المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الأول«طبقات الرواة عن البخاري» - روايات الجامع الصحيح ونسخه «دراسة نظرية تطبيقية» - جـ ١

[جمعة فتحي عبد الحليم]

فهرس الكتاب

- ‌حول ألفاظ عنوان الرسالة

- ‌1 - الاختلاف:

- ‌2 - الرواية:

- ‌3 - النسخة:

- ‌الاختلاف في تسمية «صحيح البخاري»

- ‌الدراسات السابقة التي تناولت الموضوع

- ‌تمهيد

- ‌المحور الأول:وضع المحدثين ضوابط وآداب لتحمل الرواية(التحمل والأداء)

- ‌أولًا: التحمل

- ‌سن التحمل:

- ‌ السماع من لفظ الشيخ

- ‌القراءة على الشيخ أو العرض

- ‌ثانيًا: الأداء

- ‌1 - طرق الأداء:

- ‌2 - آداب الرواية (أي: الأداء):

- ‌3 - حالات الإمساك عن الأداء:

- ‌4 - شروط الأداء:

- ‌المحور الثاني:وضع المحدثين ضوابط لضبط الكتاب وتقييده والحفاظ عليه

- ‌كتابة الحديث وكيفية ضبطه

- ‌ في كتابة الحديث وكيفية ضبط الكتاب وتقييده:

- ‌الباب الأول«طبقات الرُّواة»

- ‌تمهيد

- ‌الفَصْل الأول«طبقات الرُّواة عن البُخارِيّ»

- ‌المبحث الأولرواية إبراهِيم بن مَعْقِل النَّسفي (295) ه

- ‌المبحث الثانيرواية حماد بن شاكر النَّسفي (311) ه

- ‌المبحث الثالثرِواية أبي عبد الله الفَرَبْريّ (231 - 320) ه

- ‌المبحث الرابعباقي الرُّواة عن البُخارِيّ

- ‌رواية أبي طلحة البّزدوي (329) ه

- ‌رِواية أبي عبد الله المحاملي (330) ه

- ‌الفَصْل الثاني«الرُّواة عن الفَرَبْريّ»

- ‌المبحث الأولرِواية أبي علي بن السَّكن (294 - 353) ه

- ‌المبحث الثانيرِواية أبي زيد المَرْوَزيّ (371) ه

- ‌المبحث الثالثرِواية أبي إسحاق المُسْتَمْلِيّ (376) ه

- ‌المبحث الرابعرِواية أبي محمد الحَمُّوييّ (381) ه

- ‌المبحث الخامسرِواية أبى الهيثم الكُشْمِيهَني (389) ه

- ‌المبحث السادسباقي الروايات عن الفربري

- ‌ رِواية حفيد الفَرَبْريّ (371) ه

- ‌ رِواية أبي أحمد الجرجاني (373) ه

- ‌ رِواية ابن شَبُّويه (378) ه

- ‌ رِواية النُّعَيميّ (386) ه

- ‌ رِواية الإشتيخني (381) ه

- ‌ رِواية أبي علي الكُشّانيّ (391) ه

- ‌ رِواية الأَخْسِيكَتي (346) ه

- ‌ رِواية محمد بن خالد الفَرَبْريّ

- ‌ رواية أبي لقمان يحيى بن عمار الختلاني

- ‌الفَصْل الثالث«أشهر الروايات بين العلماء حتى القرن السادس الهجري»

- ‌المبحث الأولرِواية أبي ذر الهَرَويّ (434) ه

- ‌المطلب الأولترجمة أبي ذر الهَرَويّ

- ‌المطلب الثانيرِواية أبي ذر الهَرَويّ (434) ه

- ‌المطلب الثالثالنسخ الموجودة من رِواية أبي ذر الهَرَويّ

- ‌المبحث الثانيرِواية الأَصِيلي (392) ه

- ‌المبحث الثالثرِواية أبي الوَقْت (553) ه

- ‌المبحث الرابعرِواية كريمة المَرْوَزيّة (463) ه

- ‌خاتمة الباب الأول

- ‌الباب الثاني«الاختلاف بين الروايات»

- ‌الفصل الأول:صور الاختلافات

- ‌أولًا: السياق العام للكتاب

- ‌ثانيًا: اختلافات في أسانيد الأحاديث وهي أنواع:

- ‌ثالثًا: الاختلافات الواردة في متون الأحاديث: وهي أنواع:

- ‌رابعًا: الاختلافات الواقعة في الأبواب والتراجم والمعلقات:

الفصل: ‌الفصل الأول«طبقات الرواة عن البخاري»

الطبعة الأولى

1424 هـ - 2013 م

جميع الحقوق محفوظة لدار الفلاح ولا يجوز نشر هذا الكتاب بأي صيغة أو تصويره PDF إلا بإذن خطي من صاحب الدار الأستاذ / خالد الرّبّاط أو دار ابن حزم

إصدارات

وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية

إدارة الشؤون الإسلامية

دولة قطر

دار الفلاح

للبحث العلمي وتحقيق الثراث

18 شارع أحمس - حي الجامعة - الفيوم

ت: 01000059200

بالتعاون مع

دار ابن حزم

بيروت - لبنان

ص: 2

روايات الجامع الصحيح ونسخه

دراسة نظرية تطبيقية

ص: 3

مقدمة كتاب روايات الجامع الصحيح

الحمد لله حمدًا يوافي نعمه، والصلاة والسلام على أشرف خلقه وخاتم رسله، وبعد، فإن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة قطر - وقد وفقها الله لأن تضرب بسهم في نشر الكتب النافعة للأمة - لتحمد الله سبحانه وتعالى على أن ما أصدرته قد نال الرضا والقبول من أهل العلم.

والمتابع لحركة النشر العلمي لا يخفى عليه جهود دولة قطر في خدمة العلوم الشرعية ورفد المكتبة الإسلامية بنفائس الكتب القديمة والمعاصرة وذلك منذ ما يزيد على ستة عقود، وقد جاء مشروع إحياء التراث الإسلامي والنشر العلمي الذي بدأته الوزارة منذ عدة سنوات امتدادًا لتلك الجهود وسيرًا على تلك المحجة التي عُرفت بها دولة قطر.

ومنذ انطلاقة هذا المشروع المبارك يسَّر الله جلَّ وعلا للوزارة إخراج مجموعة من أمهات كتب العلم في فنون مختلفة معظمها يُطبع لأول مرة، كتفسير العُليمي "فتح الرحمن في تفسير القرآن"، و"مرسوم المصحف" للعُقيلي، و"الدرة الصقيلة في شرح أبيات العقيلة" لأبي بكر عبد الغني المشتهر باللبيب. و"معاني الأحرف السبعة" لأبي الفضل عبد الرحمن بن أحمد بن الحسن الرازي، تحقيق الدكتور حسن ضياء الدين عتر. و"حاشية مسند الإمام أحمد" للسندي، و"شرحين لموطأ الإمام مالك" لكُل من القنازعي والبوني، و"شرح مسند الإمام الشافعي" للرافعي و"نخب الأفكار شرح معاني الآثار" للبدر العيني، و"مصابيح الجامع" للقاضي بدر الدين الدَّمَاميني، و"التقاسيم والأنواع" للإمام ابن حبان، إضافة إلى "صحيح الإمام ابن خزيمة" بتحقيقه الجديد المتقن، ومثله كتاب "السنن الكبرى" للإمام النسائي المحقَّق على عدة نسخ خطية، و"المخلصيات" لأبي طاهر المخلص، و"مطالع الأنوار" لابن قرقول، و"نهاية المطلب في دراية المذهب"

ص: 4

للإمام الجويني بتحقيقه المتقن للأستاذ الدكتور عبد العظيم الديب رحمه الله تعالى عضو لجنة إحياء التراث الإسلامي، و"الأوسط من السنن والإجماع والاختلاف" للإمام ابن المنذر بمراجعة دقيقة للشيخ الدكتور عبد الله الفقيه عضو لجنة إحياء التراث الإسلامي أيضًا، و"التبصرة" للإمام اللخمي، و"حاشية الخلوتي" في الفقه الحنبلي، وأخيرًا كتاب:"الأصل" لمحمد بن الحسن الشيباني، كاملًا محققًا على أصول عدة، وفي الطريق إصدارات أخرى مهمة تمثل الفقه الإسلامي في عهوده الأولى.

كما طبعت الوزارة لأول مرة كتاب "جامع الآثار في السير ومولد المختار" لابن ناصر الدين الدمشقي، و"الوجيز في السيرة" و"عصر السيرة" كلاهما للدكتور أكرم ضياء العمري حفظه الله.

وفي معتقد أهل السنة والجماعة على مذهب السلف الصالح أصدرت الوزارة كتابًا نفيسًا لطيفًا وهو: "الاعتقاد الخالص من الشك والانتقاد" لابن العطار تلميذ الإمام النووي رحمهما الله تعالى.

هذا في جانب ما يُنشر لأول مرة من كتب التراث، أما في الدراسات والتآليف المعاصرة فقد نشرت الوزارة مجموعة متميزة من الرسائل العلمية وغيرها منها:"القيمة الاقتصادية للزمن"، و"نوازل الإنجاب"، و"الأحكام المتعلقة بالتدخين" وغيرها، وفي الطريق - بإذن الله تعالى - ما تقر به عيون الباحثين من دراسات معاصرة في القرآن والسنة، والنوازل بأنواعها المختلفة.

واليوم يسر وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية أن تقدم للقارئ الكريم بحثا علميًّا مميزًا، بعنوان "روايات الجامع الصحيح للإمام البخاري ونسخه المختلفة"، وهو بحث جديد في بابه، يشرح كيفية التلقي والرواية عند علماء الأمة لصحيح الإمام البخاري، مع ذكر أسباب اختلاف نسخ الصحيح.

ويتصف البحث بالمنهجية العلمية، مع حسن العرض والتقسيم والتشجير، ويُلمس فيه مقدار الجهد الذي بذله الباحث.

نسأل الله أن ينفع به المسلمين وأن يزيدنا من فضله وتوفيقه.

إدارة الشؤون الإسلامية

ص: 5

روايات الجامع الصحيح ونسخه

دراسة نظرية تطبيقية

تأليف

دكتور جمعة فتحي عبد الحليم

«الجزء الأول»

ص: 6

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

الحمد لله المنعم، مفضل النبيين، المجزل الجواد الكريم، ذي المن العظيم، الذي ابتدأنا بنعمته في الأزل مشيئةً وقدرًا قبل أن نكون خلقًا بشرًا، وقبل أن نُسوَّى أجسامًا وصورًا، ثم اصطنعنا بعد فأكرمنا بمعرفته، وأرشدنا بنور هدايته، علمنا الدين وكنا جُهّالًا، وبصَّرنا السبيل وكنّا ضُلالا، ولولا فضله علينا ورحمته إيانا ما زَكا منا من أحد ولا اهتدى بجهده إلى خير ورشد، و {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجا* قَيِّمًا} [الكهف: 1، 2] أوضح به مناهج الحق، ونَوَّر سبلَه، وطمس به أعلام الباطل، وعَوَّر طرقه، وشرع فيه الأحكام، وبين فيه الحلال والحرام، ثم بشر وأنذر، ووعد وأوعد، وضرب فيه الأمثال، واقتص عن الأمم السالفة نواصي الأخبار؛ ليكون لنا فيها موعظة وبها اعتبار.

والحمد لله {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ والْحِكْمَةَ وان كانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ} [الجمعة: 2] جعله مهيمنًا على كتابه، ومبينًا له، وقاضيًا على ما أجمل منه بالتفسير، وعلى ما أبهم من ذكره بالبيان والتلخيص؛ ليرفع بذلك من قدره، ويشيد بذكره، فتكون أحكام شرائع دينه صادرة عن بيان قوله وتوقيفه، ثم قرن طاعته بطاعته، وضمن الهُدى في متابعته، فقال:{مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ} [النساء: 80].

وأحمد الله الذي جعلنا من أمته؛ فأكرمنا بدينه وسنته، وعلمنا منهما ما لم نكن نعلم، وكان فضله علينا عظيمًا.

ص: 7

نحمده على جميع آلائه قديمها وحديثها، تليدها وطريفها، السالفة منها والراهنة، الظاهرة منها والباطنة، حمدَ المعترفين بأسبابه وبآلائه، العاجزين عن مزيد فضله، ونسأله أن يصلي على محمدٍ عبدِهِ ورسولِهِ أفضل صلاة صلاها على نبي من أنبيائه، وأرفعَها درجةً، وأسناها ذكرًا، صلاةً تامةً زاكيةً غاديةً عليه ورائحةً، كما قد جاهد فيه حق جهاده، وناصحه في إرشاد خلقه وعباده، وعادى فيه الأقربين، ووالى الأجانب الأبعدين، وصدعَ بما أُمر حتى أتاه اليقين، وأن يضاعف من بركاته عليه، ويزلف مقامه لديه، وأن يسلم عليه وعلى آله تسليمًا (1).

أما بعد:

لقد أكرم الله تعالى هذه الأمة الإسلامية المحمدية بخصائصَ كثيرةٍ ومزايا وفيرة، منها ما يتعلق بذات الشريعة المطهرة وأنواع العبادات والمعاملات والطاعات والمثوبات يسرًا وسهولة، ومنها ما يتعلق بخدمة الشريعة ونقلها وتبليغها وتدوينها وضبطها وحفظها، وفي كل ناحية من هاتين الناحيتين خصائص غير قليلة.

ومن أهم هذه الخصائص التي أكرم الله بها الأمة الإسلامية في تبليغ الشريعة من السلف إلى الخلف خصيصة الإسناد؛ حيث كان كل واحد منهم ينقل العلم لمن بعده من الخلف سندًا معزوًا إلى قائله، وذلك في كل العلوم حتى إذا منَّ الله على الأمة الإسلامية بتثبيت نصوص الشريعة وعلومها، وأصبحت راسخة البنيان، محفوظة من التغيير والتبديل، تسامح العلماء في أمر الإسناد؛ اعتمادًا منهم على شيوع التدوين وثبوت معالم الدين.

ومعنى الإسناد هو مصدر من قولك: أسندت الحديث إلى قائله، إذا رفعته إليه بذكر ناقله.

(1) مقتبس من مقدمة الخطابي في «أعلام الحديث» .

ص: 8

والإسناد هو حكاية طريق متن الحديث، والسند طريق متن الحديث، وسمي سندًا لاعتماد الحفاظ عليه في الحكم بصحة الحديث أو ضعفه، أخذًا من معنى السند لغة، وهو ما استندت إليه من جدار أو غيره.

وحكاية الإسناد ورواية النصوص مُسندةً خصيصةٌ عظيمةٌ، ومَيزةٌ لم تعط للأمم من قبلنا، وهو من الدين بموقع عظيم.

ولقد عقد الإمام مسلم في مقدمة «صحيحه» بابًا في بيان أن الإسناد من الدين، وضمنه بعض أقوال العلماء في بيان منزلة الإسناد من الدين (1) ومنها:

ما نقله عن ابن سيرين ت (110) هـ قال: إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَاخُذُونَ دِينَكُمْ (2).

وقال أيضًا: لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الإِسْنَادِ فَلَمَّا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ قَالُوا: سَمُّوا لَنَا رِجَالَكُمْ فَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ السُّنَّةِ فَيُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ وَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ الْبِدَعِ فَلَا يُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ (3).

وعن سليمان بن موسى قال: لَقِيتُ طَاوُسًا فَقُلْتُ: حَدَّثَنِي فُلَانٌ كَيْتَ وَكَيْتَ. قَالَ: إِنْ كَانَ صَاحِبُكَ مَلِيًّا فَخُذْ عَنْهُ (4).

(1) وذكر أستاذنا الدكتور مصطفى أبو عمارة في أول كتابه «رواة الحديث وطبقاتهم» مقدمة نفيسة في بيان مكانة الإسناد من الدين، واختصاص الأمة الإسلامية به.

(2)

أخرجه مسلم في المقدمة 1/ 11، وابن سعد في «الطبقات» 7/ 194، والدارمي في «سننه» المقدمة، باب في الحديث عن الثقات 1/ 400 (443)، وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» 2/ 15.

(3)

أخرجه مسلم في المقدمة 1/ 11، والدرامي في «سننه» المقدمة، باب في الحديث عن الثقات 1/ 396 (430)، وعبد الله بن أحمد في «العلل» 2/ 559 (4640)، وابن عدي في «الكامل» 1/ 517 (1402).

(4)

أخرجه مسلم في المقدمة 1/ 12، والدارمي في «سننه) المقدمة، باب في الحديث عن الثقات 1/ 395 (428)، والعقيلي في «الضعفاء» 1/ 12.

ص: 9

وعن أبى الزِّنَاد قال: أَدْرَكْتُ بِالْمَدِينَةِ مِائَةً كُلُّهُمْ مَامُونٌ. مَا يُؤْخَذُ عَنْهُمُ الْحَدِيثُ يُقَالُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ (1).

وعن عبد الله بن المبارك (181) هـ قال: الإِسْنَادُ مِنَ الدِّينِ وَلَوْلَا الإِسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ (2).

وفي بعض الروايات الأخرى عند غير مسلم زيادة: ولكن إذا قيل له: من حدثك؟ بقي (3).

وقال أيضًا: بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْقَوَائِمُ. يَعْنِي الإِسْنَادَ (4).

وقال أبو عبد الله الحاكم في كتابه «معرفة علوم الحديث» بعد ذكره لقول ابن المبارك: الإسناد من الدين - قال: فلولا الإسناد، وطلب هذه الطائفة له، وكثرة مواظبتهم على حفظه، لدرس منار الإسلام، ولتمكن أهل الإلحاد والبدع فيه بوضع الأحاديث، وقلب الأسانيد، فإن الأخبار إذا تعرت عن وجود الأسانيد فيها كانت بُتْرًا (5).

واعتبر الإمام محمد بن مسلم بن شهاب الزهري (124) هـ الأحاديث التي ليس لها أسانيد أنها أحاديث ليس لها خُطُم ولا أَزِمَّة.

روى الحاكم بإسناده إلى عتبة بن أبى حكيم أنه كان عند إسحاق بن أبى

(1) أخرجه مسلم في المقدمة 1/ 12، وابن عدي في «الكامل» 1/ 259، والخطيب في «الكفاية» ص:252.

(2)

أخرجه مسلم في المقدمة 1/ 12، وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» 2/ 16، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» 58/ 204.

(3)

أخرجه الترمذي في «العلل الصغير» في سننه 1/ 804، والذهبي في «تذكرة الحفاظ» 3/ 1054.

(4)

أخرجه مسلم في المقدمة 1/ 12

(5)

«معرفة علوم الحديث» ص: 115.

ص: 10

فروة (1) وعنده الزهري، قال: فجعل ابن أبي فروة يقول: قال رسول الله، قال رسول الله، وقال له الزهري: قاتلك الله يا ابن أبى فروة، ما أجرأك على الله، ألا تسند حديثك، تحدثنا بأحاديث ليس لها خُطُم ولا أَزِمَّة (2).

وقال شعبة بن الحجاج (160) هـ: كل حديث ليس فيه: حدثنا أو أخبرنا، فهو خل وبقل (3).

وقال سفيان الثوري (161) هـ رحمه الله تعالى: الإسناد سلاح المؤمن فإذا لم يكن معه سلاح فبأَي شيء يقاتل (4).

وقال أيضًا: الإسناد زين الحديث، فمن اعتنى به فهو السعيد (5).

وقال الإمام الشافعي (204) هـ رحمه الله تعالى: مثل الذي يطلب الحديث بلا إسناد، كمثل حاطب ليل، يحمل حزمة حطب، وفيه أفعى وهو لا يدري (6).

وقال الحافظ بقية بن الوليد الحمصي (197) هـ: ذاكرت حماد بن زيد

(1) أحد الضعفاء المتروكين .. ينظر ترجمته في «التاريخ الكبير» 1/ 396 (1260)، و «الجرح والتعديل» 2/ 277، و «الكامل» لابن عدي 1/ 531.

(2)

«معرفة علوم الحديث» ص: 115.

(3)

أخرجه ابن الجعد في «مسنده» ص: 22 (30)، وابن عدي في «الكامل» 1/ 107، وأبو نعيم في «الحلية» 7/ 249. والرامهرمزي في «المحدث الفاصل» ص: 517 (649)، والخطيب في «الكفاية» ص: 412، والسمعاني في «أدب الإملاء والاستملاء» ص:7.

(4)

أخرجه ابن حبان في «المجروحين» 1/ 27، والخطيب في «شرف أصحاب الحديث» ص: 88 (76)، والسمعاني في «أدب الإملاء» ص:8.

(5)

«أدب الإملاء» للسمعاني ص: 6، 8.

(6)

أخرجه أبو نعيم في «الحلية» 9/ 125، والحاكم في «المدخل إلى كتاب الأكليل» 1/ 28، وأورده الخليلي في «الإرشاد» 1/ 154.

ص: 11

بأحاديث، فقال: ما أجودها لو كان لها أجنحة! يعني: إسنادًا (1).

وقال العلامة الشيخ عبد الرحمن المُعلِّمى رحمه الله تعالى في فاتحة كتاب «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم الرازي: الإنسان يفتقر في دينه ودنياه إلى معلومات كثيرة لا سبيل له إليها إلا بالأخبار، وإذا كان يقع في الأخبار الحق والباطل، والصدق والكذب، والصواب والخطأ، فهو مضطر إلى تمييز ذلك.

وقد هيأ الله تبارك وتعالى لنا سَلَفَ صِدْق، حفظوا لنا جميع ما نحتاج إليه من الأخبار في تفسير كتاب ربنا عز وجل، وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم وآثار أصحابه، وقضايا القضاة وفتاوى الفقهاء، واللغة وآدابها والشعر والتاريخ وغير ذلك.

والتزموا وألزموا من بعدهم سَوق تلك الأخبار بالأسانيد، وتتبعوا أحوال الرُّواة التي تساعد على نقد أخبارهم، وحفظوها لنا في جملة ما حفظوا، وتفقدوا أحوال الرُّواة وقضَوا على كل راو بما يستحقه، فميزوا من يحتج بخبره لو انفرد، ومن لا يحتج به إلا إذا اعتضد، ومن لا يحتج به ولكن يستشهد، ومن يعتمد عليه في حال دون أخرى، وما دون ذلك من متساهل ومغفَّل وكذاب.

وعَمَدوا إلى الأخبار فانتقدوها وفحصوها، وخَلَّصُوا لنا منها ما ضمّنوه كتب الصحيح، وتفقدوا الأخبار التي ظاهرها الصحة، وقد علموا - بسعة علمهم ودقة فهمهم - ما يدفعها عن الصحة، فشرحوا عللها وبينوا خللها، وضمّنوها كتب العلل.

وحاولوا مع ذلك إماتة الأخبار الكاذبة، فلم ينقل أفاضلهم منها إلا ما احتاجوا إلى ذكره، للدلالة على كذب راويه أو وهنه، ومن تسامح من

(1) أخرجه العقيلي في «الضعفاء» 1/ 162 (203)، والخطيب في «تاريخ بغداد» 7/ 127، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» 10/ 340.

ص: 12

متأخريهم فروى كل ما سمع فقد بيّن ذلك، وَوَكل الناسَ إلى النقد الذي قد مُهدت قواعده، ونصبت معالمه، فبحق قال المستشرق المحقق مرجليوث: ليفخر المسلمون ما شاءوا بعلم حديثهم. اهـ.

ولم تقتصر عناية العلماء بالإسناد في الأحاديث المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقط، بل امتدت لتشمل كلام الصحابة رضوان الله عليهم وكلام التابعين، ومن تصفح مقدمة الإمام مسلم وغيرها من كتب الحديث المسندة يجد الكثير من أقوال الصحابة، وآثار التابعين مسندة شأنها شأن الحديث المروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم.

بل امتد الأمر إلى نقل كلام تابعي التابعين بالإسناد، كما نقل مسلم في مقدمة «صحيحه» عن عبد الله بن المبارك المروزي - وهو من تابعي التابعين - قوله مسندًا: الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء.

فهذه الأقوال المنقولة عن كل واحد من الصحابة ومن بعدهم كثير منها منقول بالسند، كما نقل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالحديث نقل بالسند؛ لأنه أصل من أصول الدين، وكذلك نقل كلام الصحابة رضي الله عنهم بالسند؛ لأنه فهم للدين، وعمل به، وتفسير له من أقرب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعلمهم بكلامه وهديه.

وكذلك نقل كلام التابعين وتابعي التابعين نقلًا بالسند؛ لأنهم أعرف الناس بما كان عليه الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، فكل منقول متوقف قبوله أو ردُّه من حيث النقل على السند ونقد المتن، فإن صح السند ولم تظهر علة في متنه تقدح فيه ثبت نقل الخبر، وإن لم يصح انتفى ثبوته، وبهذا المعيار يحاكم كل ما ينقل.

فلذا وجدنا عند العلماء المتقدمين هذا السند يمتد ويتسع، ويتصل بكل علم نقل إليهم، فما نقل من تفسير لآيات القرآن كان بسند، وما نقل من

ص: 13

حديث نبوي كان بسند، وما نقل من تفسير للحديث كان بسند أيضًا؛ وما نقل من أدب أو شعر أو نثر أو فقه أو تاريخ أو لغة كان بسند أيضًا، بل أشد من هذا ما نقل من المسليات أو المضحكات كأخبار الحمقى والمغفلين أو أخبار الأذكياء والنابهين نقل بسند أيضًا.

هكذا انكب السلف الصالح من صحابة وتابعين ومن بعدهم على السنة النبوية وما يتعلق بها من علوم، فانتشر الرُّواة والمحدثون في أروقة المدارس وعَرصات المساجد، وأخذوا يبحثون في أسانيد الأحاديث النبوية ومتونها، فنشأ علم مصطلح الحديث، وطبقات الرجال، والجرح والتعديل، والتراجم؛ توخيًا للدقة، وحرصًا على سلامة السنة من أي تحريف.

ولقد مرَّ التوثيق والتثبت في المرويات بمرحلتين متميزتين في نقل السنة والعناية بها وهما:

1 -

مرحلة ما قبل تدوين المصنفات وجمع الأحاديث في دواوينها المعروفة المشهورة.

2 -

مرحلة ما بعد تدوين المصنفات.

ففي المرحلة الأولى: كانت العنايةُ منصبةً على نقلة الآثار، والبحث عن أحوالهم، والتفتيش في مروياتهم، بعد جمعها ومعارضتها، ومن يتحمل عنه، ومن لا يكتب عنه.

وكانت مرويات الرُّواة هي محور معرفة درجة هؤلاء الرُّواة من الضبط والاتقان، أو الخلل والنسيان، أو التساهل وعدم الدقة والاهتمام.

وقد واكب ذلك حصر المرويات، وأودعت في بطون الكتب مرتبة على أنواع مختلفة، فبعضها يحوي الصحيح، وبعضها يحوي الضعيف، وبعضها في معرفة أحوال الرجال، وغيرها من الموضوعات .. إلى غير ذلك.

وهذه المرحلة تكاد لا تتعدى القرن الرابع؛ حيث لم ينته هذا القرن إلا

ص: 14

وقد ظهرت معظم الكتب والمصنفات، وأصبح الاعتماد على ما فيها من كتب.

المرحلة الثانية: وهي مرحلة ضبط المصنفات بعد مرحلة التدوين، وانقطاع مرحلة الرواية، فكما أبلى المحدثون بلاء حسنًا في المرحلة الأولى، فقد هيأ الله لهذه المرحلة من العلماء من وضع القواعد والمناهج التي تروى بها الكتب.

وكان المتقدمون من علماء المسلمين لا يعطون الاهتمام التام للكتاب، إلا إذا كان راويه الثقة الضابط العدل قد قرأه على مؤلفه، أو كان لديه سند متصل بقراءة الكتاب، وتلقاه من شيوخه عن شيوخهم إلى مؤلفه.

أما الكتاب الذي يجده العالم وجادة، ولم يسمعه من مؤلفه ولا له منه إجازة، فهو عندهم من قبيل الخبر المنقطع المرسل كما قرره علماء المصطلح، وقد منع الأخذَ منه معظمُ المحدثين والفقهاء من المتكلمين، وأجازه المتأخرون بشروط ضيقة؛ لتعذر شرط الرواية في الأعصار المتأخرة، وهذا منهم فيما يوثق بنسبته إلى مؤلفه، أما ما لا يوثق بنسبته فلا اعتداد به بالاتفاق (1).

وما هذا كله إلا ليكون النقل صحيحًا والتوثيق تامًّا، ولتأخذ الكلمة العلمية ثبوتها، وصحتها، وضبطها، وتاريخها، وانتقالها إلى الأجيال اللاحقة على أوثق طريق؛ ولهذا قرروا القاعدة المشهورة في أول كتب آداب البحث والمناظرة وهي:

إن كنت ناقلًا فالصحة، أو مدعيًا فالدليل.

أو كما قال ابن تيمية في كتابه: «مقدمة في أصول التفسير» (2): العلم إما

(1) ينظر رسالة «الإسناد من الدين» لعبد الفتاح أبو غدة ص: 30 - 35.

(2)

ص: 55.

ص: 15

نقل مُصَدَّق، وإما استدلال مُحَقَّق.

ونحن الآن أمام كتاب هو أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى، بذل فيه مؤلفه قصارى جهده لانتقاء مجموعة من الأحاديث التي يرى أنها عنده من أصح الصحيح؛ وفقا لقواعد العلماء وجهابذة هذا الفن، بحيث يكفي الباحث الوقوف على الحديث في هذا الكتاب في الدلالة على صحة الحديث.

وهذا الكتاب هو: «الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه» لمؤلفه أبي عبد الله، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة، الجعفي، المولود يوم الجمعة، بعد الصلاة، لثلاثَ عشرةَ ليلةً خلت من شوال، سنة أربع وتسعين ومائة ببخاري، والمتوفى ليلة السبت، ليلة عيد الفطر، سنة ست وخمسين ومائتين، وكان عمره اثنتين وستين سنة إلا ثلاثةَ عشرَ يومًا، تغمده الله برحمته آمين (1).

ولذا توافد عليه العلماء صغارًا وكبارًا، للسماع وتلقي «الصحيح» منه.

ومما لا شك فيه أنه لم يعرف في تاريخ العلم والحضارة عبر القرون والأجيال، وفي تاريخ التأليف والتصنيف ما عرف عن كتاب «الجامع الصحيح» لمؤلفه محمد بن إسماعيل البخاري.

ولنظرة سريعة على التراث الضخم الذي اتصل بهذا الكتاب شرحًا واختصارًا، وغير ذلك مما تناول جانبًا من جوانب هذا الكتاب، ليدل دلالة قاطعة على مدى اعتناء الأمة الإسلامية بهذا الكتاب، الذي رضيته أصحَّ كتاب

(1) لم أترجم للبخاري لأن مثله لا يُجهل لأهل هذا الشأن، وليس البخاري ممن يترجم له في أوراق أو كراريس، وقد ألف العلماء الأئمة في سيرته كتبا كثيرة وافية.

