المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌فيها درج إلى رحمة الله تعالى الإمام المستنصر بالله - ذيل مرآة الزمان - جـ ٢

[اليونيني، أبو الفتح]

فهرس الكتاب

- ‌ذكر سلطنة الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البند قداري

- ‌ ذكر دخول التتر إلى الشام

- ‌ واندفاع عسكر حلب وحماة بين أيديهم

- ‌فصل

- ‌ذكر بدايته

- ‌نبذة من كراماته

- ‌ ذكر قطبيته رحمه الله

- ‌ذكر أدب الملوك والوزراء بين يديه

- ‌السنة التاسعة والخمسون وستمائة

- ‌متجددات الأحوال في هذه السنة

- ‌ذكر انتزاع دمشق من يد الأمير علم الدين الحلبي

- ‌ذكر نزوح التتار عن حلب وما حدث بعد نزوحهم

- ‌ذكر وصول المستنصر بالله إلى القاهرة ومبايعته

- ‌باب في مبايعته

- ‌نسخة التقليد

- ‌ذكر ولاية الأمير علم الدين الحلبي نيابة السلطنة بحلب

- ‌ذكر أخذ البرلي البيرة وعوده إلى حلب

- ‌ذكر وصول ولدي صاحب الموصل إلى القاهرة

- ‌ذكر توجه الخليفة والسلطان إلى الشام

- ‌ وأولاد صاحب الموصل

- ‌ذكر مصاهرة الخزندار المواصلة

- ‌ذكر وصول الخليفة والسلطان إلى

- ‌دمشق وخروج الخليفة منها

- ‌ذكر توجه الخليفة إلى العراق

- ‌ ذكر القبض على علم الدين الحلبي

- ‌ذكر خروج الأمير شمي الدين البرلي والعزيزية من دمشق على حمية

- ‌واستيلائهم على حلب

- ‌ذكر بيعة المستنصر بالله أبي القاسم أحمد بمصر

- ‌ذكر تبريز الملك الظاهر والخليفة للمسير إلى الشام

- ‌فصل

- ‌ذكر سيرة الملك الناصر

- ‌رحمه الله

- ‌السنة الستون وستمائة

- ‌ذكر عود البرلي إلى حلب وخروجه عنها

- ‌ذكر ما آل إليه أمر أولاد صاحب الموصل

- ‌بعد فراقهم المستنصر بالله

- ‌ذكر حصار الموصل

- ‌ذكر استيلاء التتر على الموصل

- ‌وقتل الملك الصالح صاحبها

- ‌ذكر رسل الملك الظاهر إلى السلطان عز الدين

- ‌صاحب الروم

- ‌ذكر الخلف الواقع بين هولاكو وبركة

- ‌فصل

- ‌فيها درج إلى رحمة الله تعالى الإمام المستنصر بالله

- ‌السنة الحادية والستون وستمائة

- ‌ذكر توجه الملك الظاهر إلى الشام

- ‌وقبضه على الملك المغيث صاحب الكرك

- ‌حرب جرت بين بركة وهولاكو

- ‌فصل وفيها توفي

- ‌السنة الثانية والستون وستمائة

- ‌متجددات السنة

- ‌ فصل

- ‌السنة الثالثة والستون وستمائة

- ‌متجددات هذه السنة

- ‌ذكر قبض الملك الظاهر على سنقر الأقرع

- ‌فصل

- ‌السنة الرابعة والستون وستمائة

- ‌مجددات الأحوال

- ‌ فصل

- ‌السنة الخامسة والستون وستمائة

- ‌متجدادت الأحوال

- ‌فصل

- ‌السنة السادسة والستون وستمائة

- ‌ذكر خلاص الأمير شمس الدين سنقر الأشقر

- ‌ذكر قطيعة قررت على بساتين دمشق

- ‌ذكر أخذ مالك بن منيف المدينة الشريفة

- ‌السنة السابعة والستون وستمائة

- ‌متجددات هذه السنة

- ‌ ذكر ما تجدد في هذه السنة من حوادث بلاد الشمال والعجم

- ‌فصل

- ‌السنة الثامنة والستون وستمائة

- ‌متجددات هذه السنة

- ‌ذكر كسرة أبغا لبرق

- ‌ذكر المصاف

- ‌فصل

- ‌السنة التاسعة والستون وستمائة

- ‌متجدادت الأحوال

- ‌ذكر دخول آجاي بن هولاكو وصمغرا

- ‌صحبته إلى بلاد الروم

- ‌فصل

- ‌السنة السبعون وستمائة

- ‌متجددات هذه السنة

- ‌ذكر توجه الملك الظاهر إلى حلب

- ‌ذكر وصول رسل التتر إلى الملك الظاهر

- ‌فصل

الفصل: ‌فيها درج إلى رحمة الله تعالى الإمام المستنصر بالله

حسن بن ثابت من جهة رضي الدين أبي المعالي ونجم الدين إسماعيل بن الشعراني المستوليين على حصون الإسماعيلية بالبلاد الشامية برسالة تتضمن طلب أملاك الدعوة في الديار المصرية والبلاد الشامية وطلب الإقطاعات المعروفة بهم وعلى يده هدية كجاري العادة وأحضر أيضاً السكين والثوب والأمان إلى بين يدي الملك الظاهر فأجابه إلى جميع مطلوبه وقال له قد ثبت عندي أنك من أكابر أمراء الجبل وقد بلغني أن رضي الدين قد مات وقد اخترت أن أجعلك نائباً عني في سائر حصون الدعوة وتكون في مقام الرضي فأجابه إلى ذلك وكتب له الملك الظاهر تقليداً فأخذه وعاد إلى الحصون فوجد رضي الدين مريضاً فكتم الحال إلى أن توفي الرضي في أواخر هذه السنة فأظهر التقليد وقرأه على أهله وأقاربه بحصن الكهف وعرف به ابن الشعراني فما أمكنه إلا موافقته فخالفه جمال الدين واتفق معه وفي العين قذى وسمع صارم الدين مبارك ولد رضي الدين بذلك فعصى عليهما في قلعة العليقة.

