الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
324
-
فصل
{إِنَّمَا قَوْلنَا لشَيْء إِذا أردناه أَن نقُول لَهُ كن فَيكون}
قَالَ شيخ الْإِسْلَام أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن تَيْمِية رحمه الله
الْحَمد لله رب الْعَالمين هَذِه الْمَسْأَلَة مَبْنِيَّة على أصلين
أَحدهمَا الْفرق بَين خطاب التكوين الَّذِي لَا يطْلب بِهِ سُبْحَانَهُ فعلا من الْمُخَاطب بل هُوَ الَّذِي يكون الْمُخَاطب بِهِ ويخلقه بِدُونِ فعل من الْمُخَاطب أَو قدرَة أَو إِرَادَة أَو وجود لَهُ وَبَين خطاب التَّكْلِيف الَّذِي يطْلب بِهِ من الْمَأْمُور فعلا أَو تركا يَفْعَله بقدرة وَإِرَادَة وَإِن كَانَ ذَلِك جَمِيعه بجول الله وقوته إِذْ لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَهَذَا الْخطاب قد تنَازع فِيهِ النَّاس هَل يَصح أَن يُخَاطب بِهِ الْمَعْدُوم بِشَرْط وجوده أم لَا يَصح أَن يُخَاطب بِهِ إِلَّا بعد وجوده لَا نزاع بَينهم أَنه لَا يتَعَلَّق بِهِ حكم الْخطاب إِلَّا بعد وجوده وَكَذَلِكَ تنازعوا فِي الأول هَل هُوَ خطاب حَقِيقِيّ أَو هُوَ عبارَة عَن الاقتدار وَسُرْعَة التكوين بِالْقُدْرَةِ وَالْأول هُوَ الْمَشْهُور عِنْد المنتسبين إِلَى السّنة
وَالْأَصْل الثَّانِي أَن الْمَعْدُوم فِي حَال عَدمه هَل هُوَ شَيْء أم لَا فَإِنَّهُ قد ذهب طوائف من متكلمة الْمُعْتَزلَة والشيعة إِلَى أَنه شَيْء فِي الْخَارِج وَذَات عين وَزَعَمُوا أَن الماهيات غير مجعولة وَلَا مخلوقة وَأَن وجودهَا زَائِد على حَقِيقَتهَا وَكَذَلِكَ ذهب إِلَى هَذَا طوائف من
المتفلسفة والاتحادية وَغَيرهم من الْمَلَاحِدَة وَالَّذِي عَلَيْهِ جَمَاهِير النَّاس وَهُوَ قَول متكلمة أهل الْإِثْبَات والمنتسبين إِلَى السّنة وَالْجَمَاعَة أَنه فِي الْخَارِج عَن الذِّهْن قبل وجوده لَيْسَ بِشَيْء أصلا وَلَا ذَات وَلَا عين وَأَنه لَيْسَ فِي الْخَارِج شَيْئَانِ أَحدهمَا حَقِيقَة وَالْآخر وجوده الزَّائِد على خقيقته فَإِن الله ابدع الذوات الَّتِي هِيَ الماهيات فَكل مَا سواهُ سُبْحَانَهُ فَهُوَ مَخْلُوق ومجعول ومبدع ومبدو لَهُ سبحانه وتعالى لَكِن فِي هَؤُلَاءِ من يَقُول الْمَعْدُوم لَيْسَ بِشَيْء أصلا وَإِنَّمَا سمي شَيْئا بِاعْتِبَار ثُبُوته فِي الْعلم كَانَ مجَازًا وَمِنْهُم من يَقُول لَا ريب أَن لَهُ ثبوتا فِي الْعلم ووجودا فِيهِ فَهُوَ بِاعْتِبَار هَذَا الثُّبُوت والوجود هُوَ شَيْء وَذَات وَهَؤُلَاء لَا يفرقون بَين الْوُجُود والثبوت كَمَا فرق من قَالَ الْمَعْدُوم شَيْء وَلَا يفرقون فِي كَون