المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌فصل فِي مجادلة أهل الْكتاب فِي أَمر الْمَسِيح قَالَ شيخ الْإِسْلَام قَالَ تَعَالَى - دقائق التفسير - جـ ٢

[ابن تيمية]

فهرس الكتاب

- ‌فصل

- ‌‌‌‌‌فصل

- ‌‌‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل وَأما لبن الْميتَة وأنفحتها فَفِيهِ قَولَانِ مشهوران للْعُلَمَاء

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل فِي عُقُوبَة الْمُحَاربين بَين وقطاع الطَّرِيق

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌قَالَ الشَّيْخ الْإِسْلَام رحمه الله

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل فِي بطلَان الِاسْتِدْلَال بالمتشابه

- ‌فصل فِي ادِّعَاء النَّصَارَى أَن الْقُرْآن سوى بَين الْأَدْيَان

- ‌ فصل فِي كَفَّارَة الْيَمين

- ‌ فصل فِي معنى روح الْقُدس

- ‌فصل عِيسَى عبد الله وَرَسُوله

- ‌معنى التوفي

- ‌فصل فَسَاد قَول النَّصَارَى فِي أَن الْمَسِيح خَالق

- ‌الرَّد عَلَيْهِم

- ‌فصل

- ‌فَصِلَ

- ‌فصل

- ‌لَا أحب الآفلين

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل فِي ذَبَائِح أهل الْكتاب

- ‌فصل

- ‌ فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌ فصل

- ‌ فصل

- ‌فَصْل

- ‌بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم

- ‌فصل عرض لما تضمنته السُّورَة

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌وَسُئِلَ رحمه الله

- ‌ فصل

- ‌فصل

- ‌بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم

- ‌فصل

- ‌وَقَالَ شيخ الْإِسْلَام رَحمَه الله تَعَالَى

- ‌ فصل

- ‌فصل

- ‌سُئِلَ شيخ الْإِسْلَام

- ‌فصل

- ‌فصل وَأما قَوْله تَعَالَى {إِن الَّذين سبقت لَهُم منا الْحسنى} الْآيَة فَمن سبقت لَهُ من الله الْحسنى فَلَا بُد أَن يصير مُؤمنا تقيا فَمن لم يكن من الْمُؤمنِينَ لم تسبق لَهُ من الله الْحسنى لَكِن الله إِذا سبقت للْعَبد مِنْهُ سَابِقَة اسْتَعْملهُ بِالْعَمَلِ الَّذِي يصل بِهِ إِلَى تِلْكَ السَّابِقَة كمن سبق

- ‌فصل وَأما قَول الْقَائِل مَا لنا فِي جَمِيع أفعالنا قدرَة فقد كذب فَإِن الله تَعَالَى فرق بَين المستطيع الْقَادِر وَغير المستطيع وَقَالَ {فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُم} وَقَالَ تَعَالَى {وَللَّه على النَّاس حج الْبَيْت من اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا} وَقَالَ تَعَالَى {الله الَّذِي خَلقكُم من ضعف ثمَّ

- ‌ فصل

- ‌فصل

- ‌بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم

- ‌فصل

- ‌سُئِلَ شيخ الْإِسْلَام فَقيل لَهُ

- ‌ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم

- ‌فصل

الفصل: ‌ ‌فصل فِي مجادلة أهل الْكتاب فِي أَمر الْمَسِيح قَالَ شيخ الْإِسْلَام قَالَ تَعَالَى