‌فصل

‌فيها درج إلى رحمة الله تعالى الإمام المستنصر بالله

أبو القاسم أحمد أمير المؤمنين ابن الإمام الظاهر بأمر الله أبي نصر محمد بن الناصر لدين الله أبي العباس أحمد وبقية نسبه إلى العباس بن

ص: 163

عبد المطلب رضي الله عنه مذكور في ترجمة ابن أخيه المستعصم بالله رحمه الله في سنة ست وخمسين وستمائة فلا حاجة إلى إعادته.

وقد ذكرنا قدومه إلى الديار المصرية وثبوت نسبه ومبايعته وتجهيز الملك الظاهر له ووصلوه إلى العراق وملتقاه عسكر التتار وكسرهم لعسكره في حوادث السنة الخالية وإن كان المصاف الذي فقد فيه وقع في هذه السنة لكن ذكرته هناك لارتباط الحديث واتصاله وكان المستنصر بالله شجاعاً بطلاً مقداماً جواداً ممدحاً حسن الطريقة محمود السيرة قاتل يوم المصاف قتالاً شديداً وأبلى بلاء حسناً وفقد فلم يطلع له على خبر ولا ذكر أحد أنه رآه بعد المصاف وظاهر أمره والله أعلم أنه استشهد إلى رحمة الله تعالى في المصاف ولحق بربه على الوجه الحسن رحمه الله وكان المصاف في ثالث المحرم من هذه السنة وقد ذكرناه ومدة خلافته خمسة أشهر وعشرون يوماً لأنه بويع له في ثالث عشر رجب سنة تسع وخمسين.

إسماعيل بن لؤلؤ بن عبد الله الملك الصالح ركن الدين بن الملك الرحيم بدر الدين صاحب الموصل قد ذكرنا وفوده على الملك الظاهر وعوده صحبة الخليفة المستنصر بالله ومفاقته له وتوجه إلى بلاده ولما فرغ التتر من أمر الخليفة المستنصر بالله حصروه في هذه السنة بالموصل وضيقوا عليه إلى أن ظفروا به على ما تقدم شرحه فقتلوا ولده قبله بأيام ثم قتلوه في ذي القعدة وهم متوجهون إلى أردو هولاكو في طريقهم رحمه الله وكان ملكاً عادلاً لين الجانب لم يكن على طريقة والده في السفك

ص: 164

والقطع وما كان يسلكه من ذلك ورزقه الله تعالى الشهادة على أيدي التتر.

بلبان بن عبد الله سيف الدين الزرد كاش كان من أعيان الأمراء بالشام وكان الأمير علاء الدين طيبرس الوزيري رحمه الله نائب السلطنة بالشام إذا غاب عن دمشق في بعض المهمات استنابه عنه في دار العدل ونيابة السلطنة لكبر قدره ولما يعلم من سداده وحسن طريقته وكان ديناً خيراً يحب العدل والصلاح وتوفي بدمشق في ثامن ذي الحجة رحمه الله.

الحسن بن محمد بن أحمد بن نجا الغنوي أبو محمد الضرير الأربلي المنشأ والملقب بالعز المشهور بعدم الدين والزندقة كان فاضلاً في العربية والنحو والأدب وعلوم الأوائل منقطعاً في منزله يتردد إليه من يشتغل عليه في تلك العلوم التي يعرفها فيتردد إليه جماعة من المسلمين وأرباب العقائد المفسودة واليهود والنصارى والسامرة وكان يصدر منه من الأقوال ما يشعر بانحلاله وفساد عقيدته ولم يكن يصلي ولا يفعل شيئاً من الفرائض فيما قيل عنه واشتهر وله مع ذلك حرمة وافرة عند كثير من الناس وإذا حضر إليه بعض الأكابر لا يعتني بهم ولا يوفيهم حقهم ويهينهم بالقول وفيما يعاملهم به وهم مع ذلك لا يرجعون عن التردد إليه وابتلى مع العمى بطلوعات وقروح في بدنه وكان قذرا زري الشكل قبيح المنظر لا يتوقى النجاسات لكنه كان ذكياً جيد الذهن

ص: 165

حسن المحاضرة بالحكايات والنوادر والأشعار وعلى ذهنه من ذلك شيء كثير وله نظم جيد ولما ورد قاضي القضاة شمس الدين ابن خلكان رحمه الله إلى دمشق في أواخر السنة الخالية ذهب إليه للبلدية وللفضيلة فيم ينصفه وعامله بما كان يعامله في حال صغر سن القاضي شمس الدين وقبل ترقيه بالعلوم والفضائل التي بذ بها الأقران وتوليه المناصب الجليلة فأهمله القاضي شمس الدين بالكلية ولم يعد إليه لنفسه الأبية وشرفها وكانت وفاة العز الضرير في أواخر ربيع الآخر بدمشق ودفن بسفح قاسيون قال عماد الدين الخضر بن دبوقا رحمه الله أنشدني العز الضرير لنفسه:

