الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الرواية:
إذا كان الأصل في الوصف تصوير المشاهد والمشاعر؛ فإن الأصل في الرواية حكاية الحوادث والأعمال بأسلوب ينتهي إلى غرض مقصود وكلا الفنين يتناول ما يحيط بالإنسان، وإذا كان الوصف يقابل الرسم فإن الرواية تشبه الخيالة "السينما".
والرواية -أو القصة- فن طبعي قديم صاحب الأمم من عهد البداوة إلى ذروة الحضارة، ولا يزال إلى اليوم يمثل مكانة ممتازة بين الفنون الأدبية الأخرى لاتصاله بحياة الناس الماضية أو الحاضرة، ولمرونته واتساعه للأغراض المختلفة ولجمال أسلوبه وخفته على النفوس.
وقد كان هذا الفن سمر العرب في الجاهلية حتى بلغ القرآن الكريم أسمى درجة بأبلغ أسلوب وأفصح بيان، ثم نشط بعد ذلك وتعددت أنواعه وأغراضه فكان حقيقيًّا كقصص الرحل والملوك والأدباء، وخياليًّا مثل كليلة ودمنة وفاكهة الخلفاء، ومنه نوع أدبي قصير كالمقامات، وحماسي طويل كقصة عنترة1.
وفي العصر الحديث أخذت الرواية وضعًا فنيًّا، وخضعت لبعض القوانين في التأليف والأسلوب، فكثرت أشخاصها وحوادثها وتشابكت ثم تعدد مواقفها ونتائجها، ودونها في ذلك القصة Story ثم الأقصوصة أو الحكاية ذات المغزى الواحد والفكرة الواحدة على قصرها وقلة حوادثها وأشخاصها وبساطتها فهي للرواية كالمقطوعة من الشعر بالنسبة للملحمة الكبيرة. ثم تنوعت من
1 راجع المختصر لجورجي زيدان ص138.
ناحية موضوعها إلى رواية تاريخية واجتماعية وفلسفية وفكاهية ومنها النوع التمثيلي والقصصي للقراءة إلى غير هذا. ويعنينا هنا أن نذكر أهم الخواص المتصلة بأسلوب الرواية وخطتها العامة.
1-
الصفة العامة التي تخضع لها خطة الرواية plot هي التسلسل والاطراد بحيث يشعر القارئ أنه مسوق دائمًا إلى غاية فهو في ترقب وانتظار شائق، وكل قسم أو فصل يُعِدّ لما يتلوه حتى تتوالى الحوادث والمناظر وتنتهي إلى الغاية المقصودة.
2-
لذلك يحسن أن تختار الحوادث الهامة -من التاريخ القديم أو المعاصر- وتنسق تنسيقًا منطقيًّا، وتوجز فتحذف تفاصيلها التافهة، كل ذلك ليطرد سياق الرواية، ولا يبدو فيها عرقلة أو اضطراب، وتسير مختلفة بين السرعة والبطء حسن المواقف، وإن كانت السرعة أليق بنهاية الرواية.
3-
تكون الرواية ذات مغزى رئيسي يفهم من السياق وبطريق غير مباشر حتى لا تستحيل القصة خطابة، أو مقالة، وهناك عظات أو غايات أولية تظهر أثناء الرواية، وتندمج فيها لتحقيق الغرض الرئيسي، كخبر جديد أو حادثة هامة، أو نقد سياسي أو اجتماعي.
4-
يجب أن تكون العبارات سهلة واضحة، لا تحوج القارئ ولا السامع إلى توقف لأنه معني بمجرى الحوادث، ومغازيها. فهي هنا كالخطابة إذا تعقدت تراكيبها أو غربت ألفاظها ذهبت فائدتها وروعتها.
5-
العبارة منوعة بين الرقة والقوة حسب المواقف والشخصيات فلغة الرجل غير لغة النساء، ومواقف الوعيد تخالف مواقف العتاب ولكنها مع ذلك قوية
تصور العواطف والأفكار والمناظر أصدق تصوير وتجعل القارئ كالمشاهد كأنه يشترك في حوادث الرواية.
6-
يتنوع الأسلوب بين القصص، والوصف، والحوار، وقد تكون خطابة أيضًا ولكن الوصف يقصر ويوجز -لأن مهمته التمهيد وتصوير البيئات- حتى لا يعرقل سياق القصة. والحوار يكون بسيطًا دقيقًا، يخلص القصة من الرتابة، وهو عماد الروايات التمثيلية، وإذا كان لا بد من الخطابة فلتكن قصيرة غير مملة.
7-
من مظاهر الأسلوب القصصي المبالغة أحيانًا للتنبيه إلى النقط الهامة، والمفاجأة وذلك حين تتحقق النتائج قبل أوانها لطارئ من الطوارئ، والرمز حينما يكتفي بأول الحادثة أو الإشارة إليها ثم يترك للخيال مجال التصوير والإتمام.
8-
يدخل عنصر الحب في الروايات والقصص -ولو أنه ثانوي- لقوته، وسلطانه العام على النفوس، ولأنه في الغالب سمة الشباب المحبوب، ولكل إنسان فيه مشاركة، على أنه قد ينفرد بالقصة فيكون موضوعها.
والقصص التمثيلية وغيرها مشهورة متداولة بين أيدينا منها المترجم والموضوع، تراها في آثار المنفلوطي، وتوفيق الحكيم، وهيكل، وطه حسين: في العبرات، والفضيلة، وأديب، وعلى هامش السيرة، وإبراهيم الكاتب، وسارة وغيرها كثير.