الْمَعْدُوم لَيْسَ بِشَيْء من الْمُمكن والممتنع كَمَا فرق من قَالَ الْمَعْدُوم شَيْء وَلَا يفرقون فِي كَون الْمَعْدُوم لَيْسَ بِشَيْء بَين الْمُمكن والممتنع كَمَا فرق أُولَئِكَ إِذْ قد اتَّفقُوا على أَن الْمُمْتَنع لَيْسَ بِشَيْء وَإِنَّمَا النزاع فِي الْمُمكن وعمدة من جعله شَيْئا إِنَّمَا هُوَ لِأَنَّهُ ثَابت فِي الْعلم وَبِاعْتِبَار ذَلِك صَحَّ أَن يخص بِالْقَصْدِ والخلق وَالْخَيْر عَنهُ وَالْأَمر بِهِ وَالنَّهْي عَنهُ وَغير ذَلِك قَالُوا وَهَذِه التخصيصات تمْتَنع أَن تتَعَلَّق بِالْعدمِ والمحض فَإِن خص الْفرق بَين الْوُجُود الَّذِي هُوَ الثُّبُوت الْعَيْنِيّ وَبَين الْوُجُود الَّذِي هُوَ الثُّبُوت العلمي زَالَت الشُّبْهَة فِي هَذَا الْبَاب
وَقَوله تَعَالَى {إِنَّمَا قَوْلنَا لشَيْء إِذا أردناه أَن نقُول لَهُ كن فَيكون} وَذَلِكَ الشَّيْء هُوَ مَعْلُوم قبل إبداعه وَقبل تَوْجِيه هَذَا الْخطاب إِلَيْهِ وَبِذَلِك كَانَ مُقَدرا مقضيا فَإِن سُبْحَانَ وَتَعَالَى يَقُول وَيكْتب من مَا يُعلمهُ مَا شَاءَ كَمَا قَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم فِي الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه عَن عبد الله بن عمر أَن الله قدر مقادير الْخَلَائق قبل أَن يخلق السَّمَوَات وَالْأَرْض بِخَمْسِينَ ألف سنة وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ عَن عمرَان بن حُصَيْن عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم أَنه قَالَ كَانَ الله وَلم يكن شَيْء مَعَه وَكَانَ عَرْشه على المَاء وَكتب فِي الذّكر كل شَيْء ثمَّ خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَفِي سنَن أبي دَاوُد وَغَيره عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم أَنه قَالَ أول مَا خلق الله الْقَلَم فَقَالَ لَهُ اكْتُبْ فَقَالَ مَا أكتب قَالَ مَا هُوَ كَائِن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة إِلَى أَمْثَال ذَلِك من النُّصُوص الَّتِي تبين أَن الْمَخْلُوق قبل أَن يخلق كَانَ مَعْلُوما مخبرا عَنهُ مَكْتُوبًا فِيهِ شَيْء بِاعْتِبَار وجوده العلمي الكلامي الْكِتَابِيّ وَإِن كَانَت حَقِيقَته الَّتِي هِيَ وجوده الْعَيْنِيّ لَيْسَ ثَابتا فِي الْخَارِج بل هُوَ عدم مَحْض وَنفي صرف وَهَذِه الْمَرَاتِب الْأَرْبَعَة الْمَشْهُورَة موجودات وَقد ذكرهَا الله سُبْحَانَهُ فِي أول سُورَة أنزلهَا على نبيه فِي قَوْله {اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق خلق الْإِنْسَان من علق اقْرَأ وَرَبك الأكرم الَّذِي