الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ووضعوا السيف في بعضهم فأبادوهم وأطلقوا الباقين فدخلوا حلب في أسوأ حال.
ووصل الأمير حسام الدين الجوكندار ومن معه من العسكر إلى حماة وبها صاحبها الملك المنصور فنزلوا ظاهرها من جهة القبلة وقام بضيافتهم وهو مستشعر منهم ثم تقدم التتر إلى جهة حماة فلما قربوا منها رحل الجوكندار والملك المنصور بعسكريهما إلى حمص ووصلت التتر إلى حماة ونازلوها فغلقت أبوابها فطلبوا منهم فتح الأبواب وأنهم يؤمنوهم كالمرة الأولى فلم يجيبوهم ولم يكن مع التتر خسروشاه ولم يكن أهل حماة يثقون إلا إليه وأخرجوا لهم شيئاً من المأكول واندفعوا عن حماه طالبين لقاء العسكر وجفل الناس بين أيديهم وخاف أهل دمشق خوفاً شديداً.
فصل
فيها توفي إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الواحد بن موسى ابن حمد بن محمد بن إسحاق بن محمد أبو إسحاق الشيباني الوزير مؤيد الدين المعروف بن القفطي ومولده بالقدس في رابع عشر المحرم سنة أربع وتسعين خمسمائة سمع من أبي هاشم عند المطلب بن الفضل الهاشمي وغيره حدث بحلب ودمشق ووزر بحلب بعد أخيه القاضي الأكرم مدة
إلى أن انقضت الدولة الناصرية وملك التتر حلب فأمروه بالاستمرار في تنفيذ الأشغال وهو متمرض فباشر على كره منه وتوفى عقيب ذلك في أحد الربيعين بحلب وكان من الصدور الرؤساء الفضلاء الأعيان رحمه الله إبراهيم بن أبي بكر بن زكرى الأمير مجير الدين كان من أعيان الأمراء الأكابر كثير الخير والدين والمعروف عظيم القدر جواداً شجاعاً ممدحاً من بيت كبير في الأكراد خدم الملك الصالح نجم الدين وهو بالشرق وقدم معه إلى الشام واعتقله الملك الصالح عماد الدين إسماعيل لما أمسك الملك الصالح نجم الدين واعتقل بالكرك ثم أفرج عنه فكان في خدمة الملك الصالح نجم الدين بالديار المصرية وغيرها إلى أن توفي وقتل ولده الملك المعظم ثم اتصل بخدمة الملك الناصر صلاح الدين يوسف رحمه الله وحج بالناس من دمشق سنة ثلاث وخمسين وفعل من البر والمعروف والإنفاق في سبيل الله تعالى في تلك الحجة ما هو مشهور ومذكور، ولما ضرب البحرية وعسكر الملك المغيث فتح الدين عمر صاحب الكرك المصاف مع بعض عسكر الملك الناصر صلاح الدين يوسف رحمه الله أمسكوه وأمسكوا معه الأمير نور الدين علي بن الشجاع الأكتع فاعتقلا بالكرك مدة ثم أفرج عنهما عند ما تقرر الصلح بين الملك الناصر والملك المغيث وجعله الملك الناصر بعد ذلك بنابلس وأمر تلك الناحية وما حولها من البلاد عائد إليه، ثم جعل عنده قطعة من العسكر بنابلس منهم الأمير نور الدين علي بن
الشجاع الأكتع عند ما رحل الملك الناصر رحمه الله عنها إلى غزة في هذه السنة فقدم عليه جمع عظيم من التتر فهجموا نابلس فتلقاهم بوجهه وقاتلهم قتالاً شديداً وقتل منهم بيده جماعة كثيرة وأنكى فيهم نكاية عظيمة واستشهد رحمه الله تعالى مقبلاً غير مدبر وكذلك استشهد معه الأمير نور الدين علي بن الشجاع الأكتع وكان بينهما اشتراك في الكردية والإمرة وخدمة الملك الناصر والدين والفضيلة والكرم والشجاعة وأمسكا جميعاً واعتقلاً بالكرك وأفرج عنهما معاً وجردا في نابلس واستشهدا في يوم واحد وكان بينهما مصافاة واتحاد جمع الله بينهما في الفردوس الأعلى وتغمدهما برحمته ورضوانه.
وكان الأمير مجير الدين من حسنات الدهر وعلى ذهنه جملة كثيرة من الشعر وعنده فضيلة حسن المحاضرة والمذاكرة كريم العشرة كثير الأدب يصل بره إلى الفقراء والأغنياء، قال القاضي جمال الدين بن واصل أنشدني في الديار المصرية مقطعات حسنة لبعض الشعراء فمنها:
دنف نأى عن من يحب فشاقه
…
أطلاله سحراً على أطلاله
سأل الحمى عنه وأصغى للصدى
…
كيما يجيب فقال مثل مقاله
ناداه أين ترى محط رحاله
…
فأجاب أين ترى محط رحاله
قلت أنشدني الفقيه نجم الدين موسى بن إبراهيم بن يحيى بن إبراهيم الشقراوي للأمير مجير الدين إبراهيم المذكور رحمه الله:
جعل العتاب إلى الصدود سبيلاً
…
لما رأى سقمي عليه دليلا
ظللت أورده حديث مدامعي
…
عن شرح جفني مسنداً منقولا
من أبيات وأنشدني نجم الدين للأمير مجير الدين المذكور رحمه الله:
قضى البارق النجدي في حالة اللمح
…
بفيض دموعي إذا تراءى على السفح
ومنها:
ذبحت الكرى ما بين جفني وناظري
…
فمحمر دمعي الآن من ذلك الذبح
من أبيات وكان مقتله رحمه الله في أحد الربيعين من هذه السنة بنابلس شهيداً على أيدي التتر.
أحمد بن يحيى بن هبة الله بن الحسن بن يحيى بن محمد بن علي بن يحيى بن صدقة بن الخياط أبو العباس صدر الدين التغلبي الدمشقي الشافعي قاضي القضاة بدمشق وأعمالها المعروف بابن سني الدولة وسني الدولة هو الحسن ابن يحيى الكاتب كان كاتب درج لملك دمشق في ذلك الوقت وله نعمة ظاهرة وقف من عرضها أوقافاً على ذريته وهي مشهورة بدمشق وأعمالها يبيد أربابها إلى الآن وتاريخ وقفه الأوقاف المذكورة في العشر الأول من شهر ربيع الأول سنة ثمان وعشرين وخمسمائة، والشاعر المشهور المعروف بابن الخياط وهو أبو عبد الله أحمد بن محمد بن علي بن يحيى أن صدقة التغلبي هو عم سني الدولة أخو والده كان كاتباً شاعراً طاف
البلاد وامتدح الناس ودخل بلاد العجم ولما اجتمع بأبي الفتيان بن حيوس الشاعر المشهور بحلب وعرض عليه شعره قال قد نعاني هذا الشاب إلى نفسي فقلما نشأ ذو صناعة ومهر فيها إلا وكان دليلاً على موت الشيخ من أبناء جنسه ودخل مرة حلب وهو رقيق الحال فكتب إلى ابن حيوس المذكور:
لم يبق عندي ما يباع بحبة
…
وكفاك مني منظري عن مخبري
ألا بقية ماء وجه صنتها
…
عن أن تباع وأين أين المشتري
فلما وقف عليهما ابن حيوس قال لو قال وأنت نعم المشتري لكان أحسن وديوانه مشهور، ومن مشهور شعره قوله:
خذا من صبا نجد أماناً لقلبه
…
فقد كاد رياها يطير بلبه
وإياكما ذاك النسيم فإنه
…
إذا هب كان الوجد أيسر خطبه
خليلي لو أحببتما لعلمتما
…
محل الهوى من مغرم القلب صبه
تذكر والذكرى تشوق وذو الهوى
…
يتوق ومن يعلق به الحب يصبه
غرام على يأس الهوى ورجائه
…
وشوق على بعد المزار وقربه
وفي الركب مطوى الضلوع على جوى
…
متى يدعه داعي الغرام يلبه
إذا خطرت من جانب الرمل نفحة
…
تضمن منها داؤه دون صحبه
ومحتجب بين الأسنة معرض
…
وفي القلب من إعراضه مثل حجبه
أغار إذا آنست في الحي أنةً
…
حذارا وخوفاً أن تكون لحبه
وهي طويلة ومن شعره أيضاً:
سلوا سيف ألحاظه الممتشق
…
أعند القلوب دم للحدق
أما من معين ولا عاذر
…
إذا عنف الشوق يوماً رفق
تجلى لنا صارم المقلت؟
…
ين مضنى الموشح والمنتطق
من الترك ما سهمه إذ رمى
…
بأفتك من طرفه إذ رمق
وليلة وافيته زائراً
…
سمير السهاد ضجيع القلق
دعتني المخافة من فتكه
…
إليه وكم مقدم من فرق
وقد راضت الكأس أخلاقه
…
ووقر بالسكر منه النزق
وحق العناق فقبلته
…
شهي المقبل والمعتنق
وبت أخالج فكري به
…
أزور طرا أم خيال طرق
أفكر في الهجر كيف انقضى
…
وأعجب للوصل كيف اتفق
وللحب ما عز مني وهان
…
وللحسن ما جل منه ودق
وقال يعتب على أهله وأصحابه:
يا من بمجتمع الشطين إن عصفت
…
بكم رياحي فقد قدمت أعذاري
لا تنكرن رحيلي عن دياركم
…
ليس الكريم على ضيم بصبار
وله أيضاً:
أتظنني لا أستطي؟
…
ع أحيل عنك الدهر ودي
من ظن أن لا بد من؟
…
؟ هـ فإن منه ألف بد
وله من جملة قصيدة:
وبالجزع حي كلما عن ذكرهم
…
أمات الهوى مني فؤاداً وأحياه
تمنيتهم بالرقمتين ودارهم
…
بوادي الغضا يا بعد ما أتمناه
كانت ولادته سنة خمسين وأربعمائة بدمشق وتوفي بها في حادي عشر شهر رمضان المعظم سنة سبع عشرة وخمسمائة رحمه الله تعالى وقيل مات سابع عشر شهر رمضان ومولد القاضي صدر الدين سنة تسع وثمانين وخمسمائة وقيل تسعين وخمسمائة سمع من أبي طاهر بركات بن إبراهيم الخشوعي وابن طبرزد وحنبل وأبي المعالي محمد بن علي القرشي وأبي اليمن زيد بن الحسن الكندي وأبي الفضل عبد الصمد ابن محمد الحرستاني وغيرهم وأجاز له جماعة كثيرة من بلاد عديدة وحدث ودرس في عدة مدارس وأفتى وكان فقيهاً إماماً عالماً عارفاً بالمذهب مشكور السيرة في ولاياته لين الجانب دمث الأخلاق كثير المداراة والصفح والاحتمال تنقلت به الأحوال فولى وكالة بيت المال بدمشق ثم ناب في الحكم بها مدة ثم ولي القضاء بها وبأعمالها استقلالاً لما فتح عماد الدين بن شيخ الشيوخ دمشق للملك الصالح نجم الدين ولم ينتقد عليه في حكم من أحكامه في جميع ولاياته ولم يزل مستمراً في الحكم إلى حيث انقضت الدولة الناصرية ففوض هولاكو الحلم بالشام وغيره إلى القاضي كمال الدين التفليسي رحمه الله وكان ينوب عن قاضي القضاة صدر الدين المذكور بدمشق فتوجه صدر الدين
صحبة القاضي محي الدين أبي الفضل يحيى بن الزكي إلى هولاكو واجتمعوا به ففوض هولاكو القضاء بالشام إلى القاضي صدر الدين صحبته على غير شيء من الولايات فلما وصل حماة تمرض فركب في محفة ووصل إلى بعلبك وهو مثقل بالمرض فأنزلته في منزلي لقرابة كانت بينه وبين والدتي فإنه ابن عمها وابن خالتها وزوج أختها فبقي يومين في منزلي وتوفي إلى رحمة الله تعالى وحضر والدي رحمه الله غسله فغسله الشيخ زكي الدين إبراهيم بن المعري وصلى عليه والدي ودفن بالقرب من ضريح الشيخ عبد الله اليونيني الكبير قدس الله روحه قبلي مدينة بعلبك وكانت وفاته يوم الأحد عاشر جمادى الآخرة وكان الملك الناصر صلاح الدين يوسف يحبه ويثني عليه كثيراً وكذلك الملك الأشرف مظفر الدين موسى بن الملك العادل يثني على والده قاضي القضاة شمس الدين أبي البركات يحيى لما كان متولياً القضاء بالشام في أيامه ويقول عنه ما ولي دمشق مثله رحمهم الله أجمعين.