توهم واشينا بليل مزاره

فهم ليسعى بيننا بالتباعد

فعانقته حتى اتحدنا تعانقاً

فلما أتانا ما رأى غير واحد

وقال العماد أنشدني أيضاً لبعضهم:

اصبر إذا نازلة أقبلت

فهي سواء والتي ولت

وأرهف العزم فليس الظبي

تفري وتبري كالتي كلت

وأنشدني الفقيه عز الدين أحمد الأربلي للعز الضرير المذكور:

لو كان لي الصبر من الأنصار

ما كان عليك هتكت أستاري

ما ضرك يا أسمر لو كنت لنا

في دهرك ليلة من السمار

وأنشدني الأمير عز الدين محمد بن أبي الهيجاء رحمه الله للعز الضرير:

لو يسعدني على هواه صبري

ما كنت ألذ فيه هتك الستر

حرمت على السمع سوى ذكرهم

ما لي سمر غير حديث السعر

وأنشدني أيضاً له:

ص: 166

إن أجف تكلفاً وفى لي طبعاً

أو خنت عهوده عهودي يرعى

يبغي لي في ذاك دوام الأسر

هذا ضرير يحسبه لي نفا

قال ومولد العز بقرية يقال لها أفشا من أعمال نصيبين في سنة ست وثمانين وخمسمائة وكان عالماً بالنحو والأدب والفقه والخلاف والأصولين والمنطق والطبيعي والألاهي والمجسطي وشعره منحط عن فضيلته أقام بإربل مدة طويلة واشتغل بها على الشيخ شرف الدين المذكور بالحكميات ثم انتقل إلى الموصل ثم سافر إلى الشام سنة أربع وعشرين وستمائة وتصدر لقراءة العلوم والحكميات والأدبيات والأصولين والخلاف وكان حسن الأخلاق طيب العشرة لا تمل مفاكهته ولما أنشدت بيتيه المشهورة: توهم واشينا بليل مزاره، بحضرة الملك الناصر صلاح الدين يوسف رحمه الله استحسن الحاضرون ما أشار إليه من ضيق العناق وشدته فقال الملك الناصر لا تلوموه بزمه لزوم أعمى فلما بلغ العز قول الملك الناصر قال والله هذا الكلام أحلى من شعري وقد ألم غرس الدين أبو بكر الأربلي تلميذ العز بهذا المعنى فقال:

هم الرقيب ليسعى في تفرقنا

ليلاً وقد بات من أهواه معتنقي

عانقته فاتحدنا والرقيب أتى

فمذ رأى واحداً ولى على حنق

ص: 167

وحكى لي الأمير عز الدين محمد بن أبي الهيجاء رحمه الله ما معناه قال لازمت العز الضرير بوم وفاته فقال اشتهى آكل أرزاً بلبن فقال له الكمال الحكيم رحمه وابن القف ما يوافق فقال هذه البنية التي لي قد تحللت وما بقي يرجى بقاؤها فدعوني آكل ما أشتهي فعمل له ذلك وأكل منه ولما أحس بشروع خروج الروح منه قال قد خرجت الروح من رجلي ثم قال قد وصلت إلى صدري فلما أراد المفارقة بالكية تلا: " ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير "، صدق اله العظيم وكذب ابن سينا كذب ثم خرجت روحه وكان هذا آخر كلامه قال الأمير عز الدين فحكيت ذلك فيما بعد للشيخ شمس الدين المقدسي الحنبلي رحمه الله فسر له وقال فرحتني بذلك وحكى لي الأمير عز الدين أن العز كان يصرح بتفضيل على رضوان الله عليه على الثلاثة الخفاء مع المبالغة في تعظيمهم رضي الله عنهم أجمعين وللعز يمدح عز الدين أحمد بن معقل:

علا الحبر عز الدين في العلم والندى

على قومه مع فضلهم وعلى مضر

عرفنا به كيف الطريق إلى العلا

وأنسى عظيم الخبر من أمره الخبر

إذا كان بيت في القصيدة غرة

فأشعار عز الدين أجمعها غرر

هو البحر فاق الدر نظم قريضه

ولا عجب للبحر إن قذف الدر

أملي علي نسب العز على هذه الصورة الأمير عز الدين محمد بن أبي الهيجاء رحمه الله، ثم رأيت بخط الشيخ تاج الدين عبد الرحمن برحمة الله قصائد عدة منسوبة إليه وكتب في أولها للشيخ عز الدين الحسن بن علي النصيبيني.

ص: 168

ورأيت أيضاً بخط الشيخ نجم الدين أمد بن صصرى أيده الله وقد كتب شعراً منسوباً إليه وقال في أوله للشيخ عز الدين الحسن بن علي النصيبيني المكفوف والله أعلم.

وحكى لي نجم الدين موسى الشقراوي ما معناه أن العز الضرير حدثه أنه كان في مجلس سيف الدين الآمدي وهناك جماعة من العلماء منهم الشيخ عز الدين ابن عبد السلام رحمه الله فجري البحث في الإمامة ومن الشيخ عز الدين ابن عبد السلام رحمه الله فجرى البحث في الإمامة ومن الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بعض الحاضرين قد روى أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه بايع لأبي بكر رضي الله عنه مكرهاً وإن أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنه قال له بايع وإلا قتلت فالتفت على رضى الله عنه إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: " يا ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني " قال العز فبكى السيف الآمدي فقال له ابن عبد السلام هذا لم يجر وليس بصحيح وإنما هو من اختلاق الرافضة، فقال سيف الدين الآمدي ما قلت أنه صحيح وإنما وقع في خاطري شيء أبكاني قال العز فقلت للسيف يا مولانا قد احتملوك أهل دمشق على الكفر والزندقة تريد انهم يحتملوك على محبة أهل البيت هذا ما يصير، وكان للعز المذكور هجو خبيث فمنه، في العماد بن أبي زهران:

