الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من ذَلِك الْكتاب الْمُسَمّى بمعيار الِاخْتِيَار
الْحَمد لله الَّذِي انْفَرَدت صِفَاته بالاشتمال على أشتات الْكَمَال، والاستقلال بأعباء الْجلَال، المنزه عَن احتلال الْحَلَال، المتصفة الْخلال بالاختلال، الْمُتَعَمد بالسؤال، لصلة النوال، جَاعل الأَرْض كسكانها مُتَغَايِرَة الْأَحْوَال، باخْتلَاف الْعرُوض والأطوال، متصفة بالمحاسن والمقابح، عِنْد اعْتِبَار الهيئات والأوضاع والصنائع والأعمال، على التَّفْصِيل والإجمال، فَمن قَامَ خَيره بشره، دخل تَحت خطّ الِاعْتِدَال، وَمن قصر خَيره عَن شَره، كَانَ أَهلا للاستعاضة بِهِ والاستبدال، وَمن أربى خَيره على شَره، وَجب إِلَيْهِ شدّ الرّحال، وَالْتمس بِقَصْدِهِ صَلَاح الْحَال، وَكَثِيرًا مَا اغتبط النَّاس بأوطانهم، فحصلوا فِي الْجبَال على دعة البال، وفازوا فِي الرمال بالآمال، حِكْمَة مِنْهُ فِي اعْتِبَار ربع الشمَال، وتضيء أكنافه عَن الْيَمين وَالشمَال، إِلَى أَن يَدْعُو بِأَهْل الأَرْض، لموقف الْعرض وَالسُّؤَال. وَيذْهل عَن الأمل عظم الْأَهْوَال. وَالصَّلَاة على سيدنَا مُحَمَّد الْمُصْطَفى، الَّذِي أنقذ بدعوته الوارفة الظلال من الضلال، وجا بِرَفْع الأغلال، وتمييز الْحَرَام من الْحَلَال، وَالرِّضَا عَمَّن لَهُ من الصحب والآل.
أما بعد، ساعدك السعد، ولان الْجَعْد، فَإِن الْإِنْسَان، وَإِن اتّصف بِالْإِحْسَانِ، وأبانة اللِّسَان، لما كَانَ بعضه لبَعض فَقِيرا، نبيها كَانَ أَو حَقِيرًا، إِذْ مونه الَّتِي تصلح بهَا حَاله، وَلَا يَسعهَا انتحاله، لزم اجتماعه وائتلافه على سياسة يُؤمن مَعهَا اختلافه، واتخاذ مَدِينَة يقر بهَا قراره، وَيتَوَجَّهُ إِلَيْهَا ركونه وفراره، إِذا رابه إضراره، وتختزن فِيهَا أقواته الَّتِي بهَا حَيَاته. ويحاول مِنْهَا معاشه، الَّذِي بِهِ انتعاشه، وَإِن كَانَ اتخاذها جزَافا واتفاقا. واجتزاء بِبَعْض الْمرَافِق وارتفاقا،
تحاول خَيرهَا وشرها، وتعارض نَفعهَا وضيرها، وفضلها فِي الْغَالِب غَيرهَا، وَإِن كَانَ عَن اخْتِيَار وتحكيم معيار، وتأسيس حَكِيم، وتعويض لِلْعَقْلِ وتحكيم، تنافر إِلَى حكمهَا للنفر، وإعمال السّفر، وَكَانَت مساويها بِالنِّسْبَةِ إِلَى محاسنها تفْتَقر، إِذْ وجود المَال فاضح للآمال، وَللَّه در الْقَائِل:
(وَمن ذَا الَّذِي ترْضى سجاياه كلهَا
…
كفى الْمَرْء فضلا أَن تعد معايبه)
وبحسب ذَلِك، حدث من يعْنى بالأخبار ينقلها، وَالْحكم يصقلها، والأسمار بنتقيها، والْآثَار يخلدها ويبغيها، والمجالس يَأْخُذ صدورها، والآفاق يشيم شموسها وبدورها، وَالْحلَل يصرف دورها، وَيَأْكُل قدورها، والطرف يهديها، والخفيات يبينها، وَقد جرى ذكر تَفْضِيل الْبلدَانِ، وَذكر القاصي والدان، ومزايا الْأَمَاكِن، وخصائص الْمنَازل والمساكن، والمقابح والمحاسن، وَالطّيب والآسن، قَالَ ضمني اللَّيْل، وَقد سدل الْمَسِيح راهبه، وَأَشْهَب قرصة الشَّمْس من يَد الأمس ناهبه، وذلفت جيوشه الحبشية وكتائبه، وَفتحت الأزهار شط المجرة كواكبه، وجنحت الطُّيُور إِلَى وَكَونهَا، وانتشرت الطوافات بعد سكونها، وعويت الذئاب فَوق هضابها، ولوحت البروق بفيض عضابها، وباحت