الملك السعيد نجم الدين أيل غازي بن الملك المنصور ناصر الدين أبي المظفر أرتق أرسلان بن نجم الدين أيل غازي بن ألبى بن تمرتاش ابن أيل غازي بن أرتق أبو الفتح صاحب ماردين كان ملكاً جليلاً كبير المقدار شجاعاً جواداً حازماً ممدحاً وتوفي في ذي الحجة من هذه السنة
وقيل في سادس عشر صفر سنة تسع وخمسين والأول أصح وسبب موته وباء وقع في أهل القلعة فأهلك أكثرهم ووصل الخبر إلى التتر بموته من رجل يسمى أحمد بن الفارس علي الشافصني رمى بنفسه من القلعة إليهم فبعثوا إلى ولده الملك المظفر رسولاً وطلبوا منه الدخول في الطاعة وكان قد قام مقام أبيه فأجابهم جواباً أرضاهم وأظهر لهم الدخول في طاعتهم والعمل على مداراتهم.
توران شاه بن يوسف بن أيوب بن شاذي أبو المفاخر وقيل أبو منصور فخر الدين الملك المعظم بن السلطان الكبير الملك الناصر صلاح الدين يوسف رحمه الله يعظمه ويحترمه ويثق به ويسكن إليه كثيراً لعلمه بسلامة جانبه وأنه لا تحدثه نفسه بالتوثب عليه فكان عنده في أعلى المنازل يتصرف في قلاعه وخزائنه وعساكره وغلمانه، ولما استولى التتر على مدينة حلب اعتصم بقلعتها ثم نزل منها بالأمان على ما شرحنا ومولده بالديار المصرية في شهر ربيع الأول سنة سبع وسبعين وخمسمائة سمع من أبي عبد الله محمد بن علي بن صدقة الحراني وغيره وحدث وخرج له الحافظ أبو محمد التوني مشيخة في جزء حديثي وكانت وفاته بحلب في السابع والعشرين من ربيع الأول ودفن بدهليز داره رحمه الله تعالى.
الحسن بن عثمان بن أبي بكر محمد بن أيوب بن شاذي الملك السعيد بن الملك العزيز بن الملك العادل كان والده الملك العزيز عماد الدين عثمان قد توفي في سنة ثلاثين وستمائة وملك بانياس والصبيبه وما معها مما كان بيده من البلاد ولده الملك الظاهر فلم تطل مدته وتوفي بعد أشهر يسيرة دون السنة فملك بلاده أخوه الملك السعيد حسن المذكور ولم تزل في يده إلى أن ملك الملك الصالح نجم الدين الديار المصرية والشام فانتزعها من يده وأعطاه خبزاً بالديار المصرية وبقي في خدمته إلى أن مات وملك ولده الملك المعظم وقتل على ما هو مشهور فلا حاجة إلى شرحه فعند ذلك هرب الملك السعيد إلى غزة وأخذ ما فيها من المال وقصد قلعة الصبيبه فسلمها إليه نواب الملك الصالح نجم الدين فملكها ولما وصل الخبر بذلك إلى القاهرة احتيط على داره بها وما فيها من الأثاث الذي لم يمكنه استصحابه معه فلما ملك الملك الناصر صلاح الدين أبي المظفر رحمه الله وقد تكرر ذكره في مواضع من هذا الكتاب وكان قد بقي كبير البيت الأيوبي وكان الملك الناصر صلاح الدين يوسف الشام أخذ منه الصبيبه وجرت منه أسباب أوجبت اعتقاله في بعض القلاع ثم نقله إلى قلعة البيرة فلما ملكها التتر في هذه السنة أخرجوه من الاعتقال وحضر عند هولاكو يقيده فرق له وأفرج عنه وخلع عليه قباء زربفت وسراقوج ومن عادة التتر أنهم إذا خلعوا سراقوج على أحد من غيرهم يلبسه يومه ثم يقلعه ويلبس العمامة فامتنع الملك السعيد من قلعه ولزم لبسه دائماً ومال إليهم بظاهره وباطنه
وكان يقع في الملك الناصر صلاح الدين يوسف عندهم ويحرضهم عليه وعلى استئصال شأفته فأمر هولاكو لكتبغا نوين باستصحابه معه إلى الشام وتسليم بلاده إليه فاستصحبه معه وسلم إليه بلاده وبقي مع كتبغا لا يفارقه وشهد معه سائر وقائعه وحصاراته في هذه السنة ورأيته معه ظاهر بعلبك وعليه السراقوج وحضر معه المصاف بعين جالوت وقاتل قتالاً شديداً وكان شجاعاً مقداماً، فلما من الله تعالى بنصرة الإسلام أحضر بين يدي الملك المظفر سيف الدين قطز رحمه الله فأمر به فضربت رقبته صبراً بين يديه ولم يقله عثاره وأخذت بلاده وحواصله، وكان قتله يوم المصاف بعين جالوت وهو نهار الجمعة خامس عشري شهر رمضان المعظم أو ثاني يوم المصاف.
الحسين بن علي بن القاسم بن علي بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله ابن الحسين أبو حامد الدمشقي الشافعي المعروف بابن عساكر الملقب بالحافظ ومولده في ليلة الرابع والعشرين من جمادى الأولى سنة عشر وستمائة بدمشق وسمعه أبوه الكثير من جماعة كثيرة واستجاز له في رحلته إلى العجم الجم الغفير وحدث بدمشق ومصر وأبوه سمع الكثير ببلده ورحل إلى بلاد عديدة وحصل كثيراً وكان فضلاً حافظاً وتوفي ولم يبلغ الأربعين وجده القاسم سمع الكثير وحدث به وكان حافظاً مشهوراً وله تخاريج وجموع وجد أبيه على أحد الأئمة المشهورين صاحب
التصانيف والفوائد من جملتها تاريخ دمشق الذي لم يسبق إلى مثله وله الرحلة الواسعة والتصانيف النافعة وكانت وفاة أبي حامد المذكور في شهر شعبان من هذه السنة بنابلس وهو متوجه من مصر إلى دمشق رحمه الله.
رسلان شاه بن داود بن يوسف بن أيوب بن شاذي الأمير أسد الدين كان جميل الأوصاف حسن الشكل شجاعاً كريماً واسع الصدر عالي الهمة ووالده الملك الزاهر مجير الدين داود كان صاحب البيرة وجده السلطان الملك الناصر صلاح الدين الكبير رحمه الله واستشهد الأمير أسد الدين المذكور بأيدي التتر في ثاني صفر من هذه السنة ببواشير حلب رحمه الله تعالى، وكان والده الملك الزاهر مجير الدين داود يحب الفضلاء وأهل العلم ويقصدونه من البلاد ولما ولد بالقاهرة لسبع بقين من ذي القعدة أو ذي الحجة سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة كان والده السلطان صلاح الدين رحمه الله بالشام وكان الثاني عشر من أولاده فكتب إليه القاضي الفاضل رحمه الله رسالة يبشره بولادته من جملتها، وهذا المولود المبارك هو الموفى لاثني عشر ولداً بل لاثني عشر نجماً متقداً فقد زاد الله سبحانه في أنجمه عن أنجم يوسف عليه السلام نجماً ورآهم المولى يقظة ورأى تلك الأنجم حلماً ورآهم المولى ساجدين له ورأينا الخلق لهم سجوداً، وهو تعالى قادر أن يزيد في حدود المولى إلى أن يراهم آباء وجدوداً.
وحكى عن الملك الزاهر جماعة أنه كان يقول من أراد أن يبصر صلاح الدين فليبصرني فأنا أشبه أولاده به وكان الزاهر شقيق الملك لظاهر
صاحب حلب رحمه الله وتوفي بالبيرة في ليلة التاسع من صفر سنة اثنتين وثلاثين وستمائة ولما وصل نعيه إلى حلب توجه الملك العزيز ابن الملك الظاهر إلى قلعة البيرة وملكها.
عبد الرحمن بن عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن الحسن بن عبد الرحمن ابن طاهر بن محمد بن محمد بن الحسين بن علي بن أبي طالب شرف الدين الكرابيسي الحلبي الشافعي المعروف بابن العجمي سمع من ابن طبرزد وغيره وكان من الرؤساء المشهورين معروف بجلالة القدر ومكارم الأخلاق وله بر ومعروف وأنشأ بحلب مدرسة حسنة ووقف عليها وقفاً جيداً ودفن بها لما مات وكانت وفاته في الرابع والعشرين من صفر بعد وقعة التتر، قال قاضي القضاة شمس الدين ابن خلكان رحمه الله لما هجم التتر حلب عذبوه في الشتاء بأن صبوا عليه الماء البارد ليدفع لهم المال فتشنج وأقام أياماً ثم مات رحمه الله، وكان يدرس بالمدرسة الظاهرية خارج حلب ومولده في سنة تسع وستين وخمسمائة بحلب وبيته مشهور بالتقدم والجلالة والسنة والعلم والحديث رحمه الله.
عبد العزيز بن عبد القوي بن عبد العزيز بن الحسين بن عبد الله أبو المعالي محي الدين ابن القاضي الأسعد أبي البركات بن القاضي الجليس أبي المعالي التميمي السعدي الأعلى المصري المعروف بابن الحباب مولده سلخ شهر رمضان سنة خمس وتسعين وخمسمائة سمع من جماعة من
الشيوخ وكتب بخطه وحصل جملة من الكتب وحدث وكانت وفاته في تاسع عشر ذي القعدة بمنية ابن خصيب من صعيد مصر رحمه الله وبيته مشهور بالرياسة والتقدم.
عبد الله بن بركات بن إبراهيم بن طاهر بن بركات بن إبراهيم ابن علي بن محمد بن أحمد بن ابن العباس بن هاشم أبو محمد القرشي الدمشقي المعروف بابن الخشوعي سمع جماعة وحدث هو وأبوه وجده وجد أبيه وهو من بيت الحديث والرواية وأبوه أبو طاهر بركات ابن إبراهيم أحد مشايخ الشام وعنه يروي معظم المحدثين والطلبة وكان عالي السند رحمه الله وكانت وفاة أبي محمد عبد الله المذكور بدمشق في الثامن والعشرين من صفر رحمه الله.