‌فصل

فِي مجادلة أهل الْكتاب فِي أَمر الْمَسِيح

قَالَ شيخ الْإِسْلَام

قَالَ تَعَالَى {لقد كفر الَّذين قَالُوا إِن الله هُوَ الْمَسِيح ابْن مَرْيَم قل فَمن يملك من الله شَيْئا إِن أَرَادَ أَن يهْلك الْمَسِيح ابْن مَرْيَم وَأمه وَمن فِي الأَرْض جَمِيعًا} وَقَالَ تَعَالَى أَيْضا {لقد كفر الَّذين قَالُوا إِن الله هُوَ الْمَسِيح ابْن مَرْيَم وَقَالَ الْمَسِيح يَا بني إِسْرَائِيل اعبدوا الله رَبِّي وربكم إِنَّه من يُشْرك بِاللَّه فقد حرم الله عَلَيْهِ الْجنَّة ومأواه النَّار وَمَا للظالمين من أنصار لقد كفر الَّذين قَالُوا إِن الله ثَالِث ثَلَاثَة وَمَا من إِلَه إِلَّا إِلَه وَاحِد وَإِن لم ينْتَهوا عَمَّا يَقُولُونَ ليمسن الَّذين كفرُوا مِنْهُم عَذَاب أَلِيم أَفلا يتوبون إِلَى الله ويستغفرونه وَالله غَفُور رَحِيم مَا الْمَسِيح ابْن مَرْيَم إِلَّا رَسُول قد خلت من قبله الرُّسُل وَأمه صديقَة كَانَا يأكلان الطَّعَام انْظُر كَيفَ نبين لَهُم الْآيَات ثمَّ انْظُر أَنى يؤفكون قل أتعبدون من دون الله مَا لَا يملك لكم ضرا وَلَا نفعا وَالله هُوَ السَّمِيع الْعَلِيم قل يَا أهل الْكتاب لَا تغلوا فِي دينكُمْ غير الْحق وَلَا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وَضَلُّوا عَن سَوَاء السَّبِيل} وَقَالَ تَعَالَى {يَا أهل الْكتاب لَا تغلوا فِي دينكُمْ وَلَا تَقولُوا على الله إِلَّا الْحق إِنَّمَا الْمَسِيح عِيسَى ابْن مَرْيَم رَسُول الله وكلمته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم وروح مِنْهُ فآمنوا بِاللَّه وَرُسُله وَلَا تَقولُوا ثَلَاثَة انْتَهوا خيرا لكم إِنَّمَا الله إِلَه وَاحِد سُبْحَانَهُ أَن يكون لَهُ ولد لَهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْض وَكفى بِاللَّه وَكيلا لن يستنكف الْمَسِيح أَن يكون عبدا لله وَلَا الْمَلَائِكَة المقربون وَمن يستنكف عَن عِبَادَته ويستكبر فسيحشرهم إِلَيْهِ جَمِيعًا فَأَما الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات فيوفيهم أُجُورهم ويزيدهم من فَضله وَأما الَّذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذَابا أَلِيمًا وَلَا يَجدونَ لَهُم من دون الله وليا وَلَا نَصِيرًا يَا أَيهَا النَّاس قد جَاءَكُم برهَان من ربكُم وأنزلنا إِلَيْكُم نورا مُبينًا فَأَما الَّذين آمنُوا بِاللَّه واعتصموا بِهِ فسيدخلهم فِي رَحْمَة مِنْهُ وَفضل ويهديهم إِلَيْهِ صراطا مُسْتَقِيمًا}

ص: 28

وَقَالَ تَعَالَى {وَقَالَت الْيَهُود عُزَيْر ابْن الله وَقَالَت النَّصَارَى الْمَسِيح ابْن الله ذَلِك قَوْلهم بأفواههم يضاهئون قَول الَّذين كفرُوا من قبل قَاتلهم الله أَنى يؤفكون اتَّخذُوا أَحْبَارهم وَرُهْبَانهمْ أَرْبَابًا من دون الله والمسيح ابْن مَرْيَم وَمَا أمروا إِلَّا ليعبدوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَه إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يشركُونَ}

وَقَالَ تَعَالَى {وَإِذ قَالَ الله يَا عِيسَى ابْن مَرْيَم أَأَنْت قلت للنَّاس اتخذوني وَأمي إِلَهَيْنِ من دون الله قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يكون لي أَن أَقُول مَا لَيْسَ لي بِحَق إِن كنت قلته فقد عَلمته تعلم مَا فِي نَفسِي وَلَا أعلم مَا فِي نَفسك إِنَّك أَنْت علام الغيوب مَا قلت لَهُم إِلَّا مَا أَمرتنِي بِهِ أَن اعبدوا الله رَبِّي وربكم وَكنت عَلَيْهِم شَهِيدا مَا دمت فيهم فَلَمَّا توفيتني كنت أَنْت الرَّقِيب عَلَيْهِم وَأَنت على كل شَيْء شَهِيد} فقد قَالَ تَعَالَى {لقد كفر الَّذين قَالُوا إِن الله هُوَ الْمَسِيح ابْن مَرْيَم} فِي موضِعين

