الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر توجه الخليفة إلى العراق
وأولاد صاحب الموصل
لما سير الملك الظاهر البند قداري والرشيدي كما تقدم أشار على الخليفة بالتوجه إلى العراق واعتنى بتجهيزة فرغب أولاد صاحب الموصل وهم الملك الصالح وولده علاء الملك والملك المجاهد سيف الدين صاحب الجزيرة والملك المظفر علاء الدين صاحب سنجار والملك الكامل ناصر الدين محمد في العود إلى بلادهم فخرجوا من دمشق في الحادي والعشرين من ذي القعدة فلما وصلوا الرحبة وافوا عليها الأمير بريد بن علي بن حذيفة من آل فضل وأخاه الأخرس في أربعمائة فارس من العرب وفارق الخليفة أولاد صاحب الموصل من الرحبة وكان التمس منهم المسير معه فأبوا وقالوا ما معناه مرسوم بذلك فاستمال من مماليك والدهم نحو ستين نفراً فانضافوا إليه ولحقهم بالرحبة الأمير عز الدين ابن كر من حماة ومعه ثلاثون فارساً ثم رحل الخليفة بمن معه عن الرحبة بعد مقام ثلاثة أيام فنزلوا مشهد علي رضي الله عنه ثم رحل إلى زاوية الشيخ بري ثم إلى قائم عنقه ثم إلى عانة فوافوا الإمام
الحاكم بالله على عانة من ناحية الشرق ومعه نحو سبعمائة فارس من التركمان وكان البرلي قد جهزهم من حلب فبعث المستنصر بالله إليهم واستمالهم فلما جاوزوا الفرات فارقوا الحاكم فبعث المستنصر بالله يطلبه إليه ويؤمنه على نفسه ويرغب إليه في اجتماع الكلمة فأجاب ورحل إليه فوفى له وأنزله معه في الدهليز وكان الحاكم لما نزل على عانة امتنع أهلها منه وقالوا قد بايع الملك الظاهر خليفة وهو واصل فما نسلمها إلا إليه فلما وصل المستنصر بالله نزل إليه واليها وكريم الدين ناظرها وسلماها إليه، وحملا له إقامة فأقطعها للأمير ناصر الدين اغليش أخى الأمير علم الدين الحلبي ثم رحل الخليفة عنها إلى الحديثة ففتحها أهلها له فجعلها خاصاً له ثم رحل عنها ونزل على شط قرية الناووسة ثم رحل عنها قاصداً هيت، ولما اتصل ذلك بقرابغا مقدم عسكر المغل بالعراق وبهادر على الخوارزمي شحنة بغداد خرج قرابغا بخمسة آلاف من المغل على الشط العراقي وقصد الأنبار فدخلها إغارة وقتل جميع من فيها ثم ردفه بها در بمن بقي ببغداد من العساكر وكان قد بعث ولده إلى هيت متشوفاً لما يرد من أخبار المستنصر بالله وقرر معه إنه إذا اتصل به خبره بعث بالمراكب إلى الشط الآخر وأحرقها، فلما وصل الخليفة هيت أغلق أهلها الباب دونه فنزل عليها وحاصرها حتى
فتحها ودخلها في التاسع والعشرين من ذي الحجة ونهب من فيها من اليهود والنصارى ثم رحل عنها فنزل الدور وبعث طليعة من عسكره مقدمها الأمير أسد الدين محمود بن الملك المفضل موسى نائباً عن بوزبا فبات تجاه الأنبار تلك الليلة وهي ليلة الأحد ثالث المحرم سنة ستين وستمائة وكان ينبغي ذكر تتمة هذه الواقعة في حوادث سنة ستين وإنما لارتباط الحديث وسياقته ذكرتها في هذه السنة، فلما رأى قرابغا الطليعة أمر من معه من العساكر بالعبور إليها في المخائض والمراكب ليلاً، فلما أسفر الصبح أفرد قرابغا من معه من عسكر بغداد مسلماً ناحية، ورتب الخليفة اثنى عشر طلباً فجعل التركمان والعربان ميمنة وميسرة وباقي العسكر قلباً ثم حمل بنفسه مبادراً وحمل من كان معه في القلب فانكسر بهادر ووقع معظم عسكره في الفرات ثم خرج كمين من التتار فلما رآه التركمان والعرب هربوا وأحاط الكمين بعسكر الخليفة فصدق المسلمون الحملة فأفرج لهم التتر فنجا الحاكم وناصر الدين بن مهنا وناصر الدين بن صيرم وبوزبا وسيف الدين بلبان الشمسي وأسد الدين محمود وجماعة من الجند نحو الخمسين نفراً وقتل الشريف نجم الدين جعفر أستاذ الدار وفتح الدين بن الشهاب أحمد وفارس الدين أحمد بن ازدمر اليغموري ولم يوقع للخليفة على خبر فقيل قتل في الوقعة وعفى أثره وقيل نجا مجروحاً
في طائفة من العرب فمات عندهم وقيل سلم واضمرته البلاد.