عثمان بن محمد بن عبد الله بن محمد بن هبة الله بن علي بن المطهر بن أبي عصرون أبو عمرو شرف الدين التميمي الدمشقي الشافعي مولده بدمشق في ثامن عشر ذي الحجة سنة إحدى وثمانين وخمسمائة كان رئيسا جواداً كبير الهمة مفرط الكرم يستقل الكثير من العطاء وأنفق من الأموال جملاً عظيمة طائلة وتوفي وهو فقير من فقراء المسلمين لم يخلف إلا ما قام بمؤونة تجهيزه ودفنه وهو مركوبه وثيابه بدنه لا غير، وكانت وفاته في العشر الأول من صفر هذه السنة وهو في عشر الثمانين ولما حضر نعشه إلى جامع دمشق للصلاة عليه وضع شمالي مقصورة الخطابة واتفق
في ذلك الوقت حضور نواب التتر إلى الجامع لقراءة الفرامين الواردة من هولاكو المتضمنة الأمان لأهل دمشق فقرئت وجنازته موضوعة ثم صلى عليه ودفن رحمه الله سمع من أبي الفضل محمد بن يوسف الغزنوي وغيره وأجاز له جماعة من لشيوخ البغداديين وحدث ويحكى عنه في تكرمه وسعة صدره غرائب من جملتها أنه توجه إلى الديار المصرية مرة ومعه هدية جليلة نفيسة لأولاد شيخ الشيوخ ولغيرهم وكان بينه وبين أولاد شيخ الشيوخ قرابة فإن والدتهم ابنة عمه فلما سير للأمير فخر الدين نصيبه من الهدية استعظمها وقال بما نقابل هذا الرجل واتفق حضور سكر مكرر غال عمل للأمير فخر الدين بالقصد من بعض الأماكن الجارية في إقطاعه فسير له منه حملاً وقال هذا يشربوه غلمان الشيخ شرف الدين فلما جاءه السكر عمله جميعه حلوى منوعة وكان في خدمته حلاوي من الشام ماهر في صناعته وسير الحلوى للأمير فخر الدين فلما أكل منها أعجبته إعجاباً كثيراً ورأى لها طعماً غريباً لم يعهد في غيرها فأحضر الحلاوي الذي في مطبخ نفسه وأطعمه من تلك الحلوى ورام منه أن يعمل مثلها فقال ما أدري ما هذه ولا أعرف كيف عملت ثم سأل لمن ساعد حلاوي شرف الدين على عملها عن كيفيتها فذكر أنها ليست بشيرج وإنما هي بدهن لوز استخرج وطبخت به مع كثرة الفستق والمسك وغيره ولعلها أرادت أرادب عدة
قلب لوز فأخبر الحلاوي الأمير فخر الدين بذلك فاستهالها وقال هذا جنون.
وحكى لي العماد مظفر ابن سنى الدولة رحمه الله ما معناه قال خرجت معه إلى عيون الفاسريا في زمن البطيخ وكانت له فتقدم إلى أصحاب المقاث أن يجمعوها ثم جمعوها فجاءت شيئاً كثيراً فأمر أن ينقى الفجل الجيد الذي في المجموع فجاء قريب أربعمائة حمل فكتب ورقة بتفرقة ذلك جميعه على الأعيان والمعارف بدمشق وقال لي تركب وتروح إلى الدار تستدعي بالغلمان وتقف ظاهر البلد ومعك الورقة وتسير لكل إنسان ما عين باسمه فقلت يا مولانا هذا يساوي أكثر من سبعة آلاف درهم فقال وإذا أطعمنا أصحابنا بطيخ بسبعة آلاف درهم ما هو كثير ففعلت ما قال ثم إن شرف الدين المذكور أباع عيون الفاسريا وأنفق ثمنها وكان يدعي النظر على الأوقاف النورية بحلب وحماة وحمص وبعلبك وغيرها وقد أثبت مال ذلك إليه فقال بعض الناس من يبيع العيون ما يستحق النظر.
حكى لي الجمال نصر الله رحمه الله وكان في خدمته ما معناه قال خلف له والده من الأموال والأثاث والقماش والخيول والبغال والجمال والمماليك والجواري والخدام ما لا يحصى كثرة ومن الأملاك كذلك
وخلف له سطل بلور أكبر من المد الشامي له طوق ذهب وعلاقة ذهب وهو ملآن جواهر نفيسة لو وضع عليها حبة واحدة سقطت فاذهب الجميع بيعاً وهبة وكان في آخر عمره قد نفد ما معه من المال والأملاك وغيرها ولم يبق له إلا ما يتناوله على سبيل النظر من الأوقاف النورية ومع هذا فنفسه وسعة صدره على ما يعهد منه لم يغيره الإقلال وخلف من الورثة ولدين أحدهما يقال له كمال الدين محمد ويلقب الجنيد ومولده في رابع عشر صفر سنة اثنتين وستمائة وكان شيخاً في حياة والده وكان والده كثير الانحراف عنه لا يلم به ويسميه الولد العاق وكان الكمال المذكور يسمي والده الشيخ الضال وبلغ ذلك الصاحب شرف الدين عبد العزيز رحمه الله وزير حماة فقال على سبيل المداعبة كلاهما صادق واتفق أن كمال الدين أثبت بعد وفاة والده أنه أسند النظر إليه في الأوقاف النورية وغيرها وتحدث في ذلك ثم ادعى أنه اطلع على مطالب مدفونة بالديار المصرية واتصل ذلك بالملك الظاهر ركن الدين بيبرس رحمه الله فطلبه على البريد فلما وصل ذكر أنها في أماكن يحتاج في استخراجها إلى خراب آدر عظيمة وبنايات كثيرة فعزم الملك الظاهر على خراب ذلك لما أبداه له الكمال من عظم المال المدفون وجلالة قدره وشرع في ذلك فعدم الكمال عند الشروع فيه ولم يطلع له على خبر فيقال على سبيل الحدس أن بعض أرباب تلك الأملاك عمل على اغتياله والله أعلم.
وكان فقده وانقطاع خبره في أواخر سنة ستين وستمائة وخلف ابنة واحدة كانت زوجة تاج الدين عبد القادر بن السنجاري الحنفي وله منها أولاد فأثبت أن كمال الدين كان أسند إليه النظر في الأوقاف النورية وغيرها وباشر التناول منها من ذلك الوقت وأما ولد شرف الدين الصغير كان يلقب شمس الدين وكان يشهد في مركز العصرونية وتوفي إلى رحمة الله تعالى وخلف ولدا ذكراً وهو الآن في حدود العشرين سنة عند كتابة هذه الأسطر وذلك في سنة تسعين وستمائة.
علي بن يوسف بن محمد بن عبد الله بن شيبان بن الحسن بن عامر بن عبد الله أبو الحسن جلال الدين النميري المارديني المعروف بابن الصفار ولد بماردين سنة خمس وسبعين وخمسمائة كان شاعراً مجيداً وله معرفة بالعربية ويستعمل المعاني الغريبة ومن شعره:
تعشقته زاهي حسن فما له
…
أتى بكتاب ضمه سورة النمل
وما لي والمجنون فيه وشعره
…
إذا مر بالكثبان خط على الرمل
وله في غريق:
يا أيها الرشأ المكحول ناظره
…
بالسحر حسبك قد أحرقت أحشائي
إن انغماسك في التيار حقق أ
…
ن الشمس تغرب في عين من الماء
وله في المعنى:
غريق كأن الموت رق لحسنه
…
فلان له في صفحة الماء جانبه
أبى الله أن يسلوه قلبي فإنه
…
توفاه في الماء الذي أنا شاربه
وله:
وأعجب شيء أن ريقك ماؤه
…
يولد دراً وهو عذب مروق
وأنك صاح وهو في فيك مسكر
…
وأنت جديد الحسن وهو معتق
وله في فهد:
ومشتهر بالفتك يوم اكتسابه
…
على ظفره أثر الدماء ونابه
كأنه مهاة الفلك لما انتهى به
…
مداه إلى سرب المها وانتهابه
رمته بشهب الجو خوف انتقابه
…
فأطفأها في عسجد من إهابه
وله في فحم يوقد:
كأن وقيد الفحم خوف شراره
…
إذا النار مست جرمه فتلونا
تذكر أيام الشباب الذي جرى
…
بمنبته لما ترنح أغصنا
فأزهر منه الآينوس بنفسجا
…
وأثمر عناباً وأورق سوسنا
وله من أبيات:
فمتى تقوم قيامتي بوصاله
…
ويضم شملينا معاد شامل
وأكون من أهل الخطايا خده
…
ناري وصدغاه علي سلاسل
وله في مليح اسمه إسماعيل:
لحاظك إسماعيل في القلب أسهم
…
فلا مفصل إلا وفيها له فعل
وكيف يرجى البرء من سيف لحظه
…
وشيعته قد حل عندهم القتل
وله في قصر النهار:
ويوم حواشيه ملمومة
…
علينا تحاذر أن تفرجا
قنصت غزالته والتف؟
…
ت أريد أختها فاحتمت بالدجى
وله:
إذا هب النسيم بطيب نشر
…
طربت وقلت: إيهٍ يا رسول
سوى أني أغار لأن فيه
…
شذاك وأنه مثلي عليل
وله:
أفدى الخيال الذي أسرى على وجل
…
فصادف الحرب بين النوم والمقل
يلقى الرقاد على الأجفان كلكله
…
فيلتقيه من الأهداب بالأسل
عوامل من جفوني ربما قطرت
…
دماً فهل أحدثت في النوم من عمل
ما زال يخطر بين العسكرين إلى
…
أن خالط القلب فعل الفارس البطل
وراح بالسبي من يريهما غزلاً
…
بحال بين نشاط الجفن والكسل
ومرسل صدغه في جاهليتنا
…
مؤيد دعوة الأوثان بالرسل
سن الهوى حسنه للناس فاتبعوا
…
ما سن وانتقلوا عن سنة العذل
حتى إذا اخضر من ماء الشباب عذا
…
راه كما أحمر خداه من الخجل
خافت زمرد خطيه ذؤابته
…
فاستخبأت خلفه فهي ابنة الجبل
وقال:
ومن لم يكن ناسياً هوى ذاكره
…
ما ينكر أن يصد عن عاذره
في الصد إشارة له تخبرني
…
من حالي أنني على خاطره
وقال:
أسرار هواك كلها في ظني
…
منك انكشفت إلى الورى لا مني
ما فهت بذكرها ولكن فطنوا
…
من حيث تصدون غيري عني
وذكر قاضي القضاة شمس الدين رحمه الله صاحب هذه الترجمة في بعض مجاميعه وساق نسبه كما ذكر وقال هو من بني كناز بن خليد بن عبد الله بن نمير بن عامر بن صعصعة بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان نشأ بماردين وحفظ القرآن الكريم ونظر في علم العربية وكتب الإنشاء للملك المنصور ناصر الدين ابن أرتق صاحب ماردين ثم عزل عن الكتابة وتولى الأشراف بديوان دنيسر ثماني عشرة سنة وهو شاعر في فنه بارع له المعاني الغريبة والألفاظ الرائقة ووصل إلى إربل في أواخر ذي الحجة سنة سبع وعشرين وستمائة مرتزقاً قلت ومن شعره:
بعني بأغلى ثمن نظرة
…
أحيا بها يا طلعة المشتري
أمن هلال أنت يا وجهه ال؟
…
بادي بهذا المنظر المقمر
وكانت وفاته في شهر ربيع الآخر هذه السنة وقيل في رجب منها في سابع عشرة قتله التتر لما دخلوا ماردين رحمه الله.
