى إليه في الصحف كلما سنحت فرصة، أو واتت مناسبة.
هذا وقد كان فريق من فحول اللغة والأدب في الأزهر أساتذة الرعيل الأول من نابهي الشعراء في هذا العصر الرافعين علمه المقيضين له أسمى وأرفع المنازل، أخذ هؤلاء الشعراء الذين تفاخر بهم العربية، وتباهي بهم
مصر حواضر الأدب في أزهى عصورها عن أساتذة من الأزهر، فانتفعوا بعلمهم واسترشدوا بنقدهم وتملأوا من روايتهم، ونزعوا منزعهم، وجروا مجراهم في تفهم الشعرا، واكتناه اللغة والتفطن لمواطن البلاغة، وتيسر لهم بهؤلاء الأساتذة ضروب من التوجيه وألوان من التشجيع، بل وجدوا منهم ما خلق من ملكاتهم الخصبة أسباب الخلود مما لا لولاه لظلوا مغمورين، وعاشوا غير مجلين.
وسنبين في هذا البحث كيف استمد هؤلاء من أساتذتهم الأزهريين حياتهم، وكيف نهلوا من فضلهم وعلوا.
المرصفي والبارودي:
كان الشيخ "حسين المرصفي" ذا شهرة بالعلم وصيت بالأدب، وكانت الزعامة قد انعقدت له في التوجيه والنقد، وغزارة العلم والبيان يؤمه كتاب وشعراء ويقصده علماء وأدباء، ويعرض أدبهم عليه فحول الأدب البيان.
"والبارودي" ممتلئ منذ نعومة أظفاره حبا للأدب، وإيثارًا للشعر وهوى للبيان، وما من شك في أن هواه هو الذي احتثه على "المرصفي" احتثاثا، واجتذبه اجتذابا يجد في درسه وتوجيهه، ونقده ما ينقع غلته ويروي صداه.
ولقد جهدت في تحديد الصلة التي كانت بين "المرصفي"، و"البارودي" وعنيت بها كيف نشأت وعلى أي وجه كانت، وأين كان الرجلان يلتقيان؟ ولكن جوابا عن شيء من ذلك لم يتيسر لي فيما قرأت واستقرأت، فقد يعرف كثير من الأدباء أن "للبارودي" صلة "بالمرصفي"، وأن للأول بالثاني انتفاعًا، فقد استفاض الحديث عن ذلك حتى تحدث الشاعر نفسه به، ولكن تحديد هذه الصلة وبدءها وكنهها غامض، فلعل "البارودي" ليساره، ونعمته كان قد سعى لاستقدام الشيخ في منزله، والانفراد به في كل مكان هادئ يمكن للتلميذ من الانتفاع بأستاذه، ويهيئ له أسباب النفع والتوجيه، ويجد من أستاذه كلما وفد إليه معلما يعلمه، وهاديا يهديه، ومهذبا يصقل أدبه ويجلو بيانه.
ويتحدث الأستاذ "الرافعي" عن صلة "البارودي""بالمرصفي"، فيقول: ومن عجيب أمره "البارودي" ما تراه فيما يكتبه عنه الشيخ "حسين المرصفي" منذ ثلاثين سنة، وهو أستاذه1".
1 المقتطف الصادر في 26 من ذي القعدة سنة 1322 الموافق 1 فبراير سنة 1905م.
ويقول الأستاذ "عباس العقاد" أن "المرصفي" أستاذ البارودي، وحافظ وقدوتهما في الرأي والنقد، وتذوق الكلام1.
ويقول المفصل: "وأخذ عن "المرصفي" كبار المتأدبين في عصره من البارودي، فصاحبوه ولازموه، وعرضوا عليه بيانهم فهدى ونقح وهذب".
"والمرصفي" حين يتحدث عن "البارودي" يدل على أن "البارودي""تلقى عنه وتعلم منه، فإنه يقول": إن "البارودي" لم يقرأ كتابا في فن من فنون العربية غير أنه لما بلغ سنة التعقل، وجد من طبعه ميلا إلى قراءة الشعر وعمله، فكان يستمع
لبعض من له دراية، وهو يقرأ بحضرته حتى تصور في برهة قصيرة هيئات التراكيب العربية، ومواقع الموفوعات منها والمنصوبات، والمخفوضات حسبما تقتضيه المعاني والتعلقات المختلفة، فصار يقرأ ولا يكاد يلحن"، ولم نعرف أن "البارودي" اتصل بغير "المرصفي" ممن له دراية، أو قرأ بحضرته دواوين الشعر.