ومن أوفاها وأكبرها كتاب العلامة الشيخ عبد السلام المباركفوري المتوفى (1342) هـ: «سيرة الإمام البخاري» وطبع قديمًا في مجلد، ثم طبع سنة 1422 هـ في مجلدين، طبعته دار عالم الفوائد بمكة المكرمةـ.

ص: 16

بعد كتاب الله تعالى، وأوثقَ مصدر للحديث النبوي، وتلقيها له بالقبول، ولا يعرف كتاب من كتب البشر تناوله العلماء والمؤلفون بالشرح والتحشية والتعليق مثلما تناولوا هذا الكتاب.

وقد كان الشرح والتعليق هو المجال العلميَّ الذي تظهر فيه عناية العلماء والمؤلفين في العصور القديمة، ومقياس اهتمامهم بأثر علمي، فكان أكثر الكتب شروحًا وتعليقًا، هو أعظمَ المؤلفات تقديرًا، وأعلاها منزلة، وأكثرَها شهرة، وكان أقلُّ الكتب شروحًا وتعليقًا، أخملَها ذكرًا وأقعدَها شهرة وصيتًا، ويبقى مغمورًا لا يسترعي انتباهًا ولا يثير اهتمامًا.

فإذا أخذ هذا المقياس الذي به تعرف مكانة الكتاب في القرون الماضية، حكمنا بأن «الجامع الصحيح» للبخاري قد فاز بالقدَح المعلى في هذا الميدان، واحتل الصدارة في مكتبتنا الإسلامية.

فقد بلغ عدد شروحه والتعليقات عليه مئاتِ المؤلفات، ثم يلي هذا المقياسَ شدةُ العكوف على دراسة الكتاب، والتهافت على روايته ونقله، والتنافس في حمله ونشره، وضمه إلى الصدور، والعض عليه بالنواجذ، وتوارث الأجيال في تلقيه جيلًا بعد جيل، وكابرًا عن كابر، وطبقةً عن طبقةٍ، حتى لا تعرف فترةٌ من الزمان نسج فيها عليه العنكبوت، وساد عليه الظلام وانقطعت روايته، وتوقفت دراسته، وقد تفرد «الجامع الصحيح» بهذه الميزة بعد كتاب الله تعالى، فقد رواه وأخذه عن مؤلفه أكثر من تسعين ألفًا من الرُّواة والحفاظ، وتسلسل نقله وروايته حتى انتهى هذا الكتاب إلى مؤلفه، وبلغ حد التواتر في شهرته وصحة نقله ونسبته إلى المؤلف، لا ينكر ذلك، ولا يشكك فيه إلا من تشكك في المتواترات والحقائق العلمية التي تثبت بالضرورة، ولا يزال هذا الكتاب موضع الاهتمام والعناية، وموضع التأمل والدراسة، في الحلقات العلمية والجامعات الإسلامية وغيرها في العالم.

ص: 17

ولقد خص هذا الكتاب بالإطباق على أنه قد بلغ أقصى درجات الصحة والتحري في نقل الصحيح الثابت، والاحتياط الذي يبلغ إليه اجتهاد المجتهدين وأمانة النقلة والرواة، وأن المؤلف قد أفرغ فيه جهده، وراعى فيه أدقَّ الشروط التي عرفت في هذا الفن، والتزم فيه التزامات لم تعرف عن مؤلِّف في هذا الميدان، ثم ساعدته في ذلك الملكة الراسخة، التي لا يُرزَقُها إلا واضعو الفنون، والصيارفة الحذاق، الذين لا يعرفهم التاريخ إلا في أزمنة طويلة، وعلى مر القرون والأعصار، فيأتون بما يرزقهم الله من ثقوب النظر، وصحة الحدس، وسرعة الخاطر، وسلامة الفكر، والذوق السليم الذي لا يخطئ، ما لا يرزقه أقرانهم ونظراؤهم - على جلالة قدرهم وغزارة علمهم - فيأتون في هذه الفنون والمقاصد من الحكم الصحيح السريع، والوصول إلى الحقيقة، والاهتداء إلى الصواب بما يشبه الإلهام، وبما يخيل إلى كثير من الناس بأنه فوق الطاقة البشرية.

ومن الظلم والجهل بالحقائق، والتسرع في الحكم، والتقليد الأعمى، أن نخضع أمثال هؤلاء لهذه القواعد المرسومة المحدودة، التي جاءت في كتب من تأخر زمانه على زمانهم، ونزلت مكانته عن مكانتهم، فيؤخذ مثلًا كتاب «تهذيب الكمال» للحافظ المزي (742) هـ، أو مختصراته للحافظ ابن حجر (852) هـ، أو «ميزان الاعتدال» للحافظ الذَّهَبِيّ (748) هـ - على فضل هذه الكتب وفضل مؤلفيها على المشتغلين بعلم الحديث - فيحكم على «الجامع الصحيح» للبخاري، أو «صحيح مسلم» رحمة الله عليهما، أو «الموطأ» للإمام مالك، فيعاد الأمر ويجدد النظر في هذه الكتب التي تلقتها الأمة بالقبول، وبلغ أصحابها إلى أقصى درجات التحقيق والدقة والتحري، وتشرح تشريح الأجسام، وتسلط عليها المقاييس المحدودة التي تقبل النقاش، ويتسع فيها مجال الكلام.

ص: 18

فهذا النوع من القسوة العلمية، والجفاف الفكري سيُحدث فوضى، تتزلزل بها أركان الدين، ويتورط المسلمون في اضطراب قد أغناهم الله عنه.

وليس اتفاق الأمة وعلمائها على أصحية البخاري وفضله على سائر الكتب مجرد اتفاق ومصادفة، ولا عن تواطؤ ومؤامرة، وقد أعاذ الله هذه الأمة التي اختارها لحمل دينه، وتبليغ رسالته من أن تكون فريسة غفلة، أو أن تجتمع على الضلال، بل كان ذلك إلهامًا من الله، ومكافأة على ما قام به مؤلف الكتاب من جهاد في سبيل حفظه للأحاديث النبوية، ثم تحقيقها، وتنقيحها، ومعرفة رجالها ورواتها، وكشف أستار الكذابين والوضاعين، وتمييز الضعفاء والمجروحين، ثم في نقلها ونشرها في الآفاق، وجمعها في مجموعة مهذبة منقحة بحسب الطاقة البشرية.

ولذلك يقول الحافظ ابن دقيق العيد في مقدمة كتابه «الاقتراح في فن الاصطلاح» وهو يذكر طرق توثيق الرواة:

ومنها: تخريج الشيخين أو أحدهما في الصحيح للراوي، محتجين به.

وهذه درجة عالية، لما فيها من الزيادة على الأول، وهو إطباق جمهور الأُمَّةِ أو كلها على تسمية الكتابين بالصحيحين، والرجوع إلى حكم الشيخين بالصحة.

وهذا معنى لم يحصل لغير من خُرِّج عنه في الصحيح، فهو بمنزلة إطباق الأمة، أو أكثرها على تعديل من ذكر فيهما، وقد وجد فيها هؤلاء الرجال المخرج عنهم في الصحيح من تكلَّم فيه بعضهم.

وكان شيخ شيوخنا الحافظ أبو الحسن المَقْدِسي (1) يقول في الرجل الذي يُخَرَّج عنه في الصحيح: هذا جاز القَنْطَرَةَ. يعني بذلك أنه لا يُلتفتُ إلى ما قيل

(1) هو الإمام الحافظ الفقيه المالكي شرف الدين، أبو الحسن علي بن المفضل اللخمي المقدسي الإسكندراني، المتوفى سنة (611) هـ له ترجمة في «تذكرة الحفاظ» 4/ 1390.

ص: 19

فيه، وهكذا نعتقد به ونقول، ولا نخرج عنه إلَاّ ببيان شافٍ وحجَّة ظاهرة، تزيد في غلبة الظنِّ على المعنى الذي قدَّمناه، من اتفاق الناس بعد الشيخين على تسمية كتابيهما بالصحيحين، ومن لوازم ذلك تعديل رواتهما (1).

ويؤيد ذلك ما قاله ابن حجر (852) هـ رحمه الله تعالى في الفصل التاسع في سياق أسماء من طعن فيه من رجال الصحيح: وقبل الخوض فيه ينبغي لكل منصف أن يعلم أن تخريج صاحب «الصحيح» لأي راوٍ كان مقتضٍ لعدالته عنده، وصحة ضبطه، وعدم غفلته، ولاسيما ما انضاف إلى ذلك من إطباق جمهور الأمة على تسمية الكتابين بالصحيحين، وهذا معنى لم يحصل لغير من خرج عنه في «الصحيح» ، فهو بمثابة إطباق الجمهور على تعديل من ذكر فيهما (2).

وقد هجر في سبيل ذلك راحته، وحظوظ بدنه، ومطالب نفسه، ونسي لذته، وغادر وطنه، واكتفى من الدنيا ببلغة عيش، وسداد رمق، ولقي في سبيله أذىً كثيرًا ومحنة وبلاءً، فكافأه الله على كل ذلك بأن قيض له أفواجًا من العلماء والأذكياء يخدمون كتابه بصنوف من الخدمة، وأنواع من الجهد لم يخطر ببال أي جماعة قبلهم، ولم تتيسر لكتاب بعد كتاب الله، وأشعل في قلوبهم حب هذا الكتاب والسهر على خدمته، حتى لم يشعروا بلذة إلا في شرحه، ونشره، وتحمله، وروايته، ولم يجدوا راحة إلا في تحقيقه وتنقيحه، حتى تكونت هذه المكتبة الواسعة الزاخرة التي لم توجد لكتاب بشري آخر.

وتلك سنة الله في خلقه، فلما حفظ البخاري سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاهد في سبيلها حق الجهاد، ووقف كل حياته وكل ما كان يملكه ويمتاز به

(1)«الاقتراح في فن الاصطلاح» في الباب السابع: في معرفة الثقات من الرواة ص: 29 - 30.

(2)

«هدي الساري» ص: 384.

ص: 20

له، تكفل الله بحفظ كتابه، وانتشاره، وبقائه، وازدهاره، واعتناء الأمة به اعتناءً لا مزيد عليه.

ومن جوانب العناية بهذا الكتاب روايته عن مؤلفه وإقبال آلاف العلماء من الأقطار المتباعدة لسماعه منه، ثم روايتهم له والحفاظ عليه حتى أيامنا هذه عبر حلقات من الرُّواة، بحيث لا يتطرق الشك إلى نسبة الكتاب إلى مؤلفه.

ولقد كثر الرُّواة لهذا «الصحيح» في عهد مؤلفه، كثرةً لا يعلم عددها إلا الله تعالى.

وتميز من هؤلاء الرُّواة رواة انتسخوا لأنفسهم نسخًا من «الصحيح» ، وأَولَوها عنايتهم من الدقه في النقل والمعارضة والسماع والضبط والتقييد؛ حتى اشتهرت بعض الروايات، وعن هذه الروايات أخذت في الطبقة التي تليهم نسخًا أخرى وهكذا.

ومع كثرة المشتغلين برواية «الجامع الصحيح» عبر العصور المختلفة، وتعرض الإنسان للنقص البشري الذي لا يصل به إلى حد الكمال، فقد تعددت الروايات؛ نظرًا لكثرة الرُّواة لهذا الكتاب، واعتراها ما جبل عليه الإنسان من النقص والتعرض للزلل، ووجود بعض الهفوات، وذلك نتيجة لأسباب كثيرة قد تعرضت لها بالتفصيل في هذه الرسالة.

لكن من تمام الحفظ لهذا الكتاب أن قيض له في كل عصر من العصور وزمن من الأزمان من يجمع شتات هذه الاختلافات، ويحررها، ويقارن بينها حتى يصل إلى وجه الصواب فيها؛ ولذا قد اشتهرت بعض النسخ في كل زمان، وشهرة هذه النسخ لجلالة قدر أصحابها، وعنايتهم بالصحيح فيها، ومدارستها، والمقارنة بينها، ووجود هذه الاختلافات، والاحتفاظ بها إلى زماننا هذا لهو من أكبر الأدلة على خدمة هذا الكتاب وصحة نصوصه

ص: 21

وتواترها إلى مؤلفه.

فكم من الكتب التي لا يعتنى بها، وإذا حاولت الوصول إلى نصها من خلال الوقوف على نسخة لها أعياك ذلك؛ وذلك لأن عوامل الزمان كفيلة بالقضاء على أهم الكنوز العلمية والمؤلفات الجامعة. وإنك لا تكاد تجد إطباق الأمة في كل مكان وفي كل زمان على قبول كتاب مثلما توفر لكتاب البخاري هذا، فما يلقى القبول في مكان؛ تجده يقل قبولًا في مكان آخر، وكذا ما تجده محل عناية العلماء في زمن من الأزمان تجد هذا الاهتمام يقل في وقت آخر، ومن تأمل النتاج العلمي على مر القرون الأربعة عشر الماضية تبين له أن شهرة كثير من الكتب وعناية العلماء بها كان محصورًا في زمان معين أو حدود مكانية معينة.

ومن تتبع عناية العلماء بـ «صحيح البخاري» تظهر له خاصية عجيبة جدًّا، وهي تطور نوع الاهتمام بالكتاب بدءًا من حياة المصنف حتى وقتنا هذا.

ففي عصر البخاري تتمثل خدمة الكتاب في المناقشات والتعقبات التي كانت تدور بين البخاري وبين شيوخه وأقرانه للوصول إلى قبول كل ما في الكتاب من مرويات، مما أفرز نوعًا من التأليف خاصًّا بهذا الكتاب في عصر المصنف أو بعده بقليل مثل:«استدراكات الدارقطني وإلزاماته» ثم الاستدراك على الصحيح الذي من شأنه إظهار شروط المصنف إبراز ملامح عمله والثمرات المترتبة عليه.

وبجانب ذلك اهتم العلماء برواية الكتاب مما نتح عنه شهرة بعض النسخ، وطواف العلماء بها شرقًا وغربًا في جميع البلاد الإسلامية، حيث لم يقتصر العلماء على رواية الكتاب جملة واحدة والتحديث به فقط، وإنما تعدى ذلك إلى اقتباس بعض الأحاديث ووضعها في مؤلفات خاصة كما فعل الإمام أبو بكر أحمد بن عمرو البزار (292) هـ في كتابه «البحر الزخار»

ص: 22

المعروف بـ «مسند البزار» حيث روى جملة من الأحاديث عن البخاري وهي في «الصحيح» .

كذلك فعل البيهقي حيث روى جملة من الأحاديث عن شيخه الحاكم أبي عبد الله بإسناده إلى البخاري، وغير ذلك من العلماء.

وظهرت أنواع كثيرة من المؤلفات تتناول جانبًا من جوانب الاستفادة من «الجامع الصحيح» وذلك بالشرح، أو الاختصار، أو كشف غريبه، أو ترجمة رجاله، أو بيان لطائفه، أو جمع أحاديثه أو أطرافه، وغير ذلك من الفنون الحديثية مما لا مجال هنا للتوسع فيه. ولا يزال حتى وقتنا هذا تجد الدراسات تتناول «الجامع الصحيح» من نواحي عدة.

وكان لجامعة الأزهر القدح المعلى في هذا الميدان وخاصة كلية أصول الدين بالقاهرة، متمثلة في قسم الحديث وعلومه، حيث أعد فيها كثير من الرسائل العلمية مما يتعلق بهذا الكتاب، فقد كانت رسالتي في الماجستير في تحقيق ودراسة جزء من كتاب «معرفة الصحابة من كتاب المستدرك على الصحيحين» وهو شديد الصلة بكتاب البخاري، وهيأ الله لي الأسباب بتمام النعمة علي بأن أسهم في خدمة هذا الكتاب الجليل.

وقد كانت فكرة تناول روايات ونسخ «الجامع الصحيح» للبخاري تراودني منذ زمن بعيد، خاصة وأن كثيرًا من الشراح وعلى رأسهم ابن حجر العسقلاني في كتابه «الفتح» دائمًا يحرص على ذكر هذه الروايات وتوجيه الاختلافات بينها.

وتجلى اهتمامي بهذا الموضوع خلال عملي بمشاركة الأستاذ خالد الرباط في الإشراف على تحقيق كتاب "التوضيح لشرح الجامع الصحيح" للعلامة ابن الملقن، وذلك بمقر دار الفلاح للبحث العلمي وتحقيق التراث بالفيوم، بمعاونة نحو ثلاثين باحثًا، وقد طبع الكتاب بحمد الله في

وزارة الأوقاف القطرية، وطُبع طبعة ثانية في دار الفلاح.

ص: 23

ولكن فكرة الرسالة كادت أن تزول بمجرد التفكير في خطورة هذا الأمر وجلالته، حتى شد من أزري أستاذي الأستاذ الدكتور / مصطفى محمد السيد أبو عمارة، وقد كان مشرفًا على رسالتي في التخصص «الماجستير» ، وأخبرني بأن الموضوع مَحطُّ عنايته منذ زمن بعيد جدًّا، وحثني على إعداد دراسة عن هذا الموضوع، وعَرْضها عليه، وذلك بعد أن أعطاني ما تجمع لديه من دراسات ومظان لهذا الموضوع، وأحالني على كتاب «تاريخ التراث العربي» للأستاذ / فؤاد سزكين (1)،

فقد تناول في كتابه هذا جهود العلماء في تدوين السنة، وتحدث عن الإمام البخاري وكتابه «الصحيح» وأماكن وجوده

(1) فؤاد سزكين أستاذ جامعيّ تركي، وُلد بإسطنبول سنة (1924 م)، والتحق بالجامعة عام 1942 م.

حصل على درجة «الماجستير» في قسم الشرقيات والرياضيات والدراسات الرومانية عام 1947 م، وحصل على درجة الدكتوراه في العلوم الإسلامية والدراسات الإيرانية وفي الفلسفة عام 1950 م.

يقوم حاليًا بصفته أستاذًا لتاريخ العلوم الطبيعية بتدريس العلوم الطبيعية العربية والإسلامية في معهد تاريخ العلوم في فرانكفورت بألمانيا، وهو المعهد الوحيد في العالم الذي يُدرّس فيه تاريخ العلوم الطبيعية الإسلامية بجانب تواريخ العلوم للبيئات الأخرى.

من إنتاجه العلمي بجانب مقالاته في العلوم الإسلامية: «تاريخ البلاغة العربية» ؛ و «مجاز القرآن» لأبي عبيدة معمر بن المثنَّى (تحقيق)؛ و «تاريخ التراث العربي الإسلامي» وهو مترجم إلى العربية؛ و «دراسات حول مصادر الجامع الصحيح للبخاري» ؛

نال جائزة الملك فيصل العالمية للدراسات الإسلامية عام 1399 هـ، 1979 م.

ص: 24

في مكتبات العالم. والكتاب في أصله مكتوب بغير العربية، حيث ألفه فؤاد سزكين باللغة الألمانية، وصدرت النشرة الأولى للمجلد الأول من الكتاب مترجمًا إلى اللغة العربية سنة 1977 م طبعته الهيئة المصرية العامة للكتاب بترجمة د / محمود فهمي حجازي ود / فهمي أبو الفضل، ومما جاء فيما يتعلق بالحديث عن «صحيح البخاري» ما نصه:

وشهرة البخاري تقوم على كتابه «الجامع الصحيح» وقد درسنا هذا الكتاب دراسة ناقدة عميقة، اتضح لنا منها أن هذا الكتاب صادف حظًّا كبيرًا، وهناك بَوْن شاسع بين المكانة الرفيعة - التي زادت وتدعمت مع القرون التالية - والنقد اللاذع الحاد من بعض الشراح الموضوعيين، الذين وجب عليهم أن يفعلوا هذا أثناء شرحهم له في مواضع عديدة من النص.

ومما يدعو إلى العجب أن الأبحاث العلمية الحديثة التي يبدو أنها لم تعرف هذا على الإطلاق قد أخذت - دون نقد أو تمحيص - الصفات المنسوبة إلى الكتاب رغم أنها غير صحيحة (1).

ثم يقول: وبالنسبة للأسانيد فإن مصنف «الجامع الصحيح» للبخاري لا يرقى إلى الكمال، فالأسانيد ناقصة في حوالي ربع المادة، وقد أطلق على هذا الأمر ابتداء من القرن الرابع اسم: التعليق، وبهذا يفقد كتاب البخاري كثيرًا من شهرته بالجمع والشمول، أما البخاري نفسه فقد ثبت أنه ليس عالم الحديث الذي طور الإسناد إلى الكمال كما زعم كيتاني (2)، بل هو أول من بدأ معه

(1) بنصه من «تاريخ التراث العربي» 1/ 173، طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب، سنة 1977 م.

(2)

ليوني كيتاني Leone C. ، مستشرق إيطالي مشهور، ولد في روما في 1869 م وتخرج في جامعتها، وتعلم سبع لغات منها العربية والفارسية، تقلد سفارة بلاده في واشنطن، زار الهند وإيران ومصر وبلاد الشام، ألّف «حوليات الإسلام» في عشر مجلدات ضخمة، يعتمد عليه الكثيرمن المستشرقين في أبحاثهم حول الإسلام واهتم بالتاريخ الإسلامي عمومًا، ومات عام 1935 م. ينظر: كتاب «المستشرقون» 1/ 429 - 430.

ص: 25

انهيار الإسناد (1).

ومن نظر في كلامه هذا تبين له بوضوح القدْح الصريح في مكانة الكتاب ومؤلفه، والرد على كلامه هذا قد قام به كثير من الباحثين الذين ألفوا في بيان شروط الصحيح.

غير أن الأستاذ / فؤاد سزكين اتجه في حديثه إلى التعريض بكتاب «الصحيح» - متأثرًا في ذلك بالثقافة التي احتك بها، والوسط الذي يعيش فيه - من ناحية أخرى، وهي التشكيك في نص «الصحيح» المتداول بين أيدينا، فأخذ يشير إلى روايات «الصحيح» ونسخه التي بين أيدينا فيقول:

وهذه النصوص المتداولة لابد أنها كانت مختلطة ومعقدة للغاية، حتى إن النسخ الأولى المنسوخة عنها تختلف فيما بينها اختلافًا كبيرًا، وعندما اقتصر الاشتغال في القرن السابع الهجري على اختلافات النص في إطار الروايات التي ترجع للنص المتداول للفربري، قام علي بن محمد بن عبد الله اليونيني (ت 701 هـ - 1302 م) بإعداد النص الذي بين أيدينا، ويبدو أن الروايات الأخرى قد ضاعت - للأسف - والنصوص التي وصلت إلينا ترجع في غالبيتها إلى تحرير اليونيني، وجزء منها يرجع إلى الأعمال السابقة على اليونيني، ولكنها تعود إلى روايات استمدت من رواية الفربري، وهي تقدم في قسم منها اختلافات لا تصلح - للأسف - لحل مشكلات النص (2).

هكذا نص الأستاذ / فؤاد سزكين في طبعة الهيئة المصرية للكتاب، حتى ذكر لي الأستاذ الدكتور / مصطفى أبو عمارة أن هناك طبعة أخرى لهذا الكتاب

(1) بنصه من «تاريخ التراث العربي» 1/ 174.

(2)

بنصه من كتاب «تاريخ التراث العربي» 1/ 175 - 176.

ص: 26

يمكن أن يكون قد استدرك فيه ما نسب إليه في هذه الطبعة، وخاصة أن الترجمة أحيانًا تكون غير معبرة عن حقيقة قصد المؤلف باللغة المترجم منها، وهذه الطبعة صدرت سنة 1403 هـ - 1983 م، وأشرفت على طباعتها إدارة الثقافة والنشر بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالمملكة العربية السعودية. فرجعت إليها بعد أن منّ الله عليّ بالحصول على نسخة منها، فوجدت النص قد تغير تمامًا بالنسبة للنصين الأول والثاني اللذين سبق نقلهما، بينما لم يتغير النص الثالث الذي يتعلق بروايات «الصحيح» (1).

وتعجبت في بداية الأمر من اختلاف الطبعتين حتى وقفت على مقدمة الطبعة الثانية، وذكر فيها فؤاد سزكين ردود الأفعال عن كتابته في الطبعة الأولى مما يتعلق بالبخاري وكتابه «الصحيح» وقبوله لمراجعات بعض المختصين في ذلك من العرب، مما يعني أن ما جاء في طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب كانت عن قصد، وتعبيرًا عما يعتقده في البخاري وكتابه، وخاصة أنه يتحدث بالعربية وإن ألف بالألمانية والتركية (2).

ولكن يبقى الإشكال مطروحًا فيما كتبه عن روايات البخاري، حيث لم يغير فيه شيئًا، ولم يكن التعرض للحديث عن روايات «الجامع الصحيح» ونسخه في هذا الموضع فقط، بل ذكر في حاشية الطبعة الثانية لكتابه «تاريخ التراث» أن له دراسة أخرى عن «صحيح البخاري» وهي منشورة باللغة التركية، وقد لخص فيها موضوعه ومنهجه في مقدمة الكتاب، وهذه المقدمة باللغة الإنجليزية تبدأ من الصفحة التاسعة إلى الصفحة السادسة عشرة، وقد أُلحقت ترجمة هذه المقدمة باللغة العربية في هامش الطبعة الثانية من «تاريخ التراث العربي» .

(1) وهذه النقول في المجلد الأول من طبعة جامعة الإمام محمد بن سعود من ص: 220 - 227.

(2)

ينظر مقدمته للطبعة الثانية 1/ 8 - 9.

ص: 27

وقد تناول في هذه الدراسة الحديث عن مصادر البخاري في «الصحيح» هل هي مصادر شفوية أم اعتمد على مصادر مكتوبة قبله؟ انطلاقًا من اقتباساته اللغوية الواردة في مواضع مختلفة في «الصحيح» ونقوله في كتاب التفسير عن بعض المصنفات التي ألفت في غريب القرآن أو الحديث.

وبعد أن تعرض للمصادر العامة للبخاري ثم المصادر اللغوية اتجهت دراسته إلى روايات «الصحيح» نفسها التي انتقلت إلى الأجيال التالية فيقول: إن كتاب البخاري من وجهة نظر أصحاب الروايات كان موضوع دراسة ممتعة، هناك أسباب عديدة للاعتقاد بأن بعض الصعوبات في النص المنسوب إلى رواية الفربري كانت موضع عناية، على الرغم من فروق النسخ في القراءات المختلفة.

ولابد من القول بأن هذه الرواية اختيار مرجوح في المقام الأول، وهناك أيضًا رواية النَّسفي، ونعرف امتيازها عن طريق الأقسام المختلفة التي وصلت إلينا منها في الشروح، وعلى الرغم من كل الجهود فإنه من غير الممكن أن نصل إلى نسخة من «الجامع الصحيح» تقوم على هذه الرواية، فإذا ما توصلنا إلى نسخة منها، فإنا على ثقة من أن المشكلات الموجودة في النص المتاح لـ «صحيح البخاري» أو بعضها على أقل تقدير يمكن أن تتضح (1).

قلت: إن تناول روايات «الجامع الصحيح» ونسخه، وبيان الأسباب التي أدت إلى ذلك، وصور هذه الاختلافات، وبيان النتائج التي ترتبت على هذه الاختلافات، والعوامل المساعدة في توجيه هذه الاختلافات أصبح ضرورة ملحة في أعناق المختصين بعلم الحديث النبوي الشريف في هذا العصر؛ للرد على كثير من المشكلات الملحة التي تدور بأذهان الدارسين لتاريخ «صحيح

(1) ينظر هامش ص: 221 - 225 من ج1 من «تاريخ التراث» طـ جامعة الإمام محمد بن سعود.

ص: 28

البخاري» والتعرض لشرح بعض نصوصه.

ولقد كان للمحدثين القدامى السبق في بيان هذه الاختلافات والتوجيه بينها، وذلك في أثناء الشروح التي ألفت لشرح «الصحيح» كما سيأتي في هذه الرسالة كما ألفت بعض المباحث والأقسام في بعض الكتب التي اهتمت بهذا الجانب أيضًا، ولكن المكتبة الحديثية المعاصرة تفتقر إلى تناول بعض هذه القضايا من منظور آخر، وهو جمع شتات ما تفرق من هذه المباحث في المؤلفات الكبيرة مع التركيز على أسباب ذلك والنتائج التي ترتبت على ذلك، وذلك في إطار دراسة هذه الظاهرة من حيث أنها مظهر من مظاهر عناية الأمة بهذا الكتاب، مع إلقاء الضوء على هذه الروايات، والتعريف بأصحابها، ووصف هذه النسخ، ومحاولة الوقوف على مظان هذه الروايات والنسخ مع التركيز على أهم هذه الروايات من أجل الوصول إلى نص «الصحيح» كما وضعه مؤلفه رحمه الله تعالى.

وتناول هذه القضايا من هذا المنطلق منزلق خطير ينبغي الإعداد له جيدًا، والتزود بالإمكانيات المادية والعقلية التي تساعد على ذلك، وهو فوق طاقة فرد أو باحث، وإنما يحتاج إلى جهة بحثية لتبني مثل هذه الأمور.

وقد يكون هذا الأمر سببًا في عدم إقبال الكثير من الدارسين أو المعنيين بدراسة الحديث إلى الكتابة في هذا الموضوع؛ لأنه يحتاج إلى خبرة معينة في تاريخ النسخ والمخطوطات، وتتبع أماكن نوادر المخطوطات في مكتبات العالم، وإجادة تقييم هذه النسخ، ومعرفة قيمتها الزمنية، كما أنه يحتاج إلى عناية تامة بـ «صحيح البخاري» وذلك من خلال الوقوف على منهج البخاري في تأليف هذا الكتاب وطريقة التحديث به.

لذا حينما وقفت على بعض ما كتب في هذا الميدان وجدتها دراساتٍ نظريةً تفتقر إلى التطبيق العملي، مما يجعل الباحث يستمد معلوماته من أقوال

ص: 29

من سبقه، دون محاولة التعرض لإخضاع هذه النقول للمجال التطبيقي على بعض النصوص، أو تتبع وصف هذه النسخ والروايات من خلال تتبع واستقراء لعدد معين من الكتب وغير ذلك.

كل ما سبق وغيره من اهتمام العلماء قديمًا وحديثًا بهذا الموضوع جعلني أفكر في هذا الموضوع والكتابة فيه، وهذا ملخص لأهم الدوافع لاختيار هذا الموضوع:

1 -

أهمية الموضوع في إضافة دراسة تتعلق بتاريخ أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى.

2 -

أن كل الدراسات التي كتبت تتمثل في مباحثَ صغيرةٍ تشكل بعض الجوانب فقط.