وَقَالَ تَعَالَى {لقد كفر الَّذين قَالُوا إِن الله ثَالِث ثَلَاثَة}

وَقَالَ تَعَالَى {وَلَا تَقولُوا ثَلَاثَة انْتَهوا خيرا لكم}

وَقَالَ تَعَالَى {وَقَالَت النَّصَارَى الْمَسِيح ابْن الله}

فَذكر الله عَنْهُم هَذِه الْأَقْوَال الثَّلَاثَة وَالنَّصَارَى قَالَت الْأَقْوَال الثَّلَاثَة لَكِن من النَّاس من يظنّ أَن هَذَا قَول طَائِفَة مِنْهُم وَهَذَا قَول طَائِفَة مِنْهُم وَهَذَا وَهَذَا قَول طَائِفَة مِنْهُم وَقَوْلهمْ ثَالِث ثَلَاثَة قَول النسطورية وَقَوْلهمْ أَنه ابْن الله قَول الملكانية وَمِنْهُم من يَقُول قَوْله أَن الله هُوَ الْمَسِيح بن مَرْيَم قَول اليعقوبية وَقَوْلهمْ وَالِابْن وروح الْقُدس

وَظن ابْن جرير الطَّبَرِيّ أَن هَذِه الطوائف كَانُوا قبل اليعقوبية والنسطورية والملكية كَمَا ذكره طَائِفَة من الْمُفَسّرين كَابْن جرير الطَّبَرِيّ والثعلبي وَغَيرهمَا ثمَّ تَارَة يحكون عَن اليعقوبية أَن عِيسَى هُوَ الله وَعَن النسطورية أَنه ابْن الله وَعَن المريوسية أَنه ثَالِث ثَلَاثَة وَتارَة يحكون عَن النسطورية أَنه ثَالِث ثَلَاثَة وَعَن الملكية أَنه الله ويفسرون قَوْلهم ثَالِث ثَلَاثَة بِالْأَبِ وَالِابْن وروح الْقُدس

ص: 29

وَالصَّوَاب أَن هَذِه الْأَقْوَال جَمِيعهَا قَول طوائف النَّصَارَى الْمَشْهُورَة الملكية واليعقوبية والنسطورية فَإِن هَذِه الطوائف كلهَا تَقول بالأقانيم الثَّلَاثَة الْأَب وَالِابْن وروح الْقُدس فَتَقول إِن الله ثَالِث ثَلَاثَة وَتقول عَن الْمَسِيح إِنَّه الله وَتقول إِنَّه ابْن الله وهم متفقون على اتِّحَاد اللاهوت والناسوت وَأَن المتحد هُوَ الْكَلِمَة وهم متفقون على عقيدة إِيمَانهم الَّتِي تَتَضَمَّن ذَلِك وَهُوَ قَوْلهم نؤمن بإله وَاحِد أَب ضَابِط الْكل خَالق السَّمَاوَات وَالْأَرْض كل مَا يرى وَمَا لَا يرى وبرب وَاحِد يسوع الْمَسِيح ابْن الله الوحيد الْمَوْلُود من الْأَب قبل كل الدهور نور من نور إِلَه حق من إِلَه حق من إِلَه حق مَوْلُود غير مَخْلُوق

وَأما قَوْله تَعَالَى {وَلَا تَقولُوا ثَلَاثَة} وَقَوله {لقد كفر الَّذين قَالُوا إِن الله ثَالِث ثَلَاثَة}