تعمم بالظرف من ظرفه

وقام خطيباً لندمانه

ص: 169

وقال السلام على من زنى

ولاط وقاد لإخوانه

فردوا جميعاً عليه السلام

وكل يترجم عن شأنه

وقال يجوز التداوي بها

وكل عليل بأشجانه

فأفتى بحل الزنى واللوا

ط فقيه الزمان ابن زهرانه

وله في العماد المذكور وكان يلقب أولاً بالشجاع فلما تفقه لقب بالعماد فقال:

شجاع الدين عمدتا

فهلا كنت شمسنا

خطيباً قمت سكراناً

وبالزكوة عممتا

ومن أبيات، وللعز يهجو مجد الدين الروذراوري رحمه الله تعالى:

الروذراوري تلعنونه

وما أتى في زعمه ببدعه

هل نال الإجازة في حجرها

في رمضان الظهر يوم الجمعة

الخضر بن أبي بكر بن أمد أبو العباس كمال الدين الكردي قاضي المقس كان الملك المعز عز الدين أيبك التركماني رحمه الله قد قربه وأدناه في زمن سلطنته فعلق به حب الرياسة والتقدم عند الملوك وكان عنده أقدام وهوج وقلة فكر في العواقب فصنع خاتماً وجعل تحت فصه ورقة لطيفة فيها أسماء جماعة ممن قصد أذاهم وإن عندهم ودائع لشرف الدين الفائزي وأظهر أن ذلك الخاتم كان لشرف الدين المذكور

ص: 170

وأنه جعل تلك الورقة فيه تذكرة بما له من الودائع ورام بذلك التقرب إلى السلطان وضرر أولئك القوم لإحن قديمة بينه وبينهم وأظهر ذلك الخاتم وجرى في أمره خطوباً آخرها أنه اتضح أمره فأهين الكمال وصفع فقال فيه بعض الأدباء:

ما وفق الكمال في أفعاله

كلا ولا سدد في أقواله

يقول من أبصره يصك تأ

ديباً على ما كان من محاله

قد كان مكتوباً على جبينه

فقلت لا بل كان في قذاله

ثم حبس وكان في الحبس شخص يدعى أنه ولد الأمير الغريب وكان ورد إلى إربل في أيام الإمام الناصر شخص يسمى الأمير الغريب ويزعم أنه ولد الإمام الناصر ثم توفي في سنة أربع عشرة وستمائة فادعى هذا الشخص أنه ولده وكانت الشهرزورية أرادت مبايعته بغزة فلما تبدد شملهم للأسباب التي تقدم شرحها من استيلاء التتر على الشام وغير ذلك أمسك هذا الشخص العباسي واعتقل فلما اعتقل الكمال معه وجمعهما الحبس تحدث الكمال معه على أن يسعى له في إتمام ذلك الأمر الذي كان الشهرزورية راموا فعله ويكون الكمال وزيره فاتفق موت العباسي، فلما خرج الكمال سعى في إتمام الأمر لابنه وتحدث في ذلك مع جماعة من الأعيان وغيرهم وكتب مناشير وتواقيع واتخذ بنود أشعار الدولة فنمى الخبر إلى الملك الظاهر وكان وزيره الصاحب بهاء الدين وقاضي قضاة الديار المصرية تاج الدين عبد الوهاب وله المكانة العلية والوجاهة العظيمة والكلمة المسموعة وكلاهما من أشد الناس

ص: 171

عداوة وبغضاً للكمال لذاته وتوثبه ولكونه من أصحاب القاضي بدر الدين السنجاري والمعروفين به فحصل التحريض عليه فشنق بالديار المصرية والتواقيع والبنود معلقة في عنقه، وذلك في ثامن عشر جمادى الآخرة من هذه السنة رحمه الله.

عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن بن محمد بن المهذب أبو محمد عز الدين السلمي الدمشقي الشافعي الإمام الفقيه العلامة شيخ الإسلام ومولده سنة سبع أو ثمان وسبعين وخمسمائة، حضر أبا الحسين أحمد بن حمزة بن الموازيني وأبا طاهر الخشوعي وسمع من الحافظ أبي محمد القاسم بن علي الدمشقي وابن طبرزد وحنبل وعبد الصمد بن الحرستاني وغيرهم وحدث ودرس في عدة مدارس بالشام والديار المصرية وأفتى سنين متطاولة وكانت الفتاوى تأتيه من الأقطار وكان في آخر عمره لا يتقيد في فتاويه بما يقتضيه مذهب الإمام الشافعي رحمة الله عليه بل يفتي بما يؤدي إليه اجتهاده ويترجح عنده بالدليل، وصنف التصانيف المفيدة النافعة وتولى الحكم بمصر والوجه القبلي مدة مع الخطابة بجامعها العتيق وكان ولي الخطابة بجامع دمشق مدة وكان علم عصره في العلم جامعاً لفنون متعددة عارفاً بالأصول والفروع والعربية والتفسير معاً جبل عليه من ترك التكلف والصلابة في الدين ولما كان مباشراً للخطابة والإمامة بجامع دمشق سلم الملك الصالح عماد الدين رحمه الله إلى الفرنج صفد والشقيف سنة تسع وثلاثين

