الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المقالة:
وتطلق في الحديث على الموضوع المكتوب الذي يوضح رأيًا خاصًّا وفكرة عامة، أو مسألة علمية أو اقتصادية أو اجتماعية يشرحها الكاتب ويؤيدها بالبراهين. والمقالة من الأدب بمعناه العام أو العلم بمعناه العلوم تقوم على عنصرين رئيسيين: المادة والأسلوب "العبارة"؛ ولها بعد ذلك خطة "أو أسلوب عقلي".
ولما كانت المادة من المسائل الفكرية التي ترمي إلى التعليم والإقناع؛ وجب أن تكون صحيحة، بريئة من الأخطاء والتناقض، حتى تؤدي إلى نتائج معقولة ولا بد من الحيطة في تقرير الأحكام والنتائج، فإذا تحقق الاستقرار أمكن تعميم الأحكام وإلا اقتصد الكاتب فيما يقول، وبقدر كمية المعلومات وجدتها تكون قيمة المقالة.
وأما خطأ المقالة plan فهي أسلوبها المعنوي من حيث تقسيمه، وترتيبه لتكون قضاياه متواصلة، بحيث تكون كل قضية نتيجة لما قبلها مقدمة لما بعدها حتى تنتهي جميعًا إلى الغاية المقصودة. وهذه الخطة تقوم على المقدمة والعرض والختام. فالمقدمة تتألف من معارف مسلم بها لدى القراء، قصيرة متصلة بالموضوع معينة عليه بما تعد النفس له، وما تثير فيها من معارف تتصل به. والعرض -أو صلب الموضوع- هو النقط الرئيسية أو الطريقة التي يؤديها الكاتب سواء انتهت إلى نتيجة واحدة أم إلى عدة نتائج هي في الواقع متصلة معًا، وخاضعة لفكرة رئيسية واحدة ويكون العرض منطقيًّا، مقدمًا الأهم على المهم، مؤيدًا بالبراهين، قصير القصص أو الوصف أو الاقتباس، متجهًا إلى الخاتمة
لأنها مناره الذي يقصده. والخاتمة هي ثمرة المقالة عندها يكون السكوت؛ فلا بد أن تكون نتيجة طبيعية للمقدمة والعرض، واضحة صريحة، ملخصة للعناصر الرئيسية المراد إثباتها، حازمة تدل على اقتناع ويقين. لا تحتاج إلى شيء آخر لم يرد في المقالة.
وأهم ما يعنينا هنا هو الأسلوب أو العبارة اللفظية، والصفة العامة اللازمة لأسلوب المقالة هي الوضوح، وإن لم يخل من القوة والجمال ونرجئ القول في ذلك إلى مكانه من هذا البحث، ومن كتب المقالات: الفصول ومطالعات للعقاد، وفيض الخاطر لأحمد أمين وحصاد الهشيم للمازني والمختار للبشري.
فإذا اتخذنا مقالة -أكاذيب المدينة- لأحمد أمين1، مثلًا تطبيقيًّا لهذا الفن الكتابي، لاحظنا، أولًا، المقدمة التي استغرقت الصفحة الأولى لبيان جانبي المدنية: المادي والروحي، وثانيًا هذا العرض الذي سلك فيه طريقة التركيب إذ قال رأيه في الموضوع مقدما، ثم أخذ يؤيده بالبراهين فكرة فكرة، كما كان يفعل ابن خلدون في أهم فصول مقدمته، وقد انتهت به البراهين إلى أن المدنية عرجاء تمشي على ساق واحدة هي الناحية المادية دون الناحية الروحية، وإن علة ذلك ضيق النظر بتغليب القومية على الإنسانية. وثالثًا هذه الخاتمة التي تقوم على الدعوة إلى جعل "الإنسانية" المذهب الذي يعتنقه الجميع ويخضع له كل ما في الحياة حتى يسعد الناس وإلا فالمدينة مجموعة أكاذيب.
مهما يكن من قيمة هذه المقالة من الناحية العلمية، فلا شك أن أسلوبها مثال الوضوح الناشئ عن دقة الكلمات، وسهولة التراكيب، وتواصل الفقرات لفظيًّا ومعنويًّا! فكانت العبارة واضحة، بمعونة أو على الرغم من العبارات العلمية.
1 فيض الخاطر ج1، ص131.