الْكَفّ الخضيب بخضابها، وتسللت اللُّصُوص لانتهاز فرصها، وَخرجت الليوث إِلَى قسمهَا وحصصها فِي مناخ رحب المنطلق، وثيق الغلق، سامي السُّور، كَفِيل بِحِفْظ الميسور، يَأْمَن بِهِ الذعر خائفه، وتدفع معرة السما سقائفه، يشْتَمل على مأوى الطريد، ومحراب المريد، ومرابط خيل الْبَرِيد، ومكاسع الشَّيْطَان المريد، ذِي قيم، كثير البشاشة، لطيف الحشاشة، قَانِع بالمشاشة، يروح وَيَمْشي، وَيقف على رتب الْأَعْيَان، وأعيان الرتب، فَلَا يشي، بر فَأكْثر، ومهد ودثر، وأذفا ودثر، ورقى بِسوار استنزاله فأثر. فَلَمَّا أرحت الكافة واقضمت جَوَاده العلفة، وأعجبتني من رُفَقَاء الْمرْفق الألفة، رمقت فِي بعض السقائف أمنا فِي
زِيّ خَائِف، وشيخا طَاف مِنْهُ بِالْأَرْضِ طائف، وَسكن حَتَّى الْيَمَامَة والطائف [حنيب عكاز ومثير ركاز، قل حَظه بسلاحه لِسَان ذلو السفرة] ومثير شيب أثبت الوفرة، وقسى ضلوع توثر بالزفرة، حكم لَهُ بَيَاض الشيبة بالهيبة، وَقد دَار بذراعه للسبحة الرقطاء حَنش، كَمَا اخْتَلَط روم وحبش، وَإِلَى يَمِينه دلو فامق، وَعَن يسَاره تلميذ مراهق، وأمامه حمَار ناهق، وَهُوَ يَقُول:
(هم أسكنونا فِي ظلال بُيُوتهم
…
ظلال بيُوت أدفأت وأكنت)
(أَبَوا أَن يملونا وَلَو أَن أمنا
…
تلاقي الَّذِي لاقوه منا لملت)
حَتَّى إِذا اطْمَأَن حُلُوله، وأصحب ذلوله، وتودد إِلَى قيم الحنان، زغلوله، واستكبر لما جَاءَ بِمَا يهواه رَسُوله، استجمع قوته، واستحشد، وَرفع عقيرته وَأنْشد:
(أَشْكُو إِلَى الله ذهَاب الشَّبَاب
…
كم حسرة أورثتني واكئياب)
(سد عَن اللَّذَّات بَاب الصِّبَا
…
فزادت الأشجان من كل بَاب)
(وغربة طَالَتْ فَمَا تَنْتَهِي
…
مَوْصُولَة الْيَوْم بِيَوْم الْحساب)
(وَشر نفس كلما هملجت
…
فِي الغي لم تقبل خطام المتاب)
(يَا رب شفع فِي شيبي وَلَا
…
تحرمني الزلفى وَحسن المآب)
ثمَّ أَن، وَاللَّيْل قد جن، فَلم يبْق [فِي الْقَوْم] إِلَّا من أشْفق وحن، وَقد هزته أريحية، على الدُّنْيَا سَلام وتحية، فَلَقَد نلنا الأوطار، وحلبنا الأشطار، [وركبنا الأخطار، وأبعدنا المطار، واخترقنا الأقطار] فَقَالَ فتاه، وَقد افترت عَن الدّرّ شفتاه مستثيرا لشجونه، ومطلعا نُجُوم همه من دجونه، ومدلا عَلَيْهِ بمجونه، وماذا بلغ الشَّيْخ من أمرهَا، أَو رفع من عمرها، حَتَّى يقْضى مِنْهُ عجب، أَو يجلى مِنْهُ محتجب، فَأَخَذته حمية الْحفاظ لهَذِهِ الْأَلْفَاظ، وَقَالَ أَي بني مثلي من الأقطاب، يُخَاطب بِهَذَا الْخطاب، وأيم الله لقد عقدت الْحلق،
ولبست من الدَّهْر الْجَدِيد والخلق، وفككت العلق وأبعدت فِي الصفوة الطلق، وخضت الْمنون، وصدت الضَّب وَالنُّون، وحذقت الْفُنُون، وقهرت بعد سُلَيْمَان الْجُنُون، وقضيت الدُّيُون، ومرضت لمَرض الْعُيُون، وَركبت الهمالج، وتوسدت الرذائل والدمالج، وركضت الفاره، واقتحمت المكاره، وَجَبت الْبِلَاد، وَحَضَرت الجلاد، وأقمت الفصح والميلاد، فعدت من بِلَاد الْهِنْد والصين، بِالْعقلِ الرصين، وحذقت بدار قسنطين، علم اللطين، ودست مدارس أَصْحَاب الرواق، وَرَأَيْت غَار الْأَرْوَاح، وَشَجر الوقواق، وشريت حلل الْيمن، ببخس الثّمن، وحللت من عدن حُلُول الرّوح من الْبدن، وَنظرت إِلَى قرن