الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قرب الله وجواره، والجنب معظم الشيء وأكثره، ومنه قولهم: هذا قليل في جنب مودتك. وقال ابن الأعرابي في قوله عز وجل: {في جنب الله} في قرب الله من الجنة. وقال الزجاج: معناه على ما فرطت في الطريق الذي هو طريق الله الذي دعاني إليه، وهو توحيد الله والإقرار بنبوة رسوله، وهو محمد وقولهم: اتق الله في جنب أخيك ولا تقدح في ساقه، معناه: لا تقتله ولا تفتنه) (1) اهـ.
تاسعاً: دعوى تأويل مجاهد والضحاك والشافعي والبخاري للفظ (الوجه):
زعم الأشعريان أن مجاهداً والضحاك والشافعي أولوا صفة الوجه لله تعالى. فقالوا في قوله تعالى: {فأينما تولوا فثم وجه الله} البقرة115، قال مجاهد: قبلة الله، وقال الشافعي: فثم الوجه الذي وجهكم الله إليه.
والجواب: أن هذه الآية مما اختلف السلف في كونها من آيات الصفات؟.
وأكثر السلف على أنها ليست من آيات الصفات، ففسروها بما ذُكر.
(1) لسان العرب / مادة "جنب".
لأن الوجه قد يراد به الجهة في لغة العرب، وهذا كثير مشهور، وظاهر الآية يدل على أن المراد بالوجه الجهة لا الصفة. ومثل هذا ليس بتأويل، إنما التأويل صرف الآية عن مدلولها ومفهومها ومعناها المعروف.
وجميع من نُقل عنهم تفسير هذه الآية بغير الصفة، كمجاهد وغيره، فإنهم لم يقولوا ذلك إلا في هذا الموضع فقط دون غيره من المواضع التي فيها ذكر الوجه لله تعالى كقوله تعالى:{ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} الرحمن27، ونحوها من الآيات. ولم ينف أحد منهم أن يكون الله متصفاً بالوجه حقيقة.
وقد روى الدارقطني في الرؤية (رقم 243/ص162) عن الضحاك قال: (الزيادة النظر إلى وجه الله عز وجل (1).
وقال اللالكائي في شرح أصول أهل السنة (3/ 454): (سياق ما فسر من الآيات في كتاب الله عزوجل على أن المؤمنين يرون الله عزوجل يوم القيامة بأبصارهم:
قال الله عزوجل للذين أحسنوا الحسنى وزيادة روى عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه من تفسيره أنه النظر إلى الله عزوجل.
وروى ذلك من الصحابة: عن أبي بكر الصديق وحذيفة بن
(1) الرؤية للدارقطني (ص162)
اليمان وأبي موسى الأشعري وابن مسعود وابن عباس.
ومن التابعين: عبد الرحمن بن أبي ليلى وسعيد بن المسبب والحسن وعكرمة وعامر بن سعد البجلي وأبي اسحاق السبيعي ومجاهد وعبد الرحمن بن سابط وقتادة والضحاك وأبو سنان
…
-ثم ساقها بأسانيدها،
ثم أسند عن مجاهد من طريق ابن أبي حاتم أنه قال: ({للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} يونس26، قال: الحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى الرب)(1) اهـ.
وعن مجاهد في قول الله تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه} القصص88، قال:(إلا ما أريد به وجهه)(2).
والآثار في إثبات وجه الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين متواترة. ولا يخلو كتاب من كتب السنة من باب في إثبات الوجه لله تعالى. وصنف الدارقطني كتاب "الرؤية".
وأما ما ذكراه عن الضحاك وأبي عبيدة والبخاري في قوله تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه} القصص88، فقالا: قال الضحاك وأبو عبيدة: إي إلا هو. وقال البخاري: إلا ما أريد به وجهه.
(1) اللالكائي (3/ 454 - 463).
(2)
رواه ابن أبي حاتم (9/ 3028).
فهذا ليس من التأويل في شيء، لأن الشيء قد يعبر عنه ببعض صفاته، فقوله {إلا وجهه} المراد به ذاته تعالى المتصفة بالصفات ومنها الوجه، وهذا ظاهر لا خفاء فيه، إذ لا يفنى منه شيء تعالى الله عن ذلك، وإنما عبر الله عن ذلك بذكر صفة من صفاته وهي وجهه تعالى.