3 -

إظهار عناية الأمة الإسلامية بهذا الكتاب، ويتمثل ذلك في روايته وضبط كلماته وحروفه.

4 -

بيان مناهج المحدثين، وسبقهم غيرهم في وضع الضوابط التي تكفل ضبط الكتاب حين تقييده ومراجعته ووضع ضوابط للمقابلة والتصحيح، وغير ذلك.

5 -

التعريف برواة البخاري، وتمييز كل طبقة بحيث لا تلتبس بغيرها من الطبقات.

6 -

بيان أهم الروايات في كل طبقة التي عول عليها العلماء وحرصوا على روايتها.

7 -

بيان عناية المشارقة والمغاربة وجهودهم في هذا الميدان، والوقوف على أشهر الروايات عند كل منهما.

8 -

الوقوف على الأسباب التي أدت إلى الاختلافات بين النسخ.

9 -

الوقوف على صور هذه الاختلافات وأهم النتائج التي ترتبت على

ص: 30

ذلك.

10 -

محاولة وضع منهج للوصول إلى نص «صحيح البخاري» تتمييز الروايات فيه ويفصل بينها.

11 -

بيان بعض الأخطاء التي وقع فيها العلماء؛ نتيجة لتجاهل هذه الفروق بين النسخ.

12 -

التعريف بجهود شراح «الصحيح» وبيان الروايات التي اعتمدوا عليها في شروحهم.

وغير ذلك من الدوافع.

ص: 31

وعنوان هذه الرسالة هو:

(الاختلاف بين روايات «الجامع الصحيح» ونسخه دراسة نظرية تطبيقية)

وقد اشتملت هذه الرسالة على مقدمة وتمهيد وثلاثة أبواب وخاتمة ثم الفهارس العلمية.

المقدمة: أتكلم فيها عن منزله السنة، وعناية الأمة بها، ومنزلة السند وبيان أهميته، وبيان دوافع اختيار الموضوع، ثم الخطة العامة، وتوضيح مصطلحات العنوان، وأهم الأدوات المساعدة في ذلك، وأهم الدراسات التي تناولت هذا الموضوع من قبل.

أما التمهيد: «عناية المحدثين بضبط المرويات»

وذلك من خلال محورين:

المحور الأول: وضع المحدثين ضوابط وآدابًا لتحمل الرواية (التحمل والأداء).

المحور الثاني: وضع المحدثين ضوابط لضبط الكتاب وتقييده والحفاظ عليه.

والباب الأول: «طبقات الرُّواة عن البخاري»

ويتكون من تمهيد وثلاثة فصول.

أما التمهيد أتكلم فيه عن عناية البخاري بكتابه والتحديث به.

والفَصْل الأول: «طبقات الرُّواة عن البُخارِيّ» ،

وفيه أربعة مباحث:

المبحث الأول: رواية إبراهِيم بن مَعْقِل النَّسفي (295) هـ

المبحث الثاني: رواية حماد بن شاكر النَّسفي (311) هـ

المبحث الثالث: رِواية أبي عبد الله الفَرَبْريّ. (231 - 320) هـ.

المبحث الرابع: باقي الرُّواة عن البُخارِيّ.

ص: 32

رواية أبي طلحة البزدوي (329) هـ

رِواية أبي عبد الله المحاملي (330) هـ

الفَصْل الثاني: «الرُّواة عن الفَرَبْريّ»

وفيه ستة مباحث:

المبحث الأول: رِواية أبي علي ابن السَّكن (353) هـ

المبحث الثاني: رِواية أبي زيد المَرْوَزيّ (371) هـ.

المبحث الثالث: رِواية أبي إسحاق المُسْتَمْلِيّ (376) هـ

المبحث الرابع: رِواية أبي محمد الحَمُّوي (381) هـ

المبحث الخامس: رِواية أبى الهيثم الكُشْمِيهَني (389) هـ

المبحث السادس: باقي الروايات عن الفربري

6 -

رِواية أحمد بن عبد الله الفَرَبْريّ «حفيد الفَرَبْريّ» (371) هـ.

7 -

رِواية أبي أحمد الجُرْجانيّ (373) هـ.

8 -

رِواية ابن شبويه (378) هـ.

9 -

رِواية النُّعَيميّ (386) هـ.

10 -

رِواية الإشتيخني (388) هـ.

11 -

رِواية الكُشّانيّ (391) هـ.

12 -

رِواية الأخسيكثي.

13 -

رِواية محمد بن خالد الفَرَبْريّ.

الفَصْل الثالث: «أشهر الروايات بين العلماء حتى القرن الخامس الهجري»

ويتكون من أربعة مباحث.

المبحث الأول: رِواية أبي ذر الهَرَويّ (434) هـ.

المبحث الثاني: رِواية الأصيِلي (392) هـ.

ص: 33

المبحث الثالث: رِواية أبي الوَقْت (553) هـ

المبحث الرابع: رِواية كريمة المَرْوَزيّة (463) هـ.

الباب الثاني: «الاختلاف بين الروايات»

وفيه أربعة فصول:

الفصل الأول: صور هذه الاختلافات

الفصل الثاني: أسباب هذه الاختلافات ..

الفصل الثالث: نتائج هذه الاختلافات.

الفصل الرابع: وسائل التوجيه بين هذه الاختلافات.

الباب الثالث: عناية الأمة بضبط هذه الاختلافات

وفيه ثلاثة فصول.

أما الفَصْل الأول: عناية المشارقة بالصحيح:

المبحث الأول: ترجمة اليُونِينِيّ (701) هـ

المبحث الثاني: نسخة اليُونِينِيّ (701) هـ، أصوله، ورموزه، عمله، مصير هذه النسخة.

المبحث الثالث: الطبعة «السلطانية» وما يتعلق بها.

والفَصْل الثاني: عناية المغاربة بالصحيح

وفيه ثلاثة مباحث.

المبحث الأول: عناية المغاربة بالصحيح وأهم الروايات التي اشتهرت عندهم من الصحيح.

المبحث الثاني: نسخة أبي علي الصَّدفي (454 - 514) هـ:

ترجمته. روايته. نسخته. أهم النسخ المأخوذة منها.

ص: 34

المبحث الثالث: نسخة أبي عمران موسى ابن سعادة (522) هـ

ترجمته. روايته. نسخته. أهم النسخ المأخوذة منها.

الفصل الثالث: أهم المصنفات التي تعتني بضبط هذه الاختلافات.

ويتكون من تمهيد ومبحثين:

أما المبحث الأول: ضبط الاختلافات من خلال كتب الشروح.

- «فتح الباري» لابن حجر العسقلاني (852) هـ.

- «إرشاد الساري» للقسطلاني (923) هـ.

- شروح أخرى تذكر إجمالًا.

«شرح صحيح البخاري» لابن بطال (449) هـ

«التلخيص» للإمام النووي (676) هـ

«الكواكب الدراري» للكرماني (786) هـ

«فتح الباري» لابن رجب الحنبلي (795) هـ

«التوضيح» لابن الملقن (804) هـ

«عمدة القاري» للعيني (855) هـ

المبحث الثاني: كتب تقييد الألفاظ.

- كتاب «مشارق الأنوار» للقاضي عياض (544) هـ.

- كتاب «تقييد المهمل» لأبي علي الجياني (498) هـ.

- كتاب «مطالع الأنوار» لابن قرقول (569) هـ.

- أهم النتائج والتوصيات.

- الخاتمة: وهي في كيفية الوصول لنص صحيح لصحيح البخاري.

- الفهارس العلمية.

ص: 35

‌حول ألفاظ عنوان الرسالة

قبل الخوض في مباحث هذه الموضوع يجب تحديد ألفاظ عنوانه

والعنوان الذي اخترته للتعبير عن أهداف هذا الموضوع يشتمل على عدة ألفاظ ينبغي تحديد معناها وهي: الاختلاف - الرواية - النسخة - الجامع الصحيح.

‌1 - الاختلاف:

قال ابن فارس: الخاء واللام والفاء أصول ثلاثة:

أحدها: أن يجيء شيء بعد شيء يقوم مقامه.

والثاني: خلاف قدَّام، والثالث: التغير

وأما قولهم: اختلف الناس في كذا، والناس خِلْفَة أي مختلفون فمن الباب الأول، لأن كل واحد منهم يُنَحَّي قول صاحبه، ويقيم نفسه مقام الذي نحاه (1).

وقال ابن سِيده: تَخالف الأمران واختلفا: لم يتفقا، وكل ما لم يتساو فقد تخالف واختلف، وقوله عز وجل:{والنَّخْلَ والزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ} [الأنعام: 141] أي حال اختلاف أُكُله

والخلاف: المضادة، وقد خالفه مخالفة وخلافًا

وخالفه إلى الشيء عصاه إليه، أو قصده بعدما نهاه عنه (2).

وقال الجرجاني: الخلاف: منازعة تجري بين المتعارضين، لتحقيق حق أو لإبطال باطل (3).

وقال ابن منظور: يقال: القوم خِلْفةٌ: أي مختلفون، وهما خلفان: أي

(1)«مقاييس اللغة» 2/ 213 مادة خلف.

(2)

«المحكم» 5/ 123 مادة خلف

(3)

«التعريقات» ص: 101.

ص: 36

مختلفان (1).

واختلاف الرُّواة أن يروي أحدهم أو بعضهم غير ما يروي باقي الرُّواة.

واختلافهم هذا قد يكون عن مصدر الحديث، وهو النبي صلى الله عليه وسلم فيقال: اختلف فيه الصحابة رضوان الله عليهم.

وقد يكون عن مدار الحديث بأن يكون في مَن فوق الصحابي، فيقال: اختلف فيه على فلان، أو اختلف فيه فلان وفلان عن الأعمش مثلًا.

وقد يكون الاختلاف عن المصدر ويكون هو سببَ الاختلاف، فهو يرويه مرة موصولًا مثلًا، ثم يرويه بعد ذلك مرسلة وغير ذلك.

وكما يكون الاختلاف على الراوي أو مصدر الحديث يكون الاختلاف على مصنف كتاب من الكتب الحديثية أو غيرها من الفنون، كما يكون الاختلاف عن إمام من الأئمة في الفتوى مثل الأئمة الأربعة أو غيرهم.

وقد يزاد الخلاف أكثر من ذلك فيأتي الاختلاف عن الرُّواة ثم عن الرُّواة عنهم إلى آخره.

ومما يجب ملاحظته هنا أن العلماء لم يعتبروا الاختلاف في الحديث أو الراوي قدحًا في الروايتين باطراد.

فمن الاختلاف ما لا يقدح في الصحة، ولا يؤثر في إعلال الحديث، حيث يكون الاختلاف في الألفاظ أو الأسانيد بما لا يحيل المعنى.

ومن تتبع إطلاق العلماء للفظ الاختلاف يجده يطلق أيضًا على ما ظاهره التعارض، ويزول بإمعان الفكر وإزالة الإشكال، ولذا تجد الإمام الشافعي يؤلف كتابه «اختلاف الحديث» وابن قتيبة الدينوري يؤلف كتابه «تأويل مختلف الحديث» وغيرهما من العلماء، ويذكرون جملة من الأحاديث التي يوهم ظاهرها التعارض مع سلامتها في الأصل وصحتها.

(1)«لسان العرب» 2/ 1240 مادة: خلف.

ص: 37

ويتجلى ذلك الأمر حتى يعتبر المحدثون هذا النوع من التصنيف علمًا برأسه، فترى في أنواع الحديث ما يسمى بعلم مختلف الحديث.

ومباحث اختلاف الروايات سواء أكان ذلك في طرق الحديث، أم الرُّواة عن المصنف، يقابل عند الأصوليين مباحث التعارض والترجيح بين الأدلة.

وإذا كان هناك كثيرٌ من مسالك الترجيح بين الروايات أو النسخ عند المحدثين، فإن هناك كثيرًا من مسالك الجمع أو الترجيح عند الأصوليين لا يسوع إعمالها عند المحدثين، فمثلا إذا جاز إعمال النسخ الذي هو إزالة أحد الحكمين للآخر في الأدلة، فإنه لا يمكن إعماله كمسلك من مسالك إزالة الاختلاف بين الراويتين.

‌2 - الرواية:

قال الأزهري: روى فلان حديثًا وشعرًا يرويه روايةً، فهو راوٍ، فإذا كثرت روايته، قيل: هو راوية، الهاء للمبالغة في صفة الرواية، ويقال: روّى فلانٌ فلانًا شعرًا؛ إذا رواه له حتى حفظه للرواية عنه (1).

وقال ابن فارس: الراء والواو والياء أصل واحد، ثم يشتق منه، فالأصل ما كان خلاف العطش، ثم يصرف الكلام لحامل ما يروى منه، فالأصل رويت من الماء ريًّا.

وقال الأصمعي: رويت على أهلى أروي ريًّا، وهو راوٍ من قومٍ رواةٍ، وهم الذين يأتونهم بالماء، فالأصل هذا، ثم شبه الذي يأتي القوم بعلم أو خبر فيرويه، كأنه أتاهم يريهم من ذلك (2).

وقال ابن منظور: رَوَّيتُه الشعر تَرْوِيةً أي حملته على روايته، وأرويته أيضًا وتقول: أَنشِد القصيدة يا هذا، ولا تقل اروها، إلا أن تأمره بروايتها، أي:

(1)«تهذيب اللغة» 2/ 1493 مادة: روى.

(2)

«مقاييس اللغة» 2/ 453 مادة: الراء والواو وما يثلثهما، و «مجمل اللغة» 1/ 43 مادة: روى.

ص: 38

باستظهارها (1).

فالرواية في اللغة تشمل الشعر والحديث وغيرهما.

أما عند المحدثين: فيقال: رواية الحديث ويقصد به أداء الحديث، بعد تحمله بوجه من وجوه التحمل، وضبطه، وتحرير ألفاظه، سواء كان الحديث مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أم موقوفًا، أم مقطوعًا.

وقد اشتهر بين العلماء تقسيم الحديث إلى قسمين:

علم الحديث رواية: وهو ما يقصد به التعريف السابق

وعلم الحديث دراية: ويقصد بالدراية الفقه ويقصد بها أيضًا: علوم الحديث التي يُميز بها بين الصحيح والسقيم وما يتبع ذلك.

وأول من أشار إلى ذلك الرامهرمزي (360) هـ في كتابه «المحدث الفاصل» وتبعه بعد ذلك من جاء بعده من المحدثين.

وتوجد استعمالات أخرى عند المحدثين للفظة الرواية ومنها:

1 -

إضافة الرواية إلى راويها من الصحابة، أو ممن تدور عليهم الأسانيد، أو ممن تدور عليهم الوجوه والطرق، أو من أصحاب الكتب، أو من الرُّواة عن أصحاب الكتب، فيقال مثلًا:

رواية أبي هريرة، ورواية المدنيين، ورواية الزهري، ورواية مالك عن الزهري، ورواية البخاري، ورواية الفربري عن البخاري إلى غير ذلك.

2 -

إضافة الرواية إلى المروي، حيث تضاف الرواية إلى أمر في المتن، كقولهم: رواية التسبيع أو رواية التثليث في حديث ولوغ الكلب في الإناء.

3 -

إضافة الرواية إلى نوعها.

حيث تضاف الرواية إلى النوع الذي تضاف إليه من أنواع الحديث، كقولهم: رواية الوصل، أو رواية الإرسال، أو رواية الوقف وغير ذلك.

(1)«اللسان» 3/ 1786 مادة: روى.

ص: 39

4 -

وقد تذكر بدون إضافة فيقال مثلًا: وفي رواية كذا وكذا.

واستعمال المحدثين لإضافة لفظ الرواية إلى شيء مما ذكر، أو بدون إضافة، يكون ذلك في مقابلة رواية بأخرى من نفس النوع المضاف إليه، دون ما ينفرد به راويه.

ولأئمة القراءات مصطلحات تشبه اصطلاحات المحدثين.

يقول العلامة شهاب الدين أحمد بن محمد بن عبد الغني الدمياطي (1117) هـ:

واعلم أن الخلاف إما أن يكون للشيخ كنافع، أو للراوي عنه كقالون، أو للراوي عن الراوي وإن سفل كأبي نشيط عن قالون، والقزاز عن أبي نشيط، أو لم يكن كذلك.

فإن كان للشيخ بكماله، أي مما اجتمعت عليه الروايات والطرق عنه فقراءة.

وإن كان للراوي عن الشيخ فرواية، وإن كان لمن بعد الرُّواة وإن سفل فطريق، وما كان على غير هذه الصفة، مما هو راجع إلى تخيير القارئ فيه فهو وجه (1).

والذي يهمنا من كل ما سبق هو إطلاق المحدثين لفظ الرواية على المروي من الكتب، وقد اشتهر هذا الإطلاق بعد القرن الثالث حيث أصبحت عناية المحدثين مركزةً على رواية المصنفات وضبطها، فأصبحت المصنفات تقوم مقام الروايات قبل التصنيف.

‌3 - النسخة:

النسخ في أصله اللغوي يدور في معانيه على: نقل الشيء من مكان إلى مكان وهو هو.

(1)«إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر» للبنا الدمياطي ص: 26، نقلا عن كتاب «معرفة مدار الإسناد» لمؤلفه محمد مجير الخطيب 1/ 162 - 164.

ص: 40

والنسخ: اكتتابك كتابًا عن كتاب، حرفًا بحرف، تقول: نسخته وانتسخته، فالأصل نسخة والمكتوب منه نسخة، لأنه قام مقامه، والكاتب ناسخ ومنتسخ (1).

وأضاف ابن منظور معنى آخر في معاني النسخ حيث يقول: (2) نسخ الشيء ينسخه نسخًا وانتسخه، واستنسخه: اكتتبه عن معارضة ا. هـ.

ولقد ذكرت كلمة النسخة عند المحدثين القدامى وأطلقوها على مجموعة الأحاديث التي تروى بإسناد واحد، وهي عندهم مرادفة للصحيفة.

كما يقال عن صحيفة همام بن منبه، فقد أطلق عليها بعض المحدثين نسخة همام ابن منبه، وهي التي رواها عن أبي هريرة، كما قيل ذلك في الأحاديث التي رواها عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده فقالوا: نسخة عمرو بن شعيب.

قال الخطيب (463) هـ في كتابه «الكفاية» وقد عقد بابًا بعنوان: باب ما جاء في تفريق النسخة المدرجة وتحديد الإسناد المذكور في أولها لمتونها قال: لأصحاب الحديث نسخ مشهورة، كل نسخة منها تشتمل على أحاديثَ كثيرةٍ، يذكر الراوي إسناد النسخة في المتن الأول منها، ثم يقول فيما بعده وبإسناده إلى آخرها.

فمنها نسخة يرويها أبو اليمان الحكم بن نافع عن شعيب بن أبي حمزة عن أبي الزناد، عن الأعرج عن أبي هريرة.

ونسخة أخرى عند أبي اليمان، عن شعيب أيضًا عن نافع عن ابن عمر.

ونسخة عند يزيد بن زريع، عن روح بن القاسم، عن العلاء بن

(1) ينظر: «تهذيب اللغة» 4/ 3558 مادة نسخ، و «مقاييس اللغة» لابن فارس 5/ 424، 425 مادة: نسخ.

(2)

«اللسان» 7/ 4407، مادة نسخ.

ص: 41

عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة.

ونسخة عند عبد الرزاق بن همام، عن معمر بن راشد، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، وسوى هذا نسخ يطول ذكرها (1).

وبعد استقرار الأحاديث في بطون الكتب في القرن الثالث الهجري، أطلق العلماء اسم النسخ على روايات الكتب، فيقال مثلًا: نسخة أبي ذر الهروي، ونسخة أبي على الصدفي، ونسخة اليونيني، ونسخة ابن سعادة،

وهكذا.

ومن الملاحظ أن العلماء غالبًا لا يطلقون هذا اللفظ على نسخة أو رواية إلا إذا ظهرت عناية صاحب هذه النسخة بها، وليس مجرد رواية الكتاب تطلق عليها نسخة، فكل نسخة رواية، وليس العكس فصاحب كل نسخة هو في الأصل راوٍ لها.

ولذا نجد النسخ يطلق عليها أحيانا رواية فيقال: رواية أبي ذر الهروي، ورواية ابن سعادة، ورواية اليونيني

وهكذا.

ص: 42

‌الاختلاف في تسمية «صحيح البخاري»

مما لا يخفى على أحد أن عناية المؤلفين واختيارهم لوضع أسماء كتبهم المعبرة عن مضمونها ومحتواها يحتل من اهتمامهم المقام الأول؛ لأن عنوان الكتاب هو الدال على ما فيه.

فبعنوان الكتاب يعرف من ينظر إليه موقع هذا الكتاب من العلم الذي ألف فيه.

ولذا كان العلماء لهم عناية شديدة بصياغة عنوان الكتاب؛ ليكون دالا بدقة واستيعاب على ما يدخل فيه وما لا يدخل، فهو في كثير من الأحوال يصاغ صياغة التعريف، فيكون جامعًا مانعا كما هو شأن التعريف إذا كان دقيقًا.

ومما يصدق عليه القول في ذلك كتاب الإمام أبى عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله تعالى؛ حيث قد اختار لكتابه اسمًا عرف منه شرطه في كتابه ومنهجه فيه، ولذا استلزم ذلك أن يكون الاسم طويلًا، ولذا وقع الاختصار في بعض أجزائه مما يترتب عليه الإخلال بما قصده البخاري.

ولذا فمن أهم الأشياء التي ينبغي التحقق منها ونحن نتناول «صحيح البخاري» رحمه الله تعالى، بشيء من الدراسة، هو التحقيق في ألفاظ اسم «صحيح البخاري» .

ولا يمنع ذلك من اختصار الاسم بما يدل على تميزه عن غيره من الكتب التي ألفت في هذا المجال فنقول مثلًا: «صحيح البخاري» أو «الجامع الصحيح» ، أو غير ذلك، فقد ثبت عن البخاري نفسه اختصار اسم «الصحيح» .

وإنما أعني بالتحقق في اسم الكتاب عندما يساق الاسم ويراد به اسم المصنف كما ذكره مؤلفه، وهذا عادة ما يكون في الفهارس والأثبات

ص: 43

والمعاجم والمشيخات (1)، ويكون أيضًا في مقدمات الشروح أو المختصرات للكتاب، أو غير ذلك.

ولذلك حينما نتناول التحقيق في اسم «صحيح البخاري» ينبغي تتبع هذه الكتب، وبعد الرجوع إلى المتاح لي من هذه الكتب يمكن تصوير الاختلاف في اسم «الصحيح» في النقاط التالية.

1 -

أشمل وأتم ما وقفت عليه وأرجح ما قيل هو أن اسمه: «الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه» .

وهذا الاسم بهذه الكلمات وبهذا الترتيب ذكره جمع من العلماء منهم:

أبو نصر أحمد بن محمد بن الحسين الكلاباذي (398) هـ في أوائل كتابه «رجال صحيح البخاري» (2).

والحافظ أبو بكر محمد بن خير الإشبيلي (575) هـ في كتابه «فهرسة ما رواه عن شيوخه» (3).

والعلامة أبو عمرو ابن الصلاح (643) هـ في كتابه المعروف بـ «مقدمة ابن الصلاح» (4) وشيخ الإسلام يحيى بن شرف النووي (676) هـ في مقدمته للقطعة التي شرحها من «صحيح البخاري» المسمى بـ «التلخيص» (5) وفي أول كتاب «تهذيب الأسماء واللغات» (6).

(1) المشيخات: هي التي تشتمل على ذكر الشيوخ الذين لقيهم المؤلف وأخذ عنهم أو أجازوه وإن لم يلقهم. الرسالة المسطرفة: 1/ 141

(2)

1/ 24.

(3)

ص: 94.

(4)

ص: 167 ط. د / عائشة

(5)

1/ 213

(6)

1/ 73

ص: 44

وأبو عبد الله محمد بن عمر بن رشيد السبتي الأندلسي (721) هـ في كتابه «إفادة النصيح بالتعريف بسند الجامع الصحيح» (1).

والعلامة سراج الدين عمر بن علي المعروف بابن الملقن (804) هـ في مقدمة شرحه لـ «صحيح البخاري» المسمى بـ «التوضيح» (2).

والعلامة بدر الدين محمد بن محمود العيني (855) هـ في مقدمة شرحه «عمدة القاري» (3) والإمام جلال الدين السيوطي (911) هـ في أول شرحه للصحيح المسمى بـ «التوشيح» (4) فهذا العنوان كما سقته وبهذا الترتيب ذكره كل من تقدم وهو الأرجح عندي، والله أعلم بالصواب.

وذكره القاسم بن يوسف التجيبي السبتي (730) هـ في «برنامجه» (5) بتقديم كلمة (المختصر) فذكرها بعد كلمة الجامع هكذا: «الجامع المختصر المسند الصحيح ..» .

2 -

لفظ: «الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه» .

بدون ذكر كلمة: (المختصر)، وكلمة:(حديث) بدلا من كلمة: (أمور).

وهو ما ذكره الحافظ ابن حجر العسقلاني (852) هـ في مقدمة شرحه «فتح الباري» .

ووجد هكذا مكتوبا على ظهر الورقة الأولى من نسخة أبى زيد المروزي ت (371) هـ عن الفربرى عن البخاري، وهذه النسخة تعتبر أقدم قطعة معروفة

(1) ص: 16.

(2)

2/ 26.

(3)

1/ 5.

(4)

1/ 43.

(5)

ص: 68.

ص: 45

حتى الآن من «صحيح البخاري» حيث كتبت في حدود سنة (370) هـ أي قبل وفاة صاحبها بسنة على الأقل، وسوف يأتي مزيد تفصيل لهذه الرواية.

وذكر الأستاذ محمد المنوني في بحث له بعنوان «صحيح البخاري في الدراسات المغربية» (1) أن في مكتبة الأحمدية بفاس نسخةً من «الصحيح» تنسب إلى رواية ابن الحطيئة عن أبى ذر الهروي عن شيوخه الثلاثة، وقد كتب على أول الجزء الثاني منها ما نصه: الجزء الثاني من «الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله وسننه صلى الله عليه وسلم وأيامه» . بمثل ما جاء عند ابن حجر في المقدمة.

وابن الحطيئة المذكور هذا اسمه: أبو العباس أحمد بن عبد الله بن أحمد اللخمي الفاسى ساكن مصر والمتوفى بها في سنة (560) هـ (2).

وجاء أيضًا مكتوبا على ظهر نسخة أبي على الصدفي (3).

ونسخة أبى على الصدفي هذه لها قيمة كبيرة وسيأتي الحديث عنها تفصيلًا.

ويتناول الشيخ عبد الفتاح أبو غدة في جزء صغير بعنوان: (تحقيق اسمي الصحيحين وجامع الترمذي) الكلام على اسم «صحيح البخاري» ويرجح القول باللفظ الأول الذي سقته سابقًا، ونقله عن بعض من ذكرتهم ممن نقل عنهم اسم «الصحيح» ، ونقل عن ابن حجر رحمه الله ما نقلته عنه ثم قال: فالاسم الذي أورده الحافظ ابن حجر فيه قصور شديد والدقة والتمام فيما

(1) ص: 142.

(2)

ينظر «وفيات الأعيان» لابن خلكان 1/ 170 - 171.

(3)

فيما ذكره الدكتور عبد الهادي التازي في مقاله المنشور في مجلة معهد المخطوطات بعنوان «صحيح البخاري بخط الحافظ الصدفي» ، ص: 36 من العدد التاسع عشر المنشور في سنة 1973 الجزء الأول.

ص: 46

ذكره الآخرون .. ثم قال: والظاهر أن الحافظ رحمه الله تعالى كتب هذا الاسم في حال شغل خاطر فإنه إمام ضابط حاذق دقيق جدًا

اهـ (1).

قلت (الباحث): صنيع ابن حجر هذا ليس ذهولًا منه عما قيل عند غيره، وإنما قصد ما ذكر، وذلك يتبين بوضوح بعد ورود هذا الاسم على ظهر ثلاث نسخ مخطوطة، كل واحده منها تتمتع بالدرجة العالية في الصحة والإتقان.

وأما عن اختصار العنوان عند بعض العلماء فمنهم من أسقط كلمة (المسند) وكلمة (سننه) كما جاء عند الإمام القاضي أبى محمد عبد الحق بن عطية الأندلسي المتوفى في حدود سنة (541) هـ وذلك في كتابه المسمى «فهرس ابن عطية» (2) فصار هكذا «الجامع الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وأيامه» (3).

ومن العجيب أن هذا الاسم كما وصف لم يثبت على طبعات «الصحيح» التي وقفت عليها، وحقه أن يثبت على وجه كل جزء ليدل على مضمونه بالاسم الذي سمَّى مؤلفه به هذا الكتاب.

والاسم الذي اختاره البخاري لكتابه على كل هذه الروايات فيه طول غير مألوف في أسماء الكتب، وليس من السهل أن يورده المتكلم بتمامه عندما يقصد الإشارة إلى الكتاب، ولذلك كان البخاري رحمه الله تعالى كثيرًا ما يعبر

(1) ص: 11.

(2)

ص: 45.

(3)

كما وقفت على صور أخرى للعنوان فيها اختصار كبير، ومنها ما جاء عند الحافظ أبى علي الحسين بن محمد الغساني الجياني (498) هـ وذلك في كتابه:«تقييد المهمل» 1/ 59 حيث جاء بلفظ:

«الجامع المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه» .

ومنها ما جاء عند القاضي عياض (544) في مقدمة كتابه «مشارق الأنوار» 1/ 9.

ص: 47

عن الكتاب ببعض الألفاظ المختصرة التي تدل عليه، ومما ثبت في ذلك أنه سماه:«الجامع الصحيح» كما جاء ذلك في قوله: كنا عند إسحاق بن راهويه، فقال: لو جمعتم كتابا مختصرًا لصحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقع ذلك في قلبي فأخذت في جمع «الجامع الصحيح» (1).

وربما اقتصر في الدلالة عليه بلفظ: «الجامع» كما جاء في قول البخاري: ما أدخلت في كتابي «الجامع» إلا ما صح، وتركت من الصحيح؛ حتى لا يطول (2).

كما أنه قد يقتصر في الدلالة عليه بكلمة «الصحيح» ومن ذلك قول البخاري: ما كتبت في كتاب «الصحيح» حديثًا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين (3).

وأبعد من ذلك كله تسمية البخاري لكتابه هذا بـ (البخاري)، حيث جعله شريكا له في التسمية والشهرة به بين الناس، كما جاء في قوله من رواية محمد بن أبي حاتم الوراق على ما جاء في بعض المصنفات: لو نُشِرَ بعض أستاذيَّ هؤلاء لم يفهموا كيف صنفت البخاري ولا عرفوه (4).

(1) سيأتي تخريجه في ترجمة إبراهيم بن معقل النَّسفي.