الغزالة لما شَرق، وأزمعت على العراقين بسرى الْعين، وشربت من مَاء الرافدين باليدين، وَصليت بمحراب الدملى رَكْعَتَيْنِ، وَتركت الْأَثر للعين، ووقفت حَيْثُ وقف الحكمان، وتقابل التركمان، وَأخذت بالقدس، عَن الحبر الندس، وَركبت الولايا إِلَى بِلَاد العلايا، بعد أَن طفت بِالْبَيْتِ الشريف، وحصلت بِطيبَة على الخصب والريف فِي فصل الخريف، وقرأت بأخميم علم التصريف، وأشرعت فِي الانحطاط إِلَى الْفسْطَاط، والمصر الرحب الاختطاط، وسكنت مَدِينَة الْإسْكَنْدَريَّة ثغر الرِّبَاط، وعجلت بالمرور إِلَى التكرور، فَبِعْت الظل بالحرور، ووقفت بأشبانية إِلَى الهيكل المزور [وحصلت بإفريقية على الرفد غير المنزور] وانحدرت إِلَى الْمغرب انحدار الشَّمْس إِلَى الْمغرب، وصممت تصميم الحسام الْمَاضِي المضرب، ورابطت بالأندلس ثغر الْإِسْلَام، وأعلمت بِمَا تَحت ظلال الْأَعْلَام، فآها وَالله على عمر مضى وَخلف مضضا، وزمن انْقَضى، وَشَمل قضى الله من تفرقه بِمَا قضى. ثمَّ أجهش ببكائه، وأعلن باشتكائه، وَأنْشد:
(لبسنا فَلم نبل الزَّمَان وأبلانا
…
نتابع أخرانا على الغي أولانا)
(ونغتر بالآمال والعمر يَنْقَضِي
…
فَمَا كَانَ بالرجعي إِلَى الله أولانا)
(وماذا عَسى أَن ينظر الدَّهْر مَا عسا
…
فَمَا انْقَادَ بالزجر الحثيث وَلَا لانا)
(جزينا صَنِيع الله شَرّ جَزَائِهِ
…
فَلم نرع مَا من سَابق الْفضل أولانا)
(فيا رب عاملنا بِمَا أَنْت أَهله
…
من الْعَفو واجبر صدعنا أَنْت مَوْلَانَا)
ثمَّ قَالَ:
(لقد مَاتَ إخْوَانِي الصالحون
…
فَمَا لي صديق وَلَا لي عماد)
(إِذا أقبل الصُّبْح ولى السرُور
…
وَإِن أقبل اللَّيْل ولى الرقاد)
فتملكتني لَهُ رقة وهزة للتماسك مسترقة، فهجمت على مضجعه هجوما أنكرهُ، وراع صَفوه وعكره، وغطى بِفضل ردنه سكره، فَقلت على رسلك أَيهَا الشَّيْخ، نَاب حنت إِلَى خوار، وغريب أنس بجوار، وحائر اهْتَدَى بِنَار، ومقرور قصد إِلَى ضوء نَار، وطارق لَا يفضح عَيْبا، وَلَا يثلم وَلَا يهمل شيبا، وَلَا بِمَنْع سيبا، ومنتاب يكسو الْحلَّة، وَيحسن الْخلَّة، ويفرغ الْغلَّة، ويملأ الْقلَّة:
(أجارتنا إِنَّا غَرِيبَانِ هَاهُنَا
…
وكل غَرِيب للغريب نسيب)
فَلَمَّا وقم الهواجس وكبتها، وَتَأمل المخيلة واستثبتها، تَبَسم لما توهم وَسمع بعد مَا جمح، فهاج عقب مَا فتر، وَوصل مَا بتر، وَأظْهر مَا خبأ تَحت ثَوْبه وَستر، وماج مِنْهُ الْبَحْر الزاخر، وأتى بِمَا لَا تستطيعه الْأَوَائِل والأواخر، وَقَالَ، وَقد ركضى الْفُنُون وأجالها، وَعدد الحكم ورجالها، وفجر للأحاديث أنهارها، وَذكر الْبلدَانِ وأخبارها:
(وَلَقَد سهمت مآربي فَكَانَ أطيبها حَدِيث
…
إِلَّا الحَدِيث فَإِنَّهُ مثل اسْمه أبدا حَدِيث)
قلت، ذهب الخجل والوجل، وَطَالَ المروى والمرتجل، وتوسط الْوَاقِع، وتشوفت للنجوم المواقع، وتوردت الخدود البواقع. قلت أَيهَا الحبر واللج الَّذِي لَا يَنَالهُ السبر: لاحجبك قبل عمر النِّهَايَة الْقَبْر، وأعقب كسر أعداد عمرك الْمُقَابلَة بِالْقبُولِ والجبر، كَأَن اللَّيْل قد أظهر لوشك الرحيل الْهَلَع، والغرب الجشع لنجومه قد ابتلع، ومفرق الأحباب، وَهُوَ الصُّبْح قد طلع، فأولني عارفة من معارفك اقتنيها، واهزز