الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
205
-
فصل
{وَالسَّابِقُونَ الْأَولونَ من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار} سُورَة التَّوْبَة 100 هم هَؤُلَاءِ الَّذين أَنْفقُوا من قبل الْفَتْح وقاتلوا وَأهل بيعَة الرضْوَان كلهم مِنْهُم وَكَانُوا أَكثر من ألف وَأَرْبَعمِائَة
وَقد ذهب بَعضهم إِلَى أَن السَّابِقين الْأَوَّلين هم من صلى إِلَى الْقبْلَتَيْنِ وَهَذَا ضَعِيف فَإِن الصَّلَاة إِلَى الْقبْلَة المنسوخة لَيْسَ بِمُجَرَّدِهِ فَضِيلَة وَلِأَن النّسخ لَيْسَ من فعلهم الَّذِي يفضلون بِهِ وَلِأَن التَّفْضِيل بِالصَّلَاةِ إِلَى الْقبْلَتَيْنِ لم يدل عَلَيْهِ دَلِيل شَرْعِي كَمَا دلّ على التَّفْضِيل بِالسَّبقِ إِلَى الْإِنْفَاق وَالْجهَاد والمبايعة تَحت الشَّجَرَة وَلَكِن فِيهِ سبق الَّذين ادركوا ذَلِك على من لم يُدْرِكهُ كَمَا أَن الَّذين أَسْلمُوا قبل أَن تفرض الصَّلَوَات الْخمس هم سَابِقُونَ على من تَأَخّر إِسْلَامه عَنْهُم وَالَّذين أَسْلمُوا قبل أَن تجْعَل صَلَاة الْحَضَر أَربع رَكْعَات هم سَابِقُونَ على من تَأَخّر إِسْلَامه عَنْهُم وَالَّذين أَسْلمُوا قبل أَن يُؤذن فِي الْجِهَاد أَو قبل أَن يفْرض صِيَام شهر رَمَضَان هم سَابِقُونَ على من أسلم بعدهمْ وَالَّذين أَسْلمُوا قبل أَن يفْرض الْحَج هم سَابِقُونَ على من تَأَخّر عَنْهُم وَالَّذين أَسْلمُوا قبل تَحْرِيم الْخمر هم سَابِقُونَ على من أسلم بعدهمْ وَالَّذين أَسْلمُوا قبل تَحْرِيم الرِّبَا كَذَلِك فشرائع الْإِسْلَام من الْإِيجَاب وَالتَّحْرِيم كَانَت تنزل شَيْئا فَشَيْئًا وكل من أسلم قبل أَن تشرع شَرِيعَة فَهُوَ سَابق على من تَأَخّر عَنهُ وَله بذلك فَضِيلَة ففضيلة من اسْلَمْ قبل نسخ الْقبْلَة على من أسلم بعده هِيَ من هَذَا الْبَاب وَلَيْسَ مثل هَذَا مِمَّا يتَمَيَّز بِهِ السَّابِقُونَ الْأَولونَ عَن التَّابِعين إِذْ لَيْسَ بعض هَذِه الشَّرَائِع بِأولى بجعله خيرا من بعض وَلِأَن الْقُرْآن وَالسّنة قد دلا على تَقْدِيم أهل الْحُدَيْبِيَة فَوَجَبَ أَن تفسر هَذِه الْآيَة بِمَا يُوَافق سَائِر النُّصُوص
وَقد علم بالاضطرار أَنه كَانَ فِي هَؤُلَاءِ السَّابِقين الْأَوَّلين أَبُو بكر وَعمر وَعلي وَطَلْحَة
وَالزُّبَيْر وَبَايع النَّبِي صلى الله عليه وسلم بِيَدِهِ عَن عُثْمَان لِأَنَّهُ كَانَ غَائِبا قد أرْسلهُ إِلَى أهل مَكَّة ليبلغهم رسَالَته وبسببه بَايع النَّبِي صلى الله عليه وسلم النَّاس لما بلغه أَنهم قَتَلُوهُ
وَقد ثَبت فِي صَحِيح مُسلم عَن جَابر بن عبد الله رضي الله عنه أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ لَا يدْخل النَّار أحد بَايع تَحت الشَّجَرَة
وَقَالَ تَعَالَى {لقد تَابَ الله على النَّبِي والمهاجرين وَالْأَنْصَار الَّذين اتَّبعُوهُ فِي سَاعَة الْعسرَة من بعد مَا كَاد يزِيغ قُلُوب فريق مِنْهُم ثمَّ تَابَ عَلَيْهِم إِنَّه بهم رؤوف رَحِيم} سُورَة التَّوْبَة 117 فَجمع بَينهم وَبَين الرَّسُول فِي التَّوْبَة