عمر بن أحمد أوحد الدين الدويني قاضي منبج كان من العلماء
الفضلاء الأعيان المتبحرين في العلوم واشتغل عليه جماعة كثيرة وانتفعوا به وكانت وفاته بحلب عقيب أخذ التتر لها في العشر الأوسط من صفر هذه السنة وهو في عشر التسعين رحمه الله تعالى.
عيسى بن موسى بن أبي بكر خضر بن إبراهيم بن أحمد بن يوسف ابن جعفر بن عرفة بن المأمون بن المؤمل بن قاسم بن الوليد بن عتبة ابن أبي سفيان الأمير شهاب الدين بن شيخ الإسلام القرشي الأموي الهكاري درس بدمشق مدة بالمدرسة الجاروخية وكان عالماً فاضلاً شجاعاً صالحاً متزهداً متديناً حديث بفوائد جمة وجده أبو بكر هو ابن أخي شيخ الإسلام وكانت وفاة الأمير شهاب الدين المذكور في ليلة الثامن والعشرين من جمادى الأولى بقرافة مصر الصغرى ودفن بها من الغد رحمه الله.
قطز بن مالك بن عبد الله المظفر سيف الدين رحمه الله كان أخص مماليك الملك المعز عز الدين أيبك التركماني رحمه الله به وأقربهم إليه وأوثقهم عنده وهو الذي قتل الأمير فارس الدين أقطاي الجمدار وكان الملك المظفر بطلاً شجاعاً مقداماً حازماً حسن التدبير ولم يكن يوصف بكرم ولا شح بل كان متوسطاً في ذلك وقد ذكرنا استيلاءه على السلطنة سنة واحدة وخروجه للقاء التتر وهو أول من اجترأ عليهم بعد علاء الدين خوارزم شاه وضرب معهم مصافاً فكسرهم كسرة عظيمة
مشهورة جبر بها الإسلام فرحمه الله ورضي عنه.
ومما حكى عنه أنه قتل جواده في يوم المصاف بعين جالوت ولم يصادف في تلك الساعة أحداً من وشاقيته الذين معهم جنائبه فبقي راجلاً ورآه بعض الأمراء الأكابر الشجعان المشهورين فترجل من حصانه وقدمه له ليركبه فامتنع وقال ما معناه ما كنت لآخذ حصانك في هذا الوقت وأمنع المسلمين الانتفاع بك وأعرضك للقتل وحلف عليه أن يركب فرسه فامتثل أمره ووافاه الوشاقية بالجنائب فركب فلامه بعض خواصه على ذلك وقال يا خوند لو صادفك والعياذ بالله بعض المغل وأنت راجل كنت رحت وراح الإسلام فقال أما أنا فكنت أروح إلى الجنة إن شاء الله وأما الإسلام فما كان الله ليضيعه فقد مات الملك الصالح وقتل الملك المعظم والأمير فخر الدين بن الشيخ مقدم العساكر ونصر الله الإسلام بعد اليأس من نصره يشير إلى نوبة المنصورة والقصة معروفة لا تحتاج إلى شرح، ولما قدم دمشق بعد الكسرة أجرى الناس كافة على ما كانوا عليه إلى آخر الأيام الناصرية في رواتبهم وإطلاقاتهم وجميع أسبابهم ولم يتعرض لمال أحد ولا إلى ملكه ثم توجه بعد تقرير قواعد الشام وترتيب أحواله على أجمل نظام إلى جهة الديار المصرية كما ذكرنا فرزقه الله الشهادة فقتل مظلوماً بالقرب من القصير وهي المنزلة التي بقرب الصالحية من منازل الرمل وبقي ملقى بالعراء فدفنه بعض من كان في خدمته بالقصير المذكور فكان قبره يقصد للزيارة دائماً واجتزت به وترحمت عليه وزرته وكثر الترحم عليه والدعاء على من قتله، وكان
الظاهر ركن الدين بيبرس رحمه الله قد شارك في قتله أتم مشاركة بل كان مدار ذلك كله عليه وتملك بعده فلما بلغه ذلك سير من نبشه ونقله إلى غير ذلك المكان وعفى أثره ولم يعف خبره رحمه الله وجزاه عن الإسلام خيراً ولم يخلف ولداً ذكرا له بل سمعت أنه خلف ابنتين وكان قتله يوم السبت سادس عشر ذي القعدة.
حكى لي المولى علاء الدين علي بن غانم حرسه الله في غرة شوال سنة إحدى وتسعين وستمائة ببعلبك قال حدثني المولى تاج الدين أحمد بن الأثير تغمده الله برحمته ورضوانه ما معناه أن الملك الناصر صلاح الدين يوسف رحمه الله لما كان على برزة في أواخر سنة سبع وخمسين وستمائة وصله قصاد من الديار المصرية بكتب يخبرونه فيها أن قطز تسلطن وملك الديار المصرية وقبض على ابن أستاذه قال المولى تاج الدين فطلبني السلطان قرأت عليه الكتب وقال لي خذ هذه الكتب ورح إلى الأمير ناصر الدين القيمري والأمير جمال الدين ابن يغمور وأوقف كلاً منهما عليها قال فأخذتها وخرجت فلما بعدت عن الدهليز لقيني حسام الدين البركة خانى وسلم علي وقال جاءكم بريدي أو قاصد من الديار المصرية وريت وقلت ما عندي
علم بشيء من هذا قال قطز يتسلطن ويملك الديار المصرية ويكسر التتر قال المولى تاج الدين فبقيت متعجباً من حديثه وقلت له أيش هذا القول؟ ومن أين لك هذا؟ قال والله هذا قطز هو خشداشي كنت أنا وإياه عند الهيجاوي من أمراء مصر ونحن صبيان وكان عليه قمل كثير فكنت أسرح رأسه على أني كلما أخذت عنه قملة آخذ منه فلساً أو صفعته فلما كان في بعض الأيام أخذت عنه قمل كثير وشرعت أصفعه ثم قلت في غضون ذلك والله ما اشتهى إلا أن الله يرزقني إمرة خمسين فارساً فقال لي طيب قلبك أنا أعطيك إمرة خمسين فارساً قال فصفعته وقلت والك أنت تعطيني إمرة خمسين قال نعم فصفعته فقال لي والك علة أيش يلزمك لك إلا إمرة بخمسين فارساً أنا والله أعطيك قلت والك كيف تعطيني قال أنا أملك الديار المصرية وأكسر التتر وأعطيك الذي طلبت قلت والك أنت مجنون أنت بقملك تملك الديار المصرية قال نعم رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وقال لي أنت تملك الديار المصرية وتكر التتر وقول النبي صلى الله عليه وسلم حق لا شك فيه قال فسكت وكنت أعرف منه الصدق في حديثه وعدم الكذب وتنقلت به الأحوال وارتفع شأنه إلى أن صار هو المتحكم
في الدولة وما أشك أنه يملك الديار المصرية مستقلاً ويكسر التتار كما أخبره النبي صلى الله عليه وسلم في المنام.
قال المولى تاج الدين رحمه الله فلما قال لي هذا قلت له والله قد وردت الأخبار أنه تسلطن في الديار المصرية قال لي والله هو يكسر التتر فما مضى عن هذا إلا مدة يسيرة حتى خرج وكسر التتر على ما هو مشهور قال المولى تاج الدين فرأيت الأمير حسام الدين البركة خاني الحاكي لي ذلك بالديار المصرية بعد كسرة التتر فسلم علي وقال يا مولاي تاج الدين تذكر ما قلت لك في الوقت الفلاني قلت نعم قال والله حال ما عاد الملك الناصر من قطيا ودخلت أنا إلى الديار المصرية أعطاني إمرة خمسين فارساً كما قال رحمه الله لا زائد على ذلك، قال المولى تاج الدين وشرعنا نتعجب من هذه الصورة.
حكى لي المولى الأمير عز الدين محمد بن أبي الهيجاء رحمه الله ما معناه أن الأمير سيف الدين يلقاق حدثه أن الأمير بدر الدين بكتوت الأتابكي حكى له قال كنت أنا والملك المظفر قطز والملك الظاهر ركن الدين رحمهما الله في حال الصبي كثيراً ما نكون مجتمعين في ركوبنا وغير ذلك فاتفق أن رأينا منجماً في بعض الطرق بالديار المصرية فقال له الملك المظفر أبصر نجمي فضرب بالرمل وحسب وقال له أنت تملك هذه البلاد وتكسر التتر فشرعنا نهزأ به ثم قال له الملك الظاهر فأبصر نجمي فضرب وحسب وقال وأنت تملك أيضاً الديار المصرية
وغيرها فتزايد استهزاؤنا به ثم قالا لي لا بد أن تبصر نجمك فقلت له أبصر لي فضرب وحسب وقال لي وأنت تحصل إمرة مائة فارس يعطيك هذا وأشار إلى الملك الظاهر فاتفق إن وقع الأمر كما قال لما يخرم منه شيء وهذا من عجيب الاتفاق! هذا مضمون ما حكاه لي الأمير عز الدين المذكور في خامس ربيع الآخر سنة اثنتين وتسعين وستمائة بدمشق.