ويقول: وسمعته مرة يسكن ياء المنقوض والفعل المعتل بها المنصوبين، فقلت له في ذلك، فقال: هو كذا في قول فلان، وأنشد شعرا لبعض العرب، فقلت: تلك ضرورة، وقال علماء العربية: إنها غير شاذة، ثم استقل بقراءة دواوين مشاهير الشعراء من العرب وغيرهم حتى حفظ الكثير منها دون كلفة، واستثبت جميع معانيها ناقدا شريفها من خسيسها، واقفا على صوابها وخطأها، مدركا ما ينبغي وفق الكلام وما ينبغي1.
"فالمرصفي" يتحدث عنه حديث خبير به، ويدل على أن "البارودي" كانت له معه دراسة، وانتفاع وأن "المرصفي" كان يراجعه، ويوجهه وينقده وما أظن إلا أن "البارودي" قرأ هذه الدواوين الضخمة عليه، وسمعه ينقدها ويعلق عليها، ويبدي رأيه فيها -"والبارودي" يقدر صلته بأستاذه، وبفي حق الوفاء له، يقول "المرصفي": وكان حرسه الله كتب لأبناء وده كتبا، وهو في
1 الوسيلة الأدبية الجزء الثاني ص474.
حرب الروس ولم تصل إليهم، وظن وصولها وتقصيرهم عن المبادرة بالإجابة، وقد وصل إلى أحد كتابين كتبهما لي يوم قدومه إلى مصر بعد مدة من كتابته1، ومطلع هذه الأبيات.
يا ناعس الطرف إلى كم تنام
…
أسهرتني فيك ونام الأنام
ويقول فيها:
طال النوى من بعدكم وانقضت
…
بشاشة العيش وساء المقام
مولاي قد طال مرير النوى
…
فكل يوم مر بي ألف عام
إلى أن يقول في ختامها:
فتلك حالي لا رمتك النوى
…
فكيف أنتم بعدنا يا همام؟
ويقول "المرصفي"، وقد شرفت عناية وده أسمى بهذه القصيدة التي يقول فيهما:
بلوت ضروب الناس طرا فلم يكن
…
سوى "المرصفي" الحبر في الناس كامل
همام أراني الدهي في طي برده
…
وفقهني حتى اتقتني الأماثل
أخ حين لا يبقى أخ ومجامل
…
إذا قل عند النائبات المجامل
بعيد مجال الفكر لو خال خيلة
…
أراك بظهر الغيب ما الدهر فاعل
طرحت بني الأيام لما عرفته
…
وما الناس عند البحث إلا مخايل
فلو سامني ما يورد النفس حتفها
…
لأوردتها والحب للنفس قائل
فلا برحت مني إليه تحية
…
يناقلها عني الضحى والأصائل
ولا زال غض العمر ممتع الذرا
…
مريع الفنا يطوى إليه المراحل
يقول "المرصفي": وعلى أن ليس من طبعي أن أقول الشعر، إما لفوت أوان تحصيل وسائله، ولم تكن إذ ذاك دواع ترشد إليه، وإما؛ لأن الاستعداد
1 الوسيلة الأدبية ج2 ص497 -وأرسل الباوردي إلى المرصفي قصيدة أخرى يقول في مطلعها:
هو البين حتى لا سلام ولا رد
…
ولا نظرة يقضي بها حقه الوجد
الذي لا بد منه لم يكن في خليقتي أنطقني حبه بأبيات أجملت فيها صفته وهي:
زكا أميري طبعا واعتلى شرفا
…
فدار حيث تدور الشمس والقمر
ونال ما نال عن كد الرجال فلا
…
من عليه لشخص حين يفتخر
بفضله كل أهل الأرض معترف
…
كما تصادق فيه الخبر والخبر
لا يجهل الرتبة العلياء يعمرها
…
ولا يتيه بها ما أعظم الخطر
صحبته وهو سر في مخايله
…
حتى تخير من أعلائه الكبر
فما أخذت عليه شبه بادرة
…
ولا تخيلت أمرا منه يعتذر
أدامه الله نقني من فضائله
…
ومن فواضله ما أنبت الشجر
الشيخ البسيوني وشوقي:
قل أن نتكلم عن انتفاع أمير الشعراء المرحوم "أحمد شوقي بك" بثقافة الأزهر، والأخذ من بعض من أساتذته نقدم بكلمة عن الشيخ "محمد البسيوني" أستاذه، فإن الحديث يدور عليه.