وفيها بعث الملك المظفر صاحب ماردين بعد موت أبيه الملك السعيد رحمه الله عز الدين يوسف بن الشماع إلى التتر ليتعرف له ما أضمرته نفوسهم فلما اجتمع بمقدميهم وهما قطزنوين وجرمون قالا له بين الملك المظفر وبين أيل خان يعنون هولاكو وعد أن والده متى مات دخل في طاعته فقال لهم عز الدين هذا صحيح لكن أنتم أخربتم بلاده وقتلتم رعيته فبأي شيء يدخل في طاعته حتى يدارى عنه فقالا نحن نضم له أن أيل خان يعوضه عما خرب بلاداً عامرة مما جاوره، فلما عاد عز الدين وأخبره رده إليهم برسالة مضمونها إن أردتم أن أسير رسلي إلى أيل خان فابعثا لي رهائن من جهتكما تكون عندي إلى أن يرجعوا وترددت الرسل إلى أن بعث قطزنوين ولده وبعث جرمون ابن أخيه، فلما صعدا القلعة بعث الملك المظفر نور الدين محمود بن كاجار أخا الملك السعيد لأمه وأصحبه قطزنوين من جهة سابق الدين بلبان فوصلا إلى هولاكو وهو بمراغة وادياً الرسالة فأجاب إلى ما ضمنه قطزنوين وجرمون وكتب لهم بذلك فرامين وبعث بها من جهته مع قصاد وأبقى الرسل عنده وأمر بالرحيل عن ماردين، فرحلوا في شهر رجب ثم بعث هولاكو الرسولين وأصحبهما كوهداى فوصلوا إلى ماردين وانتظم الصلح والهدنة بين الملك المظفر والتتر وأسلم كوهداى على يد الملك المظفر فأزوجه أخته.
ثم توجه الملك المظفر في شهر رمضان إلى هولاكو واستصحب معه هدية سنية من تحف أدخرها أبوه وأجداده من جملتها باطية مجوهرة قيمتها أربعة وثمانون ألف دينار، فاجتمع به بصحراء إدرنة بنهر الباع من أعمال سلماس فأقبل عليه وأكرمه وقال له بلغني أن أولاد صاحب الموصل هربوا إلى مصر وأنا أعلم أن أصحابهم كانوا السبب فأترك أصحابك الذين وصلوا صحبتك عندي فإني لا آمن أن يحرفوك عني ورغبوك في النزوح عن بلادك إلى مصر وإذا دخلت أنا البلاد استصحبتهم معي فأجابه إلى ذلك ثم انفصل عنه عائداً إلى بلده فلما كان في أثناء الطريق لحقته رسل تأمره بالعود فعاد وجلاً فقال له هولاكو أخبرني أصحابك أن لك باطناً مع صاحب مصر وقد رأيت أن يكون عندك من جهى من يمنعك التسحب إليه ثم عين له أميراً يدعى أحمد بغا ورده إلى ماردين وزاده نصيبين والخابو وأمره بهدم شراريف القلعة ثم ضرب بعد مفارقته له رقاب الجماعة وكانوا سبعين رجلاً منهم الملك المنصور ناصر الدين أرتق بن الملك السعيد ونور الدين محمد وأسد الدين البحى وحسام الدين عزيز البحى وفخر الدين ابن جاجري وعلاء الدين والي القلعة وعلم الدين بن حيدر ولم يكن لأحد منهم ذنب لكن قصد بقتلهم قص جناح الملك المظفر.
