المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌فصل في بطلان الاستدلال بالمتشابه - دقائق التفسير - جـ ٢

[ابن تيمية]

فهرس الكتاب

- ‌فصل

- ‌‌‌‌‌فصل

- ‌‌‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل وَأما لبن الْميتَة وأنفحتها فَفِيهِ قَولَانِ مشهوران للْعُلَمَاء

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل فِي عُقُوبَة الْمُحَاربين بَين وقطاع الطَّرِيق

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌قَالَ الشَّيْخ الْإِسْلَام رحمه الله

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل فِي بطلَان الِاسْتِدْلَال بالمتشابه

- ‌فصل فِي ادِّعَاء النَّصَارَى أَن الْقُرْآن سوى بَين الْأَدْيَان

- ‌ فصل فِي كَفَّارَة الْيَمين

- ‌ فصل فِي معنى روح الْقُدس

- ‌فصل عِيسَى عبد الله وَرَسُوله

- ‌معنى التوفي

- ‌فصل فَسَاد قَول النَّصَارَى فِي أَن الْمَسِيح خَالق

- ‌الرَّد عَلَيْهِم

- ‌فصل

- ‌فَصِلَ

- ‌فصل

- ‌لَا أحب الآفلين

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل فِي ذَبَائِح أهل الْكتاب

- ‌فصل

- ‌ فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌ فصل

- ‌ فصل

- ‌فَصْل

- ‌بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم

- ‌فصل عرض لما تضمنته السُّورَة

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌وَسُئِلَ رحمه الله

- ‌ فصل

- ‌فصل

- ‌بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم

- ‌فصل

- ‌وَقَالَ شيخ الْإِسْلَام رَحمَه الله تَعَالَى

- ‌ فصل

- ‌فصل

- ‌سُئِلَ شيخ الْإِسْلَام

- ‌فصل

- ‌فصل وَأما قَوْله تَعَالَى {إِن الَّذين سبقت لَهُم منا الْحسنى} الْآيَة فَمن سبقت لَهُ من الله الْحسنى فَلَا بُد أَن يصير مُؤمنا تقيا فَمن لم يكن من الْمُؤمنِينَ لم تسبق لَهُ من الله الْحسنى لَكِن الله إِذا سبقت للْعَبد مِنْهُ سَابِقَة اسْتَعْملهُ بِالْعَمَلِ الَّذِي يصل بِهِ إِلَى تِلْكَ السَّابِقَة كمن سبق

- ‌فصل وَأما قَول الْقَائِل مَا لنا فِي جَمِيع أفعالنا قدرَة فقد كذب فَإِن الله تَعَالَى فرق بَين المستطيع الْقَادِر وَغير المستطيع وَقَالَ {فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُم} وَقَالَ تَعَالَى {وَللَّه على النَّاس حج الْبَيْت من اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا} وَقَالَ تَعَالَى {الله الَّذِي خَلقكُم من ضعف ثمَّ

- ‌ فصل

- ‌فصل

- ‌بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم

- ‌فصل

- ‌سُئِلَ شيخ الْإِسْلَام فَقيل لَهُ

- ‌ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم

- ‌فصل

الفصل: ‌فصل في بطلان الاستدلال بالمتشابه

وَقَالَ مُعَاوِيَة لِابْنِ عَبَّاس أَنْت على مِلَّة عَليّ فَقَالَ لَا على مِلَّة عَليّ وَلَا على مِلَّة عُثْمَان أَنا على مِلَّة رَسُول الله صلى الله عليه وسلم

وَكَانَت الشِّيعَة أَصْحَاب عَليّ يقدمُونَ عَلَيْهِ أَبَا بكر وَعمر وَإِنَّمَا كَانَ النزاع فِي تقدمه على عُثْمَان وَلم يكن حِينَئِذٍ يُسمى أحد لَا إماميا وَلَا رافضا وَإِنَّمَا سموا رافضة وصاروا رافضة لما خرج زيد بن عَليّ بن الْحُسَيْن بِالْكُوفَةِ فِي خلَافَة هِشَام فَسَأَلته الشِّيعَة عَن أبي بكر وَعمر فترحم عَلَيْهِم فرفضه قوم فَقَالَ رفضتموني رفضتموني فسموا رافضة وتولاه قوم فسموا زيدية لانتسابهم إِلَيْهِ وَمن حِينَئِذٍ انقسمت الشِّيعَة إِلَى رافضة إمامية وزيدية وَكلما زادوا فِي الْبِدْعَة زادوا فِي الشَّرّ فالزيدية خير من الرافضة أعلم وأصدق وأزهد وَأَشْجَع