من هو "البسيوني"؟:
الشيخ "محمد البسيوني البيباني" ينسب إلى "بيبان" قرية من قرى "البحيرة"، ولد بها في منتصف القرن الثالث عشر الهجري تقريبا، وبعد أن حفظ القرآن أشخص إلى القاهرة لطلب العلم في الأزهر، وما أن استقر به المقام بين جدرانه حتى طفق يدرس على أساتذته مختلف العلوم العقلية والنقلية، ولازم شيوخه بالأزهر سنين يقرأ عليهم أمهات الكتب في الفنون التي كانت تدرس إذ ذاك حتى حذقها، ولما نضجت كفايته، واكتملت مقدرته تصدر للتدريس، فكان معدودا من جلة الأساتذة، وامتاز الشيخ بنوح خاص في دراسة العلوم العربية، فكانت له طريقة في التدريس لم تكن
معهودة في ذلك العصر إذ يعمد إلى جوهر الموضوع، فيبرزه في أبهى حلة ويجليه الطلاب غاية التجلية باحثا في سره دون التعرض للضجة اللفظية، ولغط الكاتبين، وقد ظهر أثر هذه الطريقة في كتابه "حسن الصنيع" الذي ألفه في المعاني والبيان والبديع، وكتبه بأسلوب أدبي رقيق.
وجاوزت شهرته العلمية والأدبية المحيط الأزهري إلى أفق غير الأزهر، فأسندت إليه نظارة المعارف تدريس علوم اللغة العربية بالمدرسة التجهيزية "الخديوية".
واختاره الجالس على العرش الخديو "توفيق" إماما لحضرته ومدرسا لأنجاله، فقام بما عهد إليه خير قيام.
ثم أسند إليه مع عمله هذا تدريس اللغة العربية بمدرسة الإدارة التي سميت فيما بعد "مدرسة الحقوق"، وكان من بين تلامذته النابهين في هذه المدرسة المرحوم "أحمد زكي"، والمرحوم "أحمد شوقي بك"، وكان يدرس علوم البلاغة في مصنفه المسمى "حسن الصنيع".
ثم عين الشيخ "البسيوني" مفتيا للمعية السنية، وظل في وظيفته هذه إلى أن جاور ربه في ليلة الخميس 13 من ربيع الآخر سنة 1310هـ، الموافقة 3 من نوفمبر سنة 1812م في عهد الخديو "عباس الثاني" رحمه الله تعالى.
شعره والعوامل المحيطة به:
في أثناء هذه الحقبة التي قضاها "البسيوني" في خدمة بيت الملك كان يقرض الشعر في مدح الخديو، كلما حل موسم أو أهل عيد، أو بدت فرصة وقلما نظم الشعر في غير هذه الأغراض.
ولم يكن من الميسور له وهو من رجال الملك، وخلصائه أن يتعرض في شعره إلى السياسة إلا بقدر يسير جدا، كما لم يكن من المستطاع وهو من رجال الدين أن يتحدث إلا قليلا عن اللهو والخمر والنساء، وما لا يتفق مع جلال الدين ووقار العلم، لذلك جاء شعره في دائرة ضيقة، فلم نعثر له على
شعر إلا في المدائح والتهاني، وغيرها مما تنشره له الوقائع المصرية مما كان يزجيه لصاحب العرش.
وفيما وقفنا عليه يهنئ بها الخديو "توفيق" بعودته من الإسكندرية إلى العاصمة بعد إخفاق الثورة العرابية، ووقوع الثوار في قبضته.
وفي هذه القصيدة يؤرخ العودة بسنة 1299 هجرية، ويضفي على وليه حللا من الثناء، ثم يعرض إلى الثوار فينال منهم ويسفه أحلامهم، وإلى الثورة فيصف مآسيها وشرها، وأخيرا يكل أمر هؤلاء الخارجين على طاعة ولي الأمر في أسلوب جيد بالنسبة لعصره، ويقول في مطلعها:
رجوعك يا توفيق مصر هناؤها
…
وشمس بهاها دائما وضياؤها
1299هـ.