(2)

سيأتي تخريجه في ترجمة إبراهيم بن معقل النَّسفي.

(3)

أخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» 2/ 9، ابن أبي يعلى في «طبقات الحنابلة» 2/ 249 - 250، النووي في «التلخيص» 1/ 216، المزي في «التهذيب» 24/ 443، الذَّهَبِيّ في «السير» 12/ 402، وكذا أورده ابن حجر في «هدى الساري» ص: 7، كلهم من طريق الفربري، عنه.

(4)

أخرجه الخطيب في «التاريخ» 2/ 7، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» 52/ 75، والمزي في «تهذيب الكمال» 24/ 440، وكذا أورده الذَّهَبِيّ في «السير» 12/ 403، والسبكي في «الطبقات» 2/ 221، الحافظ في «الهدي» ص:487. قلت: ويتعلق بهذا السياق أمران:

أحدهما: تصحف قوله: (أستاذي) إلى: (أستاري) في «هدي الساري» ، كما تصحف إلى (إسنادي) في «تاريخ بغداد» و «الطبقات» للسبكي.

الآخر: قوله: (كيف صنفت البخاري) كذا هو عند الحافظ في «الهدي» أما عند غيره فجاء مرة: (كيف صنفت التاريخ) وأخرى: (كيف صنفت كتاب التاريخ) وثالثة: (لم يفهموا كتاب التاريخ).

ص: 48

وإذا كان الإمام البخاري قد أطال في تسمية كتابه، فقد جعل اسمه بهذا الطول غير المألوف عنوانا دقيقا شاملًا لكل مزايا الكتاب وخصائصه وموضحًا لمنهجه في تأليفه.

فهو جامع حيث لم يقتصر على أحاديث موضوع واحد، وإنما نوّع في موضوعاته وجعله شاملًا لكثير من الفروع من العلم في الأحكام والفضائل والآداب والرقائق والتفسير والأخبار .. إلخ، حتى وصلت أبوابه إلى أكثر من ثلاثة آلاف وأربعمائة بابًا، جمع فيها قدرًا لا بأس به لتحقيق ما زاد من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه.

وهو صحيح في كل ما أورده من أحاديثه الأصول، وهي التي أخرجها في متون الأبواب موصولة السند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأفردها بطابع وصيغة محددة عنده، وهي التصريح بقوله: حدثنا، والعنعنة بشرطها الذي التزمه وتشدد فيه، فكل حديث ورد في كتابه على هذا النحو فهو صحيح عنده.

ولا يعكر على وصف الكتاب بالصحة أنه اشتمل على أحاديثَ أخرى ليست من شرطه؛ لأنه قد ميز ذلك، حيث ميز الأحاديث المسندة عن المعلقات والنقول الأخرى، وعلى اعتبار تميز المسند الصحيح، يجب أن نفسر ما رواه إبراهيم بن معقل النَّسفي من قوله: ما أدخلت في كتابي «الجامع» إلا ما صح بأن المراد أنه لم يدخله على هذا النحو، وبهذا الطابع من وصله على الطريقة المعنية، ويؤكد صحة هذا التفسير ما رواه الإسماعيلي من قوله: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا.

وهو مسند بالنظر إلى أحاديثه الأصول أيضًا، فهو لم يورد في الكتاب

ص: 49

شيئا من المراسيل والمنقطعات والبلاغات، اللهم إلا ما يكون في غير الأصل، كالتعليقات والتراجم وغير ذلك.

وهو مختصر؛ لأنه لم يستوعب فيه كل ما صح عنده من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل اقتصر فيه على مقدار يسير جدًا مما كان يحفظه من صحاح الحديث، فقد صرح في بعض أقواله أنه يحفظ مائة ألف حديث صحيح، وهو لم يقتصر على هذا القدر الموضوع في الكتاب إلا حرصًا على الاختصار لئلا يطول الكتاب كما قال البخاري رحمه الله تعالى: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صح وتركت من الصحيح حتى لا يطول.

هذه هي الصفات الأربع التي تميز بها كتاب البخاري، وهي مستمدة كما ترى من عنوانه الذي وضعه له، مع ملاحظة أن وصف الصحة في الأحاديث التي أوردها في الكتاب هو أعلى هذه الصفات، وهي التي جعلت البخاري وكتابه يتبوآن مكانة عالية على مرِّ الزمان.

وهناك أمر آخر تجدر الإشارة إليه وهو تعبير الإمام البخاري في تسميته بقوله: أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه، فهذا التعبير جعل به البخاري رحمه الله رسول الله صلى الله عليه وسلم محور كتابه، حيث اشتمل على ما يتعلق بأمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفاته التي قد يكون منها خاصًا به صلى الله عليه وسلم، ليلمح بذلك إلى أن ما يتعلق بشخص رسول الله صلى الله عليه وسلم داخل في نطاق عناية المحدثين واهتمامهم بكل ما صدر عن الرسول صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو أقر به، أو حتى كان ذلك صفة خُلُقية، أو خَلقية فرحمه الله تعالى رحمة واسعة.

‌الدراسات السابقة التي تناولت الموضوع

من الدراسات القديمة التي تناولت الاختلاف بين الروايات وتوجيهها غير الشروح لـ «صحيح البخاري» كتاب «تقييد المهمل وتمييز المشكل» للحافظ أبي علي الحسين بن محمد الغساني (498) هـ حيث تناول في قسم من

ص: 50

الكتاب الاختلافات الواقعة بين الرُّواة، وذلك في أسانيد «الصحيح» فقط دون متونه، حتى جاء بعده القاضي عياض (544) هـ فألف كتابه «مشارق الأنوار» وتناول فيه الاختلافات الواقعة في الأسانيد والمتون التي وقعت من قبل الرُّواة، ووجهها ورجح بينها، ثم ابن قرقول (569) هـ في كتابه «مطالع الأنوار على صحاح الآثار» حيث استدرك على القاضي عياض بعض ما فاته، وله عليه بعض التعقبات (1).

وقد اختصر القسم الخاص بالاختلافات في الرُّواة في «صحيح البخاري» من كتاب «تقييد المهمل» الحافظ يوسف بن عبد الهادي الحنبلي المتوفى سنة (909) هـ وهو بعنوان: «الاختلاف بين رواة البخاري عن الفربري وروايات عن إبراهيم بن معقل النَّسفي» (2).

ومما كتب عن روايات الجامع الصحيح، مع الاهتمام باستيعابها ما كتبه العلامة محمد بن يحيى الكاندهلوي حيث كتب مقدمة للإفادات التي جمعها عن الشيخ الإمام رشيد بن أحمد الجنجوهي (1323) هـ على «صحيح البخاري» مع زيادات من عنده حتى صار شرحا كبيرًا وسماه:«لامع الدراري على جامع البخاري» (3)

إضافة إلى ذلك فقد وقفت على بعض الأبحاث المعاصرة التي تناولت بعض مباحث هذه الرسالة:

أولها: بحث بعنوان: (روايات ونسخ الجامع الصحيح) .. دراسة وتحليل للدكتور / محمد بن عبد الكريم بن عبيد أستاذ السنة النبوية وعلومها المشارك

(1) وسيأتي الحديث عن هذه الكتب تفصيلًا.

(2)

وهو مطبوع في مجلد نشرته دار الوطن بالرياض سنة (1420) هـ بتحقيق صلاح فتحي هلل. وعندي مصورة من مخطوط هذا الكتاب من دار الكتب المصرية في حوالي 56 لوحة.

(3)

وهو مطبوع في عشرة مجلدات نشرته المكتبة الإمدادية بمكة المكرمة.

ص: 51

بجامعة أم القرى بمكة المكرمة، وهو بحث في حدود سبعين صفحة، تناول فيه الموضوع من خلال ثلاثة أبواب: الباب الأول: تكلم فيه عن الإمام البخاري وعن «الصحيح» . والباب الثاني تحدث فيه عن روايات «الجامع الصحيح» وذلك من خلال التعريف بأهم هذه الروايات باختصار شديد، ثم تحدث عن أشهر طبعات «صحيح البخاري» ونسخه المخطوطة.

والباب الثالث فهو للحديث عن الاختلافات من خلال أنواع هذه الاختلافات ثم ذكر النقول عن الإمامين أبي علي الجياني وابن حجر رحمهما الله تعالى. وهو في حقيقة الأمر وإن كان لم يتناول الموضوع بعمق، ومحاولة الاستقراء، وتتبع الروايات إلا أنه يعتبر ألقى ضوءًا على الموضوع بما لم يسبق إليه أحد من المعاصرين، فجزاه الله خيرًا.

والبحث الثاني: بحث للدكتور / نزار عبد القادر الريان رحمه الله أستاذ الحديث المشارك بكلية أصول الدين بالجامعة الإسلامية بغزة فلسطين، وهو بعنوان:(الإمام اليونيني وجهوده في حفظ «صحيح البخاري» وتحقيق رواياته).

وهو بحث مستلٌّ من المجلة من المجلد العاشر العدد الأول من ص: 223 - 260 لسنة 2002 (1). وهو في حدود 37 صفحة، وتناول فيه الموضوع في أربعة مطالب: الأول عن الإمام اليونيني وأسرته العلمية، والمطلب الثاني عن تصنيف البخاري لكتابه «الصحيح» ، والمطلب الثالث لرواة «صحيح البخاري» ونسخه التي اعتمدها اليونيني، والمطلب الرابع في نهوض اليونيني لـ «صحيح البخاري» دراسة وجمعًا للروايات، وتدريسًا ومقارنة بين الروايات.

(1) وقد حصلت على هذه المستلة من الأستاذ الدكتور / مصطفى أبو عمارة حيث كان عضوًا محكمًا لهذا البحث.

ص: 52

وهي دراسة وإن كان صغيرة إلا أنها مركزة في بابها، غير أنها تحتاج إلى تبسيط وتدعيم بالنماذج التطبيقية، فجزاه الله خيرًا، وأدخله فسيح جناته.

البحث الثالث: بحث بعنوان: (صحيح البخاري في الدراسات المغربية من خلال رواته الأولين ورواياته وأصوله) تأليف الأستاذ / محمد المنوني أستاذ التعليم العالي بكلية الآداب ودار الحديث الحسنية بالمغرب. وهو بحث منشور في مجلة دعوة الحق العدد الأول من السنة السابعة عشر مارس سنة 1975 م وهو في حدود أربعين صفحة.

وقد تناول «صحيح البخاري» ورواية المغاربة له، وذلك من خلال راويين فقط هما: إبراهيم بن معقل النَّسفي، ومحمد بن يوسف الفربري ثم تطرق للرواة عنهما تفصيلًا، وأشهر الروايات عنهما، وأماكن وجود هذه النسخ، وهو بحث قيم استفدت منه كثيرًا في المبحث الخاص بعناية المغاربة بـ «صحيح البخاري» .

البحث الرابع: بحث بعنوان: (صحيح البخاري بخط الحافظ الصدفي) تأليف الدكتور / عبد الهادي التازي، وهو منشور في مجلة معهد المخطوطات العربية التابع لجامعة الدول العربية، وقد نشر في المجلد التاسع عشر الجزء الأول الصادر في ربيع الآخر سنة 1393 هـ الموافق شهر مايو 1973 م، وهو يشمل الصفحات من ص: 21 حتى ص: 52 أي: حوالي ثلاثين صفحة.

وقد خصصه للحديث عن إحدى مخطوطات نسخة أبي علي الصدفي وسيأتي الحديث تفصيلًا عن هذه النسخة.

البحث الخامس: بحث بعنوان: (التنويه والإشادة بمقام رواية ابن سعادة) للشيخ عبد الحي الكتاني مخطوط، وهو مقدمة وضعها المؤلف لبيان فضل رواية ابن سعادة (522) هـ التي رواها عن صهره وشيخه أبي علي الصدفي (514) هـ عن أبي الوليد الباجي (474) هـ عن أبي ذر الهروي (434) هـ عن

ص: 53

شيوخه الثلاثة عن الفربري، كما سيأتي الحديث تفصيلًا عن هذه النسخة.

وهذه المقدمة وضعها الشيخ عبد الحي الكتاني كمقدمة للمجلد الأول الموافق للخمس الثاني من أصل «الصحيح» وقد نَشَرَ هذا الخمس بالتصوير الشمسي كمخطوط الأستاذ ليفي بروفنسال (1) مدير معهد الرباط، وذلك في باريس سنة 1347 هـ - 1928 م، وعندي مصورة لهذه المقدمة وهذا الخمس من نسخة ابن سعادة، وهذه المقدمة في حدود 33 لوحة وهي بخط أندلسي.

كما توجد بعض المقالات التي تناولت النسخة اليونينية مثل مقالة الشيخ أحمد شاكر وهي بعنوان: (النسخة اليونينية من صحيح البخاري) وقد وضعتها دار الجيل في مقدمة الطبعة التي طبعوها من النسخة السلطانية، وسيأتي الحديث عن هذه المقالة في مبحث النسخة اليونينية.

ومنها مقدمة الدكتور / محمد زهير بن ناصر لطبعة «صحيح البخاري» لدار طوق النجاة وغير ذلك.

ووجدت في مجال التعريف ببعض الرُّواة كثيرًا من كتب الفهارس والبرامج ومعاجم الشيوخ والمشيخات، حيث تناولوا التعريف ببعض الرُّواة، وذكر الروايات المختلفة ورواة النسخ المشهورة عن البخاري، وبيان طرق هذه النسخ إلى مؤلفي هذه الكتب.

كما اعتنت كتب التراجم والجرح والتعديل وتواريخ الرجال وكتب الطبقات المختلفة بالحديث عن رواة البخاري.

وقد أُفرد الرُّواة بالتصنيف فقد صنف الإمام أبو بكر محمد بن عبد الغني

(1) ليفي بروفنسال Levi - Provencal ولد في الجزائر، وحصل على درجة الليسانس من كلية الآداب بالجزائر، وعمل في معهد الدراسات العليا المغربية في الرباط، وعمل أستاذًا للعربية والحضارة الإسلامية في جامعة باريس، وفي كلية الآداب بالجزائر. ودعي للعمل أستاذًا زائرًا في جامعة القاهرة ومن أبرز اهتماماته تاريخ الأندلس.

ص: 54

البغدادي الحنبلي المعروف بابن نقطة (629) هـ كتابه «التقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد» وألف الإمام محب الدين أبو عبد الله محمد بن عمر بن محمد بن رشيد الفهري السبتي الأندلسي (721) هـ كتاب «إفادة النصيح في التعريف بسند الجامع الصحيح» كتبه ابن رشيد وترجم فيه لسلسلة رواة «صحيح البخاري» منه إليه وجعل كتابه سبع حلقات أو قرائن، هي الطبقات بينه وبين البخاري، مقتصرًا في كل طبقة على واحد أو أكثر الذين بهم يتصل إسناده، ويستقيم طريق روايته، وهو طريق أبي ذر الهروي وغير ذلك.

والكتاب مطبوع طبعته الدار التونسية للنشر بتحقيق الشيخ الدكتور / محمد الحبيب ابن الخوجة.

ومن الملاحظ على كل هذه الدراسات التي كتبت باللغة العربية أنها أبحاث صغيرة، كل منها يختص بأحد مباحث هذه الرسالة.

ومما يثير العجب والدهشة أن المستشرقين مع قلة إنتاجهم الفكري بما يتعلق بالدراسات الإسلامية (1)،

إلا أن موضوع روايات صحيح البخاري كان

(1) مما تجدر الإشارة إليه أن المستشرقين كانت لهم عناية بالدراسات الشرقية عمومًا، والعربية خصوصًا، ومن مظاهر عنايتهم بالدراسات العربية والإسلامية محاولتهم اقتناء كثير من المخطوطات العربية.

ولاشك أن أهم هذه المجموعات على الإطلاق - كما قَال د / أيمن فؤاد سيد - هي مجموعة المخطوطات الموجودة في مكتبات إستانبول والأناضول والتي يقدر عددها بنحو (250) ألف مخطوط عربي، وكذلك المخطوطات العربية الموجودة في إيران.

أما مجموعات المخطوطات العربية الموجودة في أوربا فأهمها المجموعات الموجودة في باريس وبرلين ولندن وليدن ومدريد وروما ودبلن وسان بطرسبرج، وتتركز أهم مجموعات المخطوطات العربية في الولايات المتحدة الأمريكية في برنستون وييل، كما تشتمل مكتبات الهند والدول الإسلامية التي تكون الكومنولث الروسي على مجموعة هامة من المخطوطات العربية والإسلامية.

وفي تركيا تتكون مكتبات استانبول وحدها من نحو 150 خزانة وقفية، موزعة الآن على نحو 16 مكتبة جمع القسم الأكبر منها مؤخرًا في المكتبة السليمانية، ولم يبق خارجها إلا المجموعات المحفوظة في متحف طوبقبوسراي، ومكتبة كوبريلي، وغير ذلك.

ويوضح سبب كثرة المخطوطات في استانبول إجابة العالم التركي الراحل خوجا شرف الدين عندما سأله صديقه المستشرق الألماني هلموت ريتر عندما قَال له: كيف استطعتم أن تجمعوا كل هذه الكتب؟

أجابه بكلمة واحدة: «بالسيف» وأضاف ريتر: وفي الحقيقة فإن قسمًا كبيرًا من هذه الكنوز كان أسلابًا وغنيمةً، فقد ورث العثمانيون الدول الإسلامية السابقة عليهم، واعتبروا أنفسهم حكام العالم الإسلامي بعد انتقال الخلافة إليهم فكان من الطبيعي أن ينقلوا إلى عاصمتهم - عاصمة الخلافة - بين ما نقلوه من البلاد التي وقعت تحت سيطرتهم الإنتاج الفكري المتمثل في المخطوطات العربية.

أما في أوربا فيرجع تكوين المخطوطات الشرقية عمومًا، والمخطوطات العربية خصوصًا إلى فترة الحروب الصليبية، ولكن البداية الحقيقية ترجع إلى القرن السادس عشر الميلادي عندما بدأ اتصال فرنسا بالمخطوطات العربية، غير أنها لم تتعد في هذه الفترة أصابع اليدين، ثم ارتفع عدد المخطوطات في فرنسا في عام 1668 م ليبلغ 468 مخطوطة، ثم ارتفع في فترة حكم لويس الرابع عشر إلى أكثر من 1800 مخطوطة، ثم ارتفع عقب الحملة الفرنسية (1798 - 1801 م) ليصل عدد المخطوطات إلى أكثر من خمسة آلاف مخطوطة عربية وازداد شيئًا فشيئًا حتى وصل العدد في سنة 1993 (7200) سبعة آلاف ومائتي مخطوطة.

أما أسبانيا فتتمثل أكبر مجموعة في مكتبة دير الإسكوريال في ضواحي مدريد التي أقامها ملك أسبانيا فيليب الثاني سنة 1576 م تخليدًا لذكرى انتصاره على الفرنسيين عام 1557 م.

ومقتنيات هذه المكتبة كثيرة جدًا، حيث جمع فيها ما تركه المسلمون في بلاد الأندلس بعد الاستيلاء عليها. كما ضم إليها في عهد الملك فيليب الثالث عام 1612 م خزانة مولاي زيدان السعدي ملك مراكش التي كان ينقلها في سفينة أثناء صراعه مع إخوته، واختطفها القراصنة الأسبان في عرض البحر، ظنًا منهم أن هذه الصناديق تحتوي على ذهب، وأهدوها إلى ملك أسبانيا، وكانت تضم نحو خمسة آلاف مخطوط عربي، باءت جميع محاولات استعادتها بالفشل، كما أن بابا الفاتيكان أمر بأن لا يخرج من هذه الخزانة أي كتاب خارج نطاق الدير.

أما الألمان فقد تركزت مجموعات المخطوطات لديهم في مكتبة برلين، وهي كثيرة جدًا، حتى إن المستشرق هانس روبرت رويمر عمل إحصاء وفهرسة شاملة لجميع المخطوطات الشرقية الموجودة في ألمانيا، وذلك في سنة 1955 م، وتبين من المسح الأولي لهذه المكتبات أن هناك ما يقرب من 14 ألف مخطوط شرقي غير مفهرس.

أما في بريطانيا فتركز أهم المخطوطات في المكتبة البريطانية (المتحف البريطاني سابقًا)(10600مخطوط) ومكتبة جامعة كمبردج (1910 مخطوط) ومكتبة البودليانا بإكسفورد (2350 مخطوطًا).

ومن أهم المكتبات الغنية بالمخطوطات النفيسة في أوربا مكتبة شيستربتي، الموجودة الآن في دبلن بأيرلندا، وهذه المكتبة جُمعت بعناية فائقة، جمعها السير ألفريد شيستربتي أحد هواة جمع المخطوطات الشرقية في القرن العشرين الذي نجح في جمع (3510) مخطوطة شرقية نادرة، وكانت هذه المجموعة أغلبها من مصر والشام واليمن، وكانت سنة 1930 م في بارودا هاوس بلندن، وعُدَّت في ذلك الوقت واحدة من أشهر مجموعات المخطوطات العربية في العالم، ثم نقلت إلى دبلن بأيرلندا سنة 1950 م، ووقف لها هناك مبنى خاصًا بها.

وتحتفظ مكتبة شيستربتي أيضًا بأرشيف ضخم للمراسلات التي دارت بينه وبين تجار الكتب، الذين زودوه بهذه المخطوطات، كما تحتفظ بمعلومات عن مخطوطات أخرى، لم تصل إليه ولا يعلم مصيرها الآن.

باختصار وتصرف من كتاب: «الكتاب العربي المخطوط وعلم المخطوطات» لمؤلفه د / أيمن فؤاد سيد من ص: 507 - 520.

ص: 55

محط اهتمامهم، حيث كتب فيه غير واحد من المستشرقين، مما يدل على أن الموضوع مطروح بقوة، وذلك لأنه يتعلق بتاريخ أصح كتاب عندنا نحن المسلمين بعد كتاب الله تعالى.

ومن هذه الدراسات على سبيل المثال:

1 -

كتب المستشرق يوهان فك (1) عن تاريخ رواية «صحيح البخاري» .

(1) هو مستشرق ألماني له: كتاب: «تاريخ حركة الاستشراق» ، ترجمة عمر لطفي العالم. دمشق، دار قتيبة، نشر سنة: 1417 - 1996.

وله كتاب «العربية» ترجمة الدكتور عبد الحليم النجار، طبع دار الكتاب العربي.

ص: 57

2 -

كتب ابن أبي شنب (1) عن الرواية التي اشتهرت لـ «صحيح البخاري» في الجزائر.

3 -

كتب المستشرق منجانا (2)، عن أقدم مخطوط يعرف حتى الآن لـ «صحيح البخاري» وهو من رواية أبي زيد المروزي (371) هـ عن الفربري والمخطوط عبارة عن قطعة من «الصحيح» تبدأ بكتاب الزكاة وتنتهي بكتاب الحج.

وكتب منجانا دراسة حول هذه الرواية باللغة الإنجليزية، ونشرت هذه الدراسة عام 1936 م في كامبردج وساعده في بعضها المستشرق مرجليوث (3).

4 -

كما كتب الأستاذ / فؤاد سزكين عن رواية «صحيح البخاري» في كتابه «مصادر البخاري في الصحيح» ، وهو بحث نشر وكتب باللغة التركية،

(1) هو محمد بن العربي ابن أبي شنب 1869 - 1929 م ولد في مدينة المدية، وهي بلدة مشهورة من أعمال الجزائر، له كثير من المؤلفات والتحقيقات.

تنظر ترجمته في «الأعلام» 6/ 266 وفي كتاب: «محمد بن أبي شنب وآثاره» للشيخ عبد الرحمن الجيلالي، طبع المؤسسة الوطنية للكتاب ـ الجزائر 1983 م

(2)

أستاذ اللغة العربية في جامعة مانشستر بلندن، ويوجد فهرس لمجموعته، وتوجد المخطوطات العربية في المجلد الرابع منه. ومجموعته الآن محفوظة في مكتبة سيلي أوك - برمنجهام / بريطانيا

وينظر: «مجموعات المخطوطات العربية» لسزكين ص: 72، و «فهارس المخطوطات العربية» لعواد 2/ 267.

(3)

هو ديفيد صموئيل مرجليوث (1858 - 1940 م) David Samuel Margoliouth مستشرق إنجليزي شهير، أستاذ اللغة العربية في جامعة أكسفورد منذ سنة 1889 م، له من المؤلفات العربية: آثار عربية شعرية نشر بلندن - ليبسيك 1887 م.

وعنى بنشر «معجم الادباء» لياقوت الحموي في 7 مجلدات، وكتاب «الانساب» للسمعاني، و «رسائل أبي العلاء المعري» مع ترجمتها إلى اللغة الانكليزية ..

ص: 58

وقد سبق نقل جزء من ملخص هذه الدراسة.

5 -

وكتب المستشرق ليفي بروفنسال (1894 - 1956 م) مدير معهد الرباط عن الرواية المغربية لـ «صحيح البخاري» والمعروفة بنسخة ابن سعادة (521) هـ، ونشرت هذه الدراسة باللغة الفرنسية مع مقدمة الشيخ عبد الحي الكتاني لهذه النسخة، وصور الخمس الثاني من هذه النسخة بالتصوير الشمسي وسبق الحديث عنها قريبًا.

ص: 59

‌تمهيد

‌المحور الأول:

وضع المحدثين ضوابط وآداب لتحمل الرواية

(التحمل والأداء)

ص: 61

‌أولًا: التحمل

من أهم العوامل التي ساعدت على ضبط الرواية، والنصوص النبوية، والكتب، والأجزاء، والمرويات الحديثية: التلقي والسماع المباشر للروايات من الشيوخ مباشرة، وهو ما يسمى عند المحدثين بالتحمل.

والتحمل قد وضع له المحدثون ضوابطَ وآدابًا، وأفردوه بمباحثَ مهمة في كتب المصطلح وعلوم الحديث.

‌سن التحمل:

اختلف السلف من المحدثين في السن التي يصح فيها تحمل الراوي للحديث؛ والسبب في اختلافهم هو اعتبار سن التمييز.

قال القاضي عياض في «الإلماع» (1): وقد حدد أهل الصنعة في ذلك أن أقله سن محمود بن الربيع .. ولعلهم إنما رأوا هذا السن أقل ما يصح به الضبط، وعقل ما يسمع وحفظه؛ وإلا فمرجوع ذلك للعادة، ورُب بليد الطبع غبي الفطرة لا يضبط شيئًا فوق هذا السن، ونبيل الجبلة، ذكي القريحة يعقل دون هذا السن. اهـ.

ولقد وضع العلماء طرقًا للتحمل وهي كثيرة، وجمعها العلماء في ثمانية أنواع، وكل نوع، منها تحته صور وأنواع أخرى، ومجمل هذه الطرق هو:

أولها: السماع من لفظ الشيخ.

ثانيها: القراءة على الشيخ.

ثالثها: المناولة.

رابعها: الكتابة.

(1) ص: 62 - 64.

ص: 62

خامسها: الإجازة.

سادسها: الإعلام للطالب بأن هذه الكتب روايته.

سابعها: وصيته بكتبه له.

ثامنها: الوجادة والوقوف على خط الراوي فقط.

وتفاصيل هذه الأنواع مبسوطة في كتب علوم الحديث، وأعلى هذه الطرق وألصقها بتوثيق المرويات والنصوص هو‌

‌ السماع من لفظ الشيخ

ثم القراءة عليه.

السماع من لفظ الشيخ (1)

إن سماع المرويات من الشيخ سواء كانت مرويات فردية، أو كتبًا بعينها يعد من أفضل الطرق والوسائل التي اتبعها المحدثون من أجل المحافظة على الأصول الخطية للكتاب الواحد، وعدم السماح بتداخل الروايات بعضها في بعض، فقد كان شعارهم: الأسانيد أنساب الكتب (2).

والسماع من لفظ الشيخ إما أن يكون إملاء أو تحديثًا من غير إملاء، وقد يكون من حفظ الشيخ، وقد يكون من كتابه.

والإملاء أعلى رتبة من التحديث من غير إملاء؛ لأن الإملاء يتطلب شدة التحري، ودقة الضبط، ونهاية التحقيق من الشيخ والتلميذ.

‌القراءة على الشيخ أو العرض

وهي أن يقرأ الراوي أو غيره من كتاب أو من حفظ والشيخ حافظ لما يقرأ عليه أو ماسك بأصله.

وسواء في ذلك كنت أنت القارئ أو قرأ غيرك وأنت تسمع، وقرأت من

(1) ينظر «الإلماع» للقاضي عياض ص: 77 - 78، «مقدمة ابن الصلاح» ص: 316، «التبصرة والتذكرة» «فتح المغيث» للعراقي وغيرها.

(2)

«هدى الساري» ص: 5

ص: 63

كتاب أو من حفظك، أو كان الشيخ يحفظ ما يقرأ عليه، أو لا يحفظ لكن يمسك أصله هو أو ثقة غيره (1).

ولقد اشترط المحدثون شروطًا للتحمل:

1 -

تعلم اللغة والنحو:

لقد اشترط المحدثون في الراوي الذي يحمل الحديث أن يُعنَى بتعلم اللغة العربية والنحو، حتى لا يقع في اللحن والتغيير والتبديل، فالجهل بأساليب اللغة العربية وتصاريف الكلام أوقع بعض المحدثين في التصحيف.

ولقد تنبه المحققون من أهل الحديث إلى ما يمكن أن يحدثه الخطأ في الإعراب من تغيير في معاني النصوص فحذروا من ذلك.

قال القاضي عياض رحمه الله في «الإلماع» (2): وقد وقع الخلاف بين العلماء بسبب اختلافهم في الإعراب. اهـ.

ثم ضرب أمثلة كثيرة لذلك.

ولذا يقول الأوزاعي: أعربوا الحديث فإن القوم كانوا عربا (3).

وقال شعبة: من طلب الحديث فلم يبصر العربية فمثله مثل رجل عليه برنس، وليس له رأس.

وقال حماد بن سلمة: مثل الذي يطلب الحديث ولا يعرف النحو مثل الحمار عليه مخلاة لا شعير فيها (4).

ولذلك نجد الحافظ اليونيني وقد جمع روايات «الصحيح» عرضها على مالك أزمة اللغة: ابن مالك النحوي حتى يوجه هذه الروايات من جهة اللغة،

(1)«مقدمة ابن الصلاح» ص: 318 - 319.

(2)

ص: 136 - 137.

(3)

أخرجه الرامهرمزي «المحدث الفاصل» ص: 524، والخطيب في «الكفاية» ص:297.

(4)

روى هذا الأثر وما قبله الخطيب في «الجامع» 2/ 26 - 27.

ص: 64

وتجمع له شيء من التعليقات سماه «التوضيح لمشكلات الجامع الصحيح» وسيأتي الحديث عنه.