وفيها كان المصاف بين الأخوين ركن الدين وعز الدين صاحبي الروم على قوم من قونية في الخامس والعشرين من شهر رمضان فكسره
ركن الدين لأنه كان معه نجدة من التتر وخامر على عز الدين العربان واحداً مقدمي التركمان وتأخر محمد بك إلا وحي عنه وقتل من أصحاب عز الدين خلق كثير وأمسك منهم جماعة فشنقوا على الأسوار وانحاز عز الدين إلى أنطاكية وأقام بها وترك في بلاده شمس الدين أرتاش نائباً عنه.
وفيها وصل رسول رضي الدين أبي المعالي ونجم الدين إسماعيل ابن الشعراني المستوليين على حصون الإسماعيلية إلى الملك الظاهر بدمشق وعلى يده هدية ومعه رسالة مضمونها التهديد والوعيد وطلب ما كان لهما من الإقطاعات في الدولة الناصرية والرسوم فأجابهما إلى ذلك فلما عزم على التوجه إلى مرسلاه وحضر لوداع الملك الظاهر قال له بلغني أن الرضا قد مات وقد رأيت أن أولئك مكانه ولم يكن اتصل به شيء من ذلك فكان ذلك سبباً لاستنزاله له عن سره ثم كتب له توقيعاً بالولاية فتوجه المذكور فوجد الرضى في عافية فكتم التوقيع ولم يلبث إلا عشرة أيام حتى مرض الرضا أياماً قلائل ثم مات فولى مكانه فلم ترض به الإسماعيلية وقتلوه فنقم عليهم الملك الظاهر قتله وشرع في أعمال الحيلة عليهم إلى أن استأصل شأفتهم واحتوى على بلادهم، قلت هذا خلاصة ما كان على خاطري وما نقلته من مسودات كانت عندي من حوادث هذه السنة وقد ذكر القاضي جمال الدين محمد ابن واصل بعض الحوادث المتقدمة على وجه آخر ربما هو أتم من
ذلك فذكرت ما قاله واثبته هنا والله أعلم.
قال القاضي جمال الدين أبو عبد الله محمد بن واصل في حوادث هذه السنة لما وصل عسكر حلب وحماة إلى حمص على ما تقدم شرحه في حوادث سنة ثمان وخمسين اجمعوا بالملك الأشرف صاحبها وعزم عسكر حلب على التوجه إلى دمشق وقارب التتر حمص فلام الملك الأشرف الجوكندار على هذا الرأي وقال له ما يقال عنا في البلاد وبأي وجه نلقى صاحب مصر وأخذ في تثنيته هو وصاحب حماة وحرضاه على لقاء العدو وكان قد وقع بين الجوكندار وبعض خشداشيته منافرة من أجل الأموال التي أخذت من ابن صاحب الموصل فما زال بهم الملك الأشرف والملك المنصور حتى أصلحا بينهم، ووصل التتر فحمل عليهم المسلمون يوم الجمعة خامس المحرم ورزقهم الله النصر عليهم فبددوا شملهم وأخذتهم سيوف المسلمين وكان فيهم جماعة كثيرة من شجعان المغل، قال مبارز الدين أستاذ دار صاحب حماة كان من بهادرية المغل في هذه الوقعة أكثر من الذين كانوا منهم في وقعة عين جالوت بالغور وانهزم من سلم من التتر والمسلمون في آثارهم ومدح الصاحب شريف الدين عبد العزيز شيخ الشيوخ رحمه الله الملك المسعود صاحب حماة وهنأه بهذا الفتح بقصيدة مطلعها:
لك في الندى وردى ذوي الأشراك
…
شيم تفوق بها على الأملاك
ومنها:
لما شكا دين الهدى اشكيته
…
بشديد باسك والسلاح الشاكي
دعت المعالي يا أباها دعوة
…
لامت عليك فقلت لبي فاك
جردت يوم الأربعاء عزيمة
…
خفيت عواقبها عن الإدراك
وأقمت في يوم الخميس مبالغاً
…
في الجمع بين طوائف الأتراك
ووقفت في يوم العروبة موقفاً
…
أوسعت فيه الفتك بالفتاك
قيدت ابطال التتار بصولة
…
تركتهم كالصيد في الأشراك
وأطرت منهم هام كل مدجج
…
لله كل موحد سفاك
فالطعن والطاعون أسلمهم إلى
…
ضرب كا شداق المخاض دراك
بردت أكباد الورى بقواضب
…
قذفت عليهم كالضرام الذاكي
أضحكت سن ثغورنا من بعد ما
…
ظفروا بها فبكى عليها الباكي
غادرتهم صرعى كأن كماتهم
…
في المرج من سلاف جناك
ثم ارتحلت إلى دمشق موضحاً
…
سبل الرشاد المحض للسلاك
ورجعت في غرر الجيوش معاجلاً
…
منا رهان نفوسنا بفكاك
فلقد أنمت المحصنات أو أمنا
…
ولقد أقمت شعائر النساك
سلمت مهجة كل بر مسلم
…
وهزمت كل معاند أفاك
نوهت باسمك في سماء مدائح
…
أعلته فوق مجرة وسماك
تسبي العقائل والعقول جميعها
…
من صائغ لنضارها سباك
فلك الهناء بما منحت ولا تزل
…
يجري بسعدك دائر الأفلاك
ولما بلغ خبر هذه الوقعة إلى حماة وكان بها جماعة يميلون إلى التتر وربما أراد بعضهم أن ينقب من السور إليهم موضعاً يدخلون منه إلى البلد فثار أهل حماة عليهم فقتلوا بعضهم منهم رجل من أطراف الناس يقال له ابن دخان فقتله العامة واعتقل بعضهم ووصل الملك المنصور إلى حماة وبعد هذه الوقعة رجع التتر ونازلوا حماة وكانت قواهم تضعف لقلتهم والرعب الذي داخلهم عن المقام على حصار البلد فرحلوا ولم يقيموا إلا يوماً واحداً وأراد الملك المنصور السفر إلى دمشق ليستصحب عسكراً يتقوى به على التتر فمنعته العامة من ذلك حتى استوثقوا منه بأنه يعود إليهم عن قرب فمكنوه من السفر بطائفة قليلة من خواصه ومماليكه وترك عندهم الطواشي شجاع الدين مرشداً والعسكر وسار إلى دمشق، وتوجه الملك الأشرف صاحب حمص إلى دمشق أيضاً والمتولي عليهم علم الدين الحلبي الملقب بالملك المجاهد وكان حين ورد الخبر إلى دمشق بهذا الفتح زين البلد وضربت البشائر ووصل إلى دمشق رؤوس التتر محمولة في الشرائح فرميت في الطرق ووصل الأمير حسام الدين الجوكندار ومن معه من العزيزية والناصرية ونزلوا المرج ولم يدخل دمشق خوفاً من الحلبي ثم رحل إلى الكسوة وتوجه إلى الديار المصرية بمن معه وكان يتوهم أن الملك الظاهر يقلده حلب وأعمالها نيابة عنه فلم يتم له ذلك، وأما التتر فإنهم اندفعوا إلى ناحية أفامية ونزلوا في تلك الأرض وطمع فيهم المسلمون ودخل عليهم