ص: 172

وهما من الفتوحات الصلاحية ليعتضد بهم فأنكر الشيخ عز الدين هذا الفعل غاية الإنكار وبسط لسانه بالقول ووافقه على ذلك الشيخ جمال الدين أبو عمرو بن الحاجب المالكي رحمه الله وكن كبير القدر أيضاً في العلم والدين وبلغ الملك الصالح عماد الدين إنهما ينالان منه بسبب ذلك فغضب غضباً شديداً ففارقا دمشق فمضى الشيخ جمال الدين إلى الكرك فأقام عند الملك الناصر داود رحمه الله مدة فأقبل عليه وأحسن إليه ثم سافر إلى الديار المصرية وأقام بها إلى أن مات رحمه الله وأما الشيخ عز الدين فمضى إلى الديار المصرية فأقبل عليه الملك الصالح نجم الدين غاية الإقبال لفضيلته وديانته ومكانته ولتشنيته على عمه الملك الصالح عماد الدين واتفقت وفاة القاضي شرف الدين بن عين الدولة قاضي القاهرة والوجه البحري فنقل الملك الصالح القاضي بدر الدين إلى القاهرة وما معها وولاه قضاءها وولى الشيخ عز الدين القضاء لمصر والوجه القبلي مع الخطابة بجامع مصر وبقي على ذلك مدة واتفق أن بعض غلمان الصاحب معين الدين بن شيخ الشيوخ وزير الملك الصالح نجم الدين بنى على سطح بعض المساجد بمصر بنياناً وجعل فيه طبلخاناة معين الدين وبلغ ذلك الشيخ عز الدين فأنكره ومضى بنفسه وأولاده فهدم ذلك البناء وأمر بنقل ما على سطح ذلك المسجد وتفريغه مما فيه وعلم الشيخ

ص: 173

عز الدين أن ذلك يغضب الملك الصالح ووزيره فأحضر شهوداً وأشهدهم على نفسه أنه قد اسقط عدالة معين الدين وأنه قد عزل نفيه عن القضاء بمصر وما معهما فعظم ذلك على الملك الصالح وأبقى نواب الشيخ عز الدين فقيل للملك الصلاح إن لم تعزله عن الخطابة فربما يبدو منه تشنيع على المنبر كما فعل بدمشق لما سلم الملك الصالح عماد الدين صفد والشقيف فعزله عن الخطابة فأقام في بيته بالقاهرة يشغل الناس بالعلم وقال الأمير حسام الدين ابن أبي علي رحمه الله كان عندي شهادة تتعلق بالملك الصالح نجم الدين فقال لي السلطان والشيخ عز الدين متولي القضاء بمصر تؤدي الشهادة عنده فقلت يا خوند ما يقبل شهادتي فألح علي فقلت يا خوند خذ لي منه دستوراً فبعث إلى الشيخ عز الدين في ذلك فقال ما أقبل له شهادة فتوقفت القضية إلى أن ولي القاضي بدر الدين السنجاري فذهبت إليه فتلقاني إلى الباب فشهدت عنده فقبل الشهادة وانقضى الشغل فكان الشيخ عز الدين رحمه الله لا يحابي أحداً في الحق ولما حضرته الوفاة سير إليه الملك الظاهر رحمه الله يفتقده ويقول له من تختار أن يتولى مناصبك من أولادك فقال ما في أولادي من يصلح لشيء من ذلك وهذه المدرسة يعني مدرسة الملك الصالح التي بين القصرين يصلح لتدريسها القاضي تاج الدين عبد الوهاب يعني ابن بنت الأعز ففوضت إليه بعده وكان بالديار المصرية رجل يعرف بالمبارز العارونة وهو كثير المال وكان يكثر التردد إلى الشيخ عز الدين وهو صاحبه فحكى للشيخ عز الدين

ص: 174

عقيب كسرة المنصورة الأخيرة وكان قد صودر قبل ذلك على قريب خمسين ألف درهم قال صودرت على ذلك المبلغ فما مضى إلا مدة يسيرة حتى كانت وقعة المنصور فحصلت من مكاسبها قريب خمسين ألف دينار فقال له الشيخ عز الدين هذا المبلغ في ذمتك لأن الغنائم لم

تخمس ولا قسمت على الوجه الشرعي فلما مرض الشيخ عز الدين مرض الموت أشهد على نفسه أنه يشهد على إقرار المبارز بما أقربه من ذلك واتصل الأمر بالملك الظاهر فالزم المبارز بغرم ما أقربه فقال إنما شهد على شاهد واحد فقال الملك الظاهر الشاهد الذي شهد أكثر من ألف شاهد وكان الشيخ عز الدين رحمه الله معماً هو عليه من هذه الأوصاف عنده رقة حاشية ويحضر السماع ويرقص ويتواجد ويستحسن الصور الجميلة ويحاضر بالحكايات والنوادر والأشعار ويستشهد بها في مواضعها مر على دار من دور القصر بالقاهرة وهي خراب وانقاضها تنقل فأنشد متمثلاً: تخمس ولا قسمت على الوجه الشرعي فلما مرض الشيخ عز الدين مرض الموت أشهد على نفسه أنه يشهد على إقرار المبارز بما أقربه من ذلك واتصل الأمر بالملك الظاهر فالزم المبارز بغرم ما أقربه فقال إنما شهد على شاهد واحد فقال الملك الظاهر الشاهد الذي شهد أكثر من ألف شاهد وكان الشيخ عز الدين رحمه الله معماً هو عليه من هذه الأوصاف عنده رقة حاشية ويحضر السماع ويرقص ويتواجد ويستحسن الصور الجميلة ويحاضر بالحكايات والنوادر والأشعار ويستشهد بها في مواضعها مر على دار من دور القصر بالقاهرة وهي خراب وانقاضها تنقل فأنشد متمثلاً:

أهادمها شلت يمينك خلها

لمعتبر أو واقف أو مسايل

منازل قوم حدثتنا حديثهم

ولم أر أحلى من حديث المنازل

وهذا البيتان لعبد الواحد بن الفرج المعري الشاعر قالهما من جملة أربعة أبيات في قصر كان بالمعرة في محلة شيات فأمر صاحب المعرة بنقضة فاجتاز عبد الواحد بالفعلة وهم بخربونه فقال بديهاً:

ص: 175

مررت بقصر في سيات فساءني

به زجل الأحجار تحت المعاول

تناولها عبل الذراع كأنما

جرى الحرب فيما بينهم حرب وائل

فقلت له شلت يمينك خلها

البيتين المتقدمين.

توفي عبد الواحد المذكور في سنة إحدى وثمانين وأربعمائة وكانت وفاة الشيخ عز الدين رحمه الله في العاشر من جمادى الأولى بالقاهرة ودفن من الغد بسفح المقطم ونزل الملك الظاهر لشهود جنازته وكذلك سائر أرباب الدولة والجند والعوام وغيرهم ولم يتخلف عن شهود جنازته غلا القليل من الناس وشهرته تغني عن الأطناب في ذكره رحمه الله.

عبد العزيز بن يوسف بن قزأوغلى أبو محمد عز الدين الحنفي الواعظ قد أشرنا إليه في ترجمة والده الشيخ شمس الدين أبي المظفر يوسف سبط الشيخ جمال الدين ابن الجوزي رحمه الله في سنة أربع وخمسين وكان درس بعد أبيه بالمدرسة العزية ووعظ وكان فاضلاً عنده أهلية جيدة وتوفي في سلخ شهر شوال ودفن بمقبرة أبيه بسفح قاسيون رحمه الله.

عبد الوهاب بن الحسن بن محمد بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن الحسين أبو الحسن تاج الدين الدمشقي الشافعي المعروف بابن عساكر سمع الكثير من الخشوعي وابن طبرزد وحنبل وزيد والكندي وعبد الصمد الحرستاني وغيرهم وحدث بدمشق ومصر وغيرهما وتولى

ص: 176

مشيخة دار الحديث النورية وغيرهما بدمشق ومولده بدمشق ليلة عيد الفطر سنة إحدى وتسعين وخمسمائة، وكانت وفاته في حادي عشر جمادى الأولى بمكة شرفها الله ودفن بالحجون رحمه الله تعالى.

علي بن محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العباس بن الحسن بن العباس ابن الحسن بن الحسين بن علي بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب أبو الحسن بهاء الدين بن أبي الجن الحسيني نقيب الأشراف بدمشق وأعمالها، مولده ليلة الثامن عشر من شعبان سنة تسع وسبعين وخمسمائة بدمشق سمع من أبي عبد الله محمد بن علي بن صدقة وأبي الفرج يحيى بن محمود الثقفي وأبي الفوارس بن شافع وغيرهم وحدث بدمشق ومصر، وكان رئيساً جليل المقدار كريماً ممدحاً وتوفي بدمشق في ليلة الثاني والعشرين من شهر رجب ودفن بها بمنزله بدرب الديماس رحمه الله وولى النقابة بعده فخر الدين أبو محمد الحسن ابن نظام الدين أبي الحسن علي البعلبكي.

عمر بن أحمد بن هبة الله بن محمد بن هبة الله بن أحمد بن يحيى بن زهير بن هارون بن موسى بن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عامر بن أبي جرادة بن ربيعة بن خويلد بن عوف بن عامر بن عقيل أبي القاسم كمال الدين العقيلي الحلبي الفقيه الحنفي الكاتب المجيد المعروف بابن العديم مولده بحلب في العشر الأول من ذي الحجة سنة ثمان وثمانين وخمسمائة سمع من أبيه أبي الحسن وعمه ابن غانم محمد وأبي هاشم عبد المطلب

ص: 177

ابن الفضل الهاشمي وعمر بن طبرزد وأبي اليمن الكندي وأبي القاسم عبد الصمد بن محمد الحرستاني وجمعة كثرة غيرهم وحدث بالكثير في بلاد متعددة ودرس وأفنى وصنف وكان إماماً عالماً فاضلاً مفنناً في العلوم جامعاً لها أحد الرؤساء المشهورين والعلماء المذكورين وترسل إلى الخليفة والملوك مراراً كثيرة وكان له الوجاهة العظيمة والحرمة الوافرة عند الخلفاء والملوك وغيرهم وهو مع الوجاهة العظيمة والحرمة الوافرة عند الخلفاء والملوك وغيرهم وهو مع ذلك كثير التواضع ولين الجانب وحسن الملتقى والبشر لسائر الناس مع ما هو منطو عليه من الديانة الوافرة والتحري في أقواله وأفعاله، وأما خطه ففي غاية الحسن والجودة باع الناس منه شيئاً كثيراً على أنه خط علي بن هلال بن البواب الكاتب المشهور، وله معرفة بالحديث والتاريخ وأيام الناس وجمع لحلب تاريخاً كبيراً أحسن فيه ما شاء ومات وبعضه مسودة لم يبيضه ولو تكمل تبييضه كان أكثر من أربعين مجلداً، وكان حسن الظن بالفقراء والصالحين كثير البر لهم والإحسان إليهم وحضر عند الشيخ عبد الله اليونيني الكبير قدس الله روحه وطلب منه أن يلبسه خرقة فأعطاه قميصه كأنه تفرس فيه الخير والصلاح، وكانت وفاته في العشرين من جمادى الأولى بظاهر مصر ودفن من يومه بسفح المقطم رحمه الله، ولما وصل إلى الديار المصرية رسولاً في بعض سفراته إليها حمل إليه الشيخ أيدمر مولى وزير الجزيرة والمسمى فيما بعد بإبراهيم الصوفي ديوان شعره ليطالعه فتصفحه وطالعه وكتب عليه لنفسه:؟