ثمَّ بعد أبي بكر عمر بن الْخطاب وَهُوَ الَّذِي لم تكن تَأْخُذهُ فِي الله لومة لائم وَكَانَ أزهد النَّاس بِاتِّفَاق الْخلق كَمَا قيل فِيهِ رحم الله عمر لقد تَركه الْحق مَاله من صديق

‌فصل

وَقَالَ شيخ الْإِسْلَام رَحمَه الله تَعَالَى

هَذِه تَفْسِير آيَات أشكلت حَتَّى لَا يُوجد فِي طَائِفَة من كتب التَّفْسِير إِلَّا مَا هُوَ خطأ

مِنْهَا قَوْله تَعَالَى {وَعبد الطاغوت} وَالصَّوَاب عطفه على قَوْله {من لَعنه الله} فعل مَاض مَعْطُوف على مَا قبله من الْأَفْعَال الْمَاضِيَة لَكِن الْمُتَقَدّمَة الْفَاعِل الله مظْهرا أَو مضمرا وَهَذَا الْفِعْل اسْم من عبد الطاغوت وَهُوَ الضَّمِير فِي عبد وَلم يعد حرف من لِأَن هَذِه الْأَفْعَال لصنف وَاحِد وهم الْيَهُود وَالله أعلم

‌فصل فِي بطلَان الِاسْتِدْلَال بالمتشابه

قَالَ تَعَالَى {لتجدن أَشد النَّاس عَدَاوَة للَّذين آمنُوا الْيَهُود وَالَّذين أشركوا ولتجدن أقربهم مَوَدَّة للَّذين آمنُوا الَّذين قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِك بِأَن مِنْهُم قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ}

ص: 64

فَذكر القسيسين والرهبان لِئَلَّا يُقَال إِن هَذَا قيل عَن غَيرنَا فَدلَّ هَذَا على أفعالنا وَحسن نياتنا وَنفى عَنَّا اسْم الشّرك بقوله الْيَهُود وَالَّذين أشركوا أَشد النَّاس عَدَاوَة للَّذين آمنُوا وَالَّذين قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أقربهم مَوَدَّة

وَالْجَوَاب أَن يُقَال تَمام الْكَلَام {وَإِذا سمعُوا مَا أنزل إِلَى الرَّسُول ترى أَعينهم تفيض من الدمع مِمَّا عرفُوا من الْحق يَقُولُونَ رَبنَا آمنا فاكتبنا مَعَ الشَّاهِدين وَمَا لنا لَا نؤمن بِاللَّه وَمَا جَاءَنَا من الْحق ونطمع أَن يدخلنا رَبنَا مَعَ الْقَوْم الصَّالِحين فأثابهم الله بِمَا قَالُوا جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ}

فَهُوَ سُبْحَانَهُ لم يعد بالثواب فِي الْآخِرَة إِلَّا لهَؤُلَاء الَّذين آمنُوا بِمُحَمد صلى الله عليه وسلم الَّذين قَالَ فيهم {وَإِذا سمعُوا مَا أنزل إِلَى الرَّسُول ترى أَعينهم تفيض من الدمع مِمَّا عرفُوا من الْحق يَقُولُونَ رَبنَا آمنا فاكتبنا مَعَ الشَّاهِدين}

والشاهدون هم الَّذين شهدُوا لَهُ بالرسالة فَشَهِدُوا أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وهم الشُّهَدَاء الَّذين قَالَ فيهم {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا لِتَكُونُوا شُهَدَاء على النَّاس وَيكون الرَّسُول عَلَيْكُم شَهِيدا} وَلِهَذَا قَالَ ابْن عَبَّاس وَغَيره {فاكتبنا مَعَ الشَّاهِدين} قَالَ مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم وَأمته