وَقَالَ تَعَالَى {إِن الَّذين آمنُوا وَهَاجرُوا وَجَاهدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم فِي سَبِيل الله وَالَّذين آووا ونصروا أُولَئِكَ بَعضهم أَوْلِيَاء بعض وَالَّذين آمنُوا وَلم يهاجروا} سُورَة الْأَنْفَال 72 إِلَى قَوْله {وَالَّذين آمنُوا من بعد وَهَاجرُوا وَجَاهدُوا مَعكُمْ فَأُولَئِك مِنْكُم} سُورَة الْأَنْفَال 75 فَأثْبت الْمُوَالَاة بَينهم
وَقَالَ للْمُؤْمِنين {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعضهم أَوْلِيَاء بعض وَمن يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُم فَإِنَّهُ مِنْهُم إِن الله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين} سُورَة الْمَائِدَة 51 إِلَى قَوْله {إِنَّمَا وَلِيكُم الله وَرَسُوله وَالَّذين آمنُوا الَّذين يُقِيمُونَ الصَّلَاة وَيُؤْتونَ الزَّكَاة وهم رَاكِعُونَ وَمن يتول الله وَرَسُوله وَالَّذين آمنُوا فَإِن حزب الله هم الغالبون} الْمَائِدَة 55 56 وَقَالَ تَعَالَى {والمؤمنون وَالْمُؤْمِنَات بَعضهم أَوْلِيَاء بعض} سُورَة التَّوْبَة 71 فَأثْبت الْمُوَالَاة بَينهم وَأمر بِمُوَالَاتِهِمْ والرافضة تتبرأ مِنْهُم وَلَا تتولاهم وأصل الْمُوَالَاة الْمحبَّة وأصل المعاداة البغض وهم يبغضونهم وَلَا يحبونهم
وَقد وضع بعض الْكَذَّابين حَدِيثا مفترى أَن هَذِه الْآيَة نزلت فِي عَليّ لما تصدق بِخَاتمِهِ فِي الصَّلَاة وَهَذَا كذب بِإِجْمَاع أهل الْعلم بِالنَّقْلِ وَكذبه بَين من وُجُوه كَثِيرَة
مِنْهَا أَن قَوْله الَّذين صِيغَة جمع وَعلي وَاحِد
مِنْهَا أَن الْوَاو لَيست وَاو الْحَال إِذْ لَو كَانَ كَذَلِك لَكَانَ لَا يسوغ أَن يتَوَلَّى إِلَّا من أعْطى الزَّكَاة فِي حَال الرُّكُوع فَلَا يتَوَلَّى سَائِر الصَّحَابَة والقرابة
وَمِنْهَا أَن الْمَدْح إِنَّمَا يكون بِعَمَل وَاجِب أَو مُسْتَحبّ وإيتاء الزَّكَاة فِي نفس الصَّلَاة لَيْسَ وَاجِبا وَلَا مُسْتَحبا بِاتِّفَاق عُلَمَاء الْملَّة فَإِن فِي الصَّلَاة شغلا
وَمِنْهَا أَنه لَو كَانَ إيتاؤها فِي الصَّلَاة حسنا لم يكن فرق بَين حَال الرُّكُوع وَغير حَال الرُّكُوع بل إيتاؤها فِي الْقيام وَالْقعُود أمكن
وَمِنْهَا أَن عليا لم يكن عَلَيْهِ زَكَاة على عهد النَّبِي صلى الله عليه وسلم
وَمِنْهَا أَنه لم يكن لَهُ أَيْضا خَاتم وَلَا كَانُوا يلبسُونَ الْخَوَاتِم حَتَّى كتب النَّبِي صلى الله عليه وسلم كتابا إِلَى كسْرَى فَقيل لَهُ إِنَّهُم لَا يقبلُونَ كتابا إِلَّا مَخْتُومًا فَاتخذ خَاتمًا من ورق وَنقش فِيهَا مُحَمَّد رَسُول الله
وَمِنْهَا أَن إيتَاء غير الْخَاتم فِي الزَّكَاة خير من إيتَاء الْخَاتم فَإِن أَكثر الْفُقَهَاء يَقُولُونَ لَا يجزىء إِخْرَاج الْخَاتم فِي الزَّكَاة
وَمِنْهَا أَن هَذَا الحَدِيث فِيهِ أَنه أعطَاهُ السَّائِل والمدح فِي الزَّكَاة أَن يُخرجهَا ابْتِدَاء ويخرجها على الْفَوْر لَا ينْتَظر أَن يساله سَائل
وَمِنْهَا أَن الْكَلَام فِي سِيَاق النَّهْي عَن مُوالَاة الْكفَّار وَالْأَمر بموالاة الْمُؤمنِينَ كَمَا يدل عَلَيْهِ سِيَاق الْكَلَام
وَسَيَجِيءُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى تَمام الْكَلَام على هَذِه الْآيَة فَإِن الرافضة لَا يكادون يحتجون بِحجَّة إِلَّا كَانَت حجَّة عَلَيْهِم لَا لَهُم كاحتجاجهم بِهَذِهِ الْآيَة على الْولَايَة الَّتِي هِيَ الْإِمَارَة وَإِنَّمَا هِيَ فِي الْولَايَة الَّتِي هِيَ ضد الْعَدَاوَة والرافضة مخالفون لَهَا
والإسماعيلية والنصيرية وَنَحْوهم يوالون الْكفَّار من الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمُشْرِكين وَالْمُنَافِقِينَ ويعادون الْمُؤمنِينَ من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَالَّذين اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان إِلَى يَوْم الدّين وَهَذَا أَمر مَشْهُور فيهم يعادون خِيَار عباد الله الْمُؤمنِينَ ويوالون الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمُشْرِكين من التّرْك وَغَيرهم
وَقَالَ تَعَالَى {يَا أَيهَا النَّبِي حَسبك الله وَمن اتبعك من الْمُؤمنِينَ} سُورَة الْأَنْفَال 64 أَي الله كافيك وكافي من اتبعك من الْمُؤمنِينَ وَالصَّحَابَة أفضل من اتبعهُ من
الْمُؤمنِينَ وأولهم
وَقَالَ تَعَالَى {إِذا جَاءَ نصر الله وَالْفَتْح وَرَأَيْت النَّاس يدْخلُونَ فِي دين الله أَفْوَاجًا فسبح بِحَمْد رَبك وَاسْتَغْفرهُ إِنَّه كَانَ تَوَّابًا} وَالَّذين رَآهُمْ النَّبِي صلى الله عليه وسلم يدْخلُونَ فِي دين الله أَفْوَاجًا هم الَّذين كَانُوا على عصره
وَقَالَ تَعَالَى {هُوَ الَّذِي أيدك بنصره وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَألف بَين قُلُوبهم} سُورَة الْأَنْفَال 62 63 وَإِنَّمَا أيده فِي حَيَاته بالصحابة
وَقَالَ تَعَالَى {وَالَّذِي جَاءَ بِالصّدقِ وَصدق بِهِ أُولَئِكَ هم المتقون لَهُم مَا يشاؤون عِنْد رَبهم ذَلِك جَزَاء الْمُحْسِنِينَ ليكفر الله عَنْهُم أَسْوَأ الَّذِي عمِلُوا ويجزيهم أجرهم بِأَحْسَن الَّذِي كَانُوا يعْملُونَ} سُورَة الزمر 33 35 وَهَذَا الصِّنْف الَّذِي يَقُول الصدْق وَيصدق بِهِ خلاف الصِّنْف الَّذِي يفتري الْكَذِب أَو يكذب بِالْحَقِّ لما جَاءَهُ كَمَا سنبسط القَوْل فيهمَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَالصَّحَابَة الَّذين كَانُوا يشْهدُونَ أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وَأَن الْقُرْآن حق هم أفضل من جَاءَ بِالصّدقِ وَصدق بِهِ بعد الْأَنْبِيَاء
وَلَيْسَ فِي الطوائف المنتسبة إِلَى الْقبْلَة أعظم افتراء للكذب على الله وتكذيبا بِالْحَقِّ من المنتسب إِلَى التَّشَيُّع وَلِهَذَا لَا يُوجد الغلو فِي طَائِفَة أَكثر مِمَّا يُوجد فيهم وَمِنْهُم من ادّعى إلهية الْبشر وَادّعى النُّبُوَّة فِي غير النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَادّعى الْعِصْمَة فِي الْأَئِمَّة وَنَحْو ذَلِك مِمَّا هُوَ أعظم مِمَّا يُوجد فِي سَائِر الطوائف وَاتفقَ أهل الْعلم على أَن الْكَذِب لَيْسَ فِي طَائِفَة من الطوائف المنتسبين إِلَى الْقبْلَة أَكثر مِنْهُ فيهم