فقد فسروه بالتثليث الْمَشْهُور عَنْهُم الْمَذْكُور فِي امانتهم وَمن النَّاس من يَقُول إِن الله هُوَ الْمَسِيح بن مَرْيَم قَول اليعقوبية وَقَوْلهمْ ثَالِث ثَلَاثَة هُوَ قَول النَّصَارَى الَّذين يَقُولُونَ بِالْأَبِ وَالِابْن وهم قد جعلُوا الله فِيهَا ثَالِث ثَلَاثَة وَسموا كل وَاحِد من الثَّلَاثَة بالإله والرب وَقد فسره طَائِفَة بجعلهم عِيسَى وَأمه إِلَهَيْنِ يعبدان من دون الله

قَالَ السّديّ فِي قَوْله تَعَالَى {لقد كفر الَّذين قَالُوا إِن الله ثَالِث ثَلَاثَة} قَالَ قَالَت النَّصَارَى إِن الله هُوَ الْمَسِيح وَأمه فَذَلِك قَوْله {أَأَنْت قلت للنَّاس اتخذوني وَأمي إِلَهَيْنِ من دون الله}

وَقد قيل قَول ثَالِث أغرب من ذَلِك عَن أبي صَخْر قَالَ لقد كفر الَّذين قَالُوا إِن الله ثَالِث ثَلَاثَة

قَالَ هُوَ قَول الْيَهُود عُزَيْر ابْن الله وَقَول النَّصَارَى الْمَسِيح ابْن الله فَجعلُوا الله ثَالِث ثَلَاثَة وَهَذَا ضَعِيف وَقد ذكر سعيد بن البطريق فِي أَخْبَار النَّصَارَى أَن مِنْهُم طَائِفَة يُقَال لَهُم المرسية يَقُولُونَ إِن مَرْيَم إِلَه وَإِن عِيسَى إِلَه فقد يُقَال إِن هَذَا قَول هَؤُلَاءِ كَمَا أَن القَوْل بِأَن عُزَيْرًا ابْن الله قَول طَائِفَة من الْيَهُود

وَأما الأول فمتوجه فَإِن النَّصَارَى المتفقين على الْأَمَانَة كلهم يَقُولُونَ إِن الله ثَالِث ثَلَاثَة وَالله تَعَالَى قد نَهَاهُم عَن أَن يَقُولُوا ذَلِك فَقَالَ تَعَالَى {يَا أهل الْكتاب لَا تغلوا فِي دينكُمْ وَلَا تَقولُوا على الله إِلَّا الْحق إِنَّمَا الْمَسِيح عِيسَى ابْن مَرْيَم رَسُول الله وكلمته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم وروح مِنْهُ فآمنوا بِاللَّه وَرُسُله وَلَا تَقولُوا ثَلَاثَة انْتَهوا خيرا لكم}

ص: 30

فَذكر سُبْحَانَهُ فِي هَذِه الْآيَة التَّثْلِيث والاتحاد ونهاهم عَنْهُمَا وَبَين أَن الْمَسِيح إِنَّمَا هُوَ رَسُول الله وكلمته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم وروح مِنْهُ وَقَالَ {فآمنوا بِاللَّه وَرُسُله} ثمَّ قَالَ {وَلَا تَقولُوا ثَلَاثَة انْتَهوا خيرا لكم} وَلم يذكر هُنَا أمه وَقَوله تَعَالَى {وكلمته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم وروح مِنْهُ} قَالَ معمر عَن قَتَادَة وكلمته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم وَهُوَ قَوْله كن فَكَانَ وَكَذَلِكَ قَالَ قَتَادَة لَيْسَ الْكَلِمَة صَار عِيسَى وَلَكِن بِالْكَلِمَةِ صَار عِيسَى وَكَذَلِكَ قَالَ الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل فِي مُصَنفه الَّذِي صنفه فِي كتبه فِي الرَّد على الْجَهْمِية وَذكره عَنهُ الْخلال وَالْقَاضِي أَبُو يعلى قَالَ أَحْمد ثمَّ إِن الجهم ادّعى أمرا آخر فَقَالَ إِنَّا وجدنَا فِي كتاب الله آيَة تدل على أَن الْقُرْآن مَخْلُوق قُلْنَا أَي آيَة

