الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الرابع: الأسلوب والأديب
الفصل الأول: تمهيد
…
الباب الرابع: الأسلوب والأديب
الفصل الرابع: تمهيد
1-
ذكرنا في الباب الثالث كيف يختلف الأسلوب باختلاف الموضوع، وقد رأينا أن ذلك الاختلاف اللفظي إنما كان ظاهرة محتومة لاختلاف طبيعية الفنون الأدبية من حيث عناصرها المعنوية أولًا، وغاياتها التعليمية أو التأثيرية أو كلتيهما ثانيًا، فكان لكل من المقالة، والقصيدة، والخطابة، والرواية أسلوب خاص، وانتهى بنا القول إلى صحة هذه الكلمة المأثورة:"الأسلوب هو الموضوع".
وهنا نقول في ناحية ثانية هي اختلاف الأساليب تبعًا لاختلاف المنشئين سواء كانوا كتابًا أم خطباء أم شعراء أم مؤلفين إلى غير هذا، فالموضوع هنا واحد -خطابة أو كتابة أو شعر- ولكن الأشخاص يتعددون، فإذا بالأسلوب يختلف في الفن الواحد باختلاف هؤلاء الأدباء؛ إذ نرى لكل منهم طابعًا خاصًا -في تفكيره، وتعبيره، وتصويره- ممتازًا به من الآخر في هذه العناصر. وقد يصح لنا بعد ذلك أن نقول مع القائلين:"الأسلوب هو الأديب" أو هو الرجل إلى نحو ذلك من العبارات.
ومع ذلك ينبغي ألا ننسى أن المرجع الأول لهذين النوعين من اختلاف الأسلوب هو نفس الإنسان، وما يعرض له من دواع ينشئ فيها الأدب، فإذا أردنا بيان ذلك في الفنون الأدبية رأينا أن الأديب نفسه يعتمد على عقله، ليشرح نظرية علمية، أو مسألة اجتماعية، أو قاعدة قانونية؛ فهو في هذه الحالة منشئ المقالة "كاتب" ومرة أخرى نجده نفسه منفعلًا ثائر العاطفة يتغنى آماله وآلامه بهذه اللغة الموسيقية الخاصة فإذا هو شاعر، ومرة ثالثة يلجأ إلى العقل والعاطفة معًا للإقناع والتأثير مستعينًا جسمه ومظهره الحسي فيكون خطيبًا، وأسلوبه الكتابي يخالف الشعري، وكلاهما غير الخطابي، وهكذا تتشكل النفس أشكالًا شتى، فتصدر عنها فنون متباينة لكل أسلوبه الخاص وغايته الممتازة، فالشخص واحد والفن مختلف.
2-
وإذا رأينا بيان ذلك بالنسبة للأديب عكسنا الوضع فالفن واحدة، ولكل الأشخاص يتعددون. وبذلك نجد لهؤلاء الأدباء آثارهم المتباينة في تكييف الأسلوب تبعًا لما يمتاز به كل أديب في عقله وشعوره وخلقه وثقافته ومذهبه في الحياة، وبناء على ذلك يستطيع قراء الأدب أن يتبينوا في الفن الواحد، وفي الموضوع الواحد من الفن أساليب مختلفة في الكلمات، والصور، والعبارات، وفي طرق التفكير، ولون المزاج، ومستوى الرقي والتهذيب.
وخلاصة ما ذكر هنا تنتهي إلى أمرين اثنين:
الأول: أن مقتضى الحال -أو الدواعي- يحمل الإنسان على اختيار الفن الأدبي الذي يؤدي به ما يشاء: رسالة، أو مقالة، أو خطابة، أو قصيدة فيسلك في أسلوبه مسلكًا خاصا هو هذه العبارات اللفظية التي تلائم فنه. وقد مضى القول في ذلك.