كتبغا نوين مقدم عساكر التتر كان عظيماً عندهم يعتمدون على رأيه وشجاعته وتدبيره وكان شجاعاً بطلاً مقداماً مدبراً سائساً خبيراً بالحروب والحصارات وافتتاح الحصون والمعاقل والاستيلاء على الممالك وهو الذي افتتح معظم بلاد العجم والعراق وكان هولاكو ملك التتر يثق به ولا يخالفه فيما يشير إليه ويتبرك برأيه ويحكي عنه العجائب في حروبه وحصاراته من ذلك أنه نازل عدة حصون فكان إذا فتح حصنا ساق جميع من فيه من الناس إلى الحصن الذي يليه فإن مكنهم أهله من دخوله ضيقوا عليهم في المأكول والمشروب وإن منعوهم من الدخول هم بضرب أعناقهم فيمكنوهم وإن أصروا على المنع ضرب أعناقهم فإذا تيسر فتح الحصن الآخر فعل كذلك إلى أن استكمل فتح سائر الحصون المقصودة، ومن ذلك أنه نازل حصناً لا يرام وتحقق أن فيه مؤناً كثيرة وعدة آبار فيها من الماء قدر كفايتهم فقال لهم ما معناه أما حصنكم فمنيع والمؤنة عندكم كثيرة لكن الماء الذي عندكم على فراغ فإنا أصابركم إلى أن يفرغ وآخذكم فقالوا المياه عندنا
كثيرة والذي بلغك من قلتها باطل لا حقيقة له وسير من ثقاتك من يبصر ذلك ويكشف لك حقيقته، ويخبرك وكان قد هيأ عنده رماحاً جوفها وملأها سماً قاتلاً وسدها عليه فسير جماعة من أصحابه وبيد كل واحد رمحاً منها فكانوا يأتون إلى البئر فينزلون الرمح فيها كأنهم يخضخضون الماء وينفضون الرمح بقوة فتنفتح السدادة بحركة دبروها فينزل جميع ما في الرمح من السم في تلك البئر فسموا بهذا الفعل جميع ما عندهم من المياه ونزلوا من عندهم إلى كتبغا وأخبروه بانتهائهم إلى ما أمرهم به وأقام كتبغا ومن معه على حالهم أياماً فهلك من شرب من ذلك الماء وتسلم الحصن، وهو الذي افتتح حصون الشام، ورأيته لما حضر إلى بعلبك لحصار قلعتها وقد دخل جامع المدينة وصعد منارته ليشرف منه على القلعة ثم نزل وخرج من الباب الغربي الذي في صحن الجامع ودخل حانوتاً خراباً فقضى حاجته به والناس يشاهدونه وعورته مكشوفة ومعه بعض التتر فلما فرغ مسحه ذلك الشخص بقطن كان معه مسحة واحدة وركب وكانت لحيته شعرات يسيرة في حنكه وهي مضفورة دبوقة لطولها وربما جعل طرفها في حلقة في أذنه وربما أرسلها على صدره فتبلغ سرته وكان مهيباً مطاعاً في جنده لا يجسرون على مخالفته ولا الخروج عن أمره وكان يردعهم عن كثير من أفعالهم وكان إذا أمن أحداً وكتب له أماناً كان أقرب إلى الوفاء به من غيره من التتر وهذا على ما فيه من الغدر وكان شيخاً
مسناً أدرك جنكزخان الأخير جد هولاكو وكان عنده ميل إلى دين النصرانية لكنه لا يظهر الميل إلى النصارى لتمسكه بأحكام أسة جنكزخان وسائر أرباب الأديان عنده سواء وهذا من أحكام الأسة، وكان إذا كتب عنه كتاب يقول في أوله من كلام كيد بوقا نوين والنوين عندهم مقدم عشرة آلاف فارس فما زاد عليها ولا يقال لمن هو مقدم على من تنقص عدتهم عنها.
ولما بلغه خروج العساكر مع الملك المظفر رحمه الله وكثرتها تلوم وتوقف واستشار فأشار عليه بعض الناس بالتأخر وأشار عليه بعضهم بالملتقى فحملته نفسه وشجاعته وما قد ألفه من النصر في سائر المواطن على اللقاء فتوجه لذلك ولقيهم على عين جالوت بالقرب من بيسان فكانت الوقعة المشهورة التي نصر الله تعالى فيها الإسلام وحزبه وأخزى الكفر وأهله فحمل على الميسرة فهزمها هزيمة شنيعة كادت تستمر لولا تدارك الله الإسلام بنصره ورحمته فحملوا عليهم فكسروهم كسرة لا يجرى بعدها جبر، فولوا على وجوههم والسيوف تأخذهم وأعتصم منهم طائفة بتل هناك فأحدقت بهم العساكر وقتلوا عن آخرهم وأسر من كان صغيراً أو مراهقاً، وأما كتبغا فلم يفر ولم يكن الفرار من عادته فثبت وقاتل إلى أن قتل وعجل الله بروحه إلى النار وكان الذي تولى قتله على ما قيل ولم يعرفه الأمير جمال الدين آقوش الشمس
رحمه الله وأسر ولده وكان جميل الصورة جداً ولما تمت الكسرة قيل للملك المظفر أن كتبغا هرب وكان قد أحضر إليه ولده أسيراً وهو واقف بين يديه فقال له أبوك هرب قال لا أبي ما يهرب أبصروه في القتلى فدوروا عليه في القتلى وأحضروا عدة رؤوس وعرضوها على ولده وهو يقول ما هو هذا إلى أن أحضروا رأسه فقال هذا هو وبكى ثم قال للملك المظفر ما معناه نام طيباً ما بقي لك عدو تخاف منه هذا هو كان سعادة التتر به يهزمون الجيوش وبه يفتحون الحصون وكذا كان لم يفلحوا بعده ولله الحمد والمنة، وأما ولده فقد كنت رأيته معه ببعلبك لما حضر لحصار قلعتها ثم رأيته بالديار المصرية في سنة تسع وخمسين وقد لبس زي الترك، وكان مقتل كتبغا يوم المصاف وهو يوم الجمعة خامس وعشرين شهر رمضان المعظم من هذه السنة.
لاحق بن عبد المنعم بن قاسم بن أحمد بن حمد بن حامد بن مفرج بن غياث أبو الكرم الأنصاري المصري المولد والدار والوفاة، مولده سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة تقديراً سمع من محمد بن حمد بن حامد وكانت له إجازة من أبي محمد المبارك بن علي بن الطباخ وحدث بها كثيراً ونشر بها علماً جماً وكان شيخاً صالحاً عفيفاً رحمه الله وتوفي في ليلة السادس عشر من جمادى الآخرة ودفن من الغد بسفح المقطم.
المبارك بن يحيى بن المبارك بن مقبل أبو الخير مخلص الدين الغساني
الحمصي كان من الفضلاء المشهورين بمعرفة الأدب والأنساب وأيام الناس سني المذهب اختصر كتاب الجمهرة في الأنساب لابن الكلبي اختصاراً حسناً دل على غزارة فضله ومعرفته وله كتاب المشجر في النسب أيضاً وغير ذلك من جموع مفيدة ولما ورد التتر إلى الشام في هذه السنة خرج من حمص مجفلاً في شهر ربيع الآخر ولجأ إلى جبل لبنان يعتصم في بعض القرى الوعرة التي بالجبل فأدركته منيته وقد نيف على الستين سنة من العمر ودفن حيث توفي رحمه الله تعالى، ومن شعره مما نقلته من خطه على ظهر مجلد:
بدا لي وقد خط العذار بوجهه
…
حبيب له منى على رقيب
كمثل هلال العيد لاح وقد دنا
…
من الأفق مرماه وحان مغيب
وله في غلام أهدى تفاحة من يده:
أتى يهز قضيب البان حين مشى
…
من تحت طلعت بدر فوق جيد رشأ
حيا بتفاحة من خده اكتسبت
…
لوناً ومن ريقه طعماً وطيب نشا
لا تعجبوا وهي من أوصافه خلقت
…
إن العليل إذا ما شمها انتعشا
وله:
طرق الخيال على البعا
…
د ولم يخف خطر الطريق
بلوى العقيق وأين من
…
دار الحبيب لوى العقيق
وافى إلى الوافي بما
…
أعطي من العهد الوثيق
أهدى له المسك السحي؟
…
؟ ق وزار من بلد سحيق
يا طيب من هو في حشا
…
ي يطوف بالبيت العتيق
لا تحسبن كرى جفو
…
ني عن سلو أو عقوق
صامت لهجرك بالسها
…
د فأفطرت عند الطروق
وله:
بأبي من حوى الجمال بديعاً
…
وبدا لي يوماً فقلت بديها
يا حبيباً إذا تأمله طرفي
…
رأى كل طرقه يشتهيها
حق من كنت وجهة لهواه
…
أن يرى حظه لديك وجيها
فمتى الوصل قال من دون وصلي
…
شقة حارت الأدلاء فيها
ولعمري بحق من تاهت الألب؟
…
اب في بر حسنه أن تتيها
وله:
تمثلت حين لقيت الحبيب
…
على غضب منه لم ينقض
وقبل كفى ولم يبتسم
…
وقبلته وهو كالمعرض
ومن يك في سخطه محسنا
…
فكيف يكون إذا ما رضى
هذا البيت مضمن: وهو لمبارك بن يحيى بن المبارك بن مقبل بن الحسن بن يونس الغساني نقلته من خطه.
محمد بن أحمد بن عبد الله بن عيسى بن أبي الرجال أبو عبد الله بن أبي الحسين اليونيني الحنبلي والدي رحمه الله مولده في السادس من شهر
رجب سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة بقرية يونين من عمل بعلبك الإمام الحافظ كان عديم النظير في معرفة الحديث على اختلاف فنونه سمع من أبي طاهر بركات بن إبراهيم الخشوعي وأبى علي حنبل بن عبد الله المكبر وأبي اليمن زيد بن الحسن الكندي وغيرهم ممن لا يحصى كثرة وحدث بالكثير وهو أحد الحفاظ المشهورين الجامعين بين العلم والدين وكانت وفاته ببعلبك في تاسع عشر شهر رمضان المعظم ودفن من يومه بتربة الشيخ عبد الله اليونيني ظاهر بعلبك رحمه الله صحب الشيخ عبد الله اليونيني وانتفع بصحبته وأخذ عنه علم الطريق وكان أخص أصحابه به يقدمه على جميعهم ولي الخرقة من الشيخ عبد الله البطائي رحمه الله تبركاً وهو شيخ شيخه ولم يزل ملازماً للشيخ عبد الله اليونيني سفراً وحضراً إلا أن يأمره بالتوجه إلى مكان والإقامة به فيفعل ذلك وفي حال ملازمته له يصلي به ويفتيه ويقتدي به في الأمور الشرعية ويرجع فيها إلى قوله حين توفي الشيخ عبد الله رحمه الله واشتغل بالفقه على الشيخ موفق الدين عبد الله بن أحمد المقدسي رحمه الله وعلى غيره واشتغل بالحديث على الحافظ عبد الغني رحمه الله وغيره وكان الحافظ يعظمه وإذا سئل عن مسألة بحضوره يقول له ما تقول في كذا وكذا فإذا أجاب بجواب قال لصاحب المسألة ذلك الجواب بعينه وتقدم
في علم الحديث على الحفاظ المبرزين في زمانه وعلى كثير ممن تقدمه وحفظ الجمع بين الصحيحين بالفاء والواو وكان يكرر عليه وكذلك صحيح مسلم ومعظم مسند الإمام أحمد رحمة الله عليه وغير ذلك من كتب الحديث قال قاضي القضاة شمس الدين عبد الله بن عطاء الحنفي رحمه الله قرئ عليه مسند الإمام أحمد رحمة الله عليه فكان يعلم على أحاديث تمر به فلما انتهى قراءة المسند سئل عن ذلك فقال هذه لا أحفظها فإنا أعلمها لأحفظها فاعتبرناها فكانت مقدار مجيليد صغير وكان إذا سئل عن حديث هل هو صحيح أم لا أجاب في الوقت واشتغل في علم العربية والنحو على الشيخ تاج الدين الكندي رحمه الله ولازمه وكان الشيخ تاج الدين يقدمه على سائر من اشتغل عليه من الطلبة والملوك وغيرهم وسمع عليه جميع مسموعاته وكتب خطاً منسوباً قل من كان يكتب في زمنه أجود منه وهذا في حال شبابه أما لما أسن ضعفت يده واشتغل عليه خلق لا يحصون كثرة بالعلوم الشرعية والحديث والعربية وعلى الطريق وسمع ما لا يحصى كثرة وأسمع زماناً طويلاً فسمع عليه خلق كثير وانتفع به جم غفير ونال من السعادة الدنيوية والدينية ما لم ينله غيره فيما علمنا فإن الملوك كانت تحضر إلى بابه وتقف به إلى أن يؤذن لهم فإذا دخلوا عليه عاملوه بالتعظيم الخارجي عن الحد وامتثلوا إشاراته.