قَالَ قَول الله {إِنَّمَا الْمَسِيح عِيسَى ابْن مَرْيَم رَسُول الله وكلمته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم}

فَقُلْنَا إِن الله منعكم الْفَهم فِي الْقُرْآن عِيسَى عليه السلام تجْرِي عَلَيْهِ أَلْفَاظ لَا تجْرِي على الْقُرْآن لِأَن عِيسَى يجْرِي عَلَيْهِ نسمَة ومولود وطفل وَصبي وَغُلَام يَأْكُل وَيشْرب وَهُوَ يُخَاطب بِالْأَمر وَالنَّهْي يجْرِي عَلَيْهِ الْوَعْد والوعيد هُوَ من ذُرِّيَّة نوح وَمن ذُرِّيَّة إِبْرَاهِيم وَلَا يحل لنا أَن نقُول فِي الْقُرْآن مَا نقُول فِي عِيسَى هَل سَمِعْتُمْ الله يَقُول فِي الْقُرْآن مَا قَول عِيسَى وَلَكِن الْمَعْنى فِي قَوْله جلّ ثَنَاؤُهُ {إِنَّمَا الْمَسِيح عِيسَى ابْن مَرْيَم رَسُول الله وكلمته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم وروح مِنْهُ} فالكلمة الَّتِي أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم حِين قَالَ لَهُ كن فَكَانَ عِيسَى بكن وَلَيْسَ عِيسَى هُوَ الْكن وَلَكِن بالكن كَانَ عِيسَى فالكن من الله قَوْله وَلَيْسَ الْكن مخلوقا وكذبت النَّصَارَى والجهمية على الله فِي أَمر عِيسَى وَذَلِكَ أَن الْجَهْمِية قَالُوا عِيسَى روح الله وكلمته لِأَن الْكَلِمَة مخلوقة

قَالَت النَّصَارَى روح الله من ذَات الله وَكلمَة الله من ذَات الله كَمَا يُقَال هَذِه الْخِرْقَة من هَذَا الثَّوْب وَقُلْنَا نَحن إِن عِيسَى بِالْكَلِمَةِ كَانَ وَلَيْسَ عِيسَى هُوَ الْكَلِمَة

قَالَ أَحْمد وَأما قَوْله جلّ ثناءه {وروح مِنْهُ} يَقُول من أمره كَانَ الرّوح فِيهِ كَقَوْلِه {وسخر لكم مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْض جَمِيعًا مِنْهُ} يَقُول من أمره وَتَفْسِير روح الله إِنَّمَا مَعْنَاهَا أَنَّهَا روح بِكَلِمَة الله خلقهَا الله كَمَا يَقُول عبد الله وسماء الله وَفِي نُسْخَة روح يملكهَا الله خلقهَا الله

وَقَالَ الشّعبِيّ فِي قَوْله تَعَالَى {وكلمته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم} الْكَلِمَة حِين قَالَ لَهُ كن

ص: 31

فَكَانَ عِيسَى ب كن وَلَيْسَ عِيسَى هُوَ الْكن وَلَكِن بالكن كَانَ وَقَالَ اللَّيْث عَن مُجَاهِد وروح مِنْهُ قَالَ رَسُول مِنْهُ يُرِيد مُجَاهِد قَوْله {فَأَرْسَلنَا إِلَيْهَا رُوحنَا فتمثل لَهَا بشرا سويا قَالَت إِنِّي أعوذ بالرحمن مِنْك إِن كنت تقيا قَالَ إِنَّمَا أَنا رَسُول رَبك}