وكل من شهد للرسل بالتصديق فَهُوَ من الشَّاهِدين كَمَا قَالَ الحواريون {رَبنَا آمنا بِمَا أنزلت وَاتَّبَعنَا الرَّسُول فاكتبنا مَعَ الشَّاهِدين}

وَقَالَ تَعَالَى {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا ارْكَعُوا واسجدوا واعبدوا ربكُم وافعلوا الْخَيْر لَعَلَّكُمْ تفلحون وَجَاهدُوا فِي الله حق جهاده هُوَ اجتباكم وَمَا جعل عَلَيْكُم فِي الدّين من حرج مِلَّة أبيكم إِبْرَاهِيم هُوَ سَمَّاكُم الْمُسلمين من قبل وَفِي هَذَا ليَكُون الرَّسُول شَهِيدا عَلَيْكُم وتكونوا شُهَدَاء على النَّاس}

ص: 65

وَأما قَوْله فِي أول الْآيَة {لتجدن أَشد النَّاس عَدَاوَة للَّذين آمنُوا الْيَهُود وَالَّذين أشركوا ولتجدن أقربهم مَوَدَّة للَّذين آمنُوا الَّذين قَالُوا إِنَّا نَصَارَى} فَهُوَ كَمَا أخبر سبحانه وتعالى فَإِن عَدَاوَة الْمُشْركين وَالْيَهُود للْمُؤْمِنين أَشد من عَدَاوَة النَّصَارَى وَالنَّصَارَى أقرب مَوَدَّة لَهُم وَهَذَا مَعْرُوف من أَخْلَاق الْيَهُود فَإِن الْيَهُود فيهم من البغض والحسد والعداوة مَا لَيْسَ فِي النَّصَارَى

وَفِي النَّصَارَى من الرَّحْمَة والمودة مَا لَيْسَ فِي الْيَهُود والعداوة أَصْلهَا البغض فاليهود كَانُوا يبغضون أنبياءهم فَكيف ببغضهم للْمُؤْمِنين

واما النَّصَارَى فَلَيْسَ فِي الدّين الَّذِي يدينون بِهِ عَدَاوَة وَلَا بغض لأعداء الله الَّذين حَاربُوا الله وَرَسُوله وَسعوا فِي الأَرْض فَسَادًا فَكيف بعداوتهم وبغضهم للْمُؤْمِنين المعتدلين أهل مِلَّة إِبْرَاهِيم الْمُؤمنِينَ بِجَمِيعِ الْكتب وَالرسل

وَلَيْسَ فِي هَذَا مدح لِلنَّصَارَى بِالْإِيمَان بِاللَّه وَلَا وعد لَهُم بالنجاة من الْعَذَاب وَاسْتِحْقَاق الثَّوَاب وَإِنَّمَا فِيهِ أَنهم أقرب مَوَدَّة وَقَوله تَعَالَى {ذَلِك بِأَن مِنْهُم قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} أَي بِسَبَب هَؤُلَاءِ وَسبب ترك الاستكبار يصير فيهم من الْمَوَدَّة مَا يصيرهم بذلك خيرا من الْمُشْركين وَأقرب مَوَدَّة من الْيَهُود وَالْمُشْرِكين

ثمَّ قَالَ تَعَالَى {وَإِذا سمعُوا مَا أنزل إِلَى الرَّسُول ترى أَعينهم تفيض من الدمع مِمَّا عرفُوا من الْحق} فَهَؤُلَاءِ الَّذين مدحهم بِالْإِيمَان وَوَعدهمْ بِثَوَاب الْآخِرَة وَالضَّمِير وَإِن عَاد إِلَى الْمُتَقَدِّمين فَالْمُرَاد بِهِ جنس الْمُتَقَدِّمين لَا كل وَاحِد مِنْهُم كَقَوْلِه تَعَالَى {الَّذين قَالَ لَهُم النَّاس إِن النَّاس قد جمعُوا لكم فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُم إِيمَانًا وَقَالُوا حَسبنَا الله وَنعم الْوَكِيل}