حكى لي أن الملك الأشرف مظفر الدين شاه أرمن موسى بن
الملك العادل رحمه الله تعالى ربما قدم مداسه وأنه توضأ يوماً وأراد ما يطأ عليه فخلع عمامته وبسطها له وحلف أنها طاهرة وأقسم عليه أن يمشي عليها ففعل ذلك وكان يخدمه بنفسه وكذلك كان يفعل معه الملك الصالح إسماعيل رحمه الله ولما توجه والدي رحمه الله إلى دمشق في آخر سنة خمس وخمسين حضر عنده أولاده ومعهم إجازة وقبلوا مما عهد به إلينا والدنا أن نقصدك ونلبس منك خرقة كما لبس وتكتب لنا في هذا الإجازة أو ما هذا معناه فأخذ عليهم العهد وألبسهم الخرقة ولما قدم الملك الكامل دمشق أيام كانت للملك الأشرف رحمه الله اقترح عليه أن يجتمع بوالدي فسير بطاقة إلى بعلبك يلتمس منه الحضور فحضر وأنزله في دار السعادة لأن الملك الأشرف كان سكنها عند قوم الملك الكامل وأنزله في قلعة دمشق فلما قدم والدي رحمه الله عرف الملك الأشرف الملك الكامل بقدومه فنزل إليه واجتمع به في المكان الذي نزل فيه بدار السعادة وبلغ الملك الكامل في التأدب معه وبحثوا في فنون من العلوم منها القتل بالمثقل واستدل الملك الكامل بحديث الذي رضخ رأسه بين حجرين وأنه سأل من فعل بك هذا: الحديث ولم يذكر فيه فاعترف واحتج بأن قول المقتول يؤخذ به فقال والدي في الحديث فاعترف وهو في صحيح مسلم فقال الملك الكامل فأنا اختصرت صحيح مسلم وأمر بطلب الكتاب فأحضر في خمس مجلدات فتناول الملك الكامل
مجلداً والملك الأشرف مجدلاً والملك الصالح مجلداً وأظن عماد الدين ابن موسك مجلداً وشرعوا يتصفحون الكتاب ليظهروا الحديث وبقي مجلد فأخذه والدي وفتحه فظهر الحديث حال فتحه الكتاب وهو كما قال فأوقف عليه الملك والجماعة فتعجبوا من ذلك وعظم في عين الملك الكامل وعزم على أخذه إلى الديار المصرية وشعر الملك الأشرف بذلك فجهزه لوقته إلى بعلبك وكان الملك سير له جملة من الذهب فامتنع من قبولها وقال أنا في كفاية فلما سافر سأل عنه فأخبره الملك الأشرف بسفره وأنه لا يوافق على مفارقة الشام.
حكى الملك الأشرف لوالدي رحمه الله قال لما كسرنا في الروم وخرجنا منه قال لي الملك الكامل وقد جرى ذكرك تبصر كيف نصره اله علينا في مجلسنا من كتبنا فقلت له هو رجل موفق فقال نعم وكان الملك لا مجد يتردد إليه ويكثر الاجتماع به وله في هذا عقيدة عظيمة ويعظمه غاية التعظيم وكذلك أسد الدين شيركوه وكان بين الملك الصالح نجم الدين وعمه الملك الصالح إسماعيل من الوحشة والعداوة ما هو مشهور فلما خرجت البلاد عن الملك إسماعيل وتملكها الملك الصالح أيوب حصل منه تحامل على والدي وأوقف رواتبه واتفق أنه حضر إلى بعلبك فاجتمع عند والدي جماعة من أصحابه وسألوه الركوب لتلقيه وقالوا هذا رجل جبار ومتى تأخرت عن تلقيه توهم أن ذلك كراهة فيه لأجل عمه فلا يؤمن شره وإن لم ينلك نال أصحابك فركب قبلولاً لقولهم
وتلقاه فعند ما عاينه بالغ في الإقبال والترحيب والمؤانسة ولم يشتغل عنه بغيره إلى أن فارقه قال الأمير ناصر الدين محمد بن التبنينني رحمه الله فلما فارقه شرع في شكره والثناء عليه وتعظيمه فقلت له يا خوند ألا أنه يحب عملك الملك الصالح فقال حاشى ذاك الوجه وأمر أن يحمل إليه جميع ما كان أوقف من الكسوة والرواتب وغير ذلك للمدة الماضية وأجراها في المستقبل ولما نزل إلى دمشق في آخر سنة خمس وخمسين خرج الملك الناصر صلاح الدين يوسف إلى زيارته بزاوية الشيخ علي القرشي رحمه الله فلما دخل عليه بالغ في التأدب معه والتعظيم له واستعراض حوائجه.
وكان والدي رحمه الله يكره الاجتماع بهم ولا يؤثره ومما جرى له مع الملك الأشرف أنه كان إذا حضر إليه عرض عليه قصصاً كثيرة للناس ويسومه قضاء ما فيها فيفعل ذلك فاتفق حضوره إليه في بعض الأيام وعنده قصص كثيرة جداً فشرع الملك الأشرف في قراءتها فقرأ بعضها وضجر من إتمامها فقال له والدي أنا أجعل كفارة اجتماعي بكم قضاء لحوائج الناس فإن قضيتموها وإلا ما اجتمع بكم فاعتذر إليه وتلافاه وتمم قراءة تلك القصص وقضى جميع ما فيها وكانت مدة اجتماعه بالملوك وترددهم إليه ثلاثاً وأربعين سنة، وكان قبل ذلك ربما اجتمع بهم مصادفة أما ترددهم إليه بالقصد فمن ذلك التاريخ وكان يعد ذلك من كرامات شيخه الشيخ عبد الله اليونيني رحمه الله فإن الشيخ
عبد الله كان له زوجة ولها ابنة من غيره فقال لها زوجي ابنتك من محمد فقالت يا سيدي هو فقير ما له شيء وأنا أشتهي أن تكون بنتي سعدية فقال لها زوجيه فإني أرى له داراً مليحة وفيها بركة ماء وبنتك عنده في الليوان والملوك يترددون إلى خدمته وله كفاية تامة على الدوام فزوجته بها وهي أول زوجاته.
حكى لي أن الملك الصالح استأذن عليه مرة وهو في دار القاضي الفاضل بدمشق وهو في المرحاض فأخبر بذلك فقال دعوه حتى يدخل وحده فدخل وقعد في الإيوان واتفق أن والدي حصل له ما احتاج معه إلى النزول في البركة إلى وسطه فخرج وقال له أدر ظهرك فأداره ونزل في البركة وتطهر وتوضأ وجالسه بعد ذلك وكانوا يبذلون له الكثير من الدنيا فلا يتناول إلا قدر الكفاية ويقول أنا أستحق في بيت المال أكثر من هذا القدر الذي يصلني منهم وملكه الملك الأشرف قرية يونين وكتب به كتاب وأعطاه لمحيي الدين يوسف بن الجوزي رحمه الله وكان عنده رسولاً من جهة الخليفة ليأخذ عليه خط الخليفة فبلغ والدي ذلك فطلب الكتاب ومزقه فعاتبه الملك الأشرف فقال
أنا لي قدر الكفاية ولا آخذ من بيت المال أكثر منها ولم يكن والدي رحمه الله يقبل صلة أحد من الأمراء ولا من الوزراء ولا غيرهم إلا أن أهدى له هدية من المأكول أو ما أشبهه فإنه يقبل ذلك من بعض الناس ممن يتحقق حل ما له وكان هو ربما سير للملوك هدية مختصرة من مأكول أو نحوه فيتبركون بها ويستشفون.
حكى لي خادمه الشمس محمد بن داود رحمه الله قال سير الشيخ معي للملك الكامل هدية بعلبك وكان فيها كشك فلما أحضرت ذلك كان الكشك قد جعل في طبق فجعل الملك الكامل يستف منه وهو يتناثر على لحيته وثيابه وكان الصاحب فلك الدين بن المسيري حاضراً فقال يعرف الشيخ أن السلطان له سنين يحتمى عن اللبن وما يعمل منه وتراه قد أكل من هذا الكشك تبركاً بهدية الشيخ وأما أكابر الأمراء والوزراء ونواب السلطنة فكانوا يعاملونه بأضعاف ذلك من التأدب معه والامتثال لأمره واحترام أصحابه وأتباعه والمبالغة في ذلك إلى حد لا يوصف.
ولما انتقل النعل الشريف النبوي صلوات الله وسلامه على صاحبه إلى الملك الأشرف ووصل إليه وهو بدمشق أراد إرساله إلى والدي ليزوره ويتبرك به ثم قال نحن قد اشتقنا إلى الشيخ والأولى أن نسير إليه نخبره ليحضر يزور هذا الأثر الشريف ويبصره وكتب إليه بذلك
وكانت جدتي في قيد الحياة فقالت لوالدي كنت أشتهي زيارة هذا الأثر الشريف فزره عني فلما قدم دمشق وزار الأثر الشريف أخبر الملك الأشرف بما قالته والدته فجهز الأثر الشريف إلى بعلبك لأجلها فزارته وقضت وطرها من ذلك وكان جرى لهذا الأثر الشريف قصة أوجبت انتقاله إلى الملك الأشرف وذلك أن صاحبه ابن أبي الحديد كان يسافر به إلى الملوك فيعطوه الأموال وانتجع للملك الأشرف رحمه الله في بعض السنين وكان يجزل له العطاء فقال له الملك الأشرف أشتهي أن تعطيني من هذا الأثر الشريف بقدر الحمصة لأجعله في كفني إذا مت فأجابه إلى ذلك وأعطاه ثلاثين ألف درهم وتقرر أنه في غد ذلك اليوم يحضر العلماء والمشايخ ويقطع من ذلك مطلوبه واغتبط ابن أبي الحديد بذلك فلما كان في الليل انثنى عزم الملك الأشرف وسير إلى ابن أبي الحديد بذلك فسقط في يده لتوقعه فوات المبلغ الذي سمح له به فلما أصبح حضر بين يديه وسأله عن السبب الموجب لذلك فقال فكرت في أنني متى أخذت من هذا الأثر الشريف هذا القدر تشبه بي الملوك فيفضي الحال إلى عدم هذا الأثر الشريف من الوجود وأكون أنا السبب فتركته لله تعالى وأما القدر الذي سمحت لك به فخذه لا أرجع فيه فاستطار فرحاً وأخذ تلك الجملة وسافر إلى بلاد الشرق فأدركه أجله أظن في حران فأوصى قبل وفاته بالأثر الشريف للملك الأشرف فصار إليه بحسن نيته فبنى لأجله دار الحديث المجاورة
للقلعة وجعله فيها يزار في عصر الاثنين والخميس وكان والدي رحمه الله إذا جمعه وعلماء عصره مثل الشيخ تقي الدين بن العز والشيخ شرف الدين ابن الشيخ أبي عمر والشيخ عز الدين بن عبد السلام والشيخ تقي الدين بن الصلاح وقاضي القضاة شمس الدين بن سنى الدولة وقاضي القضاة شمس الدين الخوى والشيخ أبي عمرو بن الحاجب والشيخ الحصيري وغيرهم من تلك الطبقة بالغوا في التأدب معه ولا يترفع أحد منهم عليه في الجلوس ولا الكلام ويرجعون إلى قوله وكذلك كان حال أكابر مشايخ عصره من الزهاد يتمثلون بين يديه ويمتثلون أمره حدثني غير واحد من أعيان الفقراء أن الشيخ عثمان العدوي رحمه الله قدم مرة دمشق وكان والدي بها فدخل أمين الدولة وزير الملك الصالح على علي والدي في أنه يعمل للشيخ عثمان ومن معه من الفقراء ضيافة فأجابه والدي فعمل ضيافة احتفل لها واستدعى إليها مشايخ البلد فلما حضر والدي والشيخ عثمان ومد السماط شرع والدي يأكل وامتنع الشيخ عثمان من الأكل فقال له أمين الدولة في ذلك فقال والدي المقصود بركة الشيخ عثمان ويترك في الأكل على اختياره فلما خرج الجماعة قال بعض الفقراء للشيخ عثمان يا سيدي أنت ليس لك
من تقتدي به في أمور دنياك وآخرتك إلا الشيخ وقد رأيته أكل فلم امتنعت والله لما مد السماط شاهدته وهو نار تشتعل فكان سيدي الشيخ الفقيه يمد يده ويأخذ اللقمة من السماط ويرفعها فتستحيل وما تصل إلى فمه إلا وهي نور يتلألأ وأنا فلم يكن لي هذا التمكين فامتنعت.