الثاني: أن الأديب في حدود هذا الفن، ومع التزامه خواصه الأدبية
العامة يطبع الأسلوب طابعًا آخر ممتازًا، وخاصًّا به هو بحيث لا يتوافر لصاحبه في نفس الفن أو الموضوع، وبذلك يتحقق للأسلوب ميزتان: ميزة عامة من حيث هو خطابة أو شعر أو كتابة، وميزة خاصة من حيث هو أثر لأديب ممتاز؛ فالخطابة لها خواصها الأسلوبية العامة التي ذكرت، وخطابة الحجاج لها فوق الخواص العامة، ما يمتاز به الحجاج في مزاجه، وخلقه، ومذهبه في الحكم وكلماته، وعباراته.
والشعر كذلك ذو أسلوب مميز بالوزن والقافية والموسيقى وغيرهما، ولكن المتنبي مثلًا في أسلوبه -زيادة على ذلك- خواص في التفكير والتعبير والسلوك تفرقه عن أبي تمام والبحتري والمعري.
وللكتابة أسلوب خالٍ من قيود الشعر وتقاليد الخطابة، أما الجاحظ مثلًا فيمتاز مع ذلك بلوازم في تعبيره وتصويره وإسهابه، لا تراها عند البديع مثلًا، ولا ابن العميد، ولا ابن خلدون، والأمر واضح في الكتَّاب المعاصرين، فكل من طه حسين، وأحمد أمين، والعقاد، والمازني، والبشري، له ميزاته في تفكيره وتعبيره، وطريقة عرضه الآراء، وطابع أسلوبه العام من الوضوح والقوة والجمال.
3-
على أن هذه الميزات -أو الشخصية الأدبية- لا تكون فردية فقط بل تكون كذلك اجتماعية. فنجد العصر الواحد من العصور الأدبية له طوابع عامة شائعة بين أدبائه. منها تتكون ميزاته الأدبية، أو شخصيته الأسلوبية التي يخالف بها سائر العصور. ونجد الشعب الواحد له خواصه الأدبية التي تفرقه من آخر يوافقه في لغته، وجنس أدبه.
فالعصر الجاهلي له شخصيته الأدبية التي تتلخص في أنها صحراوية بدوية. خشنة، جاهلة، مضطربة، ذكية، تعتمد على الحس أكثر من غيره. وتشتق عناصرها الخيالية من المفاوز العريضة، والجبال الشماء والوعول الممتنعة، والظباء
وذلك مشاهد بيننا الآن، فالأدب العربي يعيش الآن في مصر، والشام، والعراق، والمغرب، وبلاد العرب، ومهاجر أمريكية، ومع ذلك نجد في كل من هذه الأقطار يخضع لثقافة أهله وبيئتهم، وأحوالهم السياسة والاجتماعية ودرجتهم في الرقي، ويتأثر أسلوبه اللفظي بذلك إلى حد كبير. ولعل الأسلوب في مصر أقواها وأبرها وأخصبها جميعًا، لما أتيح لها من معاهد كبيرة، ومكتبات كثيرة، ودراسات منظمة، وعناية بالثقافة شاملة.
أما اللغات العامية في هذه الأقطار فالاختلاف فيها أوضح وأوسع مدى، لخضوعها للحياة الموضعية، واختلاف الطارئين على كل قطر، وتباين نظام الحياة ومشاهدها، وعدم خضوعها لوحدة عامة مشتركة بين هذه الشعوب، ولولا هذه اللغة الفصيحة العامة التي توحد بين الأساليب العربية في التأليف العلمي والإنشاء الأدبي لكان اختلاف الأدب قويا ولضعف التفاهم بين المتأدبين كما ضعف بين العوام في هذه البلاد المتباينة.
نعم، نجدنا الآن أمام دعوة لتحقيق الوحدة العربية الثقافية أو الأدبية، وعندي أن هذه الوحدة ستتم بسرعة بتأثير المطبعة والإذاعة، وتقارب مناهج التعليم، وكثرة البعوث العلمية؛ ولكن ذلك لن يمحو أبدًا مظاهر الأدب الإقليمية إلا إذا اتحدت مواهب هذه الشعوب العربية وبيئاتهم.