وَالْمعْنَى أَن عِيسَى خلق من هَذِه الرّوح وَهُوَ جِبْرِيل روح الْقُدس سمي روحا كَمَا سمي كلمة لِأَنَّهُ خلق بِالْكَلِمَةِ وَالنَّصَارَى يَقُولُونَ فِي أمانتهم تجسد من مَرْيَم وَمن روح الْقُدس لِأَنَّهُ جَاءَ كَذَلِك فِي الْكتب الْمُتَقَدّمَة لَكِن ظنُّوا أَن روح الْقُدس هُوَ صفة لله وجعلوها حَيَاته وَقدرته وَهُوَ رب وَهَذَا غلط مِنْهُم فَإِنَّهُ لم يسم أحد من الْأَنْبِيَاء حَيَاة الله وَلَا قدرته وَلَا شَيْئا من صِفَاته روح الْقُدس بل روح الْقُدس فِي غير مَوضِع من كَلَام الْأَنْبِيَاء عليهم السلام يُرَاد بهَا مَا ينزله الله على قُلُوب الْأَنْبِيَاء كالوحي وَالْهدى والتأييد وَيُرَاد بهَا الْملك وَهَكَذَا فِي تَفْسِير ابْن السَّائِب عَن أبي صَالح عَن ابْن عَبَّاس أَن عِيسَى بن مَرْيَم اسْتقْبل رهطا من الْيَهُود فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا قد جَاءَ السَّاحر ابْن الساحرة وَالْفَاعِل ابْن الفاعلة فقذفوه وَأمه فَلَمَّا سمع عِيسَى ذَلِك قَالَ اللَّهُمَّ أَنْت رَبِّي وَأَنا من روحك خرجت وبكلمتك خلقتني وَلم أتهم من تِلْقَاء نَفسِي وَذكر تَمام الحَدِيث

وَقد قَالَ تَعَالَى {وَالَّتِي أحصنت فرجهَا فنفخنا فِيهَا من رُوحنَا وجعلناها وَابْنهَا آيَة للْعَالمين}

وَقَالَ تَعَالَى {وَمَرْيَم ابْنة عمرَان الَّتِي أحصنت فرجهَا فنفخنا فِيهِ من رُوحنَا}

فَهَذَا يُوَافق قَوْله تَعَالَى {فَأَرْسَلنَا إِلَيْهَا رُوحنَا فتمثل لَهَا بشرا سويا قَالَت إِنِّي أعوذ بالرحمن مِنْك إِن كنت تقيا قَالَ إِنَّمَا أَنا رَسُول رَبك} وَهَذَا مَبْسُوط فِي مَوضِع آخر

وَالْمَقْصُود هُنَا أَنهم سَوَاء صدقُوا مُحَمَّدًا أَو كذبوه فَإِنَّهُ يلْزم بطلَان دينهم على التَّقْدِيرَيْنِ فَإِنَّهُ إِن كَانَ نَبيا صَادِقا فقد بلغ عَن الله فِي هَذَا الْكتاب كفر النَّصَارَى فِي غير مَوضِع ودعاهم إِلَى الْإِيمَان بِهِ وَأمر بجهادهم فَمن علم أَنه نَبِي وَلَو إِلَى طَائِفَة مُعينَة فَيجب تَصْدِيقه فِي كل مَا أخبر بِهِ وَقد أخبر بِكفْر النَّصَارَى وضلالهم فَإِذا ثَبت هَذَا لم يغن

