الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المناظرة والجدل:
يقول ابن خلدون: وأما الجدل -وهو معرفة آداب المناظرة التي تجري بين أهل المذاهب الفقهية وغيرهم- فإنه لما كان باب المناظرة في الرد والقبول متسعًا وَكَلَ واحدًا من المتناظرين في الاستدلال والجواب يرسل عنانه في الاحتجاج، ومنه ما يكون صوابا ومنه ما يكون خطأ فاحتاج الأئمة إلى أن يضعوا آدابًا وأحكاما يقف المتناظران عند حدودها في الرد والقبول1 وسميت هذه الآداب فيما بعد "أدب البحث والمناظرة"، والخلاف والجدل في عرف العلماء الآن يخالفان البحث والمناظرة من حيث إن الغرض منها الإلزام، والغرض من المناظرة إظهار الصواب2 فهي تعنى بخدمة الحقيقة والصواب؛ لا يعنيها الناس كما يعنيها إثبات الحق وبيان وجه الصواب، وعلى أية حال فنحن هنا أمام ضرب من الكلام يشترك فيه اثنان على الأقل يحاول كل منهما إثبات رأيه وإبطال رأي
1 المقدمة ص91 مطبعة التقدم.
2 الشيخ حسين والي؛ الموجز ص32.
خصمه بالحجة والبرهان ويتناول المسائل العلمية والسياسية والاجتماعية والفلسفية وغيرها.
وقد كان فيما مضى وسيلة الفرق الإسلامية، وأصحاب المقالات الفلسفية والأدبية في الحوار وتقرير الآراء، بدأ شفويًّا كالحديث والخطابة، ثم صار كتابيًّا يسجل في كتب ورسائل حتى الآن.
وقد زادته المطبعة انتشارًا وقوة حتى ملأ الصحف والمجلات، والكتب العلمية والأدبية، وهو فن نافع في كشف الحق وإزهاق الباطل بالحجة الصحيحة، والمنطق والصواب.
والنوع الأدبي منه الحقيقي كهذه المناظرة التي حدثت في نيسابور بين الهمذاني والخوارزمي1، ومنه الخيالي الذي يكتبه الأديب لبيان رأيين مختلفين في مسألة بهذا الأسلوب الجدلي كمناظرة صاحب الديك وصاحب الكلب التي كتبها الجاحظ في الحيوان، والمناظرة التي كتبها الآمدي في الموازنة بين أبي تمام والبحتري والمناظرة بين السيف والقلم لابن الوردي وغيرها كثير.
والناظر في هذا الفن يجد له أصولًا خاصة به دونها العلماء تتناول المتن والسند والمقدمة والدليل والتقسيم وغيرها من مسائله الموضوعية والمعنوية2، والذي يعنينا هنا العبارة أو الأسلوب اللفظي الذي يؤدي هذه المعاني وهو لا يمتاز في الواقع بشيء جديد غير ما نجده في المقالة والخطابة إذا كانت كلها فنونا إقناعية، ولكنه مع ذلك ذو مظاهر ثانوية أشد اتصالا به.
1-
منها أن المناظر مرتبط بخصمه، مقيد بأفكاره إلى حد ما، فهو
1 رسائل بديع الزمان الهمذاني ص18، طبعه بيروت 1921.
2 راجع في ذلك نقد النثر 102 وما بعدها.
يستمع إليها، أو يقرؤها ثم يناقشها، ولذلك يردد في عبارته كثيرًا من ألفاظ نظيره وعباراته إذا كانت موضوع الحوار.
2-
ومنها أن موضوع المناظرة والجدل يكون مقسما إلى فصول ونقط يدور عليها الحوار واحدًا بعد الآخر، حتى يستحيل الأسلوب الشفوي أحيانًا إلى سؤال فجواب، وإذا عرضت نقط الجدل كلها أولًا، أعيدت ثانيًا لتأييدها أو رفضها، فالترديد واستعمال الأقيسة المنطقية من عناصر المناظرة.
3-
ولا بد من الحرص على الألفاظ الاصطلاحية الخاصة بموضوع المناظرة تسهيلا للتفاهم، وتحديدًا للأفكار. كذلك يجب أن تكون العبارة دقيقة واحدة ليس فيها إسهاب مخل ولا تكرار غير مفيد.
4-
إذا اضطر المتناظر إلى استخدام الأسلوب الخطابي للتأثير فليحذر الغلو فيه أو الصنعة؛ لأن المناظرة موضوع عقلي إقناعي قبل كل شيء. وكل من الغلو والصنعة داعية إلى السخرية والسقوط.
5-
وأما القوة والجمال الأسلوبي فسيأتي القول فيهما.