وحكى لي القاضي تاج الدين عبد الخالق رحمه الله ما معناه قال قدم بعلبك في الأيام الأمجدية شخص كاتب وادعى أنه من ذرية شاور وزير العاضد بمصر أو من أقاربه فولاه الملك الأمجد المواريث الحشرية ببعلبك واتفق غيبة الملك الأمجد فمات شخص وله أولاد عم فاحتاط على تركته فطلبه الشيخ وقال له هذا الرجل له وارث وأنا أعرف أنهم أولاد عمه ومستحقي ميراثه فليس لكم عليه اعتراض فقال السلطان أمرني أن من مات احتاط على تركته وأنا ما أفرج من هذه التركة فغضب الشيخ وقال له قم قطع الله يدك ويد السلطان معك فقام ذلك الشخص وتوجه إلى الملك الأمجد بالمكان الذي كان فيه وشكا إليه فقال له كنت امتثلت ما أمرك به فأنت تراني لا أخالفه وأنكر عليه فما وسعه المقام ببعلبك فتوجه إلى دمشق وأقام بها مدة وعثر عليه أنه زور توقيعاً فقطعت يده وأما الملك الأمجد فبعد أخذ بعلبك منه نزل إلى دمشق وأقام بدار السعادة وهي داره فضربه مملوك له بالسيف على يده فقطعها وجرحه جرحاً آخر وبقي يومين ومات رحمه الله ومما
يقارب هذا أن خالي تاج الدين يعقوب بن سنى الدولة رحمه الله قدم بعلبك في الأيام الناصرية زائراً ونزل في دار ابن عمه الشرف خضر وكان والدي كثير البر بأقارب والدتي فاتفق أنه قصد رؤيته وأنا معه فلما دخل قام خالي وقبل يده وقعد بين يديه وهناك فقير موله يقال له علي وقد أحسن خالي فيه الظن فلما دخل والدي قعد ذلك الفقير في الصفة فحضر الشمس محمد بن داود خادم والدي ومعه رأس مشوي ومدت السفرة وطلبوا على الفقير ليأكل فوضع يده على أنفه وقال أفوه أفوه وجعل يكرر هذا القول فلما سمعه والدي زعق فيه وقال قم قطع الله أنفك فخرج من البيت لوقته وطلب طريق الزبداني فلما كان بعد المغرب صادفه جندي سكران في الرمانة فضربه بالسيف فاصطلم أنفه بالكلية فعاد من الغد وهو على هذه الصورة وخولط في عقله فلم ينتفع بنفسه إلى أن مات.
ولما قصد التتر الشام في أوائل سنة ثمان وخمسين وستمائة وكثر الإرجاف بهم قال والدي رحمه الله للشيخ محمود بن الشيخ سلطان وكان الشيخ محمود يجتمع برجال لبنان قد جمع بينه وبينهم والده فقال له والدي سلم عليهم وسلهم عن أمر هذا العدو وما يكون عاقبة الناس معهم فسألهم وحضر عند والدي فقال له ما الذي أجابوك به فقال قالوا قل له يسألنا عن مثل هذا ونحن لا نعلم إلا ما يفضل عنه وسمعت الشيخ محمود رحمه الله يقول غير مرة ما توفي سيدي الشيخ الفقيه
إلا بعد أن قطب اثنتي عشرة سنة أو قال فوق ذلك الشك مني في المدة وكان شرف الدين محمد بن عطاء حنبلي المذهب وكان يحب والدي محبة مفرطة بحيث ترك وطنه وانتقل إلى بعلبك لمحبته فيه وأقرأ ولده قاضي القضاة شمس الدين عبد الله الحنفي رحمه الله القرآن الكريم فلما فرغ منه قال له ولدي يا سيدي يقرأ المقنع أو مختصر الخرقى فقال والدي يقرأ في القدوري ويشتغل على مذهب ابن حنيفة فإنه يسود فيه فاشتغل وساد كما قال وكذلك قال لجماعة أخر من الشافعية وغيرهم فجرى الأمر كما قال رحمه الله وقال كنت عزمت على السفر إلى حران للاشتغال بالفرائض على شخص بلغني تفرده بهذا العلم وتبحره فيه وأريد السفر في غد ذلك اليوم فجاءني كتاب الشيخ عبد الله قال أو رسالته أنني أمضي إلى القدس فشق علي ذلك وأردت إمضاء ما عزمت عليه فاستفتحت في المصحف الكريم فظهر قوله تعالى: " اتبعوا من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون " فقلت هذا الشيخ لا يسألني أجراً ولا شك أنه مهتدي فسافرت إلى القدس كما أمرني وحضر عندي جماعة من أهل القدس يشتغلون علي بالفرائض وغيرها فأشغلتهم مدة وإلى جانبي رجل لا أعرفه فلما كان بعد مدة أيام سألته من أي البلاد هو فذكر أنه من حران فسألته عن ذلك الشخص الذي كنت عزمت على قصدة فوجدته هو بعينه فقلت يا سبحان الله وأنا أشغل بالفرائض بحضرتك ولا تقول لي شيئاً فقال لم تخط وإنما تسلك طريقاً بعيدة وتترك ما هو أقرب منها
فلازمته وأخذت جميع ما عنده حتى ظننت أني قد صبرت أخبر بذلك منه ثم سألته عن سبب قدومه إلى القدس فذكرانه توفي له نسيب بالقدس ومعه تجارة احتاط عليها ديوان القدس وحضر لاستخلاصها وكان ناظر القدس وتلك الأعمال المنصرف فيها جمال الدين عبد الرحيم ابن شيث رحمه الله وهو صاحبي جداً ولا ينقطع عني فلما حضر قلت له بسببه فسلم إليه التركة بكمالها فما بات في القدس تلك الليلة وسافر إلى بلده وكان جمال الدين المذكور يحب والدي محبة شديدة وله صحبة مع الشيخ عبد الله.
وحكى والدي رحمه الله قال أقمت بالقدس مدة زمانية وكان ثم فقير يخدمني فلم أشعر إلا بشخص قد حضروا حضر عشرة دراهم وشرع يعتذر ويسأل الصفح فقلت له ما خبرك فقال الصاحب جمال الدين أمرني أن أعطي لهذا الشخص الذي يخدمك كل يوم عشرة دراهم برسم النفقة منذ قدمتم وكل يوم يحضر يأخذها من بكرة النهار فلما كان في هذا اليوم حضر وما معي دراهم فخاصمني وقال أنه يشكوني إلى جمال الدين فقلت له طيب قلبك ما عليك بأس وإذا عاد إليك يطلب منك شيئاً لا تعطه وقل له أنني أمرتك بذلك فأخذ الدراهم العشرة وراح وحضر ذلك الفقير عندي فلم أقل له شيئاً وعاد إلى ذلك الشخص يطلب منه الدراهم فأخبره أنه قال لي وأنني أمرته أن لا يعطيه شيئاً فسافر الفقير لوقته من القدس فكان آخر العهد به وحضر جمال الدين
فقال لمن تأمر بقبض تلك النفقة قد كفى ما تفضلت والله لا عدت تناولت منه شيئاً فتألم لذلك فلاطفته إلى أن طاب خاطره بقطعها.
وكان لوالدي رحمه الله ابن عم يدعى إدريس وكان مشوه الخلق زري الشكل ليس له قوت إلا ما يعطيه والدي فركب والدي والملك الصالح إسماعيل إلى ظاهر البلد فصادفه داخلاً من قرية يونين إلى المدينة فحين رأهم تنكب الطريق وأبعد فطلبه والدي وسلم عليه ورحب به وسأله عن حاله وقال للملك الصالح هذا ابن عمي ولولا شرف العلم والتقوى لكنت مثله فتعجب الملك الصالح من ذلك وعظم في صدره وقال والدي رحمه الله مرضت في حال شبابي بذات الجنب والشقيقة ونالني من ذلك شدة عظيمة فدخل علي فقيران عاداني وسألاني عما أجد فأخبرتهما فقال أحدهما لصاحبه اختر أحد المرضين وأنا الآخر فقال أنا أحمل عنه ذات الجنب وقال صاحبه وأنا أحمل الشقيقة فتلبس كل واحد منهما لوقته بالمرض الذي اختاره وبرئت أنا بالكلية لوقتي فأما الذي أصابه ذات الجنب فبقي أياماً ومات رحمه الله وأما صاحب الشقيقة فبقي مدة وعوفى.
وحكى لي العماد محمد بن عوضة رحمه الله ما معناه أنه قال كنت يوماً في خدمة سيدي الشيخ بجامع دمشق وقد أحضر شخص له دارهم قريب ثلاثمائة درهم من ضمان بستان كان له بدمشق فأخذتها وجعلتها
تحت طرف السجادة فمر في صحن الجامع رجل أعمى فقال لي يا عماد خذ هذه الدراهم أعطها لهذا الرجل فأخذت الدراهم وقمت إلى الأعمى ودفعتها إليه وجعلتها في مئزره فدعا لي وتوهم أنها فلوس فقلت له هذه الدراهم فاضطرب من السرور إلى أن كادت تسقط منه فقلت له هذه سيرها لك الشيخ الفقيه فدعا وانصرف ثم أن شخصاً أهدى للشيخ ثوب صوف نادر المثل فسألته أن أخيطه له ففصلته وخيطته وتأنقت فيه وأحضرته إليه وهو بجامع دمشق فلبسه وصلى فيه ركعتين وقعد وهو على أكتافه وذلك الأعمى مار في الجامع فقال لي يا عماد خذ هذه الفرجية أعطها لهذا الرجل ففعلت ذلك قال ثم كنت عنده يوماً آخر وذلك الأعمى عابر فأعطاني شيئاً له جنب وقال أعطه إياه فأعطيته ذلك وبقيت متعجباً من تخصيصه بذلك فلما رأيته منشرحاً سألته عن سبب ذلك فقال جئت مرة من جبل الصالحية ودخلت من باب الفراديس وأنا محتاج إلى الخلاء فدخلت الطهارة التي بين البابين عند الأزبهارية وقضيت حاجتي واغترفت غرفة من الجرن استعملتها ثم تأملت الجرن فوجدت فيه بعر فأر والماء مقطوع فورد علي ما ضيق صدري وكان هذا الرجل يسكن في المجاهدية وما كف بصره فلم أشعر به إلا وقد فتح علي باب بيت الطهارة وناولني إبريقاً مملوؤاً ماء من النهر فسررت بذلك وتطهرت بالماء وخرجت وأعطيته الإبريق ولم يكن لي في ذلك الوقت ما أعطيه فأنا لا أراه وعندي ما يمكنني أن أبره به إلا بررته مجازاة لفعله.