وَكَانَ جنس النَّاس قَالُوا لَهُم إِن جنس النَّاس قد جمعُوا وَيمْتَنع الْعُمُوم فَإِن الْقَائِل من النَّاس وَالْمقول لَهُ عَنهُ من النَّاس وَالْمقول عَنهُ من النَّاس وَيمْتَنع أَن يكون جَمِيع النَّاس قَالَ لجَمِيع النَّاس إِنَّه قد جمع لكم جَمِيع النَّاس

وَمثل هَذَا قَوْله تَعَالَى {وَقَالَت الْيَهُود عُزَيْر ابْن الله} أَي جنس الْيَهُود قَالَ هَذَا لم يقل هَذَا كل يَهُودِيّ وَمن هَذَا أَن فِي النَّصَارَى من رقة الْقُلُوب الَّتِي توجب لَهُم الْإِيمَان مَا لَيْسَ فِي الْيَهُود وَهَذَا حق وَأما قَوْلهم وَنفى عَنَّا اسْم الشّرك فَلَا ريب أَن الله فرق بَين الْمُشْركين وَأهل الْكتاب فِي عدَّة مَوَاضِع وَوصف من أشرك مِنْهُم فِي بعض الْمَوَاضِع بل قد ميز بَين الصابئين وَالْمَجُوس وَبَين الْمُشْركين فِي عدَّة مَوَاضِع وكلا الْأَمريْنِ حق فَالْأول كَقَوْلِه

ص: 66

تَعَالَى {لم يكن الَّذين كفرُوا من أهل الْكتاب وَالْمُشْرِكين}

وَقَوله تَعَالَى {إِن الَّذين آمنُوا وَالَّذين هادوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس وَالَّذين أشركوا} وَقَالَ تَعَالَى {لتجدن أَشد النَّاس عَدَاوَة للَّذين آمنُوا الْيَهُود وَالَّذين أشركوا}

وَأما وَصفهم بالشرك فَفِي قَوْله {اتَّخذُوا أَحْبَارهم وَرُهْبَانهمْ أَرْبَابًا من دون الله والمسيح ابْن مَرْيَم وَمَا أمروا إِلَّا ليعبدوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَه إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يشركُونَ} فنزه نَفسه عَن شركهم وَذَلِكَ أَن أصل دينهم لَيْسَ فِيهِ شرك فَإِن الله إِنَّمَا بعث رسله بِالتَّوْحِيدِ وَالنَّهْي عَن الشّرك كَمَا قَالَ تَعَالَى {واسأل من أرسلنَا من قبلك من رسلنَا أجعلنا من دون الرَّحْمَن آلِهَة يعْبدُونَ}

وَقَالَ تَعَالَى {وَلَقَد بعثنَا فِي كل أمة رَسُولا أَن اعبدوا الله وَاجْتَنبُوا الطاغوت}

وَقَالَ تَعَالَى {وَمَا أرسلنَا من قبلك من رَسُول إِلَّا نوحي إِلَيْهِ أَنه لَا إِلَه إِلَّا أَنا فاعبدون}