فأنت خديويها وأنت مليكها
…
وأنت لها من كل سقم شفاؤها
وأنت لها حصن على رغم حسد
…
وأنت لها بدر وأنت سماؤها
وما في إلا روضة وفكاهة
…
وما أنت إلا حسنها وازدهاؤها
وأنت لها إنسان عين حياتها
…
ولولا تلاقيها لخيف عناؤها
وما هي إلا جثة أنت روحها
…
وما أنت إلا مجدها وملاؤها
وما مثلها إلا لمثلك ينتمي
…
فيسمو بها بين الأنام انتماؤها
لبعدك كم قاست لعمري شدائدا
…
فاضت إلى أن تستباح دماؤها
ولولا تلافيها لأصبح تالفا
…
بقية أهليها وعز نماؤها
وأضحت لأرواح الرياح ملاعبا
…
وما طاب فيها للمقيم هواؤها
ومنها:
على عصبة البهتان لا تأس إذ هوى
…
بها في مهاوي الموبقات افتراؤها
فقد خلعت ثوب النجاة مذ اكتست
…
ثياب الردى جهلا وبئس اكتساؤها
وحيث أبت إلا هواها سفاهة
…
وساق لها الأخذ الوبيل شقاؤها
رأيت لها رأي الملوك فأصبحت
…
وقد ساءها إصباحها ومساؤها
فإن شئت فاصفح أو إذا شئت فانتقم
…
فمنك بقاها لو تشا وفناؤها
شوقي ثمرة البسيوني:
حين تولى الشيخ "البسيوني" تدريس اللغة العربية بمدرسة الإدارة "الحقوق"، كان بين تلامذتها، "أحمد شوقي بك"، "وأحمد زكي باشا" كما قلنا فانتفعا بعلمه وغنيا بثقافته، وتفطن الأستاذ إلى الموهبة الشابة في نفس شوقي، فأقبل عليها بالتوجيه، ويحدثنا "أحمد زكي باشا" في حفل تأبين شوقي الذي أقامته وزارة المعارف في ديسمبر سنة 1932م، بأن الشيخ البسيوني أستاذهما في فنون البلاغة كان لا تخطئه النكتة البارعة اللاذعة، أو الساحرة الساخرة، وما لبث أن رأى في تلميذه شوقي بواكير العبقرية وبوادر المواهب الربانية، فأنشا يعرض قصائده على تلميذه شوقي بواكير العبقرية، وبوادر المواهب الربانية، فأنشا يعرض قصائده على تلميذه قبل أن يرسلها إلى المعية السنية، وإلى جريدة الوقائع المصرية وغيرها من الصحف العربية، وكان شوقي ببساطة التلميذ الناشيء يشير بمحو هذه الكلمة، وتصحيح تلك القافية، وحذف هذا البيت، وتعديل ذياك الشطر والأستاذ يغتبط بقوله، وينزل على رأيه.
ويقول "أحمد زكي باشا"، وأحسن ما أذكر لأستاذي البسيوني رحمه الله أنه كان يتحدث بذلك إلينا، وإلى الفرق المتقدمة علينا، "وفيها أصحاب السعادة عثمان باشا مرتضى، وأبو بكر يحيى باشا، وعلي ثاقب باشا، وشاكر بك أحمد" دون أن تأخذه العزة بالإثم، وأن يغريه الكبرياء اللازم للمدرس بإنكار الفضل الذي منحه الله للدارس، فهذه أول سعادة أحرزها "شوقي".
أجل هذه أول سعادة أحرزها، فما من شك في أن إقبال الشيخ البسيوني على شوقي، وتنزله معه إلى هذا الحد قد ملأ نفسه ثقة بشاعريته، وإيمانا بموهبته وكان أول ما أخذه بيده إلى النهوض، وشجعه على المضي في سبيل مجده صعدا ناشئ يدني الأمل من نفس التلميذ، ويوطئ له أسباب المجد والسعادة مثلما
تفعله رعاية أستاذه البار الكريم الطيب النفس النزيه المسلك، الخبير بأسلوب التربية وطرق التشجيع.
على أن الأستاذ البسيوني تحدث بهذا النبوغ الباكر إلى صاحب العرش، وأفهمه أن بين أثواب هذا الفتى الناشئ براعة نادرة، وذكاء فذا، وأنه خليق بالرعاية العالية ليكون زهرة يتضوع شذاها في مشارق الأرض، ومغاربها وكانت هذه الشهادة من أكبر الأسباب التي حفزت الخديو "توفيق" في سنة 1887 إلى إيفاد شوقي إلى باريس ليتم دراسته على نفقته الخاصة، ولتغذية مواهبه بروائع الغرب وبدائعه، وقد تحققت به وفيه الآمال، فكانت هذه ثانية السعادات.