2 -

الأخذ عن أهل العناية بالحديث:

إن الراوي الذي يريد أن يتحمل ويؤدي لابد له من تفرغ وعناية وتضحية من أجل تحصيل الحديث وضبطه والعناية به، وحفظه في صدره وكتابه فليس كل من ثبتت عدالته يصح الأخذ عنه واعتماده في سماع الحديث.

قال عبد الرحمن بن يزيد بن جابر: لا يؤخذ العلم إلا عمن شُهد له بطلب الحديث.

وقال عبد الله بن عون: لا نكتب الحديث إلا ممن كان عندنا معروفًا بالطلب.

وعن ابن أبي الزناد عن أبيه قال: أدركت بالمدينة مائة كلهم مأمون، ما يؤخذ عنهم شيء من الحديث يقال: ليس من أهله (1).

لذا يقول الخطيب البغدادي: فأول شرائط الحافظ المحتج بحديثه إذا ثبتت عدالته، أن يكون معروفًا عند أهل العلم بطلب الحديث وصَرْف العناية إليه (2).

3 -

تقييد الرواية في الأصل حين سماعها:

إذا سمع الراوي الحديث وجب عليه تقييده في أصله، وأن لا يعتمد على حفظه وحده، وكتابة الحديث المروي عند السماع أو بعده مباشرة تحافظ على النص المروي من عوامل الزمان، فقد يعتريه نسيان، فيضطر إلى روايته بالمعنى عندما لا تساعده حافظته على استحضار ما سمع، وقد لا تتوافر فيه شروط الرواية بالمعنى.

(1) روى هذه الآثار الخطيب في «الكفاية» ص: 251 - 252

(2)

«الكفاية» ص: 251.

ص: 65

ويزداد الأمر تأكيدًا في الأحاديث والمرويات التي تتغير بتغير الشكل أو الإعراب.

ولذا يقول الخطيب البغدادي: ويُروى عن بعض من كان يذهب إلى وجوب اتباع اللفظ أنه كان لا يحدث إلا لمن يكتب عنه، ويكره أن يحفظ عنه حديثه خوفًا من الوهم عليه والغلط فيه حال روايته (1).

4 -

حفظ الحديث:

ومن تمام عناية المحدثين بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ومحافظتهم على لفظه ومعناه تأكيدهم على ضرورة حفظه بعد كتابته في أصل المحدث.

فالحفظ وسيلة أخرى إضافة إلى الكتابة تعمل على تذكير الراوي باللفظ الذي سمعه من شيخه حتى لا يقع فيه التبديل والتغيير أو التصحيف والتحريف.

لقد ابتلي بعض المحدثين بورّاقين أدخلوا عليهم في كتبهم ما ليس منها.

قال أشهب: وسئل مالك أيؤخذ ممن لا يحفظ، وهو ثقة صحيح، أيؤخذ عنه الأحاديث؟ فقال: لا يؤخذ منه، أخاف أن يزاد في كتبه بالليل.

وقال هشيم: من لم يحفظ الحديث فليس هو من أصحاب الحديث، يجيء أحدهم بكتاب كأنه سجل مكاتب (2).

ولقد كان لحفظ الحديث أهمية كبيرة عند المحدثين، واتخذوا لتحقيق ذلك عدة وسائل منها: المذاكرة، ولهم في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم القدوة الحسنة:

قال أنس بن مالك رضي الله عنه: كنا نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فنسمع منه

(1)«الجامع» 2/ 75.

(2)

أخرجه وما قبله الخطيب في «الكفاية» ص: 237، 238.

ص: 66

الحديث، فإذا قمنا تذاكرناه فيما بيننا حتى نحفظه (1).

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: تحدثوا وتذاكروا، فإن الحديث يذكر بعضه بعضًا (2).وسار على ذلك التابعون ومن بعدهم.

وروى الخطيب بإسناده إلى إبراهيم الأصبهاني قال: كل من حفظ حديثًا فلم يذاكر به تفلت منه (3).

وإذا لم يجد الطالب من يذاكره أدام ذكر الحديث مع نفسه، وكرره على قلبه؛ حتى لا ينساه كما روى الخطيب عن شعبة أنه كان يفعل ذلك (4).

5 -

عدم الإكثار من تحمل الحديث:

قال الخطيب: ولا يأخذ الطالب نفسه بما لا يطيقه، بل يقتصر على اليسير الذي يضبطه ويحكم حفظه ويتقنه (5).

ثم روى عن ابن علية قال: كنت أسمع من أيوب خمسة، ولو حدثني بأكثر من ذلك ما أردت.

وروى عن سفيان قال: كنت آتي الأعمش ومنصورًا فأسمع أربعة أحاديث، خمسة، ثم أنصرف؛ كراهة أن تكثر وتفلت.

وقال شعبة: كنت آتي قتادة فأسأله عن حديثين فيحدثني؛ ثم يقول أزيدك؟

(1) أخرجه الخطيب في «الجامع» 1/ 236 (464) وذكره الهيثمي في «المجمع» 1/ 161 وعزاه لأبي يعلى وقال: فيه يزيد الرقاشي وهو ضعيف.

(2)

أخرجه الرامهرمزي في «المحدث الفاصل» ص: 545، والخطيب في «الجامع» 1/ 237 (468).

(3)

«الجامع» 1/ 238 (472).

(4)

«الجامع» 1/ 238 - 239 (473).

(5)

«الجامع لأخلاق الراوي» 1/ 231.

ص: 67

فأقول: لا، حتى أحفظهما وأتقنهما (1).

وهكذا نرى أئمة الحديث لا يكثرون من تحمل الحديث؛ خشية أن يزاحم بعضه بعضًا، وهو وسيلة من الوسائل التي تساعد على التثبت من المحفوظ.

6 -

تقديم من عرف بسرعة الحفظ؛ حتى يكرره عليهم بعد ذهاب الشيخ.

قال الخطيب: وإذا كان في حفظ بعض الطلبة إبطاء، قدموا من عرفوه بسرعة الحفظ وجودته؛ حتى يحفظ لهم عن الراوي، ثم يعيد عليهم حتى يتقنوا حفظه عنه (2).

وهكذا نجد المحدثين قد اعتنوا بالتحمل ووضعوا له سنًّا معينة، وشروطًا لا بد منها؛ حتى يصح هذا التحمل، فإذا تحمل الراوي الحديث مراعيًا لهذه الشروط والآداب أصبح مهيئًا للأداء، وإليك الحديث عنه.

(1)«الجامع» 1/ 232.

(2)

الجامع 1/ 233.

ص: 68

‌ثانيًا: الأداء

‌1 - طرق الأداء:

لقد حدد المحدثون طرقًا للأداء تتعلق بالرواية، وإذا كان قد سبق الحديث عن أهم طريقين للتحمل، فسوف أتكلم عن أهم طرق الأداء لهاتين الطريقين.

إذا سمع الراوي من لفظ الشيخ فله أن يؤدي بإحدى الصيغ التي ذكرها العلماء لذلك، ومنها في المرتبة الأولى أن يقول: سمعت. وهي أرقى الألفاظ الدالة على السماع؛ لكونها صريحة فيه.

وله أن يقول: حدثني أو حدثنا، أو يقول: أخبرني أو أخبرنا، أو يقول: نبأنا أو أنبأني أو نبأني، أو يقول: قال لنا، أو ذكر لنا، أو قال لي، أو ذكر لي.

وأما إذا كان طريق تحمل الراوي هو القراءة على الشيخ أو العرض، فالأحوط أن يقول: قرأت على فلان. أو يقول: قرئ على فلان. وأنا أسمع. أو يذكر لفظًا من الألفاظ التي سبق ذكرها في الطريق الأول مع تقييد ما يذكره منها بالقراءة، كأن يقول: حدثنا قراءة عليه .. إلخ.

‌2 - آداب الرواية (أي: الأداء):

ولقد نص المحدثون على آدابٍ للأداء ينبغي أن يتحلى بها من أراد التصدي للتحديث (1).

(1) لقد ذكر المحدثون آدابًا كثيرة للرواية والآداء، ولقد ذكرها الخطيب في كتابيه «الجامع لأخلاق الراوي» ، و «الكفاية» ، وكذلك القاضي عياض في «الإلماع» ، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله» ، وابن جماعة في «تذكرة السامع» وغير ذلك من كتب المصطلح، وسأحاول الاقتصار على الآداب التي تتعلق بضبط المرويات؛ لعلاقتها بهذا المبحث والله أعلم.

ص: 69

ومن هذه الآداب التي تتعلق بالضبط والإتقان:

1 -

رفع الصوت عند التحديث:

لاشك أن وضوح صوت المحدث أثناء التحديث من العوامل التي تساعد على توثيق المروي، فكلما كان صوت الشيخ واضحًا، كلما استطاع الحاضرون الأمن من دخول تصحيف في المرويات؛ ولذا قد خص المحدثون ما ينشأ عن الخطأ من السمع بنوع خاص، وهو تصحيف السمع.

لذا اعتبر المحدثون رفع صوت المحدث من الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها؛ حتى يسمعه الطلاب، وخاصة إذا كثر المستمعون؛ مراعاة لضعاف السمع.

قال الخطيب: فإن حضر المجلس سيئ السمع، وجب على المحدث أن يرفع صوته حتى يُسمعه (1).

ولقد عقد الخطيب في كتابه القيم «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع» بابًا كاملًا خصه بالحديث عن إصلاح المحدث (2): هيئته، وأخذه لرواية الحديث زينته، وهي باختصار شديد:

أن يبدأ بالسواك ويقص أظفاره إذا طالت، ويأخذ من شاربه، ويسكن شعث رأسه، وإذا اتسخ ثوبه غسله، وإذا أكل طعامًا زُهْمًا (3) أنقى يديه من غَمَره (4).

ويجتنب من الأطعمة ما كره ريحه، ويغير شيبه بالخضاب؛ مخالفة لطريقة أهل الكتاب، ويستحب لباس الأبيض من الثياب، ويستحب له أن يلبس القلنسوة، ويعتم من فوقها بالعمامة.

(1)«الجامع» 1/ 413.

(2)

ينظر «الجامع» 1/ 372 - 416

(3)

قَال في «القاموس» : الزهومة والزهمة بضمهما: ريح لحم سمين منتن، والزهم بالضم: الريح المنتنة.

(4)

الغَمَر: زنخ اللحم، وما يتعلق باليد من دسمه، كما في «القاموس» .

ص: 70

وأن يقتصد في مشيه وينبغي أن يمنع أصحابه من المشي وراءه؛ فإن ذلك فتنة للمتبوع، وذِلّة للمتبع، وأن يبتدئ بالسلام لمن لقيه من المسلمين، وإذا دخل على أهل المجلس فلا يسلم عليهم حتى ينتهي إليهم، ويمنع من كان جالسًا من القيام له؛ فإن السكون إلى ذلك من آفات النفس، ويستحب له أن يصلي ركعتين قبل جلوسه، ويستحب جلوسه متربعًا مع كونه متخشعًا، ويستحب له أن يستعمل لطيف الخطاب، ويتحفظ في منطقه، ويتجنب المزاح مع أهل المجلس؛ فإنه يسقط الحشمة، ويقلل الهيبة. ويستحب له أن ينكر برفق دون الإغلاظ والحُذْق، إلى غير ذلك من الآداب.

وهذه الآداب وإن كانت غير متعلقة بما نحن بصدده؛ إلا أن فيها ما يدل على عظمة المحدثين واستيعابهم لجميع أحوال الراوي النفسية والجسدية والعقلية، فاستحقوا أن يكونوا أسبق العلماء في هذا الميدان، فرحمهم الله رحمة واسعة.

2 -

كراهة سرد الكلمات سردًا:

فقد نص الخطيب على كراهة سرد الحديث واستحباب التمهل فيه وساق في ذلك حديث عائشة رضي الله عنها: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يسرد الحديث سردكم (1).

ومن أجل وضوح الصوت وبيانه استحب المحدثون أن يجلس المحدث على منبر أو نحوه حتى يسمعه الحاضرون، وخاصة إذا كثروا.

قال الخطيب: إذا كثر عدد من يحضر للسماع، وكانوا بحيث لا يبلغهم صوت الراوي ولا يرونه استحب له أن يجلس على منبر أو غيره حتى يبدو للجماعة وجهه ويبلغهم صوته.

(1) أخرجه البخاري كتاب: المناقب، باب: صفة النبي صلى الله عليه وسلم (3568)، ومسلم كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل أبي هريرة (2493).

ص: 71

ثم روى عن أبي السليل القيسي قال: قدم علينا رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا يجتمعون عليه فإذا كثروا صعد على ظهر بيته، فحدثهم منه (1).

كما رَوى عن أيوب قال: قدم علينا عكرمة فاجتمع الناس عليه حتى أصعد فوق ظهر بيت. اهـ. (2)

3 -

تكرار الحديث ثلاثًا

لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حدث بحديث أعاده ثلاثًا، حتى يفهم عنه، ويحفظ ويضبط، فعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان إذا سلم سلم ثلاثًا، وإذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا (3).

فلاشك أن الإعادة للحديث تساعد على تثبيت الحفظ، وخاصة إذا كان المستمعون يحفظون حال المجلس.

قال الخطيب: إذا كان تعويل السامع على النقل من كتاب المحدث ما سمعه، فلا وجه لإعادته وتكريره، وأما إن كان مُعَوَّلُهُ على حفظه عن الراوي فالأولى بالمحدث تكرير ما يرويه حتى يتيقن السامع حفظه، ويقع له معرفته وفهمه (4).

4 -

الرواية من أصول المحدث:

قال الخطيب: الاحتياط للمحدث والأولى به أن يروي من كتابه؛ ليسلم من الوهم والغلط، ويكون جديرًا بالبعد عن الزلل.

ثم روى بإسناده إلى أحمد بن حنبل قال: ما كان أحد أقل سَقَطًا من ابن المبارك، كان رجلًا يحدث من كتاب، ومن حدث من كتاب لا يكاد يكون له

(1)«الجامع» 1/ 413 (992).

(2)

«الجامع» 1/ 414 (993).

(3)

أخرجه البخاري كتاب: العلم، باب: من أعاد الحديث ثلاثًا ليفهم عنه (94).

(4)

«الجامع» 2/ 6

ص: 72

سقط كبير شيء. اهـ. (1). وقد روى غير ذلك عنه، ومع ذلك فإن الرواية عن الحفظ جائزة لمن كان متقنًا لها متحفظًا فيها.

وينبغي مع هذه الحالة أن لا يَغفُل الراوي عن مطالعة كتبه وتعاهدها والنظر فيها.

ويحدث بما لا يداخله فيه الشك؛ وما شك في حفظه لزمه أن يمسك عنه.

5 -

اتخاذ المستملي وعقد مجالس للإملاء.

يستحب عقد المجالس لإملاء الحديث؛ لأن ذلك أعلى مراتب الراوين، ومن أحسن مذاهب المحدثين مع ما فيه من جمال الدين والاقتداء بسنن السلف الصالحين.

وقد قال الخليفة المأمون: ما أشتهي من لذات الدنيا إلا أن يجتمع أصحاب الحديث عندي، ويجيء المستملي فيقول: من ذكرت أصلحك الله. اهـ. (2)

وروى الخطيب بإسناده إلى معروفٍ الخياط قال: رأيت واثلة بن الأسقع يملي على الناس الأحاديث فهم يكتبونها بين يديه. وروي ذلك عن كثير من العلماء.

قال الخطيب: وفي المتقدمين جماعة كانوا يعقدون المجالس للإملاء منهم شعبة ابن الحجاج وأَكْرِمْ به؛ ومن الطبقة التي تليه: يزيد بن هارون الواسطي وعاصم بن علي ابن عاصم التميمي وعمرو بن مرزوق الباهلي.

ومن الطبقة الثالثة: محمد بن إسماعيل البخاري، وأبو مسلم إبراهيم بن عبد الله البصري، وجعفر بن محمد بن الحسن الفيريابي. ثم ساق بأسانيده

(1)«الجامع» 2/ 10 - 11 (1024).

(2)

«الجامع» 2/ 55 (1152).

ص: 73

أخبارًا إليهم تدل على ذلك (1).

وينبغي للمحدث أن يعين لأصحابه يوم المجلس؛ لئلا ينقطعوا عن أشغالهم، وليستعدوا لإتيانه ويعد بعضهم بعضًا به.

وإذا عين لهم اليوم ووعدهم بالإملاء فيه، فلا ينبغي له إخلاف موعده إلا أن يقتطعه عن ذلك أمر يقوم عذره به.

ومن أفضل الأماكن التي ينبغي أن يحدث فيها المساجد، وخاصة المساجد الجامعة.

اتخاذ المستملي:

وإذا اتسعت الحلقة ينبغي له أن يتخذ من يبلغ عنه الإملاء إلى من بَعُدَ في الحلقة، ويستحب للمستملي أن يستملي وهو جالس على موضع مرتفع، أو على كرسي، فإن لم يجد استملى قائمًا، ويجب أن يُتخذ المستملي المتيقظ المعروف بالعناية ولا يكون بليدًا مغفلًا.

والمستملي في ذلك يجب عليه أن لا يخالف لفظ الراوي في التبليغ عنه، بل يلزمه، وخاصة إذا كان الراوي من أهل المعرفة والدراية بأحكام الرواية.

ولقد ذكر الخطيب آدابًا للمستملي: ما يبتدئ به من القول، واستنصات الناس إن سمع منهم لفظًا، ويبتدئ بذكر الله والحمد له، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يذكر اسم شيخ الراوي بما يميزه عن غيره، وغير ذلك من الآداب التي توسع فيها الخطيب في «الجامع» ، وابن السَّمْعاني في «أدب الإملاء والاستملاء» .

‌3 - حالات الإمساك عن الأداء:

لقد اعتبر المحدثون تحديث الراوي مروياته في حالةٍ لا تساعد على إتقانها من الأشياء التي يجب على المحدث التنزه عنها، وهذه الأشياء منها ما

(1)«الجامع» 2/ 55 - 57.

ص: 74

يكره ومنها ما يجب، فلقد اعتبروا أن الجو المناسب لتلقي العلم من ضروريات التحديث؛ ولذلك خصوا بعض الحالات بكراهة التحديث ومن هذه الحالات ما يلي:

1 -

التحديث في حال المشي والقيام:

إذا كان المحدثون قد وضعوا ضوابط لكي يصل المروي إلى الراوي واضحًا جليًّا لا لبس فيه ولا غموض، فإنهم بالمقابل من ذلك قد كرهوا التحديث في الأوقات التي يكون فيها الخاطر مشغولًا بأشياء أخرى غير الحديث؛ ولذلك يقول الخطيب: يكره التحديث في حالتي المشي والقيام، حتى يجلس الراوي والسامع معًا ويستوطنا فيكون ذلك أحضرَ للقلب وأجمعَ للفهم.

ثم روى بإسناده إلى عطاء بن السائب قال: أتينا سعيدًا - يعني: ابن حيان - نسأله عن شيء فوافقناه قائمًا، أو نحن قيام؟ (1)

ثم ذكر جملة من الآثار تدل على كراهة التحديث والراوي أو الشيخ قائمًا أو ماشيًا أو مضطجعًا، ولاشك أن ذلك أوعى للضبط والتيقظ للمروي.

2 -

التحديث في وقت السآمة أو الملل:

لقد كره المحدثون إملال السامع وإضجاره بكثرة التحديث؛ لما يحدث ذلك من ضعف الهمة في تلقي المروي، وعدم الاعتناء بضبطه، وهو أمر يتنافى مع طبيعة المرويات الحديثية.

يقول الخطيب: ينبغي للمحدث أن لا يطيل المجلس الذي يرويه، بل يجعله متوسطًا ويقتصد فيه؛ حذرًا من سآمة السامع وملله، وأن يؤدي ذلك إلى فتوره عن الطلب وكسله، فقد قال أبو العباس محمد بن يزيد المُبَرِّد فيما بلغني عنه: من أطال الحديث وأكثر القول فقد عرض أصحابه للملال وسوء

(1)«الجامع» 1/ 407.

ص: 75

الاستماع، ولأن يَدَعَ من حديثه فَضْلَةً يعاد إليها، أصلح من أن يفضل عنه ما يلزم الطالب استماعه من غير رغبة فيه ولا نشاط له (1).

وقال الزهري: إذا طال المجلس كان للشيطان فيه نصيب.

وروي مثله عن سفيان بن عيينة، وبشر بن منصور، وغيرهما (2).

3 -

الاختلاط:

الاختلاط هو تغير في الحفظ واختلال في الضبط يصيب الراوي؛ بسبب كبر السن أو ذهاب البصر أو احتراق الكتب أو غرقها أو سرقتها أو غير ذلك.

وقد نص المحدثون على أن الراوي إذا اختلط وجب في حقه أن يمتنع عن التحديث، وأنه ينبغي له حال صحته أن يعهد لأهله أن يمنعوه من التحديث إذا ظهرت عليه بوادر الاختلاط.

قال الذَّهَبِيّ: ويمنع مع الهرم وتغير الذهن، وليعهد إلى أهله وإخوانه حال صحته: إنكم متى رأيتموني تغيرت فامنعوني من الرواية (3).

ولقد ذكر أئمة الجرح والتعديل في كتبهم بعض الرُّواة الذين حجبوا عن التحديث بسبب الاختلاط، أمثال جرير بن عبد الحميد الضبي (4) وجرير بن حازم (5).

قال ابن سعد في ترجمة إبراهيم بن العباس السامري: إبراهيم بن العباس اختلط آخر عمره فحجبه أهله حتى مات (6).

(1)«الجامع» 2/ 127.

(2)

ينظر «الجامع» 2/ 128 - 129.

(3)

«الموقظة» ص: 66.

(4)

«تقريب التقريب» (916).

(5)

«تهذيب الكمال» 4/ 528.

(6)

«الطبقات» 7/ 346.

ص: 76

وقد تنبه المحدثون لخطورة التحديث وقت الاختلاط وتمييز ذلك عن غيره فعقدوا له أبوابًا خاصة في كتب المصطلح وعلوم الحديث، وحدد بعضهم السن الذي يجب فيه الامتناع عن التحديث؛ لأنه مظنة الاختلاط بسب كبر السن.

قال الرامهرمزي: فإذا تناهى العمر بالمحدث، فأعجب إليَّ أن يمسك في الثمانين؛ فإنه حد الهرم، والتسبيح والاستغفار أولى بأبناء الثمانين، فإن كان عقله ثابتًا ورأيه مجتمعًا، يَعرِفُ حدثيه ويقوم به وتحرى أن يحدث احتسابًا، رجوت له خيرًا. (1).

وقال الخطيب: إذا بلغ الراوي حد الهَرَم والحالة التي في مثلها يَحْدُثُ الحذَفَ، فيستحَب له ترك الحديث والاشتغال بالقراءة والتسبيح، وهكذا إذا عمي بصره، وخشي أن يُدْخَلَ في حديثه ما ليس منه حال القراءة عليه فالأولى أن يقطع الرواية، ويشتغل بما ذكرناه من التسبيح والقراءة. اهـ. (2).

ونظرًا لخطورة الاختلاط على المرويات فقد ذكر المحدثون الرُّواة المختلطين أثناء ترجمتهم، فكثيرًا ما تجد في عبارات الجرح والتعديل: فلان اختلط في آخرة. وقد يذكرون نوع الاختلاط كما قيل في ابن لهيعة: اختلط؛ لاحتراق كتبة وغير ذلك.

بل إنهم قد ميزوا عند الرُّواة المختلطين سنة الاختلاط ومن حدث عنهم قبل الاختلاط وبعده؛ حتى تقبل روايته عنه قبل الاختلاط، وترد بعد الاختلاط، وذلك منهم غاية في التحري والدقة والصيانة للمرويات عن النبي صلى الله عليه وسلم (3).

(1)«المحدث الفاصل» ص: 354.

(2)

«الجامع لآداب الراوي» 2/ 305.

(3)

ينظر «تهذيب الكمال» 15/ 496.

ص: 77

وهكذا نجد المحدثين قد عدوا الحالات التي يمتنع فيها الأداء والتحديث بالمرويات.

وهناك بعض الصفات التي منعها المحدثون أو اختلفوا في جوازها أثناء الأداء؛ صيانة للنصوص من التبديل والتغيير والإخلال بها، وعدم الأخذ بها كان سببًا في وقوع كثير من الاختلافات بين النصوص.

وقبل ذكر هذه الصفات تجدر الإشارة إلى أن هذه الصفات سيأتي ذكرها أيضًا في الأسباب التي أدت إلى وقوع اختلافات، وإنما نشير هنا إشارة سريعة، ونحيل إلى التفصيل في الموضع الآخر.

‌4 - شروط الأداء:

لقد اشترط العلماء لأداء الراوي ما سمعه أو رواه عن شيخه شروطًا لابد منها؛ حتى يتم نقل المروي كما سمعه التلميذ من الشيخ بعيدًا عن الاختلاف أو الوهم وهى ترجع إلى أمرين:

الأول: عدالة الراوي.

لقد اشترط العلماء لقبول خبر الراوي أن يكون عدلًا حتى يتم الوثوق به في دينه؛ لأن من لا يوثق به في دينه لا يوثق به في مروياته. ولقد توسع العلماء وخاصة المعاصرين في الحديث عن العدالة، وبيان حقيقتها، وكيفية ثبوتها، والفرق بينها وبين عدالة الشهادة، وغير ذلك.

وأكتفي هنا بتعريفها، فلقد اشترط العلماء في الراوي أن يكون عدلًا: والعدل هو: المسلم البالغ العاقل الذي سلم من أسباب الفسق وخوارم المروءة. (1).

الثاني: ضبط المروي

والمراد بالضبط: اليقظة وعدم الغفلة، وأن يكون حافظًا إن حدث من

(1) ينظر «قواعد أصول الحديث» د / أحمد عمر هاشم ص: 192 وما بعدها.

ص: 78

حفظه، ضابطًا لكتابه من التبديل، أو التغيير إن حدث منه عالمًا بما يحيل المعنى، إن روى بالمعنى.

وينقسم الضبط إلى قسمين:

1 -

ضبط الصدر.

2 -

ضبط الكتاب.

أولا: ضبط الصدر: فهو أن يكون الراوي حافظًا لما سمعه في صدره من غير تغيير أو تحريف أو زيادة أو نقص من وقت تحمله إلى وقت أدائه، هذا إذا كان راويًا باللفظ.

أما إذا كان راويًا بالمعنى، فيشترط أن يكون محافظًا على المعنى بحيث لا يزيد ولا ينقص.

وقد أجاز الجمهور الرواية بالمعنى بشرط أن يكون الراوي عالمًا بالألفاظ ومقاصدها خبيرًا بما يحيل المعنى - أي: يغيره، أو يخل به - مدركًا للتفاوت بين المعاني، عارفًا بالشريعة وقواعدها، أما إذا لم يكن على علم بما ذكر فقد أجمعوا على أن الرواية بالمعنى غير جائزة.

وذهب بعض العلماء إلى منع الرواية بالمعنى مطلقًا. وقيد البعض منعها في الأحاديث المرفوعة، والأصح ما ذهب إليه الجمهور، فهو الذي كان عليه الصحابة وأحوال السلف، ولكن الذين أجازوا الرواية بالمعنى استثنوا منها أحاديث العقائد والأحاديث التي يتعبد بها كما في التشهد والأذكار، والأحاديث المشتملة على جوامع الكلم، ومع كل هذا فهم يرون أن الأولى والأفضل هو رواية الحديث بلفظه .. وإن روى بالمعنى فعلى الراوي أن يعينه بقوله: أو كما قال، أو نحو هذا أو شبهه أو قريبًا منه (1).

قال الخطيب: قال كثير من السلف وأهل التحري في الحديث: لا تجوز

(1)«قواعد أصول الحديث» للدكتور / أحمد عمر هاشم ص: 197.

ص: 79

الرواية على المعنى بل يجب مثل تأدية اللفظ بعينه من غير تقديم ولا تأخير ولا زيادة ولا حذف، وقد ذكرنا بعض الروايات عمن ذهب إلى ذلك، ولم يفصلوا بين العالم بمعنى الكلام وموضوعه، وما ينوب منه مناب بعض وما لا ينوب منابه، وبين غير العالم بذلك، وقد ذكر عن بعض السلف أنه كان يروي الحديث على المعنى إذا علم المعنى وتحققه وعرف القائم من اللفظ مقام غيره. وقال جمهور الفقهاء: يجوز للعالم بمواقع الخطاب ومعاني الألفاظ رواية الحديث على المعنى، وليس بين أهل العلم خلاف في أن ذلك لا يجوز للجاهل بمعنى الكلام ومواقع الخطاب، والمحتمل منه وغير المحتمل. (1).

ثانيا: ضبط الكتاب: فهو صيانته وحفظه من التغيير والتحريف بحيث يأمن عليه من وقت تحمله إلى وقت الأداء (2).

والضابط من يكون حافظًا متيقظًا، غير مغفل ولاساه وشاك في حالتي التحمل والأداء (3).

وكما اهتم المحدثون بالبحث عن مدى حفظ الراوي وتمكنه من مروياته اهتموا أيضًا بالتفتيش عن ضبط كتابه وصيانته.

واعتبر المحدثون الخطأ والفساد الواقع في كتاب المحدث من قلة ضبطه واختلال روايته.

اختلال الضبط:

الضبط بنوعيه السابقين يمكن أن يختل، فإذا وقع ذلك من الراوي لم يعد في مأمن من التغيير والتحريف في المتون والأسانيد وإحالة المعاني، ولذا فإن المحدثين يردون رواية من كان من هذا الصنف.

(1)«الكفاية» ص: 300.

(2)

ينظر «نزهة النظر» لابن حجر ص: 29.

(3)

«توضيح الأفكار» لمحمد بن إسماعيل الصنعاني 1/ 8.

ص: 80

ويعرف اختلال ضبط الراوي الذي تُرد به روايته بفحش غلطه بحيث يغلب خطأ الراوي على صوابه.

ومما يطعن في ضبط الراوي أيضًا الغفلة، وهي: قلة تعاهد الراوي لمحفوظاته، وعدم عنايته بصناعة الحديث حفظًا ومذاكرة وكتابة .. إلى غير ذلك.

وكل ما سبق يندرج في اختلال ضبط الصدر، وضبط الكتاب هو الآخر يمكن أن يتطرق الخلل إليه؛ وذلك بسبب ضياع الأصول أو فسادها أو التغيير في أصلها من قبله أو من غيره.

فإذا حدث بأصوله ذلك لم تعد هناك ثقة بذلك الراوي الذي وقع في أصوله هذا التغيير، وكتب المصطلح وقواعد الحديث وأصوله مملوءة بذكر نماذج لكل ما سبق، ولولا خشية الإطالة لنقلت ذلك.