ص: 32

عَنْهُم الِاحْتِجَاج بِشَيْء من الْكتب وَلَا الِاحْتِجَاج بِشَيْء من الْمَعْقُول بل يعلم من حَيْثُ الْجُمْلَة أَن كل مَا يحتجون بِهِ على صِحَة دينهم فَهُوَ بَاطِل وَإِن لم يبين فَسَاد حججهم على التَّفْصِيل لِأَن الْأَنْبِيَاء لَا يَقُولُونَ إِلَّا حَقًا كَمَا أَن الْمَسِيح عليه السلام لما حكم بِكفْر من كذبه من الْيَهُود كَانَ كل مَا يحْتَج بِهِ الْيَهُود على خلاف ذَلِك بَاطِلا فَكل مَا عَارض قَول النَّبِي صلى الله عليه وسلم الْمَعْصُوم فَهُوَ بَاطِل وَإِن كذبُوا مُحَمَّدًا تَكْذِيبًا عَاما مُطلقًا وَقَالُوا لَيْسَ هُوَ نَبِي أصلا وَلَا أرسل إِلَى أحد لَا إِلَى الْعَرَب وَلَا إِلَى غَيرهم بل كَانَ من الْكَذَّابين امْتنع مَعَ هَذَا أَن يصدقُوا بنبوة غَيره فَإِن الطَّرِيق الَّذِي يعلم بِهِ بنوة مُوسَى وَعِيسَى يعلم بِهِ نبوة مُحَمَّد بطرِيق الأولى فَإِذا قَالُوا علمت نبوة مُوسَى والمسيح بالمعجزات وَعرفت المعجزات بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتر إِلَيْنَا قيل لَهُم معجزات مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم أعظم وتواترها أبلغ وَالْكتاب الَّذِي جَاءَ بِهِ مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم أكمل وَأمته أفضل وَشَرَائِع دينه أحسن ومُوسَى جَاءَ بِالْعَدْلِ وَعِيسَى جَاءَ بتكميلها بِالْفَضْلِ وَهُوَ صلى الله عليه وسلم قد جمع فِي شَرِيعَته بَين الْعدْل وَالْفضل فَإِن سَاغَ لقَائِل أَن يَقُول هُوَ مَعَ هَذَا كَاذِب مفتر كَانَ على هَذَا التَّقْدِير الْبَاطِل غَيره أولى أَن يُقَال فِيهِ ذَلِك فَيبْطل بتكذيبهم مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم جَمِيع مَا مَعَهم من النبوات إِذْ حكم اُحْدُ الشَّيْئَيْنِ حكم مثله فَكيف بِمَا هُوَ أولى مِنْهُ فَلَو قَالَ قَائِل إِن هَارُون ويوشع وَدَاوُد وَسليمَان كَانُوا أَنْبيَاء ومُوسَى لم يكن نَبيا أَو أَن دَاوُد وَسليمَان ويوشع وَيحيى كَانُوا أَنْبيَاء والمسيح لم يكن نَبيا أَو قَالَ مَا يَقُوله السامرة إِن يُوشَع كَانَ نَبيا وَمن بعده كداود وَسليمَان والمسيح لم يَكُونُوا أَنْبيَاء أَو قَالَ مَا يَقُوله الْيَهُود إِن دَاوُد وَسليمَان وشيعا وحبقوق ومليخا وعاموص ودانيال كَانُوا أَنْبيَاء والمسيح بن مَرْيَم لم يكن نَبيا كَانَ هَذَا قولا متناقضا مَعْلُوم الْبطلَان فَإِن الَّذين نفى هَؤُلَاءِ عَنْهُم النُّبُوَّة احق بِالنُّبُوَّةِ وأكمل نبوة مِمَّن أثبتوها لَهُ وَدَلَائِل نبوة الْأَكْمَل أفضل فَكيف يجوز إِثْبَات النُّبُوَّة للنَّبِي الْمَفْضُول دون الْفَاضِل وَصَارَ هَذَا كَمَا لَو قَالَ قَائِل إِن زفر وَابْن الْقَاسِم والمزني والأثرم كَانُوا فُقَهَاء وَأَبا حنيفَة ومالكا وَالشَّافِعِيّ وَأحمد لم يَكُونُوا فُقَهَاء اَوْ قَالَ إِن الْأَخْفَش وَابْن الْأَنْبَارِي والمبرد كَانُوا نحاة والخليل وسيبويه وَالْفراء لم يَكُونُوا نحاة أَو قَالَ إِن صَاحب الملكي والمسيحي وَنَحْوهمَا من كتب الطِّبّ كَانُوا أطباء وبقراط وجالينوس وَنَحْوهمَا لم يَكُونُوا أطباء أَو قَالَ إِن كوشيار والخرقي وَنَحْوهمَا كَانُوا يعْرفُونَ علم الْهَيْئَة وبطليموس وَنَحْوه لم يكن لَهُ علم بالهيئة

وَمن قَالَ إِن دَاوُد وَسليمَان ومليخا وعاموص ودانيال كَانُوا أَنْبيَاء وَمُحَمّد بن عبد الله لم يكن نَبيا فتناقضه أظهر وَفَسَاد قَوْله أبين من هَذَا جَمِيعه بل وَكَذَلِكَ من قَالَ إِن

ص: 33