لي أفنان رحكمك اجتنبها. فَقَالَ، أمل ميسر، ومجمل يحْتَاج أَن يُفَسر، فأوضح الملغز، وأبن الطلا من البرغز، وسل عَمَّا بدا لَك، فَهُوَ أجدى لَك، وَأقسم لَا تسلنى عَن غامض، وحلو أَو حامض، إِلَّا أوسعته علما وبيانا، وأريتك الْحق عيَانًا. قلت صف لي الْبِلَاد وَصفا لَا يظلم مِثْقَالا، وَلَا يعْمل فِي غير الصدْق وخدا وَلَا أرقالا، وَإِذا قُلْتُمْ فأعدلو، وَمن أحسن من الله مقَالا. قلت انفض لي الْبِلَاد الأندلسية من أطرافها، وميز بميزان الْحق بَين اعتدالها وانحرافها، ثمَّ اتلها بالبلاد المرينية نسقا، واجل بِنور بيانك غسقا، وهات مَا تَقول فِي جبل الْفَتْح. قَالَ. فَاتِحَة الْكتاب من مصحف ذَلِك الإقليم، ولطيفة السَّمِيع الْعَلِيم، وقصص المهارق، وأفق البارق، ومتحف هَذَا الوطن المباين للْأَرْض المفارق، بِأَهْل العقيق وبارق، ومحط طارقها بِالْفَتْح طَارق، وارم الْبِلَاد الَّتِى لم يخلق مثلهَا فِيهَا، وَذُو المناقب الَّتِى لَا تحصرها الْأَلْسِنَة وَلَا توفيها، حجره الْبَحْر حَتَّى لم يبْق إِلَّا خصر، فَلَا يَنَالهُ من غير تِلْكَ الفرصة منيق وَلَا حصر. وأطل بأعلاه قصر، وأظله فتح من الله وَنصر، سَاوَى سُورَة الْبَحْر فأعياه، قد تهلل بالكلس محياه، واستقبل الثغر الْغَرِيب فحياه، واطرد صنع الله فِيهِ من عَدو يَكْفِيهِ، ولطف يخفيه، وداء عضال يشفيه، فَهُوَ خلْوَة الْعباد، ومقام العاكف والباد، ومسلحة من وَرَاءه من الْعباد، وشقة الْقُلُوب الْمسلمَة والأكباد. هَوَاهُ صَحِيح وثراه بالخزين سحيح، ونجر الرِّبَاط فِيهِ ربيح، وحماه لِلْمَالِ وَالْحرم غير مُبِيح، وَوَضعه الْحسن لَا يشان بتقبيح
إِلَّا أَنه، وَالله يَقِيه [مِمَّا يتقيه] بعيد الأقطار، هماز بالقطار، كثير الرِّيَاح والأمطار، مكتنف بالرمل المخلف، والجوار الْمُتْلف قَلِيل الْمرَافِق، مَعْدُوم المشاكل والمرافق، هزل الكراع، لعدم الأزدراع، حاسر الذِّرَاع للقراع، مرتزق من ظلّ الشراع، كورة دبر، ومعتكف أزل وصبر، وساكنه حَيّ فِي قبر:
(هُوَ الْبَاب إِن كَانَ التزاور للقيا
…
وغوث وغيث للضريح وللسقيا)
(فَإِن تطرق الْأَيَّام فِيهِ بحادث
…
وأعزز بِهِ قُلْنَا السَّلَام على الدُّنْيَا)
قلت، فأسطبونه قَالَ، عَفا رسمها، وبقى اسْمهَا وَكَانَت مَظَنَّة النعم الغزيرة، قبل حَادِثَة الجزيرة. قلت فمربلة، قَالَ بلد التاذين على السرذين، وَمحل الدُّعَاء والتأمين لمطعم الْحُوت السمين، وحد ذَاتهَا مفرس الْعِنَب الْقَدِيم الْفرس إِلَى قبَّة أرين، إِلَّا أَن مرْسَاها غير أَمِين، وعقارها غير ثمين، ومعقلها تركبه الأَرْض من عَن شمال وَيَمِين. قلت، فسهيل قَالَ حصن حُصَيْن، يضيق عَن مثله هِنْد وصين، وَيَقْضِي بفضله كل ذِي عقل رصين، سَبَب عزه متين، ومادة قوته شعير وتين، قد علم أَهله مشربهم، وأمنوا مهربهم، وأسهلت بَين يَدَيْهِ قراه ماثلة بِحَيْثُ يرَاهُ، وجاد بالسمك واديه، وبالحب ثراه، وَعرف شَأْنه بِأَرْض النّوبَة وَمِنْه يظْهر سُهَيْل من كواكب الْجنُوب، إِلَّا أَن سواحله فل الْغَارة البحرية، ومهبط السّريَّة غير السّريَّة، الخليقة بالحذر الْحُرِّيَّة، مسرح السايمة الأميرية، وخدامها كَمَا علمت أُولَئِكَ هم شَرّ الْبَريَّة.