فتفسير الضحاك وأبو عبيدة ليس نفياً لصفة الوجه بل إثبات لها، لأن الوجه المذكور في الآية لو لم يكن صفة له سبحانه، لما دل على بقاءه، ولَكان داخلاً في قوله {كل شيء هالك} تعالى الله عن ذلك.
ويؤكد هذا أن البخاري رحمه الله قد عقد باباً في صحيحه في إثبات الوجه لله تعالى مستدلاً بهذه الآية، فقال في كتاب التوحيد:
(باب قول الله تعالى {كل شيء هالك إلا وجهه} القصص88:
حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا حماد بن زيد عن عمرو عن جابر بن عبد الله قال لما نزلت هذه الآية {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم} الأنعام65، قال النبي صلى الله عليه وسلم: أعوذ بوجهك، فقال:{أو من تحت أرجلكم} فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أعوذ بوجهك، قال:{أو يلبسكم شيعا} فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هذا أيسر) ا. هـ
فجعل قوله صلى الله عليه وسلم: (أعوذ بوجهك) تفسيراً لقوله تعالى: {إلا وجهه} ، وكلاهما دليل على إثبات صفة الوجه لله تعالى.
وبهذا يتبين بأن ما ذكره البخاري في تفسيرها، لا ينافي إثبات صفة الوجه لله تعالى، بل يثبته، ولذلك استدل بها.
قال ابن كثير في تفسيره: (وقوله: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلا وجهه} القصص88، إخبار بأنه الدائم الباقي الحي القيوم، الذي تموت الخلائق ولا يموت، كما قال تعالى:{كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ} فعبر بالوجه عن الذات، وهكذا قوله ها هنا:{كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ} أي: إلا إياه.
وقد ثبت في الصحيح، من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أصدق كلمة قالها شاعر: كلمة لبيد: ألا كلُّ شَيْء مَا خَلا اللهَ بَاطِلُ".
وقال مجاهد والثوري في قوله: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ} أي: إلا ما أريد به وجهه، وحكاه البخاري في صحيحه كالمقرر له. قال ابن جرير: ويستشهد من قال ذلك بقول الشاعر: أسْتَغْفِرُ اللهَ ذنبًا لَسْتُ مُحْصِيَهُ
…
رَبّ العبَاد، إلَيه الوَجْهُ والعَمَلُ
…
وهذا القول لا ينافي القول الأول، فإن هذا إخبار عن كل الأعمال بأنها باطلة إلا ما أريد بها وجه الله عز وجل من الأعمال الصالحة المطابقة للشريعة. والقول الأول مقتضاه أن كل الذوات
فانية وهالكة وزائلة إلا ذاته تعالى، فإنه الأول الآخر الذي هو قبل كل شيء وبعد كل شيء.) (1) ا. هـ
ويحسن هنا ذكر قاعدة مفيدة ذكرها ابن القيم قائلاً: (وها هنا قاعدة يجب التنبيه عليها، وهي: أنه إذا ثبت عن مالك وأحمد وغيرهما شيء في موارد النزاع، لم يكن فيه أكثر من أنه وقع بينهم نزاع في معنى الآية، أو الحديث، وهو نظير اختلافهم في تفسير آيات وأحاديث، مثل تنازع ابن عباس وعائشة في قوله تعالى: {ولقد رآه نزلة أخرى} النجم13، فقال ابن عباس: رأى ربه، وقالت عائشة: بل رأى جبرائيل، وكتنازع ابن مسعود وابن عباس في قوله تعالى: {فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين} الدخان10، فقال ابن مسعود: هو ما أصاب قريشاً من الجوع، حتى كان أحدهم يرى بينه وبين السماء كهيئة الدخان، وقال ابن عباس: هو دخان يجيء يوم القيامة، وهذا هو الصحيح، ونظائر ذلك، فالحجة هي التي تفصل بين الناس)(2) اهـ
وقال ابن تيمية: (تأويل السلف إن صدر من الصحابة فهو مقبول، لأنهم سمعوه من الرسول، وإن صدر من غيرهم وتابعهم
(1) تفسير ابن كثير (3/ 404).
(2)
مختصر الصواعق المرسلة (2/ 262).