ومن هنا نرى أن الأزهر ممثلًا في شخص الأستاذ "البسيوني"، هو الذي كشف عن هذه القوة الكامنة في نفس شوقي، وهو الذي تهدى بشاعرية أشد أبنائه وفراسته إلى عبقريته أكبر الشعراء، فوجهها التوجيه الصالح، وتعهدها حتى نمت وأزهرت وأنبتت نباتا حسنا، وأثمرت ثمرًا لا يفنى ولا يبيد.
وجميل حقا أن يتفطن شيخ أزهري لم ير مفاتن الغرب، ولم يكتحل بمشاهده ومجاليه، إلى ما يجب لشوقي أن يطلع عليه من روائع باريس وحضارتها، ومباهجها ومفاتنها، فيشير على ولي الأمر بإرساله إليها ليتسع أفقه، ويخصب خياله ويمتلئ خاطره بأسباب القول ودواعي الشعر.
فلا عجب إذن أن يكون شوقي أمير الشعراء من أفق الأزهر، وثمرة من ثماره أو فكرة من أفكاره.
اعتراف شوقي:
ولشوقي حديث آخر بصدد الأزهر يشهد بحسن تقديره لهذا المعهد العظيم، وإجلاله لمهبط أساتذته، فقد أقيم حفل لتأبين المرحوم "عاطف
بركات باشا" بمدرسة المعلمين العليا في الخميس الثالث عشر من صفر سنة 1343هـ، الموافق الحادي عشر من شهر سبتمير سنة 1924، وأرسل أمير الشعراء قصيدته لتلقي في الحفل، وكان مما قاله فيها:
وحارب دونها صرعى قديم
…
كأن بهم على الزمن انقطاعا
إذ ألمح الجديد لهم تولوا
…
كذي رمد على الضوء امتناعا
وكان في الحفل صفوة من رجال مصر، وجمهرة من شيوخ الأزهر منهم فضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر، وفضيلة مفتي الديار المصرية إذ ذاك، فعدوا ذلك جرحا لكرامتهم وطعنة في صدورهم، وكتب أحد علماء الأزهر إذ ذاك مقالًا بعنوان "أمير الشعراء"، ورجال الأزهر -للحقيقة والتاريخ. "نشرته جريدة الأخبار بتاريخ 17 من صفر سنة 1343هـ المواهفق 6 من سبتمبر سنة 1924"، وقد كانت براعته رمحا رد بينيا شك أمير الشعراء الذي نفى عنه الكاتب أن يكون كنادبة المسجي التي تجامل الحاضرين بذكر شيء من محاسن موتاهم، وقد ظهرت جريدة الأخبار بعد هذا المقال بيوم واحد، وفي صدرها حديث لأمير الشعراء ينفي ما فهمه صاحب المقال من تنكر شوقي للأزهر، ورجاله فكان مما قاله، "وما أنا من ينسى أن معظم أساتذة مدرسة القضاء نفسها في العلوم الشرعية بوجه خاص، كانوا من شيوخ الأزهر ورجاله، وليس من المعقول أن يكون هؤلاء الأفاضل حربا عليها، وهم في النهوض بها شركاء.
إن للأزهر عندي حرمة لا أحب أن يتشكك فيها الأستاذ، وأعتقد أن الأزهر قد سد فراغا كبيرا كان التعليم في مصر، والبلاد الشرقية جميعا لا يرجو له بدون الأزهر من سداد.
وسأظل فخورًا دائما بأن من أساتذتي شيوخا من صميم الأزهر الشريف، وكبار علمائه.
ذلك هو ما قاله شوقي تلافيا لما عساه أن يكون قد فهم من قصيدة التأبين.
وإفصاحا عن تقديره الأزهر الذي يفخر أمير الشعراء بأن فيه أساتذة من شيوخه.