قلت فمدينة مالقة، قَالَ، وَمَا القَوْل فِي الدرة الوسيطة، وفردوس هَذِه البسيطة، أشهد لَو كَانَت سُورَة، لغرقت بهَا حدقة الْإِطْعَام، أَو يَوْمًا لكَانَتْ
عيدا فِي الْعَام، تبِعت لَهَا بِالسَّلَامِ مَدِينَة السَّلَام، وتلقي لَهَا يَد الاستسلام محَاسِن بِلَاد الْإِسْلَام، إِلَى دَار، وقطب مدَار، وهالة إبدار، وكنز تَحت جِدَار، قصبتها مضاعفة الأسوار، مصاحبة للسنين، مُخَالفَة للأدوار، قد برزت فِي أكمل الأوضاع، وأجمل الأطوار، كرْسِي ملك عَتيق، ومدرج مسك فتيق، وإيوان أكاسرة، ومرقب عِقَاب كاسرة، ومجلى فاتنة حَاسِرَة، وصفقة غير خاسرة، فحماها منيع حريز، وديوانها ذهب إبريز وَمذهب فخار هاله على لآماكن تبريز [إِلَى مَدِينَة تبريز] وحلل بدائعها بالبدائع ذَات تطريز. اضطبنت دَار الأسطول، وساويت الْبَحْر بالطول، واسندت إِلَى جبل الرَّحْمَة ظهرهَا، واستقبلت ملعبها ونهرها، ونشقت وردهَا الأرج وزهرها، وَعرفت قدرهَا فأغلت مهرهَا، وَفتحت جفنها على الجفن غير الغضيض، والعالم الثَّانِي مَا بَين الأوج إِلَى الحضض، دَار الْعَجَائِب المصنوعة، والفواكه غير المقطوعة والممنوعة، حَيْثُ الْأَوَانِي تلقى لَهَا يَد الغلب، ضائع حلب وَالْحلَل الَّتِي تلج صنعا فِيهَا بِالطَّلَبِ، وَتَدْعُو إِلَى الجلب، إِلَى الدست الرهيف ذِي الْوَرق الهيف، وَكفى برمانها حقاق ياقوت، وأمير فَوت، وزائرا غير ممقوت، إِلَى المؤاساة، وتعددت الأساة وإطعام الجائع، والمساهمة فِي الفجائع، وَأي خلق أسرى من استخلاص الأسرى، تبرز مِنْهُم المخدرة حسرى، سامحة بسواريها، وَلَو كَانَا سواري كسْرَى، إِلَى الْمقْبرَة الَّتِي تسرح بهَا الْعين، ويستهان فِي ترويض روضاتها الْعين، إِلَى غللها المحكمة الْبُنيان، الماثلة كنجوم السما للعيان، وافتراض سكناهَا، أَوَان الْعَصْر على الْأَعْيَان، ووفور أولى المعارف والأديان:
(وَأحسن الشّعْر مِمَّا أَنْت قَائِله
…
بَيت يُقَال إِذا أنشدته صدقا)
وعَلى ذَلِك فطينها يشقى بِهِ فطينها، وأزبالها تحيي بهَا سبالها، وسروبها يستمد)
مِنْهَا مشروبها، فسحبها متغيرة، وكواكب أذمانها النيرة متحيرة، وأقطارها جد شاسعة، وأزقتها حرجة غير وَاسِعَة، وآبارها تفسدها أدبارها، وطعامها لَا يقبل الاختزان، وَلَا يحفظ الْوزان، وفقيرها لَا يُفَارق الأحزان، وجوعها يَنْفِي بِهِ هجوعها، تحث على الأمواج أقواتها، وَتَعْلُو على الموازين غير الْقسْط أصواتها، وأرحيتها تطرقها النوائب، وتصيب أهدافها السِّهَام الصوائب وتعدلها الجنايب، وتستخدم فِيهَا الصِّبَا والجنايب، وديارها الآهلة، قد صم بالنزائل صداها، وأصبحت بَلَاقِع بِمَا كسبت يداها، وَعين أعيانها أثر، ورسم مجادتها قد دثر، والدهر لَا يَقُول لَهَا لمن عثر، وَلَا ينظم شملا إِذا انتثر، وَكَيف لَا يتَعَلَّق الذام، بِبَلَد يكثر بِهِ الجذام، عِلّة بلواه آهلة، والنفوس بمعرة عدواه جاهلة. ثمَّ تَبَسم عَن انْشِرَاح صدر، وَذكر قصَّة الزبْرِقَان بن بدر:
(تَقول هَذَا مجاج النَّحْل تمدحه
…
وَإِن ذممت فَقل فيىء الزنابير)
(مدح وذم وَعين الشي وَاحِدَة
…
إِن الْبَيَان يرى الظلماء فِي النُّور)
قلت فبلش قَالَ جادها الْمَطَر الصيب، فَنعم الْبَلَد الطّيب، حلى وَنحر، وبر وبحر، ولوز وتين، وسبت من الْأَمْن متين، وبلد أَمِين وعقار ثمين، وفواكه من عَن شمال وَيَمِين، وفلاحة مدعي إنجابها لَا يَمِين. إِلَّا أَن التشاجر بهَا أقمى من الشّجر، والقلوب أقسى من الْحجر، ونفوس أَهلهَا بَيِّنَة الْحَسَد والضجر، وشأنها غيبَة ونممة، وخبث مَا بهَا على مَا سوخ الله من آلائها ثميمة.