قال العماد فعجبت من هذه المكارم والمجازاة على ما أيسر شيء بمثل هذا، فكان والدي رحمه الله يبالغ في مجازاة من يخدمه ولو بايسر شيء بما يمكنه ولا يرى أنه وفي ذلك الشخص حقه.
وسمعته رحمه الله يحكي أن الشيخ عبد الله نزل دمشق وأقام بالربوة والملك العادل غائب عن دمشق ونائبه بها المعتمد رحمه الله فجعل نساء الملك العادل وبناته وإخواته يترددن إلى زيارة الشيخ وكثر ذلك ولا يقدر المعتمد على منعهن وخشي من الملك العادل وأن ذلك يبلغه فينكر عليه تمكينهن فحضر إلى عندي وكان صديقي وهو من أصحاب الشيخ ومحبيه وعرفني الصورة وطلب مني أن أحسن للشيخ السفر فوعدته بذلك هذا والشيخ في الطهارة وقام المعتمد ركب ودخل البلد وخرج الشيخ فتوضأ للصلاة وصلى ركعتين ولبس الجمجم وقال تم بنا وسافر لوقته ولم أحدثه بشيء مما قال المعتمد وكان عادة المعتمد أن يسير للشيخ في كل سنة فرجية قرض يصلي بها في الشتاء وتوهم المعتمد أن سفر الشيخ كان لقوله فكتب إلي يسألني أن أطيب قلب الشيخ عليه وسير الفرجية القرض فأحضرتها عند الشيخ وقلت يا سيدي المبارز المعتمد يقبل يدك وقد سير هذه الفرجية فقال يا محمد أنا إذا أحسن الشخص علي في العمر مرة واحدة وأساء بقية عمره ما أراه إلا محسناً وهذا المعتمد عمره يخدمني وقد أخطأ مرة واحدة وعرفني أن طيب القلب عليه أو ما هذا معناه.
حدثني الشمس محمد بن داود رحمه الله ما معناه قال وجدت ابن الشهاب على النهر ببعلبك وهو يشتم الشيخ شتماً قبيحاً وطلعت إلى القلعة ووجدت الملك الأمجد في شباك مجلس السماط فحين رآني من بعيد طلبني فحكيت له الصورة فسير جندارية وأمرهم بإحضاره ورميه في الجب إلى بكرة النهار يوقع فيه الفعل ويشهره فأحضروه عند غلوق باب القلعة وحبسوه وحكيت للشيخ رحمه الله فخاصمني وأنكر فعلي وسير فتوح الباب إلى الملك الأمجد وطلب منه إطلاقه وأنه لا يتعرض إليه بأذية وأكد في ذلك فتألمت أنا والجماعة لذلك وظهر علينا الأذى وشرعنا نعدد ما صدر منه غير مرة وأنه يستحق غاية العقوبة والنكال فقال صدقتم وإنما له والدة عجوز ما آذتني ومتى فعل به شيء مما قلتم تألمت فأنا أترك مقابلته لذلك.
دخل على الملك المعظم شرف الدين عيسى بن الملك العادل رحمهما الله تعالى الشيخ جمال الدين بن الحافظ المقدسي رحمه الله وبيد الملك المعظم مجلد فيه أحاديث غير معزوة فقال له أشتهي أن تعزي هذه الأحاديث إلى الكتب الصحاح وتعين ما اتفق عليه وما وقع لبعض المصنفين دون بعض ويكون ذلك بسرعة فقال له هذا يحتاج إلى مدة ويكشف من الأطراف وغيرها وأقل ما يكون ذلك في شهرين فاستطال المدة ودخل عليه في إثر ذلك الشيخ شمس الدين سبط ابن
الجوزي رحمه الله وهم في الحديث فقال للملك المعظم تعطيني هذا الكتاب والمقصود يحصل في عشرة أسام فأعطاه الكتاب فركب من وقته وحضر إلى بعلبك واجتمع بوالدي وقال له أشتهي أن تعزو هذه الأحاديث فأخذ الكتاب منه وعزاها على ما اقترح المعظم في مدة ثلاثة أيام وعثر على ألفاظ سقطت فألحقها بخطه وكان ذلك المجلد في نهاية حسن الخط، فلما فرغ منه أخذه الشيخ شمس الدين وعاد به إلى دمشق وحمله إلى الملك المعظم فسر بذلك وأثنى على الشيخ شمس الدين وفضيلته فلما عاد وحضر عنده الشيخ جمال الدين بن الحافظ عرفه أن الشيخ شمس الدين عزا تلك الأحاديث في مدة يسيرة وأوقفه على المجلد فتعجب من ذلك لأن الحديث لم يكن في الشيخ شمس الدين وتصفح المجلد فوجد تلك الإلحاقات التي بخط والدي فقال إنما عزا هذه الأحاديث الشيخ الفقيه اليونيني فقال وكيف صنع قال هو يحفظ هذه الأحاديث جميعها ويعرف مظانها فما يتعذر عليه ذلك وهذا خطه فقال اشتهى أن اجتمع به فقال ما يفعل يجئ إلى هنا.
وكان والدي رحمه الله لا يتناول من وقف شيئاً ولا يقبل بر أحد ولا أكل في عمره صدقة ولا ما يجري مجراها وكان يقبل الهدية من بعض الناس ممن يتيقن حل ما له ويكافي عليها، وحدثني أخي أبو الحسن علي رحمه الله أن والده رحمه الله أخبره قبل وفاته أنه من ذرية
جعفر الصادق بن محمد الباقر رضي الله عنهما وإنما أخبره بذلك ليعلم ما يحرم عليه من الصدقة وما يترتب على ذلك وكان لا يصرح بذلك وإنما أظهره قبل وفاته لولده خاصة لهذا المعنى والله أعلم، ووقفت على ورقة بخط أخي رحمه الله يذكر فيها نسبه ومن مضمونها محمد بن أبي الحسين أحمد بن عبد الله بن عيسى بن أحمد بن علي بن محمد بن محمد ابن أحمد بن محمد بن الحسين بن إسحاق بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن زين العابدين علي بن الحسين شهيد كربلا بن علي المرتضى أمير المؤمنين رضي الله عنهم أجمعين ابن أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب ابن هاشم بن عبد مناف وذكره الحافظ عز الدين عمر بن الحاجب الأميني رحمه الله في معجمه فقال محمد بن أبي الحسين بن عبد الله بن عيسى بن أبي الرجال الشيخ الفقيه الزاهد يكنى أبا عبد الله أصله ومولده بقرية يونين قرية من بعلبك وترعرع ونشأ في ستر وسلامة وصحب الشيخ الزاهد عبد الله اليونيني وأظنه نسيبه وتتلمذ له وعرف بصحبته واختص بخدمته وعادت أنوار الشيخ وبركته عليه وتخلق بأخلاقه وقرأ واشتغل بالفقه والحديث وغيرهما إلى أن صار إماماً عالماً حافظاً ثقة زاهداً ورعاً وقوراً وصار متقدم الطائفة وسالك الطريقة ولم ير في زمانه مثل نفسه في كماله وبراعته جمع بين علمي الشريعة والحقيقة وكان مليح الشيبه فصيح اللهجة حسن الوجه والشكل ظريف الشمائل مليح الحركات
والسكنات له القبول التام في تلك الديار حميد المساعي والآثار وله الصيت المشهور والأفضال على المنتابين وكان من المقبولين المعظمين عند الملوك لكماله وفضله وحسن سيرته حسن الخلق والخلق نفاعاً للخلق مطرحاً للتكلف كريم النفس بشوش الوجه وكان من جملة محفوظاته الجمع بين الصحيحين للحميدي وغيره مليح الخط وذكر غير ذلك، ثم قال حكى لي الشيخ الفقيه رحمه الله تعالى قال مكثت مدة أريد أن أسأل شيخنا الإمام العلامة موفق الدين بن قدامة رحمه الله عما يقال عن الحنابلة في التشبيه والتجسيم هل هو مجرد شناعة أو قال به بعضهم فحصلت به الشناعة على الجميع أو هو شيء يخفيه المشايخ فلا يظهره إلا لمن يثق إليه إلى أن صعدت معه إلى جبل قاسيون وخلت الطريق وهو بين يدي وأنا خلفه فقلت الآن أسأله عما في نفسي فقلت يا سيدي وما زدت على ذلك فالتفت إلي وقال التشبيه مستحيل فقلت لم قال لأن من شرط التشبيه أن ترى الشيء ثم تشبهه من الذي رأى الله تعالى ثم شبهه لنا.
قال وحكى لي أيضاً قال حضرت مجلس شيخي عبد الله اليونيني رحمه الله وقد سأله ابن خاله حميد بن برق فقال زوجتي حامل إن جاءت بولد ما اسميه قال سم الواحد سليمان والآخر داود فأتت زوجته بتوأم فسمى الواحد سلميان والآخر داود قال وأنشدنا لنفسه:
خذ مليك الناس قولاً شافياً
…
شافياً قولاً مليك الناس خذ
؟ لذ بباب الله صباً مغرماً مغرماً صباً بباب الله لذ
إذ شباب المرء ظل زائل
…
زائلاً ظل شاب المرء إذ
قال وحكى لي أيضاً أنه حفظ صحيح مسلم جميعه وكرر عليه في أربعة أشهر وكان يكرر على الجمع بين الصحيحين وأكثر مسند الإمام أحمد رضي الله عنه من حفظه وأنه كان في الجلسة الواحدة يحفظ ما يزيد على السبعين حديثاً، انتهى ما نقلته مختصراً من معجم الأميني رحمه الله وأورد له الشيخ عز الدين أحمد بن علي بن معقل الأزدي المهلبي رحمه الله أبياتاً في الروضة في وصف بعلبك وكان نظمها في أيام الشبيبة من أولها:
لله بلدة بعلبك بقعة
…
رق النسيم بها وراق الماء
فتغردت أطيارها وتمايدت
…
أشجارها وامتدت الأفياء
فالجو صاف والنسيم معطر
…
والماء ناف ما جناه غذاء
طابت مآكلها وقد طابت بها
…
أمواههاً والترب والأهواء
؟ صحت جسوم رجالها وثمارها فتولدت عنها قوى وذكاء
من أبيات، ووقفت على جزء ألفه بعض المقادسة جمع فيه شيئاً من أحوال الشيخ عبد الله الكبير اليونيني وذكر بعض أصحابه وذكر والدي رحمه الله وذكر بعض مضمون ما تقدم فلم أذكره للاستغناء عن إعادته وذكرت مختصراً بعض ما لم أذكره في هذه الأوراق. قال ومنهم يعني