على أن أمير الشعراء أراد أن يزيد في تأكيده تقدير الأزهر، وينفي عنه مظنة النيل من أبنائه، فالتمس إصلاح الأزهر في أقرب فرصة، ونظم آيته الكبرى التي قالها في نفس العام الذي أدلى فيه بحديثه عن الأزهر، ويقول فيها:
قم في فم الدنيا وحي الأزهرا
…
وانثر على سمع الزمان الجوهرا
واجعل مكان الدر إن فصلته
…
في مدحه خرز السماء النيرا
واذكره بعد المسجدين معظما
…
لمساجد الله الثلاثة مكبرا1
واخشع مليا واقضي حق أئمة
…
طلعوا به زهرا وما جوا أبحرا
كانوا أجل من الملوك جلالة
…
وأعز سلطانا وأفخم مظهرا
زمن المخاوف كان فيه جنابهم
…
حرم الأمان وكان ظلهم الذرا2
من كل بحر في الشريعة زاخر
…
ويريكه الخلق العظيم غضنفرا
ثم يقول:
يا معهدا أغنى القرون جدارة
…
وطوى الليالي ركنه والأعصرا
ومشى على يبس المشارق نوره
…
وأضاء أبيض لجها والأحمرا
إلى أن يقول:
عين من الفرقان فاض نميرها
…
وحيا من الفصحى جرى وتحدرا
ما ضرني أن ليس أفقك مطلعي
…
وعلى كواكبه تعلمت السرى
وهو يشير في هذا البيت إلى أنه، وإن لم يكن طلع في أفقه، ودرج في رحابه فقد اهتدى بأساتذته، وتعلم السرى على كواكبه ثم يقول:
لا والذي وكل البيان إليك لم
…
أك دون غايات البيان مقصرا
1 المسجد الحرام والمسجد الأقصى.
2 الذرا الملجأ.
شوقي وكتاب الوسيلة الأدبية:
وما دمنا بصدد انتفاع أعلام الشعر بأساتذة الأزهر، وجهودهم الأدبية في هذا العصر، فقد يطيب الحديث عن هذا الكتاب الذي نهل منه "شوقي"، و"حافظ" وكان الكتاب الأول الذي راض خيال شوقي، وصقل طبعه، وصحح نشأته الأدبية، كما كانت منه بصيرة "حافظ".
وليس سر هذا الكتاب ما فيه من فنون البلاغة، ومختارات الشعر والكتابة فقد كان ذلك في مصر قديما، ولم يخرج لها شاعر مثل شوقي، ولكن السر في هذا الكتاب من شعر "البارودي"؛ لأنه معاصر والمعاصرة اقتداء ومتابعة، وقد تقضت القرون الكثيرة، والشعراء يتناقلون ديوان المتنبي وغيره، ثم لا يجيئون إلا بشعر الصناعة والتكلف، ولا يخلد الجيل منهم إلا لما رأى في عصره، ولا يستفتح غير الباب الذي فتح له إلى أن كان البارودي، فجاء بذلك الشعر الجزل الذي نقله "المرصفي" بإلهام من الله تعالى ليخرج للعربية "شوقي وحافظ"، وغيرهما، فكل ما في الكتاب أنه ينقل روح المعاصرة إلى روح الأديب الناشيء، فتبعثه هذه الروح على التمييز وصحة الاقتداء، فإذا هو على ميزة وبصيرة، وإذا هو على الطريق التي تنتهي به إلى ما في نفسه ما فيه ذكاء وطبع، وبهذا ابتدأ "شوقي وحافظ" من موضع واحد، وانتهى كلاهما إلى طريقة غير طريقة الآخر1.
1 من مقال للمرحوم مصطفى صادق الرافعي في المقتطف الصادر في 2 من رجب سنة 1351 "أول نوفمبر سنة 1932م".
الشيخ محمد عبده وحافظ:
"حافظ" رحمه الله أحد الشعراء الذين تفخر بهم العربية في هذا العصر، ولواء من ألوية الشعر الخفاقة في هذا الجيل، وقد كان هبة الإمام "محمد عبده" إلى الحياة، وغرسه الذي نما في رعايته.
فحين عاد "حافظ" من السودان إلى مصر واستقال من الجيش، اتصل بالشيخ "محمد عبده" وفرغ للأدب، فبدأ من ثم تكوينه الأدبي المندمج المحكم، وكان شعره من قبل ظاهر المتكلف، واهن النسج مضطرب الفكرة لم تنضج موهبته، ولم تشرق عبقريته.