قلت فقمارش، قَالَ مُودع الوفر، ومحط السّفر، ومزاحم الفرقد والقفر، حَيْثُ المَاء الْمعِين، والقوت الْمعِين، لَا تخامر قلب الثائر بِهِ خطْوَة وجله. إِلَّا من أَجله. طالما فزعت إِلَيْهِ النُّفُوس الْمُلُوك الأخاير بالذخاير، وَشقت
عَلَيْهِ أكواس المرائر فِي الضرائر، وَبِه الأعناب الَّتِي راق بهَا الجناب، والزياتين، واللوز والتين، والحرث الَّذِي لَهُ التَّمْكِين، وَالْمَكَان المكين، إِلَّا أَنه عدم سهله، وَعظم جَهله، فَلَا يصلح فِيهِ إِلَّا أَهله.
قلت فالمنكب قَالَ مرفأ السفن ومحطها، ومنزل عباد الْمَسِيح ومختطها بَلْدَة معقلها منيع، وبردها صقيع، ومحاسنها غير ذَات تقنيع. الْقصر المفتح الطيقان، الْمُحكم الإتقان، وَالْمَسْجِد المشرف الْمَكَان، والأثر المنبي عَن كَانَ وَكَانَ، كَأَنَّهُ مبرد وَاقِف أَو عَمُود فِي يَد مثاقف، قد أَخذ من الدَّهْر الْأمان، وتشبه بصرح هامان، وأرهفت جوانبه بالصخر المنحوت، وَكَاد أَن يصل مَا بَين الْحُوت والحوت. غصت بقصب السكر أرْضهَا، واستوعب بهَا طولهَا وعرضها، زبيبها فائق، وجنابها رائق، وقدمت إِلَيْهَا جبل الشوار، بِنسَب الْجوَار، فَنَشَأَ الأسطول، فوعدها غير ممطول، وأمده لَا يحْتَاج إِلَى الطول، إِلَّا أَن اسْمهَا مَظَنَّة طيرة تشتنف، والتنكيب عَنْهَا يوتنف، وطريقها يمْنَع شَرّ سلوكها، من تودد مُلُوكهَا، وهواؤها فَاسد، ووبأها مستأسد، وجارها حَاسِد، فَإِذا التهبت السَّمَاء، وتغيرت بالسمائم المسميات والأسماء، فأهلها من أجداث بُيُوتهم يخرجُون، وَإِلَى جبالها يعرجون، والودك إِلَيْهَا مجلوب، والقمح بَين أَهلهَا مقلوب، وَالصَّبْر إِن لم يَبْعَثهُ الْبَحْر مغلوب، وَالْحر مَا يعراها وَالْحر بِدَم الْغَرِيب مَطْلُوب.
قلت فشلوبانية، قَالَ أُخْتهَا الصُّغْرَى ولدتها، الَّتِي يشغل بهَا الْمُسَافِر، ويعزى حصانه معقل، وموقب متوقل، وَغَايَة طَائِر، وممتنع ثَائِر، ومتنزه زائر، تركب برهَا الجداول المرفوعة، وتخترق وجهاتها المذانب المنفردة
والمشفوعة، فَفِي المصيف، تلعب بِالْعقلِ الحصيف، وَفِي الخريف يسفر عَن الخصب والريف، وحوت هَذِه السواحل أغزر من رمله، تغرى القوافل إِلَى الْبِلَاد بِحمْلِهِ، إِلَى الْخضر الباكرة، وَالنعَم الحامدة للمرء الشاكرة، وَكفى بمترايل من بسيطها محلّة مَشْهُورَة، وعقيلة ممهورة، ووادعة فِي غير السهل مبهورة، جَامعهَا حافل، وَفِي حلَّة الْحسن رافل، إِلَّا أَن أرْضهَا مستخلص السُّلْطَان، بَين الأوطان، ورعيتها عديمة الْأَعْيَان، مروعة على الأحيان، وتختص شلوبانية بمزية الْبُنيان، وَلكنهَا غَابَ الْحَيَّات الحميات، غير أمينة على الافتيات، وَلَا وسيمة الفتيان والفتيات. قلت فبرجة، قَالَ تَصْحِيف وتحريف، وتغيير فِي تَعْرِيف، مَا هِيَ إِلَّا بهجة نَاظر، وشرك خاطر، ونتيجة عَارض ماطر، ودارة نفس عاطر، عقارها ثمين، وحرمها أَمِين، وحسها باد وكمين، عُقُود أعنابها قد قرطت أَذَان الميس والحور، وعقائل أدواحها، مبتسمة عَن ثغور النُّور [وبسيطها متواضع عَن النجد، مترفع عَن الْغَوْر] وعينها سلسالة، وسنابك المذانب مِنْهَا مسالة تحمل إِلَى كل جِهَة رِسَالَة، ودروها فِي العرا مبثوثة، وركائب النواسم بَينهَا محثوثة، لَا تَشْكُو بِضيق الْجوَار، واستكشاف العوار، وتزاحم الزوار، مياه وظلال، وَشَجر وحلال، وَخلق دمث كثراها، ومحاسن مُتعَدِّدَة كقراها، ولطافة كنواسمها عِنْد مسراها، وأعيان ووجوه نجل الْعُيُون، بيض الْوُجُوه، غلتهم الْحَرِير، ومجادتهم غنية عَن التَّقْرِير، إِلَّا أَن متبوأها بسيط مطروق، وقاعدتها فروق، ووتدها مطروق ومعقلها خرب، كَأَنَّهُ أحدب جرب، إِن لم ينْقل إِلَيْهِ المَاء برح بِهِ الظمأ. وَللَّه در صاحبنا إِذْ يَقُول:
(يَا بسيطا بمعاني برجة
…
أصبح الْحسن بهَا مشتهرا)
(لَا تحرّك بفخار مقولا
…
فَلَقَد ألقمت مِنْهَا حجرا)
وَالْبر بهَا ندر الْوُجُود وَاللَّحم تلوه، وهما طيبتا الْوُجُود، والحرف بهَا ذواية الْعود، والمسلك إِلَيْهَا بعيد الصعُود قلت فدلاية، قَالَ خير رِعَايَة وَولَايَة، حَرِير ترفع عَن الثّمن، وملح يُسْتَفَاد على مر الزَّمن، ومسرح مَعْرُوف، وَأَرْض ينْبت بهَا جبن وخروف، إِلَّا أَنَّهَا كسرايا الْعَدو البحري، مجر العوالي، وَمحل الفتكات على التوالي، فطريقها صور ومشاهد، والعارف بهَا زاهد.
