الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أولًا: الدقة أو وضوح الفكرة
فيجب أن تؤدى كما هي ممتازة من سواها، ظاهرة الخواص والمعالم سواء أكانت قريبة سهلة كقول الطغرائي:
ومن يستعين بالصبر نال مراده
…
ولو بعد حين إنه خير مسعد
وقول بعضهم: "عظ الناس بفعلك ولا تعظهم بقولك" أم كانت لطيفة دقيقة مخترعة تلفت النظر وتحتاج إلى أناة كقول أبي تمام:
وإذا امرؤ مدح امرأ لنواله
…
وأطال فيه فقد أراد هجاءه
لو لم يقدر فيه بعد المستقى
…
عند الورود لما أطال رشاءه
وقول بعضهم لأحد الملوك: "أخلاقك تجعل العدو صديقًا، وأحكامك تجعل الصديق عدوًّا" ويلاحظ أن هذه الدقة تتعارض مع البساطة؛ فإذا كانت الكلمات المألوفة تستطيع أداء الأفكار العادية، فإن المعاني العميقة القائمة على التحليل الدقيق، والملاحظة البعيدة، لا بد لها من ألفاظ وصور أخرى تلائمهما ولو كانت غير عادية، كما رأيت في وصف الأسد قبلا، وكقول ابن المعتز: "سافر فلان في جيوش عليهم أردية السيوف، وأقمصة الحديد، وكأن رماحهم
قرون الوعول، وكأن دروعهم زبد السيول، على خيل تأكل الأرض بحوافرها، وتمد بالنقع سرادقها".
يقوم وضوح الفكرة ودقتها على لغة الكاتب، وكلماته المفردة التي يؤثرها لأنها أدل من سواها على ما يريد ونذكر هنا بعض القوانين التي تساعد في تحقيق الدقة وتحديد الأفكار.
1-
اختيار الكلمات المعنية غير المشتركة بين معانٍ، والتي تدل على الفكرة كاملة: وذلك يدعو إلى ملاحظة هذه الفروق الدقيقة بين ما تسمى المترادفات حتى لا يصير المعنى ذاهب المعالم. من ذلك، العاطفة والانفعال، والسقم والمرض والهضبة والجبل، والسهو والغفلة، وقد وقع جرير فيما يسمى الاشتراك حتى ذهب الناس كل مذهب فيما يعني، وذلك في قوله:
لو كنت أعلم أن آخر عهدكم
…
يوم الرحيل فعلت ما لم أفعل
فماذا كان يفعل؟ أيبكي أم يهيم على وجهه، أم يمنعهم المسير، أم يدفع إليهم شيئًا يذكرونه به أم ماذا؟ 1. ومن يدري فلعل في هذه الإبهام بلاغة أرادها جرير ولم يفطن لها النقاد. وعندي أن المراد بهذا التراكيب هو مجرد التهويل دون إرادة شيء بعينه، فهو يريد بذل آخر جهده في التحفي بأحبتَّه، وليس بلازم أن يفهم التعبير فهمًا حرفيًا.
2-
يحسن بالأديب الاستعانة بالعناصر الشارحة، أو المقيدة، أو المخيلة، كالنعت، والمضاف إليه، والحال، والتمييز، والاستثناء. فذلك من عوامل إيضاح المعاني وتحديدها، كقولك: شوقي شاعرًا أحسن منه ناثرًا، وليلة نابغية، ونهر النيل من أطول أنهار الدنيا، وقول ابن الرومي:
كأن مواهبه في المحو
…
ل آراؤه عند ضيق الحيل
1 راجع الصناعتين ص32.
فلو كان غيثًا لعم البلاد
ولو كان سيفًا لكان الأجل
ولو كان يُعطى على قدره
لأغنى النفوس وأفنى الأمل
3-
ومما يساعد وضوح الفكرة استعمال الكلمات المتقابلة المتضادة المعاني؛ إذ كانت مقابلة الأضداد مما يزيد في كل بيان خواصه، وشرط ذلك عدم الغلو فيه، وإلا عاد صنعه بديعية تفسد الأسلوب كقولك: طول النهار من قصر الليل، لا نقض ولا إبرام، والورد والصدر، العقل في الحياة كدفة السفينة، والعاطفة شراعها، وكقول البحتري:
متى أرت الدنيا نباهة خاملٍ
…
فلا ترقب إلا خمول نبيه
4-
البعد عن الغريب الوحشي، والعمد إلى لغة الناس وما يستطيعون إدراكه، وذلك يختلف باختلاف العصور وطبقات الناس. فلكل ألفاظ ومستوى أليق به. وعكس ذلك حيلولة بين المعنى والقراء أو السامعين. ولكل مقام مقال، ومن ذلك ما قاله رجل من أهل خراسان للخليفة المهدي1:"أطال الله بقاء أمير المؤمنين، إنا قوم نأينا عن العرب، وشغلتنا الحروب عن الخطب، وأمير المؤمنين يعلم طاعتنا وما فيه مصلحتنا، فيكتفي منا باليسير عن الكثير، ويقتصر على ما في الضمير دون التفسير" وقال الشاعر:
حلال لليلى أن تروع فؤاده
…
بهجر ومغفور لليلى ذنوبها
تطلع من نفسي لليلى نوازع
…
عوارف أن اليأس منها نصيبها
وزالت زوال الشمس عن مستقرها
…
فمن مخبري في أي أرض غروبها؟
وإذا أردت أمثلة للإغراب فارجع إلى الصناعتين2.
1 الصناعتين 140.
2 ص26.