ومن أجل عدم وقوع خلل في الحفظ أو الكتب اشترط العلماء تعاهد الراوي لمحفوظاته كما اشترطوا عدم اعتماد الراوي على محفوظاته أثناء الأداء والتحديث.

فقد قال الخطيب: وينبغي مع هذه الحال ألا يَغفُل الراوي عن مطالعة كتبه وتعاهدها والنظر فيها، ويجب أن ينظر من كتبه فيما علق بحفظه، فإن تعاهد المحفوظ أولى، والمراعاة له أعم نفعًا (1). ثم روى بإسناده إلى علي بن المديني أنه قال: عهدي بأصحابنا وأحفظهم أحمد بن حنبل، فلما احتاج أن يحدث لا يكاد يحدث إلا من كتاب.

وقد كان بعض المحدثين يمتنعون من السماع ممن ليس له أصل أو لم يحضر أصله.

قال ابن معين: قال لي عبد الرزاق: اكْتُبْ عني ولو حديثًا واحدًا من غير

(1)«الجامع» 2/ 14

ص: 81

كتاب. فقلت: لا ولا حرف. اهـ

ويدخل هذا الشرط - وهو التحديث من أصل - ضمن العناية والحيطة التي كان عليها المحدثون؛ من أجل المحافظة على السنة حتى لا يدخلها الخطأ أو التغيير.

قال الخطيب: الاحتياط للمحدث والأولى به أن يروي من كتابه؛ ليسلم من الوهم والغلط ويكون جديرًا بالبعد عن الزلل (1).

(1) ينظر «الجامع» 2/ 10 - 12

ص: 82

‌المحور الثاني:

وضع المحدثين ضوابط لضبط الكتاب وتقييده والحفاظ عليه

ص: 83

‌كتابة الحديث وكيفية ضبطه

أهمية الكتابة:

إن الكتابة من أهم وسائل الحفظ التي تساعد الراوي على حفظ ما سمع أو روى، وخاصة في العلوم الإسلامية، والتي تعتمد على ضبط اللفظ المسموع عن الشيخ، سواء كان هذا اللفظ متنًا أو سندًا، وهذا الضبط لا سبيل إليه إلا عن طريق الكتابة والتقييد كما سمع من الشيخ؛ ولأهمية الكتابة عند المحدثين فقد أودعوا كتبهم فصولًا كاملة وجعلوها علومًا برأسها لا ينبغي للمتصدر للرِّوَاية إهمالها، بل إنهم ألفوا فيها المؤلفات الخاصة. ومن هذه المؤلفات كتاب «أدب الكتاب» للإمام أبي بكر محمد بن يحيى بن عبد الله الصولي (335) هـ أودع فية آداب الكتابة عند العرب والمحدثين.

وألف القاضي الرامهرمزي (360) هـ كتابه: «المحدث الفاصل بين الراوي والواعي» (1)، ومما تجدر الإشارة إليه أن هذا الكتاب من أكثر الكتب التي حرص العلماء على سماعه، وتدوين هذا السماع على نسخة الأربعة، حتى إن المحقق قد ساق هذه السماعات فزادت على أكثرَ من تسعين ورقة من الكتاب، وهذه السماعات تستحق أن تدرس وتخرج في مؤلف مستقل؛ حتى يقف العلماء والباحثون على صفحات مشرقة من السماع والإسماع، الذي لا يعرف لأهل فن من الفنون كما عرف به أهل الحديث.

كما ألف في هذا المجال - مجال عناية المحدثين بضبط المرويات وتوثيقها - الخطيب البغدادي المتوفى سنة (463) هـ فألف كتبه الثلاثة وهي: «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع» ، وهو مطبوع في مجلدين، طبعته مكتبة المعارف بالرياض، بتحقيق الدكتور محمود الطحان، وكتاب «الكفاية

(1) حققه د / محمد عجاج الخطيب، ونشرته دار الفكر، وقد اعتمد فيه المحقق على أربع نسخ خطية.

ص: 84

في علم الرِّواية» وهو مطبوع، طبعته دار ابن تيمية بالقاهرة في مجلد واحد، وكتاب «تقييد العلم» ، طبعته في جزء لطيف المكتبة العصرية ببيروت سنة 2001 م.

وجاء القاضي أبو الفضل عِياض بن موسى اليحصبي (476 - 544) هـ فألف كتابه:

«الِإلماع في ضبط الرِّواية وتقييد السماع» ضمنه فصولًا مهمة في ضبط الرِّواية وتقييد السماع، كما يفهم من عنوان الكتاب، وقد بلغ درجة عالية من إرساء القواعد وبيان ما كان عليه العلماء من الدقة والتحري في ضبط الكتاب.

وقد لخص هذه الفصول وحررها العلامة تقي الدين أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري (577 - 643) المعروف بابن الصلاح في كتابه «علوم الحديث» (1)،

والمعروف بـ «مقدمة ابن الصلاح» وذلك في النوع

(1) وكل من جاء بعد ابن الصلاح وألف في علوم الحديث اقتدى به، أمثال زين الدين عبد الرحيم ابن الحسين العراقي المتوفى سنة (806) هـ حيث ألف كتابه «التقييد والإيضاح لما أطلق وأغلق من مقدمة ابن الصلاح» ، وغيره مما لا مجال لحصره، وهو معلوم عند أهل الشأن، ومن الكتب التي توسعت في بيان آداب الكتابة كتاب «تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم» للشيخ بدر الدين ابن جماعة الكناني المتوفى سنة (733) هـ وهو مطبوع، طبعته دار الكتب العلمية.

ومن الكتب الحديثة التي كتبت في هذا الموضوع مع عنايتهم بجهود المحدثين في ذلك ما يلي:

- «الترقيم وعلاماته في اللغة» لأحمد زكي باشا، طبع في القاهرة سنة 1330 هـ ثم أعاد طباعته عبد الفتاح أبو غدة بعنايته سنة 1407 هـ طبعة مكتب المطبوعات الإسلامية بحلب.

- ومنها محاضرات ألقاها المستشرق الألماني براجشتراسر، وكان قد ألقاها على طلبة كلية الآداب بجامعة القاهرة سنة 1350 هـ، وطبعت بإعداد وتقديم تلميذه الدكتور / محمد حمدي البكري بالقاهرة سنة 1389 هـ.

- ومنها كتاب العلامة عبد السلام هارون، وهو بعنوان «تحقيق النصوص ونشرها» طبع في القاهرة سنة 1374 هـ، ثم طبع بعد ذلك طبعات كثيرة.

- ومنها كتاب «تحقيق النصوص» للدكتور / صلاح الدين المنجد، وهو بحث منشور في مجلة معهد المخطوطات بالقاهرة سنة 1375 هـ، ثم طبع عدة مرات في بيروت.

- ومنها «تحقيق التراث العربي منهجه وتطوره» للدكتور / عبد المجيد دياب، طبع بالقاهرة سنة 1380 هـ.

- ومنها كتاب «مناهج تحقيق التراث بين القدامى والمحدثين» للدكتور / رمضان عبد التواب، طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة سنة 1406 هـ.

- ومنها «قطوف أدبية دراسات نقدية في التراث العربي» حول تحقيق التراث للأستاذ / عبد السلام هارون، نشرته مكتبة السنة بالقاهرة سنة 1409 هـ.

- ومنها مقالات الدكتور / محمود محمد الطناحي، وهو صفحات في التراث والتراجم، نشرتها دار البشائر الإسلامية 2002 م.

- وممن خص المُحّدثين بالتأليف وأبرز جهودهم في هذا المجال من المُحْدَثين:

- العلامة المحدث الشيخ أحمد شاكر؛ حيث كتب مقدمة نفيسة في تصحيح الكتب، وصنع الفهارس المعجمة وكيفية ضبط الكتاب، وسبق المسلمين الأفرنج في ذلك، وهذه المقدمة في أول كتاب «سنن الترمذي» وهي مقدمة أودع في جزء منها النوع الخامس والعشرين من أنواع علوم الحديث من مقدمة ابن الصلاح وعلق عليها تعليقات جيدة.

- ومنهم: الدكتور / أحمد نور سيف، حيث كتب بحثًا بعنوان «عناية المحدثين بتوثيق المرويات وأثر ذلك في تحقيق المخطوطات» ، طبعته دار المأمون للتراث بدمشق سنة 1407 هـ.

- وكتب أيضًا د / موفق بن عبد الله بن عبد القادر بعنوان «توثيق النصوص وضبطها عند المحدثين» وهو مطبوع، نشرته دار التوحيد للنشر سنة 2007 هـ.

- كما وقفت على دراسة للدكتور / عابد سليمان المشوخي بعنوان «أنماط التوثيق في المخطوط العربي في القرن التاسع الهجري» وضمنها فصولًا في المقابلة والتصحيح والسماعات والإجازات عند المحدثين في هذا القرن.

ص: 85

الخامس والعشرين (1) حيث قال:

(1) وقد نقل كلام ابن الصلاح هذا العلامة أحمد شاكر في مقدمة تحقيقه لكتاب «الجامع الصحيح» وهو «سنن الترمذي» في ص: 16 إلى ص: 42 من المجلد الأول، وعلق عليه بعض التعليقات، وقد أعاد نشرها بعنايته عبد الفتاح أبو غدة، ونشرها مكتب المطبوعات الإسلامية سنة 1993 م، وسماها «تصحيح الكتب وصنع الفهارس المعجمة وكيفية ضبط الكتاب وسبق المسلمين الإفرنج في ذلك» .

وهذا القدر المنقول من المقدمة لابن الصلاح هو في كتابه من ص: 171 - 185 من طبعة حلب سنة 1350 هـ، التي حققها العلامة الشيخ راغب الطباخ رحمه الله تعالى، ومن ص: 181 - 208 من الطبعة التي أشرف عليها د / نور الدين عتر، التي صدرت عن دار الفكر سنة 1986 م بدمشق، ومن ص: 362 وحتى ص: 389 من طبعة د / عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ) التي طبعتها دار المعارف بالقاهرة، وبهامشها «محاسن الإصطلاح» للإمام سراج الدين البلقيني (805) هـ.

ص: 86

النوع الخامس والعشرون:‌

‌ في كتابة الحديث وكيفية ضبط الكتاب وتقييده:

إن على كَتَبةِ الحديث وطَلَبَتِهِ صرفَ الهمةِ إلى ضبط ما يكتبونه أو يُحصِّلونه بخط الغير من مروياتهم، على الوجه الذي روَوْهُ شكلًا ونَقْطًا يؤمَنُ معهما الالتباس، وكثيرا ما يتهاون بذلك الواثق بذهنه وتَيقُّظه، وذلك وخيمُ العاقبة؛ فإن الإنسان معَّرضٌ للنسيان وأولُ ناسٍ أولُ النّاسِ (1).

وإعجام المكتوب يَمْنَعُ من استعجامه، وشَكلُهُ يمنع من إشكاله، ثم لا ينبغي أن يتعنَّى بتقييد الواضح الذي لا يكاد يلتبس، وقد أحسنَ مَنْ قال: إنما يُشْكَلُ ما يُشْكِلُ (2).

وقرأت بخط صاحب كتاب «سمات الخط ورقُوُمهُ» علي بن إبراهيم البغدادي (3) فيه: أن أهل العلم يكرهون الإعجامَ والإعرابَ إلا في الملتبِس.

(1) إشارة إلى قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} [طه: 115].

(2)

ذكر مثله الرامهرمزي في «المحدث الفاصل» ص: 608 فقرة (688)، والقاضي في «الِإلمَاع» ص: 135 - 136.

(3)

لم أقف على ترجمته، وقد ذكره صاحب «كشف الظنون» 4/ 1001، ولم يذكر فيه شيئًا غير وصف الكتاب.

ص: 87

وحَكَى غيرهُ عن قومٍ أنه ينبغي أن يُشكلَ ما يُشكِل وما لا يُشكِل؛ وذلك لأن المبتدئ وغير المتبحر في العلم لا يميزُ ما يُشكِل مما لا يُشكِل، ولا صوابَ الإعراب مِنْ خَطئِهِ، والله أعلم (1).

وهذا بيانُ أمورٍ مفيدة في ذلك:

أحدها: ينبغي أن يكون اعتناؤه - من بَيْن ما يَلتبسُ - بضبط الملتبسِ من أسماءِ الناسِ أكثرَ؛ فإنها لا (تستدرك)(2) بالمعنى، ولا يستدل عليها بما قبل وما بعد (3).

الثاني: يُستحبُّ في الألفاظ المُشْكِلة أن يُكرِّرَ ضَبْطَها، بأن يَضبطها في متن الكتاب، ثم يكتبها قبالة ذلك في الحاشية مفردة مضبوطة، فإن ذلك أبلغُ في إبانتها وأبعدُ من التباسِها، وما ضبطه في أثناء الأسطر ربما داخله نَقْطُ غيره وشَكْلهُ مما فوقه وتحته، لاسيما عند دقة الخط وضيق الأسطر، وبهذا جرى رسمُ جماعةٍ من أهل الضبط (4) والله أعلم.

(1) ينظر «المحدث الفاصل» ص: 608، و «الِإلمَاع» ص: 135 - 136.

(2)

هكذا في طبعة د / عائشة وطبعة د / عتر، أما في طبعة الطباخ ونقلها عنه أحمد شاكر:(تدرك).

(3)

وينظر فيه: النقط والشكل من «المحدث الفاصل» ص: 608 فقرة (886)، و «الِإلمَاع» ص:135.

(4)

وهذا من أدق أنواع الاحتياط، وقد اختار بعض العلماء طريقة أدق من هذه، وهي التي ذكرها العراقي في شرحه على كتاب ابن الصلاح وهو كتاب «التقييد والإيضاح» قَال في ص: 192: اقتصر المصنف على ذكر كتابة اللفظة المشكلة في الحاشية مفردة مضبوطة ولم يتعرض لتقطيع حروفها، وهو متداول بين أهل الضبط، وفائدته ظهور شكل الحرف بكتابته مفردًا، كالنون والياء إذا وقعت في أول الكلمة أو في وسطها، ونقله ابن دقيق العيد في «الاقتراح» ص: 41 عن أهل الإتقان فقال: ومن عادة المتقنين أن يبالغوا في إيضاح المشكل، فيفرقوا حروف الكلمة في الحاشية ويضبطوها حرفًا حرفًا. اهـ.

وقد رأيت ذلك في خط سبط بن العجمي في نسخته من كتاب «التوضيح لشرح الجامع الصحيح» لابن الملقن وهو - أي السبط - من المعروفين بالدقة والإتقان في كتابتهم.

ص: 88

الثالث: يُكرَهُ الخطُّ الدقيق من غير عذرٍ يقتضيه، رُوِّينا عن حنبل بن إسحاق قال رآني أحمد بن حنبل وأنا أكتب خطًّا دقيقًا فقال: لا تفعل؛ أحوج ما تكون إليه يخونك (1).

وبلغنا عن بعض المشايخ أنه كان إذا رأى خطًّا دقيقًا قال: هذا خط من لا يوقن بالخلف من الله تعالى.

والعذر في ذلك هو مثل ألا يجد في الورق سعة، أو يكون رحالًا يحتاج إلى تدقيق الخط؛ ليخف عليه محمل كتابه ونحو هذا، والله أعلم.

الرابع: يختار له في خطه التحقيق دون المشق (2) والتعليق (3).

بلغنا عن ابن قتيبة قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: شر الكتابة المشق وشر القراءة الهذرمة (4) وأجود الخط أبينه (5) والله أعلم.

الخامس: كما تضبط الحروف المعجمة بالنقط، كذلك ينبغي أن تضبط المهملات غير المعجمة بعلامة الإهمال؛ لتدل على عدم إعجامها، وسبيل الناس في ضبطها مختلف:

فمنهم من يقلب النقط فيجعل النقط الذي فوق المعجمات تحت ما يشاكلها من المهملات، فينقط تحت الراء والصاد والطاء والعين ونحوها من

(1) ينظر: «أدب الكتاب» للصولي ص: 50.

(2)

هو سرعة الكتابة، «الصحاح» 4/ 1555.وينظر:«أدب الكتاب» ص: 124 - 125.

(3)

هو خلط الحروف التي ينبغي تفريقها، وقد تقدم الإشارة إلى ذلك.

(4)

هي سرعة القراءة.

(5)

أخرجه الخطيب في «الجامع لأخلاق الراوي» 1/ 262.وينظر: «أدب الكتاب» ص: 49.

ص: 89

المهملات (1)، وذكر بعض هؤلاء أن النقط التي تحت السين المهملة تكون مبسوطة صفًّا، والتي فوق الشين المعجمة تكون كالأثافي (2).

ومن الناس من يجعل علامة الإهمال فوق الحروف المهملة كقلامة الظفر مضطجعة على قفاها،

ومنهم من يجعل تحت الحاء المهملة حاءً مفردة صغيرة، وكذا تحت الدال والطاء والصاد والسين والعين وسائر الحروف المهملة الملتبسة مثل ذلك.

فهذه وجوه من علامات الإهمال شائعة معروفة، وهناك من العلامات ما هو موجود في كثير من الكتب القديمة ولا يفطن له كثيرون، كعلامة من يجعل فوق الحرف المهمل خطًّا صغيرًا (3). وكعلامة من يجعل تحت الحرف المهمل مثل الهمزة، والله أعلم.

(1) قَال الحافظ العراقي في «التقييد» ص: 193: أطلق المصنف في هذه العلامة - علامة الإهمال - قلب النقط العلوية في المعجمات إلى أسفل المهملات، وتَبعَ في ذلك القاضي عياضًا، ولابد من استثناء الحاء المهملة؛ لأنها لو نقطت من أسفل صارت جيمًا. اهـ. واعترض الأبناسي عليه أيضًا. ينظر «الشذا الفياح» 1/ 334.

(2)

الأثافي: حجارة ثلاثة توضع عليها القدر، واحدها: أثفية. بضم الهمزة أو كسرها، مع إسكان التاء المثلثة وكسر الفاء وتشديد الياء.

(3)

قَال الحافظ العراقي: اقتصر في هذه العلامة على جعل خط صغير فوق الحرف المهمل وترك فيه زيادة ذكرها القاضي عياض في «الِإلمَاع» ص: 141 فحكى عن بعض أهل المشرق أنه يعلم فوق الحرف المهمل بخط صغير يشبه النبرة، فحذف المصنف منه ذكر النبرة، والمصنف إنما أخذ ضبط الحروف المهملة بهذه العلامات من «الِإلمَاع» للقاضي عياض، وإذا كان كذلك فحذفه لقوله: يشبه النبرة يخرج هذه العلامة عن صفتها، فإن النبرة هي الهمزة كما قَال الجوهري وصاحب «المحكم» ، ومقتضى كلام المصنف أنها كالنصبة لا كالهمزة والله أعلم، اهـ. «التقييد والإيضاح» ص:194.

ص: 90

السادس: لا ينبغي أن يصطلح مع نفسه في كتابه بما لا يفهمه غيره فيوقع غيره في حيرة، كفعل من يجمع في كتابه بين روايات مختلفة ويرمز إلى رِواية كل راو بحرف واحد من اسمه أو حرفين وما أشبه ذلك، فإن بيَّن - في أول كتابه أو آخره - مراده بتلك العلامات والرموز فلا بأس (1). ومع ذلك فالأولى أن يتجنب الرمز ويكتب عند كل رِواية اسم راويها بكماله مختصرًا، ولا يقتصر على العلامة ببعضه، والله أعلم.

السابع: ينبغي أن يجعل بين كل حديثين دارة تفصل بينهما وتميز، وممن بلغنا عنه ذلك من الأئمة أبو الزناد، وأحمد بن حنبل، وإبراهيم بن إسحاق الحربي، ومحمد بن جرير الطبري رضي الله عنهم (2).

واستحب الخطيب الحافظ أن تكون الدارات غفلًا، فإذا عارض فكل حديث يفرغ من عرضه ينقط في الدارة التي تليه نقطة أو يخط في وسطها خطًّا، قال: وقد كان بعض أهل العلم لا يعتد من سماعه إلا بما كان كذلك أو في معناه، والله أعلم.

الثامن: يكره له في مثل (عبد الله بن فلان بن فلان) أن يكتب عبد في آخر سطر والباقي في أول السطر الآخر، وكذلك يكره في (عبد الرحمن بن فلان) وفي سائر الأسماء المشتملة على التعبيد لله تعالى أن يكتب عبد في آخر سطر، واسم الله مع سائر النسب في أول السطر الآخر، وهكذا يكره أن يكتب (قال رسول) في آخر سطر، ويكتب في أول السطر الذي يليه (الله صلى الله

(1) كما فعل اليونيني في نسخته من «صحيح البُخَارِيّ» فإنه يبين مراده بتلك العلامات، وسيأتي في موضع آخر من الرسالة بيان عن روايات اليونيني.

(2)

الرواية عنهم رواها الخطيب في «الجامع لأخلاق الراوي» 1/ 273، أما رواية أبي الزناد فانظرها في «المحدث الفاصل» ص: 606 (882) باب الدائرة بين الحديثين.

ص: 91

تعالى عليه وآله وسلم) وما أشبه ذلك (1)، والله أعلم.

التاسع: ينبغي له أن يحافظ على كتابة الصلاة والتسليم على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، عند ذكره، ولا يسأم من تكرير ذلك عند تكرره؛ فإن ذلك من أكبر الفوائد التي يتعجلها طلبة الحديث وكتبته، ومن أغفل ذلك حرم حظًّا عظيمًا (2).

وقد روينا لأهل ذلك منامات صالحة، وما يكتبه من ذلك فهو دعاء (يثبته)(3)، لا كلام يرويه فلذلك لا يتقيد فيه بالرِّواية، ولا يقتصر فيه على ما في الأصل، وهكذا الأمر في الثناء على الله سبحانه، عند ذكر اسمه نحو: عز وجل و تبارك وتعالى وما ضاهى ذلك.

وإذا وجد شيء من ذلك قد جاءت به الرِّواية كانت العناية بإثباته وضبطه أكثر، وما وجد في خط أبي عبد الله أحمد بن حنبل رضي الله عنه من إغفال

(1) قَال الحافظ العراقي في «التقييد» ص: 195: اقتصر المصنف في هذا على الكراهة، والذي ذكره الخطيب في كتاب «الجامع» 1/ 268 امتناع ذلك؛ فإنه روى فيه عن أبي عبد الله بن بطة أنه قَال: هذا كله غلط قبيح فيجب على الكاتب أن يتوقاه ويتأمله ويتحفظ منه.

قَال الخطيب: وهذا الذي ذكره أبو عبد الله صحيح فيجب اجتنابه. انتهى. واقتصر ابن دقيق العيد في «الاقتراح» على جعل ذلك من الآداب لا من الواجبات والله أعلم.

وقال الأبناسي في «الشذا الفياح» 1/ 335: ولا يختص ذلك بأسماء الله تعالى، بل أسماء النبي صلى الله عليه وسلم وأسماء الصحابة، يأتي فيها مثل ذلك.

(2)

بيَّن البلقيني في «محاسن الاصطلاح» الفوائد والثمرات الحاصلة بالصلاة عليه صلى الله عليه وسلم.

ويلحق بذلك جمل الترضي والترحم على الصحابة رضوان الله عليهم، فتثبت ولا تنقص ويرمز إليها، وينظر في ذلك «الجامع لأخلاق الراوي» 2/ 103 - 107 حيث يقول ناقلًا عن القاضي الرامهرمزي: فينبغي أن لا يمر حديث فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قيل: صلى الله عليه وسلم، ولا يذكر أحد من الصحابة إلا قيل: رضي الله عنه. اهـ.

(3)

كذا في المطبوع، وفي «الشذا الفياح» أيضًا، وصحفت في المطبوع من «الكافي في علوم الحديث» للتبريزي إلى:(لنبيه).

ص: 92

ذلك عند ذكر اسم النبي صلى الله عليه وسلم، فلعل سببه أنه كان يرى التقيد في ذلك بالرِّواية وعز عليه اتصالها في ذلك في جميع من فوقه من الرُّواة.

قال (الخطيب أبو بكر): وبلغني أنه كان يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم نطقًا لا خطًّا. قال: وقد خالفه غيره من الأئمة المتقدمين في ذلك.

وروي عن علي بن المديني وعباس بن عبد العظيم العنبري قالا: ما تركنا الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل حديث سمعناه، وربما عجلنا فنبيض الكتاب في كل حديث حتى نرجع إليه، والله أعلم (1).

ثم ليتجنب في إثباتها نقصين:

أحدهما: أن يكتبها منقوصة صورة رامزًا إليها بحرفين أو نحو ذلك (2).

والثاني: أن يكتبها منقوصة معنى، بأن لا يكتب:(وسلم)، وإن وجد ذلك في خط بعض المتقدمين.

سمعت أبا القاسم منصور بن عبد المنعم وأم المؤيد بنت أبي القاسم بقراءتي عليهما قالا: سمعنا أبا البركات عبد الله بن محمد الفراوي لفظا قال: سمعت المقرئ ظريف بن محمد يقول: سمعت عبد الله بن محمد بن إسحاق الحافظ قال: سمعت أبي يقول: سمعت حمزة الكناني يقول: كنت أكتب الحديث، وكنت أكتب عند ذكر النبي (صلى الله عليه) ولا أكتب (وسلم) فرأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المنام فقال لي: ما لك لا تتم الصلاة علي؟ قال: فما كتبت بعد ذلك: (صلى الله عليه) إلا كتبت: (وسلم).

(1) ينظر: «الجامع لأخلاق الراوي» 1/ 275

(2)

كره ذلك - اختصار صلى الله عليه وسلم التبريزي في «الكافي» ص: 549، باب: التحذير من اختصار الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقال أحمد شاكر في تعليقه على «المسند» 7/ 112: وهي الاصطلاح السخيف لبعض المتأخرين في اختصار كتابة الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ص: 93

قلت: ويكره أيضا الاقتصار على قوله عليه السلام والله أعلم بالصواب.

العاشر: على الطالب مقابلة كتابه بأصل سماعه وكتاب شيخه (1) الذي

(1) المقابلة في اللغة: المعارضة، فالمحدثون يعبرون عن المقابلة أحيانًا: المعارضة.

وتعتبر المقابلة أو المعارضة من أهم مظاهر التوثيق في المرويات والمخطوطات العربية؛ لأنها الوسيلة التي يتم بها التحقيق من سلامة النص وصحته بمطابقته على النسخة الأصل المعتمدة رغبة في إثباته كما كتبه مؤلفه، وإحالة الشيء إلى أصله، ونسبة الكلام إلى قائله هو زبدة التوثيق.

ومن فوائد المقابلة تقويم النص واكتشاف الخطأ الذي قد يحدث من المؤلف تارة، ومن النساخ تارة أخرى، بالإضافة إلى اكتشاف السقط إن وجد، واستكماله.

ويلاحظ أن فن مقابلة النص من وسائل التوثيق التي تعود إلى زيادة المحدثين في العناية بضبط الحديث، ثم صار من بعدهم تبعًا لهم.

ويستدل المحدثون على أهمية المقابلة بمعارضة جبريل عليه السلام للقرآن مع الرسول صلى الله عليه وسلم مرة كل عام، وقد عارضه مرتين في عامه الأخير.

(وينظر: «أصول نقد النصوص ونشر الكتب» لبرجستراسر ص: 96، وكتاب «أنماط التوثيق في المخطوط العربي» ص: 47 - 48.

وقد بلغت عناية المحدثين بالتأكيد على المقابلة أو المعارضة مبلغًا عظيمًا حتى اعتبر العلماء الكتب التي لم تعارض كأنها لم تكتب، كما روي ذلك عن عروة بن الزبير، كما سيأتي عند ابن الصلاح، وقال الخطيب في كتابه «الجامع لأخلاق الراوي» في باب وجوب المعارضة بالكتاب لتصحيحه وإزالة الشك والارتياب: يجب على من كتب نسخة من أصل بعض الشيوخ أن يعارض نسخته بالأصل، فإن ذلك شرط في صحة الرواية من الكتاب المسموع. اهـ.

وقال القاضي عياض في «الِإلمَاع» : ص: 142 وأما مقابلة النسخة بأصل السماع ومعارضتها به فمتعينة لابد منها، ولا يحل للمسلم التقي الرواية ما لم يقابل بأصل شيخه أو نسخة تحقق، ووثق بمقابلتها بالأصل.

وما أجمل ما أخرجه الخطيب في «الجامع» 1/ 279 عن الإمام الشافعي حيث قَال: إذا رأيت الكتاب فيه إلحاق وإصلاح فاشهد له بالصحة.

ولبعض الشعراء:

المح كتابك حين تكتبه

واحرسه من وهم ومن سقط

واعرضه مرتابًا بصحته

ما أنت معصومًا من الغلط

[الِإلمَاع ص: 143].

ولقد كتب في المقابلة أو المعارضة وأهميتها وشروطها وآدابها كثير من المتقدمين، منهم الرامهرمزي، والقاضي عياض، والخطيب البغدادي، وابن السَّمْعَاني، وابن عبد البر، وغيرهم.

كما كتب كثير من المُحدثين في إبراز دور المحدِّثين وسبقهم في الارتقاء بهذه الطريقة وريادتهم فيه، وقد سبق ذكر طائفة منهم قبل قليل.

ص: 94

يرويه عنه، وإن كان إجازة.

روينا عن عروة بن الزبير رضي الله عنهما أنه قال لابنه هشام: كتبت؟ قال: نعم، قال: عرضت كتابك؟ قال: لا، قال: لم تكتب (1).

وروينا عن الشافعي الإمام وعن يحيى بن أبي كثير قالا: من كتب ولم يعارض كمن دخل الخلاء ولم يستنج (2).

(1) ينظر «المحدث الفاصل» ص: 544، «الجامع لأخلاق الراوي» 1/ 275، «الكفاية» ص: 350، «أدب الإملاء» ص: 79 وغيرها.

(2)

ما جاء عن يحيى بن أبي كثير أخرجه الرامهرمزي في «المحدث الفاصل» ص: 544، والخطيب في «الجامع» 1/ 275، و «الكفاية» ص: 350، والقاضي في «الِإلمَاع» ص:143.

أما ما جاء عن الشافعي فقد قَال العراقي في «التقييد والإيضاح» ص: 196: هكذا ذكره المصنف عن الشافعي، وإنما هو معروف عن الأوزاعي وعن يحيى بن أبي كثير، وقد رواه عن الأوزاعي أبو عمر ابن عبد البر في كتاب «جامع بيان العلم» [1/ 337 (451)] من رواية بقية، عن الأوزاعي، ومن طريق ابن عبد البر رواه القاضي عياض في كتاب «الِإلمَاع» [ص: 143] بإسناده، ومنه يأخذ المصنف كثيرًا، وكأنه سبق قلمه من الأوزاعي إلى الشافعي، وأما قول يحيى بن أبي كثير فرواه ابن عبد البر أيضًا [(450)]، والخطيب في كتاب «الكفاية» [ص: 350]، وفي كتاب «الجامع» [1/ 275 (577)] من رواية أبان بن يزيد، عن يحيى بن أبي كثير، ولم أر لهذا ذكرًا عن الشافعي في شيء من الكتب المصنفة في علوم الحديث ولا في شيء من مناقب الشافعي، والله أعلم. اهـ.