فالمسيح صلوَات الله عَلَيْهِ وَسَلَامه وَمن قبله من الرُّسُل إِنَّمَا دعوا إِلَى عبَادَة الله وَحده لَا شريك لَهُ وَفِي التَّوْرَاة من ذَلِك مَا يعظم وَصفه لم يَأْمر أحد من الْأَنْبِيَاء بِأَن يعبد ملك وَلَا نَبِي وَلَا كواكب وَلَا وثن وَلَا أَن تسْأَل الشَّفَاعَة إِلَى الله من ميت وَلَا غَائِب وَلَا نَبِي وَلَا ملك فَلم يَأْمر أحد من الرُّسُل بِأَن يَدْعُو الْمَلَائِكَة وَيَقُول اشفعوا لنا إِلَى الله وَلَا يَدْعُو الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ الْمَوْتَى والغائبين وَيَقُول اشفعوا لنا إِلَى الله وَلَا تصور تماثيلهم لَا مجسدة ذَات ظلّ وَلَا مصورة فِي الْحِيطَان وَلَا يَجْعَل دُعَاء تماثيلهم وتعظيمها قربَة وَطَاعَة سَوَاء قصدُوا دُعَاء أَصْحَاب التماثيل أَو تعظيمهم والاستشفاع بهم وطلبوا مِنْهُم أَن يسْأَلُوا الله تَعَالَى وَجعلُوا تِلْكَ التماثيل تذكرة بأصحابها وقصدوا دُعَاء التماثيل وَلم يستشعروا أَن الْمَقْصُود دُعَاء أَصْحَابهَا كَمَا فعله جهال الْمُشْركين وَإِن كَانَ فِي هَذَا جَمِيعه إِنَّمَا يعْبدُونَ الشَّيْطَان وَإِن كَانُوا لَا يقصدون عِبَادَته فَإِنَّهُ يتَصَوَّر لَهُم فِي صُورَة مَا يظنون أَنَّهَا صُورَة الَّذِي يعظمونه وَيَقُول أَنا الْخضر أَنا الْمَسِيح أَنا جرجس أَنا الشَّيْخ فلَان

كَمَا قد وَقع هَذَا لغير وَاحِد من المنتسبين إِلَى الْمُسلمين وَالنَّصَارَى وَقد يدْخل الشَّيْطَان فِي

ص: 67

بعض التماثيل فيخاطبهم وَقد يقْضِي بعض حاجاتهم فَبِهَذَا السَّبَب وَأَمْثَاله ظهر الشّرك قَدِيما وحديثا وَفعل النَّصَارَى وأشباههم مَا فَعَلُوهُ من الشّرك

وَأما الْأَنْبِيَاء وَالرسل صلوَات الله عَلَيْهِم وَسَلَامه فنهوا عَن هَذَا كُله وَلم يشرع أحد مِنْهُم شَيْئا من ذَلِك فالنصارى لَا يأمرون بتعظيم الْأَوْثَان المجسدة وَلَكِن بتعظيم التماثيل المصورة فليسوا على التَّوْحِيد الْمَحْض وَلَيْسوا كالمشركين الَّذين يعْبدُونَ الْأَوْثَان ويكذبون الرُّسُل فَلهَذَا جعلهم الله نوعا غير الْمُشْركين تَارَة وذمهم على مَا أحدثوه من الشّرك تَارَة

وَإِذا أطلق لفظ الشّرك فطائفة من الْمُسلمين تدخل فِيهِ جَمِيع الْكفَّار من أهل الْكتاب وَغَيرهم كَقَوْلِه تَعَالَى {وَلَا تنْكِحُوا الْمُشْركين حَتَّى يُؤمنُوا} {وَلَا تنْكِحُوا المشركات حَتَّى يُؤمن} فَمن النَّاس من يَجْعَل اللَّفْظ عَاما لجَمِيع الْكفَّار لَا سِيمَا النَّصَارَى ثمَّ من هَؤُلَاءِ من ينْهَى عَن نِكَاح هَؤُلَاءِ كَمَا كَانَ عبد الله بن عمر يُنْهِي عَن نِكَاح هَؤُلَاءِ وَيَقُول لاأعظم شركا من أَن يَقُول عِيسَى رَبنَا

وَهَذَا قَول طَائِفَة من الشِّيعَة وَغَيرهم

وَأما جُمْهُور السّلف وَالْخلف فيجوزون نِكَاح الكتابيات ويبيحون ذَبَائِحهم لَكِن إِذا قَالُوا لفظ الْمُشْركين عَام قَالُوا هَذِه الْآيَة مَخْصُوصَة أَو مَنْسُوخَة بِآيَة الْمَائِدَة وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {وَطَعَام الَّذين أُوتُوا الْكتاب حل لكم وطعامكم حل لَهُم وَالْمُحصنَات من الْمُؤْمِنَات وَالْمُحصنَات من الَّذين أُوتُوا الْكتاب من قبلكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورهنَّ محصنين غير مسافحين وَلَا متخذي أخدان}