ص: 178

وكنت أظن الترك تختص أعين لهم إن رنت بالسحر منها وأجفان

إلى أن أتاني من بديع قريضهم

قواف هي السحر الحلال وديوان

فأيقنت أن السحر أجمعه لهم

يقر لهم هاروت فيه وسحبان

فكتب إليه أيدمر يشكره ويسأله أن يكتب اسمه تحت الشعر الذي كتبه على الديوان:

لك الفضل أولى الناس بالحمد منعم

تعرف بالإحسان إذ رث عرفان

وبارقة من أفق علياك خبرت

بأن سحاب الفضل عندك هتان

انثنى على الديوان أبياتك التي

يفضل منها للبلاغة ديوان

فدلت وإن قلت على ما وراءها

كما شف عن سر الصحيفة عنوان

فلو عاينت عيناً ابن مقلة خطكم

لغض أتاه أو رنا وهو خزيان

فكيف يكون السحر فينا وعندنا

وخطك هاروت ولفظك سحبان

فيا مالك أبدي ندى كان متمماً

لتشفع من يمناك بالحسن إحسان

وتوجه والمأمور غيرك باسمك الكريم فأسماء الأكارم تيجان

يحوك الحياوشي الرياض وينجلي

وتبقى شهيداً عندها منه غدران

على أنه الصبح المنور شهرة

وليس بمطلوب على الصبح برهان

وإن أمرأً أضحى الكمال يعينه

فمن أين يعروه وحاشاه نقصان

محمد بن داود بن ياقوت الصارمي أبو عبد الله ناصر الدين كان رجلاً صالحاً فاضلاً عالماً مفيداً لطلبة الحديث باذلاً كتبه وخطه للمشتغلين

ص: 179

سمع كثيراً وكتب مجلدات وأجزاء كثيرة وطباق السماع التي بخطه من أحسن الطباق وأنورها وأصحها، وكانت وفاته بدمشق في السادس والعشرين من جمادى الآخرة ودفن بمقابر باب الصغير رحمه الله تعالى.

محمد بن عبد الحق بن خلف أبو عبد الله جمال الدين الحنبلي كان فاضلاً ظريفاً حسن الأخلاق يؤرخ الوقائع والمتجددات والوفيات ويتولى الحسبة بجبل الصالحية وكانت وفاته بالجبل المذكور ودفن به في سادس وعشرين جمادى الآخرة رحمه الله.

يوسف بن عبد اللطيف بن يوسف بن محمد بن علي بن أبي سعد أبو الفضل شرف الدين الموصلي الأصل ويعرف بابن اللباد كان فاضلاً أديباً شاعراً مترسلاً وله معرفة بالطب وتوفي يوم الجمعة خامس ذي القعدة بالقاهرة ودفن بالقرافة وهو في حدود الخمسين سنة رحمه الله ووالده موفق الدين عبد اللطيف بغدادي المولد كان عالماً بالنحو واللغة وعلم الكلام والطب ولد بدار جده بدرب الفالوذج سنة سبع وخمسين وخمسمائة وغاب عن بغداد مقدار خمس وأربعين سنة ودخلها عازماً على الحج فأدركته منيته بها في يوم الأحد ثاني عشر المحرم سنة تسع وعشرين وستمائة ودفن بالوردية، وله نحو مائتي مصنف ما بين مطول ومختصر وطاف البلاد ودخل دمشق والبيت المقدس والديار المصرية وغير ذلك رحمه الله.

ص: 180

يوسف بن يوسف بن يوسف بن يوسف بن سلامة بن إبراهيم ابن الحسن بن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن سلميان بن محمد الفأفا الزينبي بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب أبو العز وقيل أبو المحاسن محي الدين الهاشمي العباسي الموصلي المعروف بابن زيلاق مولده بالموصل قي إحدى الربيعين سنة ثلاث وستمائة وقتلوه التتر حين ملكوا الموصل بها في عاشر شعبان هذه السنة، وكان شاعراً مجيداً فاضلاً حسن المعاني رحمه الله، ومن شعره:

إني لأقضي نهاري بعدكم أسفاً

وطول ليلي بتسهيد وتعذيب

جفن قريح وقلب حشوه حرق

فمن رأى يوسفاً في حزن يعقوب

وله:

بدا لنا من جبينه قمر

يضل في ليل شعره الفكر

أحور يجلو الدجى تبسمه

أسمر يحلو بذكره السمر

حديث عهد الشباب ما حف بالريحان

ورد في خده نضر

ولا رعت مقلة نبات عذا

ريه فيحتاج عنه نعتذر

جوامع الحسن فيه كاملة

فالقلب وقف عليه والبصر

خصر كما آثر التفرق في

جسمي وثغر رضابه خصر

وقامة لدنة إذا خطرت

هان علنيا في حبها الحظر

ص: 181

وله:

أغري جفون المحب بالسهر

أغيد حالي الجفون بالحور

رخيم لفظ جاءت شمائله

بكل معنى في الحسن مبتكر

مؤنث الدل كاسر جفنه الساجي على نصل صارم ذكر

حديث عهد السباب طلعته

محية من طلائع الشعر

حياه وحدي ماء بوجنته

ما اغترفت صفوة بذا الخضر

أن يطل الفكر في توردها

فذاك والله موضع النظر

يا مالكي شافعي إليك هوى

مذهب وردي فيه بلا صدر

أفوت ليلى بالطول واشتملت

أجفان عيني به على القصر

حالين أشكو إليك بينهما

وفاء دمع وعذر مصطبر

وله:

هل أنت يا وفد الصبا مخبري

مربع أحبابي متى روضا

وهل أقام الحي من بعدنا

مخيماً بالجزع أم قوضا

وأنت يا بارق نجد إذا

أضأت جيراناً بذات الأضا

فقل لهم ذاك الغريب الذي

أمرضتموه بجفاكم قضى

حاشا لذاك الوجد أن ينقضي

وعهدنا بالخيف أن ينقضي

ويا شفاء النفس لو أنه

كان طبيب الداء من أمرضي

أحبابنا منذ وداع اللوى

لم ألق عيشاً بعدكم يرتضى

ولا رأت عيناي مذ غبتم

يوماً كأيامي بكم أيضاً

ص: 182

وله:

يفيدك جفن بمائه شرق

جار عليه البكاء والأرق

ومهجة لم تزل حشاشتها

منك بنار الجفاء تحترق

يا رشأ أصبحت محاسنه

تسلب ألبابنا وتسترق

تجمعت فيك للورى فتن

على تلاف النفوس تتفق

طرف كحيل ووجنة كسيت

حمرة دمعي ومبسم يقق

جالت علي عطفه ذوائبه

كالغصن زانت فروعه الورق

حسن أسر الصديق لي حسداً

على هواه وخان من أثق

رأوه لي جنة معجلة

ما وجدوا مثلها ولا رزقوا

فأكثروا وافتروا كأنهم

لغير قول المحال ما خلقوا

هم حسدوني عليه فاختلفوا

بكل زور إليه واختلقوا

سعوا بتفريقنا فلا اجتمعوا

على وصال يوماً ولا اتفقوا

بمن كسا وجنتيك من حلل ال

حسن رياضاً نسيمها عبق

واطلع الصبح من جبينك محفوظاً بصدغ كأنه غسق

لا تثن عطفاً إلى الوشاة فما

سلاك قلبي لكنهم عشقوا

أنت بحالي أدري وحالهم

قد وضحت في حديثنا الطرق

ص: 183

ما كنت يوماً إليك معتذراً

لو أنهم في حديثهم صدقوا

وله:

كذب الواشون قلبي ما سلا

وفؤادي من هواكم ما خلا

لا تظنوني إن طال المدى

ناسياً ذاك الغرام الأولا

لست ممن إن نأت دار به

أسخط الشوق وأرضى العذلا

يا ولاة الحسن ما آن لمن

جار في عشاقه أن يعدلا

أخذ الإشراق عن بدر الدجى

وروى النفرة عن ظبي الفلا

أي شهد ريقه لو يجتني

وهلال وجهه لو يجتلي

يحمد الليل إذا ولى ولا

يعدم الصبح إذا ما أقبلا

ناعم الأطراف ما أسعد من

ضمه معتنقاً أو قبلاً

ليس يأتي نعم في لفظه

قوله في جده والمزح لا

أحياة أترجى بعدما

حكمت ألحاظه أن أقتلا

وله:

يريك قوام السمهر يقوامها

ويجلو عليك النيرين لثامها

ويفتنا منها جفون تضمنت

لواحظها أن لا تطيش سهامها

وليلة أعطينا المنى من وصالها

وعهدي لا يهدي إلينا سلامها

توقد ناراً خدها وحليها

وخمرتها فأنجاب عنها ظلامها

وطافت بكأسات الرحيق كأنما

يفض عن المسك السحيق ختامها

إذا ما ظللنا في غياهب شعرها

هدانا إلى صبح الغرام ابتسامها

ص: 184

سألتكما أي الثلاثة درها

أمبسمها أم عقدها أم كلامها

وأي الثلاث المسكرات سلبنني

أريقها أم لحظها أم مدامها

وله:

أدمشق لا زالت تجودك ديمة

ينمي بها زهر الرياض ويؤنق

أهوى لك السقيا ولو ضن الحيا

أغناك عنه ماؤك المتدفق

ويسر قلبي لو تصيح إلى المنى

أني أنال بك المقام وأرزق

وإذا امرؤ كانت ربوعك حظه

من سائر الأمصار فهو موفق

أني التفت فجدول متسلسل

أو جنة مرضية أو جوسق

يبدو لطرفك حيث ملت حديقة

غناء نور النور منها يسرق

تشدو الحمام بدوحها فكأنما

في كل عود منه عود يخفق

وإذا رأيت الغصن ترقصه الصبا

طرباً رأيت الماء وهو يصفق

لبست جنان النيرين محاسناً

وقفت عليها كل طرف يرمق

فحمامها غرد ونبت رياضها

خضل وركب نسيمها مترفق

وله:

وإذا شكوت من الزمان ومسني

ضيم ونكس صعدتي أعسار

وعلمتم أني بكم متعلق

فعلى علاكم لا على العار

ومن شعره أيضاً:

بعثت لنا من سحر مقلتك الوسنى

سهاداً يذود الجفن أن يألف الجفنا

وأبصر جسمي حسن خصرك ناحلاً

فحاكاه لكن زاد في دقة المعنى

ص: 185