ص: 95

وعن الأخفش قال: إذا نسخ الكتاب ولم يُعارَض، ثم نسخ ولم يعارض خرج أعجميًّا (1).

ثم إن أفضل المعارضة أن يعارض الطالب بنفسه كتابه بكتاب الشيخ مع الشيخ في حال تحديثه إياه من كتابه، لما يجمع ذلك من وجوه الاحتياط والإتقان من الجانبين (2).

وما لم تجتمع فيه هذه الأوصاف، نقص من مرتبته بقدر ما فاته منها، وما ذكرناه أولى من إطلاق أبي الفضل الجارودي الحافظ الهَرَويّ قوله: أصدق المعارضة مع نفسك.

ويستحب أن ينظر معه في نسخته من حضر من السامعين، ممن ليس معه نسخة، لاسيما إذا أراد النقل منها، وقد روي عن يحيى بن معين: أنه سئل عمن لم ينظر في الكتاب والمحدث يقرأ: هل يجوز أن يحدث بذلك عنه؟ فقال: أما عندي فلا يجوز، ولكن عامة الشيوخ هكذا سماعهم.

قلت: وهذا من مذاهب أهل التشديد في الرِّواية، وسيأتي ذكر مذهبهم إن شاء الله تعالى. والصحيح أن ذلك لا يشترط، وأنه يصح السماع، وإن لم ينظر أصلا في الكتاب حالة القراءة، وأنه لا يشترط أن يقابله بنفسه بل يكفيه مقابلة نسخته بأصل الراوي، وإن لم يكن ذلك حالة القراءة، وإن كانت المقابلة على يدي غيره إذا كان ثقة موثوقا بضبطه (3).

قلت: وجائز أن تكون مقابلته بفرع قد قوبل المقابلة المشروطة بأصل شيخه أصل السماع، وكذلك إذا قابل بأصل أصل الشيخ المقابل به أصل

(1) رواه عن الأخفش الخطيب في «الكفاية» ص: 351 باب المقابلة، وابن عبد البر في «الجامع» 1/ 78.

(2)

ينظر: «الكفاية» ص: 352.

(3)

ينظر: «الكفاية» ص: 351.

ص: 96

الشيخ؛ لأن الغرض المطلوب أن يكون كتاب الطالب مطابقا لأصل سماعه وكتاب شيخه، فسواء حصل ذلك بواسطة أو بغير واسطة، ولا يجزئ ذلك عند من قال: لا تصح مقابلته مع أحد غير نفسه، ولا يقلد غيره، ولا يكون بينه وبين كتاب الشيخ واسطة، وليقابل نسخته بالأصل بنفسه حرفًا حرفًا، حتى يكون على ثقة ويقين من مطابقتها له، وهذا مذهب متروك، وهو من مذاهب أهل التشديد المرفوضة في أعصارنا، والله أعلم.

أما إذا لم يعارض كتابه بالأصل أصلا، فقد سئل الأستاذ أبو إسحاق الأسفراييني عن جواز روايته منه فأجاز ذلك، وأجازه الحافظ أبو بكر الخطيب أيضا وبيَّن شرطه، فذكر أنه يشترط أن تكون نسخته نقلت من الأصل وأن يبيِّن عند الرّواية أنه لم يعارض (1).

وحكى عن شيخه أبي بكر البرقاني أنه سأل أبا بكر الإسماعيلي: هل للرجل أن يحدِّث بما كتب عن الشيخ ولم يعارض بأصله؟ فقال: نعم، ولكن لابد أن يبين أنه لم يعارض قال: وهذا هو مذهب أبي بكر البرقاني فإنه روى لنا أحاديث كثيرة قال فيها: أَخْبَرَنا فلانٌ، ولم أعارض بالأصل (2).

قلت: ولابد من شرط ثالث، وهو أن يكون ناقل النسخة من الأصل غير سقيم النقل، بل صحيح النقل قليل السقط، والله أعلم.

ثم إنه ينبغي أن يراعي في كتاب شيخه بالنسبة إلى من فوقه مثل ما ذكرنا أنه يراعيه من كتابه، ولا يكون منه كطائفة من الطلبة، إذا رأوا سماع شيخ لكتاب قرءوه عليه من أي نسخة اتفقت، والله أعلم (3).

(1)«الكفاية» ص: 353.

(2)

ينظر «الكفاية» أيضًا ص: 353.

(3)

وصيغ المقابلة كثيرة وعبارات العلماء فيها مختلفة، واستخدمها النساخ والوراقون أنفسهم في الإشارة إلى المقابلة، ومنها ما يقتصر على كلمة واحدة وهي: بلغ، أو قوبل، أو مقابلة، أو قوبلت، ومنها ما يتكون من كلمتين، أو أكثر مثل: بلغ مقابلة، أو بلغ مقابلة وتصحيحًا، وهناك نمط آخر من ألفاظ المقابلة يحدد الصفة التي تمت عليها المقابلة، كأن يقول: بلغ مقابلة على شيخنا، أو بلغ بأصل مؤلفه، أو بلغ مقابلة على نسخة المؤلف، وقد يقول: بلغ مقابلة من أوله إلى آخره على أصل مؤلفه، وأحيانًا يحدد تاريخ المقابلة بذكر السنة، واليوم وقد يضاف إليها اسم المكان.

وينظر كتاب «أنماط التوثيق» ص: 52 - 53.

ص: 97

الحادي عشر (1): المختار في كيفية تخريج الساقط في الحواشي - ويسمى اللحَق بفتح الحاء - وهو أن يخط من موضع سقوطه من السطر خطًّا صاعدًا إلى فوق، ثم يعطفه بين السطرين عطفة يسيرة إلى جهة الحاشية التي يكتب فيها اللحق، ويبدأ في الحاشية بكتبه اللحق مقابلًا للخط المنعطف، وليكن ذلك في حاشية ذات اليمين. وإن كانت تلي وسط الورقة إن اتسعت له، فليكتبه صاعدًا إلى أعلى الورقة لا نازلًا به إلى أسفل.

قلت: وإذا كان اللحق سطرين أو سطورًا فلا يبتدئ بسطوره من أسفل إلى أعلى، بل يبتديء بها من أعلى إلى أسفل، بحيث يكون منتهاها إلى جهة باطن الورقة إذا كان التخريج في جهة اليمين، وإذا كان في جهة الشمال وقع منتهاها إلى جهة طرف الورقة، ثم يكتب عند انتهاء اللحق:(صح). ومنهم من يكتب مع (صح): رجع، ومنهم من يكتب في آخر اللحق الكلمة المتصلة به داخل الكتاب في موضع التخريج ليؤذن باتصال الكلام.

وهذا اختيار بعض أهل الصنعة من أهل المغرب (2). واختيار القاضي أبي محمد بن خلاد صاحب كتاب «المحدث الفاصل بين الراوي والواعي» من

(1) بعد أن انتهى المؤلف من الكلام على المقابلة وما يتعلق بها بدأ يتكلم على ما ينتج عن المقابلة.

(2)

هو القاضي عياض، وينظر كلامه في «الِإلمَاع» باب التخريج والإلحاق ص: 144

ص: 98

أهل المشرق مع طائفة (1). وليس بمرضي؛ إذ رب كلمة تجيء في الكلام مكررة حقيقة، فهذا التكرير يوقع بعض الناس في توهم مثل ذلك في بعضه.

واختار القاضي ابنُ خلاد أيضا في كتابه أن يَمُدَّ عطفة خَطِّ التخريج من موضعه حتى يُلحِقُه بأول اللَّحق بالحاشية، وهذا أيضا غير مرضيّ؛ فإنه وإن كان فيه زيادةُ بيانٍ، فهو تَسْخيمٌ للكتاب وتسويدٌ له لاسيما عند كثرة الإلحاقات، والله أعلم.

وإنما اخترنا كِتْبةَ اللَّحَقِ صاعدًا إلى أعلى الورقة، لئلا يخرج بعده نقص آخر فلا يجد ما يقابله من الحاشية فارغًا له لو كان كتب الأول نازلًا إلى أسفل، وإذا كتب الأول صاعدًا فما يجد بعد ذلك من نقص يجد ما يقابله من الحاشية فارغًا له.

وقلنا أيضًا: يخرجه في جهة اليمين؛ لأنه لو خرجه إلى جهة الشمال فربما ظهر بعده في السطر نفسه نقص آخر، فإن خرجه قدامه إلى جهة الشمال أيضا وقع بين التخريجين إشكال، وإن خرج الثاني إلى جهة اليمين التقت عطفة تخريج جهة الشمال وعطفة تخريج جهة اليمين أو تقابلتا، فأشبه ذلك الضرب على ما بينهما، بخلاف ما إذا خرج الأول إلى جهة اليمين؛ فإنه حينئذ يخرج الثاني إلى جهة الشمال فلا يلتقيان ولا يلزم إشكال، اللهم إلا أن يتأخر النقص إلى آخر السطر فلا وجه حينئذ إلا تخريجه إلى جهة الشمال؛ لقربه منها ولانتفاء العلة المذكورة من حيث أنا لا نخشى ظهور نقص بعده، وإذا كان النقص في أول السطر تأكد تخريجه إلى جهة اليمين؛ لما ذكرناه من القرب مع ما سبق.

وأما ما يخرج في الحواشي - من شرح أو تنبيه على غلط أو اختلاف رِواية أو نسخة أو نحو ذلك مما ليس من الأصل - فقد ذهب القاضي الحافظ

(1)«المحدث الفاصل» ص: 606 فقرة 884.

ص: 99

عِياض رحمه الله إلى أنه لا يخرج لذلك خط تخريج لئلا يدخل اللبس ويحسب من الأصل، وأنه لا يخرج إلا لما هو من نفس الأصل لكن ربما جعل على الحرف المقصود بذلك التخريج علامة كالضبة أو التصحيح إيذانًا به (1).

قلت: التخريج أولى وأدل، وفي نفس هذا المخرج ما يمنع الإلباس، ثم هذا التخريج يخالف التخريج لما هو في نفس الأصل في أن خط ذلك التخريج يقع بين الكلمتين اللتين بينهما سقط الساقط، وخط هذا التخريج يقع على نفس الكلمة التي من أجلها خرج المخرج في الحاشية، والله اعلم.

الثاني عشر: من شأن الحذاق المتقنين العناية بالتصحيح والتضبيب والتمريض (2).

أما التصحيح: فهو كتابةُ (صح) على الكلام أو عنده، ولا يفعل ذلك إلا فيما صح رِواية ومعنى، غير أنه عرضة للشك أو الخلاف فيكتب عليه (صح)

(1)«الِإلمَاع» ص: 146.

(2)

انتقل المصنف إلى التعريف ببعض ما يلزم من المقابلة ومن ذلك التصحيح.

والتصحيح يطلق في المخطوطات على نوعين:

النوع الأول: تفعيل من الصحة التي هي ضد السقم، ويكون المعنى على ذلك إزالة السقم من السقيم حتى يكون صحيحًا، ويتأتى ذلك بأن يكتب المصحح على الكلمة المراد تصويبها أو بجانبها في الهامش: صوابه كذا أو لعله كذا.

النوع الثاني: وهو ما ذكره هنا ابن الصلاح وهو تثبيت الصحيح وأشهر من فعل ذلك اليونيني في نسخته.

ويعد تصحيح المرويات من أشق الأعمال، ولقد وضح ذلك الجاحظ في كتابه «الحيوان» (1/ 79) بقوله: ولربما أراد مؤلف كتاب أن يصلح تصحيفًا أو كلمة ساقطة، فيكون إنشاء عشر ورقات من حر اللفظ وشريف المعاني أيسر عليه من إتمام ذلك النقص حتى يرده إلى موضعه من اتصال الكلام، فكيف يطيق ذلك المعارض المستأجر والحكيم نفسه قد أعجزه هذا الباب. اهـ.

ص: 100

ليعرف أنه لم يغفُل عنه، وأنه قد ضبط وصح على ذلك الوجه.

وأما التضبيب ويسمى أيضًا التمريض، فيجعل على ما صح وروده كذلك من جهة النقل، غير أنه فاسدٌ لفظًا أو معنًى أو ضعيفٌ أو ناقصٌ، مثل أن يكون غير جائز من حيث العربية، أو يكون شاذًّا عند أهلها يأباه أكثرهم، أو مصحفًا أو ينقص من جملة الكلام كلمة أو أكثر، وما أشبه ذلك، فيمد على ما هذا سبيله خط أوله مثل الصاد، ولا يلزق بالكلمة المعلم عليها كيلا يظن ضربًا، وكأنه صاد التصحيح بمدتها دون حائها كتبت كذلك؛ ليفرق بين ما صح مطلقا من جهة الرِّواية وغيرها، وبين ما صح من جهة الرِّواية دون غيرها فلم يكمل عليه التصحيح.

وكتابة حرف ناقص على حرف ناقص إشعارًا بنقصه ومرضه مع صحة نقله وروايته، وتنبيهًا بذلك لمن ينظر في كتابه على أنه قد وقف عليه ونقله على ما هو عليه، ولعل غيره قد يخرج له وجها صحيحًا، أو يظهر له بعد ذلك في صحته ما لم يظهر له الآن (1).

ولو غير ذلك وأصلحه على ما عنده لكان متعرضًا لما وقع فيه غير واحد من المتجاسرين الذين غيروا وظهر الصواب فيما أنكروه والفساد فيما أصلحوه.

وأما تسمية ذلك ضبة، فقد بلغنا عن أبي القاسم إبراهيم بن محمد اللغوي المعروف بابن الإفليلي: أن ذلك لكون الحرف مقفلًا بها لا يتجه لقراءة، كما أن الضبة مقفل بها (2). والله أعلم.

قلت: ولأنها لما كانت على كلام فيه خلل أشبهت الضبة التي تجعل على كسر أو خلل فاستعير لها اسمها، ومثل ذلك غير مستنكر في باب

(1)«الِإلمَاع» ص: 147 - 148

(2)

أخرجه القاضي عياض في «الِإلمَاع» ص: 148.

ص: 101

الاستعارات (1).

ومن مواضع التضبيب: أن يقع في الإسناد إرسال أو انقطاع، فمن عادتهم تضبيب موضع الإرسال والانقطاع، وذلك من قبيل ما سبق ذكره من التضبيب على الكلام الناقص.

ويوجد في بعض أصول الحديث القديمة في الإسناد الذي يجتمع فيه جماعةٌ معطوفةٌ أسماؤهم بعضها على بعض علامةٌ تشبه الضبة فيما بين أسمائهم، فيتوهم من لا خبرة له أنها ضبة وليست بضبة، وكأنها علامة وصل فيما بينها أثبتت تأكيدًا للعطف خوفًا من أن تجعل (عن) مكان (الواو) والعلم عند الله تعالى (2).

ثم إن بعضهم ربما اختصر علامة التصحيح فجاءت صورتها تشبه صورة التضبيب، والفطنة من خير ما أوتيه الإنسان، والله أعلم.

الثالث عشر: إذا وقع في الكتاب ما ليس منه فإنه ينفى عنه بالضرب أو الحك أو المحو أو غير ذلك، والضرب خير من الحك والمحو.

روينا عن القاضي أبي محمد بن خلاد رحمه الله قال: قال أصحابنا:

(1) ويمكن أن يكون ذلك تشبيهًا بضبة الباب التي كان يغلق بها قديمًا.

(2)

هذا ما يعرف في المصطلحات الحديثة بعلامات الفصل بين الأسماء، مما يدل على سبق المسلمين غيرهم في ابتكار هذه العلامات والرموز الدقيقة التي اصطلحوا عليها لتأكيد الصحيح، أو للإشارة إلى الشك في صحة الكلمة، أو بيان السقط، أو لغير ذلك.

وللأستاذ العلامة أحمد زكي باشا مؤلَّف صغير اسمه: «الترقيم وعلاماته في اللغة العربية» اعتمد فيه على ما وقف عليه من علامات الوقف والابتداء المؤلفة لخدمة القرآن الكريم، وما تنبه إليه من علامات عند المحدثين، أمثال هذه الإشارات التي أشار إليها ابن الصلاح، مما يؤكد سبق المسلمين في تصحيح الكتب وضبطها أنه كان من إبداع المحدثين لا من صنع المستشرقين، كما يروج البعض في زماننا. والله أعلم.

ص: 102

الحك تهمة (1).

وأخبرني من أُخبِرَ عن القاضي عِياض قال: سمعت شيخنا أبا بَحْرٍ سفيان بن العاصي الأسدي يحكي عن بعض شيوخه أنه كان يقول: كان الشيوخ يكرهون حضور السكين مجلس السماع حتى لا يُبَشرُ شيء، لأن ما يبشر منه ربما يصح في رِواية أخرى، وقد يُسمَعُ الكتاب مرة أخرى على شيخ آخر، يكون ما بشر وحك من رِواية هذا صحيحًا في رِواية الآخر، فيحتاج إلى إلحاقه بعد أن بُشر وحُكّ وهو إذا خط عليه من رِواية الأول، وصح عند الآخر اكتفي بعلامة الآخر، عليه بصحته.

ثم إنهم اختلفوا في كيفية الضرب:

فروينا عن أبي محمد بن خلاد قال: أجود الضرب أن لا يطمس المضروب عليه، بل يخط من فوقه خطًّا جيدًا بينًا، يدل على إبطاله، ويقرأ من تحته ما خُطَّ عليه (2).

وروينا عن القاضي عِياض ما معناه: أن اختيارات الضابطين اختلفت في الضرب، فأكثرهم على مد الخط على المضروب عليه مختلطًا بالكلمات المضروب عليها، ويسمى ذلك (الشق) أيضًا (3)، ومنهم من لا يخلطه ويثبته

(1)«المحدث الفاصل» ص: 606 فقرة 883، وأخرجه القاضي عياض في «الِإلمَاع» من طريقه ص: 150 باب في الضرب والحك والشق والمحو.

وهذا مما يدل على شدة الأمانة العلمية منهم حتى لا تتطرق إليهم التهمة، حتى ولو في كلمة دخيلة على النص.

(2)

«المحدث الفاصل» ص: 606

(3)

قَال العراقي في «التقييد والإيضاح» ص: 201: (الشق) بفتح الشين المعجمة وتشديد القاف، وهذا الاصطلاح لا يعرفه أهل المشرق، ولم يذكره الخطيب في «الجامع» ولا في «الكفاية» وهو اصطلاح لأهل المغرب، وذكره القاضي عياض في «الِإلمَاع» ومنه أخذ المصنف، وكأنه مأخوذ من الشق، وهو الصدع، أو من شق العصا وهو التفريق، فكأنه فرق بين الكلمة الزائدة وبين ما قبلها وبعدها من الصحيح الثابت بالضرب عليها والله أعلم. اهـ.

ص: 103

فوقه، لكنه يعطف طرفي الخط على أول المضروب عليه وآخره (1).

ومنهم من يستقبح هذا ويراه تسويدًا وتطليسًا، بل يحوق على أول الكلام المضروب عليه بنصف دائرة وكذلك في آخره، وإذا كثر الكلام المضروب عليه فقد يفعل ذلك في أول كل سطر منه وآخره، وقد يكتفي بالتحويق على أول الكلام وآخره أجمع.

ومن الأشياخ من يستقبح الضرب والتحويق ويكتفي بدائرة صغيرة أول الزيادة وآخرها، ويسميها صفرًا كما يسميها أهل الحساب (2).

وربما كتب بعضهم عليه (لا) في أوله و (إلى) في آخره. ومثل هذا يحسن فيما صح في رِواية وسقط في رِواية أخرى (3). والله أعلم.

وأما الضرب على الحرف المكرر، فقد تقدم بالكلام فيه القاضي أبو محمد بن خلاد الرامهرمزي رحمه الله على تقدمه. فروينا عنه قال: قال بعض أصحابنا: أولاهما بأن يبطل الثاني؛ لأن الأول كتب على صواب، والثاني كتب على الخطأ، فالخطأ أولى بالإبطال.

(1)«الِإلمَاع» ص: 150

(2)

رسم الصفر دائرة عند أهل الحساب هو معروف عند المغاربة، وذكره هنا المصنف نقلًا عن القاضي عياض وهو من المغاربة، فالمغاربة حتى اليوم ما زالوا يكتبون الأرقام كما تكتب باللغة الإفرنجية، بخلاف كتابة أهل المشرق فإنهم يكتبون الصفر نقطة.

(3)

وهو ما نجده كثيرًا في نسخة اليونينى التي جمع فيها أكثر من رواية لـ «صحيح البُخَارِيّ» وأحيانًا يكتب كلمة (سقط) عند الكلمة الساقطة أو يقتصر على ذكر كلمة (لا) ثم يكتب فوقها أو بجابنها الرمز الدال على النسخة الساقط منها.

ص: 104

وقال آخرون: إنما الكتاب علامة لما يقرأ فأولى الحرفين بالإبقاء أدلهما عليه وأجودهما صورة (1).

وجاء القاضي عِياض آخرًا ففصل تفصيلًا حسنًا، فرأى أن تكرر الحرف إن كان في أول سطر، فليضرب على الثاني صيانة لأول السطر عن التسويد والتشويه. وإن كان في آخر سطر فليضرب على أولهما صيانة لآخر السطر، فإن سلامة أوائل السطور وأواخرها عن ذلك أولى. فإن اتفق أحدهما في آخر سطر والآخر في أول سطر آخر فليضرب على الذي في آخر السطر، فإن أول السطر أولى بالمراعاة، فإن كان التكرر في المضاف أو المضاف إليه أو في الصفة أو في الموصوف أو نحو ذلك، لم نراع حينئذ أول السطر وآخره بل نراعي الاتصال بين المضاف والمضاف إليه ونحوهما في الخط، فلا نفصل بالضرب بينهما ونضرب على الحرف المتطرف من المتكرر دون المتوسط (2).

وأما المحو: فيقابل الكشط في حكمه الذي تقدم ذكره وتتنوع طرقه، ومن أغربها - مع أنه أسلمها - ما روي عن سحنون بن سعيد التنوخي الإمام المالكي: أنه كان ربما كتب الشيء ثم لعقه.

وإلى هذا يومئ ما روينا عن إبراهيم النخعي رضي الله عنه أنه كان يقول: من المروءة أن يرى في ثوب الرجل وشفتيه مدادٌ (3) والله أعلم.

الرابع عشر: ليكن فيما تختلف فيه الروايات قائمًا بضبط ما تختلف فيه في كتابه، جيد التمييز بينها كيلا تختلط وتشتبه فيفسد عليه أمرها (4).

(1)«المحدث الفاصل» ص: 607 فقرة 885.

(2)

«الِإلمَاع» ص: 151 - 152.

(3)

ينظر كلا الأثرين في «الِإلمَاع» ص: 152.

(4)

كذا العبارة في جميع النسخ لمقدمة ابن الصلاح وهي غير واضحة المعنى.

ص: 105

وسبيله: أن يجعل أولًا متن كتابه على رِواية خاصة، ثم ما كانت من زيادة لرِواية أخرى ألحقها، أو من نقص أعلم عليه أو من خلاف كتبه إما في الحاشية وإما في غيرها، معينًا في كل ذلك من رواه ذاكرًا اسمه بتمامه، فإن رمز إليه بحرف أو أكثر فعليه ما قدمنا ذكره من أنه يبين المراد بذلك في أول كتابه أو آخره؛ كيلا يطول عهده به فينسى، أو يقع كتابه إلى غيره فيقع من رموزه في حيرة وعمًى.

وقد يدفع إلى الاقتصار على الرموز عند كثرة الروايات المختلفة، واكتفى بعضهم في التمييز بأن خص الرِّواية الملحقة بالحمرة، فعل ذلك أبو ذر الهَرَويّ من المشارقة، وأبو الحسن القابسي من المغاربة، مع كثير من المشايخ وأهل التقييد.

فإذا كان في الرِّواية الملحقة زيادة على التي في متن الكتاب كتبها بالحمرة، وإن كان فيها نقص والزيادة في الرِّواية التي في متن الكتاب حوق عليها بالحمرة، ثم على فاعل ذلك تبيين من له الرِّواية المعلمة بالحمرة في أول الكتاب أو آخره على ما سبق والله أعلم (1).

(1) قلت: وقد أبدع العلامة اليونيني في نسخته حيث راعى آداب المحدثين في ذلك، وما ذكره ابن الصلاح من منهج في كتابة الكتاب المتعدد الروايات، يصلح فعله اليوم في تحقيق الكتب من أكثر من نسخة لها، فتُنزّل النسخة المخطوطة من الكتاب بمقام الرواية منه عند القدامى.

وما حكاه ابن الصلاح عن أبي ذر الهروي والقابسي وكلاهما من رواة «الصحيح» سيأتي في رواية أبي ذر ورواية القابسي في الباب الأول من هذه الرسالة، وهذا يدل أيضًا على معرفة المسلمين بأصول التحقيق والمقارنة بين النسخ منذ زمن بعيد، والله أعلم.

ومن الأشياء التي لم يذكرها ابن الصلاح وهي معروفة عند المتقدمين من المحدثين:

1 -

البدل: وهو أن يكون في النص كلمة أو عبارة كتبت بخط غير واضح وتشكل على القارئ، فيعمد إلى وضع إشارة عليها ثم يكتب في الهامش الكلمة أو العبارة الواضحة ثم تعقب بكلمة: بدل أو يكتب فوقها حرف الباء هكذا: (ب).

2 -

ومنها: التقديم والتأخير:

وهو أن يسهو الناسخ فيكتب كلمة أو عبارة قبل أخرى، ولئلا يضطر إلى الضرب أو المحو أو الكشط يعمد إلى وضع إشارة تبين ما ينبغي تقديمه وما ينبغي تأخيره، فإذا كان التقديم والتأخير في عبارة طويلة وضع إشارة في بداية العبارة المتقدمة وكتب (يؤخر من) ثم حدد بداية العبارة المتأخرة التي ينبغي تقديمها وكتب يقدم.

أما إذا كان التقديم والتأخير في كلمتين فقط، فيكتب على كل منها حرف (م) للدلالة على وجوب تقديم الكلمة الثانية على الأولى كما ورد ذلك في النسخة اليونينية.

3 -

يضع الناسخ أحيانًا على بعض الكلمات كلمة (معًا) وذلك إشارة إلى صحة الضبطين في كلمة واحدة كأن يُقال مثلًا معًا.

4 -

كثيرًا ما يضع النساخ أول كلمة من الصفحة في أسفل الصفحة التي قبلها؛ وذلك للمحافظة على تسلسل الصفحات فلا تتقدم صفحة على أخرى، وتسمى بالتعقيبة.

5 -

ومن الرموز التي استخدمها النساخ أيضًا رمز (حـ) كذا للحاشية التي تكتب زيادة على أصل المروي، وقد تكون بخط الناسخ وقد تكون بخط الراوي.

وقد تكتب (خـ) كذا للدلالة على النسخة إذا كان المروي له أكثر من نسخة.

وغير ذلك وينظر في ذلك مبحث النسخة اليونينية ورموزها.

ص: 106

الخامس عشر: غلب على كتبة الحديث الاقتصار على الرمز في قولهم: (حَدَّثَنا) و (أَخْبَرَنا) غير أنه شاع ذلك وظهر، حتى لا يكاد يلتبس.

أما (حَدَّثَنا) فيكتب منها شطرها الأخير، وهو الثاء والنون والألف، وربما اقتصر على الضمير منها وهو النون والألف.

وأما (أَخْبَرَنا) فيكتب منها الضمير المذكور مع الألف أولًا (1)، وليس يحسن ما يفعله طائفة من كتابة:(أَخْبَرَنا) بألف مع علامة: (حَدَّثَنا)(2) المذكورة أولًا، وإن كان الحافظ البيهقي ممن فعله.

(1) أي: تكتب (أنا).

(2)

أي: تكتب (أثنا).

ص: 107

وقد يكتب في علامة (أَخْبَرَنا) راء بعد الألف، وفي علامة (حَدَّثَنا) دال في أولها (1).

وممن رأيت في خطه الدال في علامة (حَدَّثَنا) الحافظ: أبو عبد الله الحاكم وأبو عبد الرحمن السُّلَمِي والحافظ أحمدُ البيهقي رضي الله عنهم. والله أعلم.

وإذا كان للحديث إسنادان أو أكثر فإنهم يكتبون عند الانتقال من إسناد إلى إسناد ما صورته (ح) وهي حاء مفردة مهملة (2)، ولم يأتنا عن أحد ممن يعتمد بيان لأمرها؛ غير أني وجدت بخط الأستاذ الحافظ أبي عثمان الصابوني، والحافظ أبي مسلم عمر بن علي الليثي البُخارِيّ، والفقيه المحدث أبي سعيد الخليلي - رحمهم الله تعالى - في مكانها بدلًا عنها (صح) صريحة، وهذا يشعر بكونها رمزًا إلى (صح)، وحسن إثبات (صح) ههنا؛ لئلا يتوهم أن حديث هذا الإسناد سقط، ولئلا يُرَكَّب الإسناد الثاني على الإسناد الأول، فيجعلا إسنادًا واحدًا.

وحكى لي بعض من جمعتني وإياه الرحلة بخراسان عمن وصفه بالفضل من الأصبهانيين، أنها حاء مهملة من التحويل. أي: من إسناد إلى إسناد آخر.

وذاكرت فيها بعض أهل العلم من أهل المغرب، وحكيت له عن بعض من لقيت من أهل الحديث أنها حاء مهملة إشارة إلى قولنا (الحديث) فقال لي: أهل المغرب - وما عرفت بينهم اختلافًا - يجعلونها حاء مهملة، ويقول أحدهم إذا وصل إليها:(الحديث) وذَكَر لي أنه سمع بعض البغداديين يذكر أيضا أنها حاء مهملة، وأن منهم من يقول إذا انتهى إليها

(1) يعني تختصر حَدَّثَنَا: (دثنا)، وأَخْبَرَنَا:(أرنا).

(2)

وهى تقع كثيرًا عند مسلم في «صحيحه» ، نظرًا لطريقته في سياق الأسانيد، وذكر الاختلاف بينها.

ص: 108

في القراءة: (حا) ويَمُرُّ.

وسألت أنا الحافظ الرحال أبا محمد عبد القادر بن عبد الله الرُّهاوي رحمه الله عنها فذكر أنها (حاء) من (حائل) أي: تحَوُّلُ بين الإسنادين، قال: ولا يلفظ بشيء عند الانتهاء إليها في القراءة وأنكر كونها من الحديث وغير ذلك، ولم يَعرِفْ غيرَ هذا عن أحد من مشايخه، وفيهم عدد كانوا حفاظ الحديث في وقته.