قلت فمدينة ألمرية، قَالَ ألمرية هنيَّة مرية، بحريّة بَريَّة، أصيلة سَرِيَّة، معقل الشُّيُوخ والإباية، ومعدن المَال وعنصر الجباية، وجندة الأسطول غير الْمُعَلل وَلَا الممطول، ومحط التُّجَّار وكرم النجار، ورعى الْجَار، مَا شِئْت من أَخْلَاق معسولة، وسيوف من الجفون السود مسلولة، وتكك محلولة، وحضارة تعبق طيبا، وتتأود دوحا رطيبا، ووجوه لَا تعرف تقطيبا، لم تزل مَعَ الظّرْف دَار نساك، وخلوة اعْتِكَاف وإمساك، أرْغم أَهلهَا أنف الصَّلِيب لما عجم، مِنْهَا بِالْعودِ الصَّلِيب، وَألف لامها وألفها حكم التغليب، فَانْقَلَبَ مِنْهَا آيسا عِنْد التقليب:
(يسائل عَن أهل المرية سَائل
…
وَكَيف ثبات الْقَوْم والردع يَاسر)
(قطا دارج فِي الرمل فِي يَوْم لِدَة
…
وَلَهو وَيَوْم الروع فتح كواسر)
بحرها مرفأ السفن الْكِبَار، وكرسيها هُوَ الْعَزِيز عِنْد الِاعْتِبَار،، وقصبتها سلوة الحزين وفلك المتنزهين، وَهِي مَحل الفلل المجدية، والأندية المشفوعة الأردية، ولواديها المزية على الأودية، حجَّة النَّاظر الْمفْتُون، المكسو الحصور
والمتون، بالأعناب وَالزَّيْتُون، بلد الخام والرخام، والذمم الضخام، وحمتها بديعة الْوَصْف، محكمَة الرصف، مَقْصُودَة العلاج والقصف، حرهَا شَدِيد، وَذكرهَا طَوِيل مديد، وأثرها على الْبِلَاد جَدِيد، إِلَّا أَن مغارمها ثَقيلَة، وصفحة جوها فِي المحول صقيلة، وسماؤها بخيلة، وبروقها لَا تصدق مِنْهَا مخيلة دبلالة النطية، منزورة الطية، وسعرها لَيْسَ من الأسعار الوطية، ومعشوق الْبر بهَا قَلِيل الْوِصَال، وَحمل الْبَحْر صَعب الفصال، وَهِي متوقعة إِلَّا أَن يقي الله طُلُوع النصال، دعاة النصال.
قلت فطيرنش من شرقها، قَالَ حَاضِرَة الْبِلَاد الشرقية، وثنية البارقة الأفقية، ماشئت من تنجيد بَيت، وعصير وزيت، وإحياء أنس ميت، وحمام طيب، وشعاب شرفيه دَنَانِير أبي الطّيب، إِلَّا أَنَّهَا محيلة الغيوث عَادِية الليوث متحزبة بالأحزاب، شرهة الأعزاب، وَلَو شكر الْغَيْث شعيرها، أخصب الْبِلَاد عيرها.