درس في مدرسة الشيخ "محمد عبده" من سنة 1899م إلى سنة 1905م، وهذا الإمام رحمه الله كان من كل نواحيه رجلا فذا1، وكأنه نبي متأخر عن زمنه فأعطى الشريعة ولكن في عزيمته، ووهب له الوحي ولكن في عقله، واتصل بالسر القدسي ولكن من قلبه، ولولا هو ولولا أنه بهذه الخصائص لكان "حافظ" شاعرًا من الطبعة الثانية، فإنه من الشيخ وحده كانت له هذه القوة التي جعلته يصيب الإلهام من كل عظيم يعرفه، وكان له من أثرها الشعر المتين في وصف العظماء العظائم.
إلا أن حافظا وجد في الإمام ما هو أسمى من ذلك في النفس والجاذبية، وبهره منه ما هو عليه من ذوق الأدب والبلاغة، وحضر دروس الإمام في المنطق وأسرار البلاغة، ودلائل الإعجاز، فنضج منها أسلوبه المتكن، وذوقه الدقيق ولازمه وحضر مجالسه، فكانت مادة موضوعاته الاجتماعية وأغراضه الوثابة، وكشف له من الشيخ عن آراء في الفكر والسياسة، والمسائل التي تشغل مصر والشرق، فطبع عليه متأثرا بها، وحضر نظرات عينية، وخرج
1 نقلنا ذلك عن بحث للمرحوم مصطفى صادق الرافعي في المقتطف "20 من ذي القعدة سنة 1343هـ -أول يونيه سنة 1926م".
منها بروحانية قوية هي التي تتضرم في شعره إلى الأبد، فحافظ إحدى حسنات الشيخ على العالم العربي، وهو خطة من خططه في عمله للإصلاح الشرقي الإسلامي والنهضة المصرية الوطنية، وإحياء العربية وآدابها، وإذا ذكرت حسنات الشيخ، أو عدت للتأريخ وجب أن يقال أصلح، وفعل وفسر القرآن، وأنشأ حافظ إبراهيم.
على أن إذن الإمام هي التي أتمت ملكة الشعر في "حافظ"، فقد ألف أن يسمعه شعره، واعتاد أن يعرض على ذوقه الأدبي المصقول كل ما يقرضه، وصار ذلك طبعا في "حافظ" حتى إنه ليستحسن مواطن الأدباء والشعراء في المجالس، والأندية كي يسمعهم نظمه.
وكان المرحوم "مصطفى صادق الرافعي"، قد نظم أول عهده بالشعر قصيدة في مدح الإمام، وأنفذها إليه ثم لقي "حافظا" فقال "حافظ": إنه تلاها على الإمام وإنه استسحنها، فقال له الرافعي: فماذا كانت كلمته فيها؟ قال: إنه قال: لا بأس بها فاضطرب شيطان الرافعي من الغضب وقال: إن الشيخ ليس بشاعر فليس لرأيه في الشعر كبير معنى، فقال له "حافظ": ويحك إن هذا مبلغ الاستحسان عنده، قال الرافعي -قلت "لحافظ": وماذا يقول لك أنت حين تنشده؟ قال: أعلى من ذلك قليلًا، فأرضاني والله أن يكون بيني وبين "حافظ""قليل"، وطمعت من يومئذ، وأنا أرى أن "حافظ إبراهيم" إن هو إلا ديوان الشيخ محمد عبده لولا أن هذا لما كان ذلك1.
1 الرسالة المجلد الثاني ص1882.
منتدى للشعراء يقرضون شعرهم على أذنه الموسيقية التي يؤذيها نبو الوتر، وكذلك كان "قراعة" اتخذ من بيته كلما حل ناديا للأدباء والشعرا، وكان "عبد المطلب" ألصق الناس وأكثرهم ملازمة له، وهو يحدث بذلك في ديوانه إذ يقول:"وكانت بيني وبين الأستاذ الكبير الشيخ "عبد الرحمن قراعة" صداقة انعقدت بيننا منذ سنة 1897م، وكنت من الذين يعرفون فضله في العلم والأدب، فلا غرو أن ترى لي فيه قصائد عدة".
أهديت إليه خلعة تشريف العلماء، فقلت أهنئه:
أجد عهدك بالتشبيب بالغيد
…
وجد يجد يتحنان الأغاريد
ويقول في هذه القصيدة مادحًا "قراعة":
وللفصاحة من ألفاظه درر
…
تعلو فرائدها من غير تنضيد1
تجلو المعاني للأسماع صافية
…
تروي النفوس بمحلول ومعقود2
وللبلاغة في أسلوبه نغم
…
يغني الأديب بها عن نغمنا لعود
بكل معنى جرى حسن البيان به
…
مع البلاغة جري الماء في العود
ويقول -وكان صاحب الفضيلة الأستاذ الجليل الشيخ "عبد الرحمن قراعة" جارا لي بسوهاج، فلما نقل إلى أسوان ونازعني الشوق إلى رؤيته كتبت إليه مشطر البيتين أمر على الديار ديار سلمى
…
إلخ. وقد رد عليه "قراعة" بشعر رقيق لطيف، وفي ديوان "عبد المطلب" كثير من شعره الذي قاله في صديقه "قراعة".