وَطَائِفَة أُخْرَى تجْعَل لفظ الْمُشْركين إِذا أطلق لَا يدْخل فِيهِ أهل الْكتاب وَأما كَون النَّصَارَى فيهم شرك كَمَا ذكره الله فَهَذَا مُتَّفق عَلَيْهِ بَين الْمُسلمين كَمَا نطق بِهِ الْقُرْآن كَمَا أَن الْمُسلمين متفقون على أَن قَوْله {لتجدن أَشد النَّاس عَدَاوَة للَّذين آمنُوا الْيَهُود وَالَّذين أشركوا ولتجدن أقربهم مَوَدَّة للَّذين آمنُوا الَّذين قَالُوا إِنَّا نَصَارَى} لِأَن النَّصَارَى لم يدخلُوا فِي لفظ الَّذين أشركوا كَمَا لم يدخلُوا فِي لفظ الْيَهُود

وَكَذَلِكَ قَوْله {لم يكن الَّذين كفرُوا من أهل الْكتاب وَالْمُشْرِكين} وَنَحْو ذَلِك وَهَذَا لِأَن لفظ الْوَاحِد تتنوع دلَالَته بِالْإِفْرَادِ والاقتران فَيدْخل فِيهِ مَعَ الْأَفْرَاد والتجريد مَا لَا

ص: 68

يدْخل فِيهِ عِنْد الاقتران كَلَفْظِ الْمَعْرُوف وَالْمُنكر فِي قَوْله تَعَالَى {يَأْمُرهُم بِالْمَعْرُوفِ وينهاهم عَن الْمُنكر} فَإِنَّهُ يتَنَاوَل جَمِيع مَا أَمر الله بِهِ فَإِنَّهُ مَعْرُوف وَجَمِيع مَا نهى عَنهُ فَإِنَّهُ مُنكر

وَفِي قَوْله {لَا خير فِي كثير من نَجوَاهُمْ إِلَّا من أَمر بِصَدقَة أَو مَعْرُوف أَو إصْلَاح بَين النَّاس} فَهُنَا قرن الصَّدَقَة بِالْمَعْرُوفِ والإصلاح بَين النَّاس

وَكَذَلِكَ الْمُنكر فِي قَوْله {إِن الصَّلَاة تنْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر} قرن الْفَحْشَاء بالمنكر وَقَوله {إِن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان وإيتاء ذِي الْقُرْبَى وَينْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر وَالْبَغي يعظكم لَعَلَّكُمْ تذكرُونَ} قرن الْفَحْشَاء بالمنكر وَالْبَغي

وَكَذَلِكَ لفظ الْبر وَالْإِيمَان وَإِذا أفرده دخل فِيهِ الْأَعْمَال وَالتَّقوى كَقَوْلِه {وَلَكِن الْبر من آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وَالْمَلَائِكَة وَالْكتاب والنبيين}

وَقَالَ {إِن الْأَبْرَار لفي نعيم} وَقَوله {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ} {ليدْخل الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات جنَّات تجْرِي} وَقَالَ {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذين إِذا ذكر الله وجلت قُلُوبهم وَإِذا تليت عَلَيْهِم آيَاته زادتهم إِيمَانًا وعَلى رَبهم يَتَوَكَّلُونَ} وَقد يقرنه بِغَيْرِهِ كَقَوْلِه {وتعاونوا على الْبر وَالتَّقوى} وَقَوله {إِن الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات} وَكَذَلِكَ لفظ الْفَقِير والمسكين إِذا أفرد أَحدهمَا دخل فِيهِ لفظ الآخر

وَقد يجمع بَينهمَا فِي قَوْله {إِنَّمَا الصَّدقَات للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين} فيكونان هُنَا صنفين وَفِي تِلْكَ الْمَوَاضِع صنف وَاحِد فَكَذَلِك لفظ الشّرك فِي مثل قَوْله {إِنَّمَا الْمُشْركُونَ نجس فَلَا يقربُوا الْمَسْجِد الْحَرَام بعد عَامهمْ هَذَا} يدْخل فِيهِ جَمِيع الْكفَّار

ص: 69