علم بالقلم علم الْإِنْسَان مَا لم يعلم} وَقد بسطنا الْكَلَام فِي ذَلِك فِي غير هَذَا الْموضع وَإِذا كَانَ كَذَلِك كَانَ الْخطاب موجها إِلَى من تَوَجَّهت إِلَيْهِ الْإِرَادَة وتعلقت بِهِ الْقُدْرَة وَخلق وَكَون كَمَا قَالَ {إِنَّمَا قَوْلنَا لشَيْء إِذا أردناه أَن نقُول لَهُ كن فَيكون} فَالَّذِي يُقَال لَهُ كن هُوَ الَّذِي يُرَاد وَهُوَ حِين يُرَاد قبل أَن يخلق لَهُ ثُبُوت وتميز فِي الْعلم وَالتَّقْدِير وَلَوْلَا ذَلِك لما تميز المُرَاد الْمَخْلُوق من غَيره وَبِهَذَا يحصل الْجَواب عَن
التَّقْسِيم فَإِن قَول السَّائِل إِن كَانَ الْمُخَاطب مَوْجُودا فتحصيل الْحَاصِل محَال يُقَال لَهُ هَذَا إِذا كَانَ مَوْجُود فِي الْخَارِج وجوده الَّذِي هُوَ وجوده وَلَا ريب أَن الْمَعْدُوم لَيْسَ مَوْجُودا وَلَا هُوَ فِي نَفسه ثَابت وَأما مَا علم وَأُرِيد وَكَانَ شَيْئا فِي الْعلم والإرادة وَالتَّقْدِير فَلَيْسَ وجوده فِي الْخَارِج محالا بل جَمِيع الْمَخْلُوقَات لَا تُوجد إِلَّا بعد وجودهَا فِي الْعلم والإرادة وَهُوَ قَول السَّائِل إِن كَانَ مَعْدُوما فَكيف يتَصَوَّر خطاب الْمَعْدُوم وَيُقَال لَهُ أما إِذا قصد أَن يُخَاطب الْمَعْدُوم فِي الْخطاب بخطاب يفهمهُ ويمتثله فَهَذَا محَال إِلَّا من شَرط الْمُخَاطب أَن يتَمَكَّن من الْفَهم وَالْفِعْل والمعدوم لَا يتَصَوَّر أَن يفهم وَيفْعل فَيمْتَنع خطاب التَّكْلِيف لَهُ حَال عَدمه بِمَعْنى أَنه يطْلب مِنْهُ حِين عَدمه أَن يفهم وَيفْعل وَكَذَلِكَ أَيْضا يمْتَنع أَن يُخَاطب الْمَعْدُوم فِي الْخَارِج خطاب تكوين بِمَعْنى أَن يعْتَقد أَنه شَيْء ثَابت فِي الْخَارِج وَأَنه يُخَاطب بِأَن يكون وَأما الشَّيْء الْمَعْلُوم الْمَذْكُور الْمَكْتُوب إِذا كَانَ تَوْجِيه خطاب التكوين إِلَيْهِ مثل تَوْجِيه الْإِرَادَة إِلَيْهِ فَلَيْسَ ذَلِك محالا بل هُوَ أَمر مُمكن بل مثل ذَلِك يجده الْإِنْسَان فِي نَفسه فيقد أَمر افي نَفسه يُرِيد أَن يَفْعَله وَيُوجه إِرَادَته وَطَلَبه إِلَى ذَلِك المُرَاد الْمَطْلُوب الَّذِي قدره فِي نَفسه وَيكون حُصُول المُرَاد الْمَطْلُوب بِحَسب قدرته فَإِن كَانَ قَادِرًا على حُصُوله حصل مَعَ الْإِرَادَة والطلب الْجَازِم وَإِن كَانَ عَاجِزا لم يحصل وَقد يَقُول الْإِنْسَان ليكن كَذَا وَنَحْو ذَلِك من صِيغ الطّلب فَيكون الْمَطْلُوب بِحَسب قدرته عَلَيْهِ وَالله سُبْحَانَهُ على كل شَيْء قدير وَمَا شَاءَ كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن فَإِن أمره إِذا أَرَادَ شَيْئا أَن يَقُول لَهُ كن فَيكون