ومن الطريف أن أو قصيدة في ديوان "عبد المطلب" في حرف الألف، وجهها إلى "قراعة" ردا على كتاب ورد منه، وأن الديوان يكاد يختم
1 الفرائد -الجواهر النفيسة واحدها فريدة، وتنضيدها ضم بعضها إلى بعض في اتساق.
2 المحلول من الشراب الرقيق، والمعقود الغليظ التخين.
بقصيدة قالها "عبد المطلب" في توديع الشيخ "قراعة" يوم نقل من سوهاج إلى أسوان في فبراير سنة 1905م -ومما جاء فيها:
فيا قاضيا بالدين تجري فعاله
…
ويرضاه في أحكامه العمران
ويا نائبا في دينه عن نبيه
…
نيابة فضل لا تشان لشاني
ويأيها البحران كيف افترقتما
…
وقد مرج البحرين يلتقيان
تقاسمتما منا قلوبا قد اغتذت
…
بسوهاج من آدابكم ببيان
وغير هؤلاء كثيرا من ألوية الشعر في هذا العصر راض شعراء الأزهر، وأدباؤه بيانهم وصقلوا شعرهم، وهذبوا فكرهم، ووجهوهم إلى الأدب الناصح والبيان الكريم، من أمثال:"محمود صفوت الساعاتي"، "وحنفي بك ناصف" وغيرهما. فقد وجدوا من فحول البيان في الأزهر معينا لا ينصب وهدى لا يضل.
قراعة وعبد المطلب:
فضل الأزهر على المرحوم "محمد عبد المطلب" الشاعر معروف لا يجحد فقد اغتذى بثقافته في الصبا سبع سنين قضاها بين طلابه، وهي فترة ليست قصيرة في حساب ذوي الملكات والموهوبين، ثم التحق بمدرسة دار العلوم فدرس كتب الأزهر فيها، وتلقى العلم على أساتذه الأزهر بها كالشيخ "حسن الطويل" والشيخ "حسونه النواوي"، والشيخ "سليمان العبد"، وغيرهم من العلماء والأدباء الذين أمدوا هذه المدرسة بالحياة، ولولا أننا قصرنا حديث دراستنا على الأزهريين بدءا ونهاية لكان "عبد المطلب" أحد الذين نتناول حياتهم بالإسهاب، وشعرهم بالدراسة والتحليل، ولكنا نلمح إلى اغتذاثه بثقافة الأزهر، وانتفاعه بعد مرحلة الطلب به بعلم من شعرائه الأفذاذ، وهو المرحوم الشيخ "عبد الرحمن قراعة".
حين تخرج "محمد عبد المطلب" من مدرسة دار العلوم أصبح مدرسا بمدرسة سوهاج الابتدائية حيث قضى بها بضع سنين، ذاع صيته فيها بين كبار الحكام والأعيان، وتعطرت مجالسهم بخطبه وقصائده، واختصه منهم بصداقته علامتنا الفاضل الشيخ "عبد الرحمن قراعة" فاقتبس كثيرا من علمه وأدبه، وطيب أخلاقه وسجاياه1.
وانعقدت الصداقة بين الرجلين، والمرحوم الشيخ "قراعة" أديب كبير، وعالم فذ وشاعر ضخم، فكان ذلك قادحا فكر عبد المطلب، باعثا على نمو قريحته وببسط أفقه وتنشيط موهبته، ولا شك أن "قراعة" كان أسبق منه قرضا للشعر، وأكثر منه دراية بالعلم والأدب وفنونه، وهو بهذه المثابة أولى بتوجيه "عبد المطلب"، وتهذيب فكره وتقويم شعره، ولعلنا لا ننسى أثر المرحوم إسماعيل صبري باشا في ترويج الشعر، وتهذيبه وصقله، فقد كانت
1 من كلمة الأستاذ السكندري في تأبين عبد المطلب، وهي في مقدمة ديوانه.