وأختار أنا - والله الموفق - أن يقول القارئ عند الانتهاء إليها: (حا) ويمر فإنه أحوط الوجوه وأعدلها، والعلم عند الله تعالى (1).

السادس عشر: ذكر الخطيب الحافظ: أنه ينبغي للطالب أن يكتب بعد البسملة اسم الشيخ الذي سمع الكتاب منه، وكنيته ونَسَبَه، ثم يسوق ما سمعه منه على لفظه، قال: وإذا كتب الكتاب المسموع، فينبغي أن يكتب فوق سطر التسمية أسماء من سمع معه، وتاريخ وقت السماع، وإن أحب كتب ذلك في حاشية أول ورقة من الكتاب فكل ذلك قد فعله شيوخنا.

قلت: كِتْبَةُ التسميع جنب (ذَكَره) أحوط له وأحرى؛ بألا يخفى على من يحتاج إليه ولا بأس بكتبته آخر الكتاب، وفي ظهره وحيث لا يخفى موضعُه.

وينبغي أن يكون التسميع بخط شخص موثوق به، غير مجهول الخط، ولا ضير حينئذ في ألا يكتب الشيخ المسمع خطه بالتصحيح، وهكذا لا بأس على صاحب الكتاب إذا كان موثوقًا به أن يقتصر على إثبات سماعه بخط نفسه، فطالما فعل الثقات ذلك.

وقد حدثني بمرو الشيخ أبو المظفر ابن الحافظ أبي سعد المَرْوَزيّ عن أبيه، عمن حدثه من الأصبهانية: أن عبد الرحمن بن أبي عبد الله بن منده قرأ

(1) قلت: وفي نسخة اليونيني جاءت في كل المواضع بالخاء المعجمة، إشارة إلى إسناد آخر. ويراجع المبحث الخاص بالنسخة «اليونينية» .

ص: 109

ببغداد جزءًا على أبي أحمد الفرضي وسأله خطه؛ ليكون حجة له، فقال له أبو أحمد: يا بني عليك بالصدق، فإنك إذا عرفت به لا يكذبك أحد؛ وتُصدَّقُ فيما تقول وتنقل، وإذا كان غير ذلك فلو قيل لك: ما هذا خطُّ أبي أحمد الفرضي ماذا تقول لهم؟!

ثم إن على كاتب التسميع التحري والاحتياط وبيان السامع والمسموع منه بلفظ غير محتمل، ومجانبة التساهل فيمن يثبت اسمه، والحذر من إسقاط اسم واحدٍ منهم لغرض فاسد. فإن كان مثبت السماع غير حاضر في جميعه ليكن أثبته معتمدًا على إخبار من يثق بخبره من حاضريه، فلا بأس بذلك إن شاء الله تعالى.

ثم إن من ثبت سماعه في كتابه فقبيح به كتمانه إياه ومنعه من نقل سماعه، ومن نسخ الكتاب، وإذا أعاره إياه فلا يبطئ به.

رُوِّينا عن الزهري أنه قال: إياك وغلول الكتب. قيل له: وما غلول الكتب؟ قال: حبسها عن أصحابها (1).

وروينا عن الفضيل بن عِياض رضي الله عنه أنه قال: ليس من أفعال أهل الورع ولا أفعال الحكماء أن يأخذ سماع رجل وكتابه فيحبسه عنه؛ ومن فعل ذلك فقد ظلم نفسه (2).

فإن منعه إياه فقد رُوِّينا أن رجلًا ادعى على رجل بالكوفة سماعًا منعه إياه فتحاكما إلى قاضيها حفص بن غياث، فقال لصاحب الكتاب: أخرج إلينا كتبك، فما كان من سماع هذا الرجل بخط يدك ألزمناك، وما كان بخطه

(1) أخرجه ابن المقرئ في «المعجم» ص: 288 (942)، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» 3/ 366، والخطيب في «الجامع» 2/ 47 - 48 (482 - 483)، والقاضي في «الإلماع» ص: 189، والسمعاني في «أدب الإملاء» ص:176.

(2)

أخرجه الخطيب في «الجامع» 1/ 242 - 243 (485 - 486).

ص: 110

أعفيناك منه.

قال ابن خلاد: سألت أبا عبد الله الزبيري عن هذا، فقال: لا يجيء في هذا الباب حكم أحسن من هذا، لأن خط صاحب الكتاب دال على رضاه باستماع صاحبه معه.

قال ابن خلاد: وقال غيره: ليس بشيء (1).

وروى الخطيب الحافظ أبو بكر، عن إسماعيل بن إسحاق القاضي: أنه تحوكم إليه في ذلك، فأطرق مليًّا، ثم قال للمدعى عليه: إن كان سماعه في كتابك بخطك فيلزمك أن تعيره، وإن كان سماعه في كتابك بخط غيرك فأنت أعلم (2).

قلت: حفص بن غياث معدود في الطبقة الأولى من أصحاب أبي حنيفة، وأبو عبد الله الزبيري من أئمة أصحاب الشافعي وإسماعيل بن إسحاق لسان أصحاب مالك، وإمامهم وقد تعاضدت أقوالهم في ذلك، ويرجع حاصلها إلى أن سماع غيره إذا ثبت في كتابه برضاه فيلزمه إعارته إياه، وقد كان لا يتبين لي وجهه، ثم وجَّهتهُ بأن ذلك بمنزلة شهادة له عنده فعليه أداؤها بما حوته، وإن كان فيه بذل ماله، كما يلزم متحمِّلَ الشهادة أداؤها، وإن كان فيه بذل نفسه بالسعي إلى مجلس الحكم لأدائها، والعلم عند الله تعالى.

ثم إذا نسخ الكتاب فلا ينقل سماعه إلى نسخته إلا بعد المقابلة المرضية.

وهكذا لا ينبغي لأحد أن ينقل سماعًا إلى شيء من النسخ، أو يثبته فيها عند السماع ابتداء إلا بعد المقابلة المرضية بالمسموع؛ كيلا يغتر أحد بتلك النسخة غير المقابلة؛ إلا أن يبين مع النقل وعنده كون النسخة غير مقابلة (3)

(1)«المحدث الفاصل» ص: 589 فقرة 838.

(2)

«الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع» 1/ 241 (481).

(3)

قلت: ولإثبات السماع أو القراءة على المخطوط أثر بالغ في توثيق المروي، وخاصة بعد أن أصبح الاعتماد في نقل السنة على المصنفات التي يراد منها جمع ما تفرق في الصحف والأجزاء والنُّسخ، فانصرف العلماء إلى ضبط هذه المصنفات والتحري في نقلها، واستُخْدِمتْ مجالسُ التحديث وسائل لهذا الضبط ببيان من قرئ عليه الكتاب أو تلقي منه، ومن تولى ضبط ذلك المجلس ومن شارك فيه، ومن تولى القراءة وأين كان ذلك، ومتى وما القدر المقروء أو المسموع، وهل شارك الجميع في هذا القدر

إلى غير ذلك مما يعد وثيقة تاريخية.

ويتحقق بإثبات السماع والقراءة على المخطوط ما يلي:

أولًا: الإفادة بأن مضمونها قد سمع في حلقة سماع على شيخ معروف بتخصصه في فن يتعلق بموضوع النسخة، وهذا يمنح المخطوط ثقة في صحة مادته ونصه، وذلك بقراءته على الشيخ ومذاكرة الأقران، وتصحيح السامع سواء كان ذلك ناسخًا أم مقابلًا، والسماعات والقراءات المثبتة بعد كل ذلك تعين المعنيين بتواريخ المخطوط على تحديد تاريخه في حالة إغفاله، وهي بعد ذلك تكشف لنا عن قيمة المخطوط ومدى اهتمام الناس به في عصره وبعد عصره، بل ومدى الثقة به وبمؤلفه، وهي في آخر الأمر تعطينا صورة للحركة العلمية، ومدى انتشار الثقافة، بل ومدى عمقها في عصر من العصور. ينظر «المخطوط العربي» لعبد الستار الحلوجي ص: 173، و «عناية المحدثين بتوثيق المرويات» .. ص: 17 - 18.

ثانيًا: تشكيل حلقات مترابطة من الرُّواة الذين عن طريقهم نقلت آلاف المخطوطات، فكل سماع أو قراءة يحتوى على أسماء الأشخاص الذين تلقوا هذا الأصل عن سابقتهم، حتى ينتهي ذلك إلى مصنف الكتاب، فهي بمثابة شهادات على شهادات بنقل هذه المادة مصونة مضمونة محررة مضبوطة كما وضعها مؤلفها.

«عناية المحدثين بتوثيق المرويات» .. ص: 16.

هذا بالإضافة إلى فوائد ثقافية كثيرة منها:

1 -

دراسة تاريخ التدريس في الإسلام والتأريخ لظاهرة علمية.

2 -

معرفة أسماء كثير من الرجال والشيوخ وبعض المعلومات عنهم.

3 -

تحديد مدارس العلم وأماكنه في العصور الأولى.

4 -

معرفة بعض جوانب الحياة الاجتماعية الإسلامية.

ينظر في أهمية السماعات والقراءات بحث: «إجازات السماع في المخطوطات القديمة» ، لصلاح الدين المنجد، وهو بحث منشور في مجلة معهد المخطوطات العربية، الجزء الثاني، المجلد الأول سنة 1950 م من ص: 232 - 252

وللسماع عناصر كثيرة ومنها: ما اشتمل عليه السماع الذي حضره ابن الصلاح، والذي سيأتي ذكره فيما بعد.

وهذه العناصر على سبيل الاختصار هي:

1 -

اسم المُسمعُ: ويراد به الشيخ إذا كان راويًا للنسخة، أو المؤلف إذا كان يقرأ من نسخته.

2 -

أسماء السامعين: وتسرد فردًا فردًا مع ذكر أسماء آبائهم وذكر ما يميزهم.

3 -

القدر المسموع من الكتاب: وكانت أمانة العلم تدفعهم إلى النص على ما سمعه من الحاضرين، فقد يتأخر أحدهم عن السماع فيقولون: سمعه مع فوت .. إلى غير ذلك.

4 -

اسم القارئ على الشيخ: والمراد بالقارئ من يتولى قراءة الكتاب، ويختار القارئ عادة الشيخ، ويراعي أن يكون ممن عرف بإتقانه وحسن قراءته، وقد يكون من أقران الشيخ، أو من تلاميذه المبرزين، وقد يشترك في القراءة أكثر من شخص.

5 -

كاتب السماع: وهو الذي يتولى تدوين وقائع السماع، وقد يكون هو الشيخ المسموع عليه، وقد يكون هو القارئ على الشيخ أو غيره.

وكان يشترط في كاتب السماع الأمور الآتية:

- الأهلية: بأن يكون موثوقًا به غير مجهول الخط.

- التحري والدقة ببيان السامع والمسموع منه بلفظ غير محتمل ..

- الأمانة: وذلك بأن يكون أمينًا فيما يثبته: وتلك الشروط ذكرها ابن الصلاح، وهي تؤكد على أهمية أثر كاتب السماع في توثيق المخطوط.

6 -

ذكر عبارة: (صح وثبت) أو ما يماثلها، مما يدل على تأكد كاتب السماع من أسماء السامعين.

7 -

مكان السماع: وقد يذكر اسم البلد أو المدينة أو المدرسة أو المسجد أو المنزل الذي تم فيه السماع.

8 -

تاريخ السماع ومدته: ويحدد فيه التاريخ، وقد يذكر باليوم والشهر والسنة.

وقد يذكر مدة السماع: هل هو في مجلس واحد، أو أكثر؟ إلى غير ذلك.

9 -

وصف النسخة التي قرئت وسمعها الحاضرون وقيمتها إذا كان المُسمع أحد الرُّواة لا المؤلف نفسه.

وهكذا ضرب المحدثون أروع الأمثلة من خلال هذا المنهج التوثيقي المنقطع النظير، فهذا الميدان قد تفرد به المحدثون، ولذا كان من أعظم الأسباب لصيانة المرويات، وخاصة بعد عصر التدوين، وأصبح الاعتماد فيه على المرويات والكتب المصنفة.

وهناك ألوان أخرى من أنماط التوثيق التي تميز بها المحدثون أذكرها باختصار، لما لها من أثر في توثيق المرويات ولعدم اهتمام كثير من العلماء بالإشارة إليها: وهما القراءة والمطالعة:

أولًا القراءة: وهي عبارة عن قيام واحد أو أكثر من الطلبة بقراءة كتاب يختاره الشيخ ويقوم الشيخ بالتعليق على المسموع من حين لآخر، أو توضيح لغريب، أو لفظة شاذة، والقراءة تدل بذاتها على قراءة الكتاب على عالم متخصص في الفن الذي ألفت فيه النسخة المقروءة.

وبين السماع والقراءة عموم وخصوص كما يقول الأصوليون؛ فسماع الكتاب على الشيخ يقتضي قارئًا وسامعًا أو أكثر.

وقراءة الكتاب على الشيخ إذا جاءت بعبارة المتكلم الواحد مثل: قرأت هذا الكتاب على فلان. لا تقتضي وجود سامع أو سامعين غير المؤلف.

ومجلس السماع يعد سماعًا وقراءة، إذا كان أحد يقرأ على الشيخ وكان آخرون يستمعون، ويعد مجلس سماع وإملاء إذا كان الشيخ يملي وآخرون يقيدون ما يمليه؛ فإنه بالنسبة للسامعين يسمى سماعًا، وبالنسبة للقارئ أو القراء يسمى قراءة وعرضًا.

وقد يطلق على القراءة العرض أو المقابلة.

وكان من نتائج القراءة على الشيخ ظهور الشروح والمختصرات والحواشي التي أصبح لها أهمية كبيرة في مختلف العلوم.

أما المطالعة ويطلق عليها أيضًا النظر، فتعني أن يطالع عالم أو قارئ أو شيخ في الكتاب بقصد الاستفادة منه أو المذاكرة فيه.

وعادة ما تبدأ عبارات المطالعة بقولهم: طالعه العبد .. ، أو طالع فيه فلان .. ، أو نظر فيه فلان بن فلان، وقد تذكر معلومات أكثر مثل اسم المطالع كاملًا والجزء أو الكتاب الذي تمت مطالعته وتاريخ المطالعة ومكانها وغير ذلك.

وهناك أنماط أخرى ساعدت في توثيق المرويات عند المحدثين وهي:

الإجازات التي تكتب آخر المرويات أو أولها.

ومنها أيضًا التمليكات التي تكتب على المخطوطات.

ولولا الإطالة لتناول البحث التفصيل في ذلك.

ص: 111

والله أعلم.

هذا آخر ما ذكره أبو عمرو ابن الصلاح في هذا النوع، وهو طويل جدًّا وهو في غاية النفاسة، وفيه فوائد وفرائد كثيرة تعالج أخطاء كثير من القائمين

ص: 114

بطباعة الكتب في عصرنا الحاضر، فهذه الضوابط إنما كانت نتيجة الدرس والنظر والمباحثة في قرون طويلة، ووقائع متعددة فأنتجت مثل هذه الدقائق والضوابط.

ولقد اخترت سوق هذا النوع بتمامه من عند ابن الصلاح رحمه الله تعالى، وإن كان قد تكلم في ذلك من هو قبله؛ لعدة أسباب:

أولها: أن ابن الصلاح قد استوعب ولخص ما قيل قبله؛ حيث ذكر ما جاء عند الرامهرمزي والقاضي عِياض والخطيب وغيرهم، كما هو واضح فيما سبق.

ثانيها: التأكيد على أن ما اصطلح عليه المتأخرون من علامات للترقيم وضوابط الكتابة لا يمثل إلا جانبًا صغيرًا بالنسبة لضوابط المتقدمين، وليعلم أنصار المستشرقين وتلاميذهم أن في كتب الأوائل من المحدثين على سبيل الخصوص من استوعب هذه القواعد، وأنهم سبقوا المستشرقين في وضع قواعد للكتابة ابتداءً ثم العرض والمقابلة وضوابط التصحيح ثانيًا .. ، إلى غير ذلك من الآداب التي تجب عند السماع والإسماع والرِّواية وغيرها.

ثالثها: أن ابن الصلاح قد طبق هذه القواعد، وخاصة ما يتعلق بمجالس السماع.

فقد كان ابن الصلاح رحمه الله تعالى أول من جلس للتحديث بدار الحديث الأشرفية سنة (630) هـ والتي بناها السلطان الأشرف رحمه الله تعالى (1).

(1) هي دار الحديث التي أمر ببنائها الملك الأشرف في دمشق سنة ثمان وعشرين وستمائة، وتم فتحها في سنة ثلاثين وستمائة في ليلة النصف من شعبان، وجعل شيخها الحافظ أبا عمرو بن الصلاح ليملي فيها الحديث، ووقف عليها الملك الأشرف الأوقاف، وجعل بها نعل النبي صلى الله عليه وسلم، وسمع الملك الأشرف «صحيح البُخَارِيّ» في هذه السنة على الزبيدي.

وأصبحت هذه الدار من أشهر دور الحديث في العالم الإسلامي، وولي التدريس فيها جماعة من العلماء بعد ابن الصلاح. ينظر في ذلك:«الدارس في تاريخ المدارس» 1/ 19 - 30.

ص: 115

وكان ابن الصلاح في هذه الدار قد أسمع الطلاب والحاضرين الكتاب العظيم: «السنن الكبرى» للإمام البيهقي رحمه الله تعالى.

ولقد سجل لنا التاريخ وحفظ من التلف والضياع سماعًا لهذا الكتاب على الإمام أبي عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى. ونص هذا السماع جاء في آخر المجلد الثامن من «السنن الكبرى» من الطبعة الهندية، رواه عنه بالسند إليه أبو عمرو بن الصلاح في دار الحديث الأشرفية بدمشق الشام سنة (634) هـ في مجالس بلغت في المجلد فقط تسعين مجلسًا، أما مجالس الكتاب كله فبلغت سبعمائة وسبعةً وخمسين مجلسًا، وتحمله عن الحافظ ابن الصلاح وسمعه منه شيوخ العلم والحديث وطلابه في أدق صورة وأضبط سماع لتلك المجالس، التي كانت تساق فيها رِواية ذلك الكتاب الجليل مع العرض والمقابلة له على نسخة المؤلف الإمام البيهقي ونسخة الحافظ ابن عساكر الدمشقي.

وهي صورة رائعة ممتعة تعرفنا ما كان عليه المحدثون الكبار من الضبط والإتقان والعناية البالغة والتجويد العجيب لرِواية الحديث بالسماع والإسناد في مجالسهم وفي أخذ الرُّواة عنهم، حتى في الكتب الكبار كهذا الكتاب.

وتمثل لنا في قدمها من نحو ثمانمائة سنة ما كأنّا نشهده اليوم في الوسائل الضابطة الدقيقة المصورة كالتلفاز مثلًا.

فهي صورة - غير ناطقة ولا صوتية - تسجل تلك المجالس الحديثية، وحال الشيخ المحدث، وحال العلماء الطلاب الحاضرين فيها: سماعًا وتلقيًا، وحضورًا وغيابًا، ويقظة ونومًا، وانتباهًا واشتغالًا، وتحدثًا ونسخًا، وفواتًا

ص: 116

واستكمالًا، كأنك تشهدهم في مجالس التحديث والتسميع لكن ينقصها تسجيل الصوت والكلام، فهي صورة صافية واعية لسماع وتحمل وأداء وأمانة علمية بالغة تميز بها آباؤنا وعلماؤنا المحدثون رضي الله عنهم، وتميز عنهم فيها أيضًا الحافظ الإمام أبو عمرو بن الصلاح رضي الله عنه (1).

وكان مجلس السماع على يد ابن الصلاح رحمه الله تعالى لهذا الكتاب بعنايته وقراءته وسماعه منه من أوله إلى آخره في سبعمائة وسبعةٍ وخمسين مجلسًا، وسمع المجلد الثامن منه عدد كبير بلغ ثلاثة وتسعين محدثًا، في تسعين مجلسًا، في مدينة دمشق، وترى في هذا السماع لهذا المجلد الثامن أمورًا يظهر من خلالها عناية الحافظ ابن الصلاح من أهمها:

1 -

الضبط لعدد مجالس السماع التي بلغت في هذا المجلس تسعين مجلسًا كما تقدم.

2 -

تعيين هذه المجالس بخط أبي عمرو بن الصلاح نفسه المقروء عليه، فهي كالشهادة منه بذلك.

3 -

أن كاتب السماع كتب أسماء السامعين وألقابهم وكناهم وأنسابهم تعريفًا بهم.

4 -

أنه ضبط أحوال السامعين؛ من سمع المجالس كلها بغير فوات، ومن سمعها بفوات، ومن سمعها مع نوم في بعضها أو إغفاءٍ أحيانًا، ومن سمعها وهو يتحدث خلال السماع، ومن سمعها وهو ينسخ خلال ذلك، ومن سمع وقد جمع كل ذلك، وتعيين حال كل واحد من السامعين.

(1) فهي بحق: صفحة مشرقة من تاريخ سماع الحديث عند المحدثين كما سماها وعلق عليها الشيخ العلامة عبد الفتاح أبو غدة؛ حيث ساق نص السماع وعلق عليه بما يزيل أي شك في توصل أحد من العلماء إلى ما توصل إليه آباؤنا الأوائل، ونشره مكتب المطبوعات الإسلامية بحلب سنة 1992 م

ص: 117

5 -

كتابة تاريخ الفراغ من إسماع الشيخ ابن الصلاح، حيث كتب ابن الصلاح بخطه في آخر المجلد العاشر (1): بلغ سماع الجماعة - بدار الحديث الأشرفية رحم الله واقفها - وعَرْضُ هذه النسخة على الإتقان من أولِها إلى آخرها بأصلين:

أحدهما: أصل الحافظ أبي القاسم علي بن الحسن بن علي المعروف بابن عساكر.

والثاني: أصل أبي المواهب الحسن بن هبة الله بن صَصْرَى ..

وكان الفراغ من سماعهم للكتاب مني، ومن عرض هذه النسخة يوم الإثنين الثامن عشر من شهر ربيع الأول، سنة خمس وثلاثين وستمائة بدمشق - حرسها الله وسائر بلاد الإسلام وأهله - وهو خط عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان المعروف بابن الصلاح غفر الله له ولهم آمين.

(1) ص: 350

ص: 118

الباب الأول

«طبقات الرُّواة»

ص: 119

‌الباب الأول

«طبقات الرُّواة»

ويتكون من تمهيد وثلاثة فصول:

الفَصْل الأول: «طبقات الرُّواة عن البُخارِيّ» :

المبحث الأول: إبراهِيم بن مَعْقِل النَّسفي.

المبحث الثاني: حماد بن شاكر النَّسفي.

المبحث الثالث: رِواية أبي عبد الله الفَرَبْريّ.

المبحث الرابع: باقي الرُّواة عن البُخارِيّ.

الفَصْل الثاني: «الرُّواة عن الفَرَبْريّ» :

المبحث الأول: رِواية أبي علي ابن السَّكن (353) هـ.

المبحث الثاني: رِواية أبي زيد المَرْوَزيّ (371) هـ.

المبحث الثالث: رِواية أبي إسحاق المُسْتَمْلِيّ (376) هـ.

المبحث الرابع: رِواية أبي محمد الحَمُّوييّ (381) هـ.

المبحث الخامس: رِواية أبى الهيثم الكُشْمِيهَني (389) هـ.

المبحث السادس: باقي الروايات عن الفربري.

الفَصْل الثالث: «أشهر الروايات بين العلماء حتى القرن الخامس الهجري» :

المبحث الأول: رِواية أبي ذر الهَرَويّ (434) هـ.

المبحث الثاني: رِواية الأصيلي (392) هـ.

المبحث الثالث: رِواية أبي الوَقْت (553) هـ

المبحث الرابع: رِواية كريمة المَرْوَزيّة (463) هـ.

ص: 120

‌تمهيد

عناية البخاري بكتابه «الصحيح»

لقد جاء البخاري ومناهج العلماء في التدوين مختلفة، وذلك وفقًا لمتطلبات خاصة بكل زمان ألفت فيه هذه المصنفات.

حتى تولد في نفوس المحدثين إحساس بضرورة عمل جديد، تكون غايته خدمة الحديث النبوي خدمة كاملة، تخلصه مما اختلط به وتميز صحيحه من سقيمه، وتسهل الانتفاع به على الناس.

فلما جاء البخاري كان هذا الإحساس قد قوي حتى أصبح رغبة ينادي بها العلماء، فكان أولَّ مستجيب لتحقيق هذه الرغبة.

وكان النداء بها في مجلسِ أستاذهِ إسحاقَ بنِ إبراهيم بن حنظلة المعروف بابن راهويه.

كما جاء ذلك فيما رواه إبراهيم بن معقل النَّسفي قال: سمعت أبا عبد الله بن محمد بن إسماعيل البُخارِيّ يقول: كنت عند إسحاق بن راهويه فقال لنا بعض أصحابنا: لو جمعتم مختصرًا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، فوقع ذلك في قلبي فأخذت في جمع هذا الكتاب - يعني:«الجامع» . رواه الخطيب البغدادي في «تاريخه» (1).

ولم تكن هذه الأمنية هي كل ما وجه البخاري إلى تأليف الكتاب، فقد سمعها معه أقرانه دون أن يحاولوا تحقيقها، ولكن إرادة الله سهلت له

(1) أخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» 2/ 8 ترجمة البُخَارِيّ، وفي «مسألة الاحتجاج بالشافعي» ص: 36 قال: أخبرني محمد بن أحمد بن يعقوب قال: أنبأنا محمد بن نعيم الضبي قال: سمعت خلف بن محمد بن إسماعيل البُخَارِيّ به، فذكره.

ويوجد مزيد من التفصيل في التخريج وسياق العبارة في مبحث رواية إبراهيم بن معقل النَّسفي.

ص: 121

طريق الفوز، فضمت إلى نداء أستاذه حافزًا آخر له حظه الأسمى عند أمثاله من أقوياء الإيمان، وتمثل له هذا الحافز في رؤياه الرسول صلى الله عليه وسلم، وفسرها له أحد المعبرين بما يوجهه إلى هذا العمل الجليل، وقد روي عنه أنه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقف بين يديه، وبيدي مروحة أَذُب بها عنه، فسألت بعض المعبرين، فقال لي: أنت تذب عنه الكذب، فهو الذي حملني على إخراج الجامع الصحيح (1).

بهذا الحافز وذاك، تحركت همة البخاري رحمه الله لتأليف كتابه الجامع الصحيح، وقد أولاه من العناية ما لم يحظ به كتاب آخر، فانتقاه من ستمائة ألف حديث، وكان لا يكتب فيه حديثا إلا إذا اغتسل وصلى ركعتين واستخار الله، وتيقن من صحته، كل ذلك لأنه أراد أن يجعله حجة فيما بينه وبين الله كما قال، ولشدة تحرَّيه فيه امتدَّ به الزمن في تأليفه إلى ست عشرة سنة فيما روى عنه (2).

رُوي عن إبراهِيم بن مَعْقِل النَّسفي أنه قال: سمعت محمد بن إسماعيل البُخارِيّ يقول: ما أدخلت في كتاب «الجامع» إلا ما صح وتركت من الصحاح لحال الطول (3).

ومن ذلك قول البخاري: ما كتبت في كتاب «الصحيح» حديثًا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين (4).

وروي عن إبراهِيم بن مَعْقِل النَّسفي قال: سمعت محمد بن إسماعيل

(1)«هدى الساري» 1 - 4.

(2)

«هدى السارى» 2 - 202.

(3)

سيأتي في مبحث: إبراهيم بن معقل النَّسفي من هذه الرسالة تخريجه وبيان سياق ألفاظه.

(4)

سبق تخريجة في المقدمة.

ص: 122

البُخارِيّ يقول: خرجت كتابي «الجامع» في بضع عشرة سنة، وجعلته فيما بيني وبين الله حجة (1).

بل لقد بلغ من توقِّيه له، ومُبالغته في إتقانه، وحرصه على كمال السلامة فيه، أنه أعاد النظر في تأليفه مرات، وتعهده بكثير من التهذيب والتعديل قبل أن يُخْرِجه للناس، وهذا ما عبر عنه بأنه صنفه ثلاث مرات (2).

لقد حقق البخاري لكتابه غاية الإتقان، بما تأنى في تأليفه، وبما راقب الله فيه، وأعانه على ذلك سعة روايته، وخبرته الدقيقة بنقد الحديث، وإحاطته بعلومه وتاريخ رجاله، وقد تحقق فيه مزايا الجمع، والصحة، والإسناد، والاختصار، وهذه مَعانٍ يفوق ببعضها كل كتاب سبقه، فما بالنا به وقد اجتمعت كلها فيه؟

لقد استعد البخاري لتأليف هذا الكتاب، وتأنى في تأليفه وتَحَرَّى له كما سبق، ومع ذلك لم يقنع بما صنع، بل أراد أن يستوثق من سلامته، وأن يطمئن إلى صدق الجهد الذي بذله فيه، ولذلك عرضه على أشهر الأئمة المعروفين في عصره، فكان له من حسن شهادتهم ما أراد.

يقول أبو جعفر محمود بن عمرو العقيلي: لما ألف البخاري كتاب «الصحيح» عرضه على أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وغيرهم، فاستحسنوه، وشهدوا له بالصحة إلا في أربعة أحاديث (3).

(1) سيأتي في مبحث: إبراهيم بن معقل النَّسفي من هذه الرسالة تخريجه.

(2)

«هدى الساري» 2 - 201.

(3)

وينظر في معرفة هذه الأحاديث الفصل الثامن من «هدي الساري» في سياق الأحاديث التي انتقدها عليه الدارقطني وغيره. ينظر «هدي الساري» (ص: 346، 382، 410).

ص: 123

قال العقيلي: والقول فيها قول البخاري، وهي صحيحة (1).

وحَسْبُ الكتاب أن يشهد له هؤلاء الأَعلام النبلاء، هذه الشهادة العالية، وأَن ينضم إليها ما يعرف الناس من كفاءة البخاري، وسعة علمه، ودقة فقهه، وفهمه وشدة تَحَرَّيه، وبالغ ورعه، وقوة اتصاله بالله، حسب الكتاب هذا حتى يُقبِل الناس عليه ويشتغلوا به، ويشدوا الرحال ليسمعوه منه.

والرواة الذين وقفت عليهم فيما بين يدي من مصادر وعرف أن لهم رواية أو نسخة من الصحيح خمسة، وقد جعلت المباحث الآتية في التعريف بهذه الروايات، وانظر الجدول الخاص بذلك.

(1)«هدى الساري» 1 - 5.

ص: 124

شجرة الإسناد

ص: 125