قلت فبيرة، قَالَ بَلْدَة صَافِيَة الجو، رحيبة الدو، يسرح بهَا الْبَعِير، ويحجم بهَا الشّعير، ويقصدها من مرسية وأحوازها العير، فساكنها بَين تجر، وابتغاء أجر، وواديها نيلى الفيوض والمدود، مصري التخوم وَالْحُدُود، إِن بلغ إِلَى الْحَد الْمَحْدُود، فَلَيْسَ رزقها بالمحصور وَلَا بالمعدود، إِلَّا أَنَّهَا قَليلَة الْمَطَر، مُقِيمَة على الْخطر، مثلومة الْأَعْرَاض والأسوار، مهطعة لداعي الْبَوَار، خَلِيقَة الْحسن المغلوب، معللة بِالْمَاءِ المحلوب، آخذة بأكظام الْقُلُوب، خاملة الدّور، قَليلَة الْوُجُوه والصدور، كَثِيرَة المشاجرة والشرور، برهَا أنذر من برهَا، فِي الْمُعْتَمِر والبور، وزهد أَهلهَا فِي الصَّلَاة شَائِع فِي الْجُمْهُور، وَسُوء ملكة الأسرى بهَا من الذائع بهَا وَالْمَشْهُور:
(مَا قَامَ خيرك يَا زمَان بشره
…
أولى لنا مَا قل مِنْك وَمَا كفا)
قلت فمحاقر، قَالَ حصن جَدِيد، وَخير مديد، وبحر مَا على إفادته مزِيد وخصب ثَابت وَيزِيد، ساكنه قد قضى الْحَج أَكْثَره، وَظهر عين الْخَيْر فِيهِ وأثره، إِلَّا أَنه لَا تلقى بِهِ للْمَاء بلالة، وَلَا يسْتَشف للجود علالة.
قلت فقتورية، قَالَ يسَار يَمِينهَا، وغبار كمينها، ومعمول يَمِينهَا، يجود بهَا الْجُبْن وَالْعَسَل، وَفِي دونهَا الأسل، وَأما الْخَبَر فَلَا تسل، وَإِن كَانَت أحسن شكلا، فَأَقل شربا وأكلا، وأحما أَهلا، وآسد جملا، وأعدم علا ونهلا. وَأَهْلهَا شرار، أضلعهم بالظمإ حرار، لَا تلفى بهَا نبعة مَاء، وَلَا تعدم مشقة ظمإ، وَلَا تتوج أفقها إِلَّا فِي الندرة قرعَة سما.
قلت فبرشانة، قَالَ حصن مَانع، وجناب يَانِع، أَهلهَا أولو عَدَاوَة لأخلاق البداوة، وعَلى وُجُوههم نَضرة، وَفِي أَيْديهم نداوة، يدادون بالسلافة على الْخلَافَة، [ويؤثرون لَذَّة التَّخَلُّف على لَذَّة الْخلَافَة] ، فَأصْبح ربعهم ظرفا قد ملىء ظرفا، فللمجون بهَا سوق، وللعيون ألف سوق، تشمر بِهِ الأذيال عَن سوق، وَهِي تلين بعض بَيَان من أَعْيَان، وعَلى وُجُوه نسوانها طلاقة، وَفِي ألسنتهن ذلاقة، ولهن بالسفارة من الْفُقَرَاء علاقَة، إِلَّا أَن جفنها لَيْسَ ندي، سور يَقِيه مِمَّا يتقيه، ودعدها يتَكَلَّم على فِيهِ، وحليها يشقى بالسفيه، ومحياها تسكن حَيَّة الْجور فِيهِ.
قلت فأورية، قَالَ الْجُبْن وَالْعَسَل، والهوا الَّذِي يذهب بِهِ الكسل. وَأما عَن المَاء البرود فَلَا تسل، أدامه الصَّيْد الَّذِي لَا يتَعَذَّر، وقوته الشّعير الَّذِي يبذر. إِلَّا أَنه بَادِي الوحشة والانقطاع، والإجابة لداعي الْمُخَالفَة والإهطاع، وحيش الجناب عرى من شجرات النّخل وَالْأَعْنَاب، حَقِيقَة لمعرة الْعَدو بالاجتناب.
قلت فبلش، قَالَ نفر قصي، وقياد على الْأمان عصي، ويتيم لَيْسَ عَلَيْهِ
غير الْعد وَصِيّ، مَاؤُهُ معِين، وصوره عين، وخلوته على النّسك وسواه تعين، وَبِه الْحمام، والعطف الجمام، ولأهله بالصيادة اهتمام، وعسله إِذا لطفت العسول إِمَام، إِلَّا أَنَّهَا بَلْدَة مُنْقَطِعَة باينة، وبأحواز الْعَدو كائنة، ولحدود لورقة، فتحهَا الله مُشَاهدَة مُعَاينَة، وبرها الزهيد الْقَلِيل يتحف بِهِ العليل، وسبيل لِأَن إِلَيْهَا غير سَبِيل، ومرعاها لسوء الْجوَار وبيل.
قلت فمدينة بسطة، قَالَ، وَمَا بسطة بلد خصيب، ومدينة لَهَا من اسْمهَا نصيب، دوحها متهدل، وَطيب هوائها غير متبدل، وناهيك من بلد اخْتصَّ أَهلهَا بالمران فِي معالجة الزَّعْفَرَان، وامتازوا بِهِ عَن غَيرهم من الْجِيرَان، عَمت أرْضهَا السقيا فَلَا تخلف، وشملتها الْبركَة تخْتَص من يَشَاء الله ويزلف، يَتَخَلَّل مدينتها الْجَدْوَل المتدافع والناقح للغلال النافع، ثِيَاب أَهلهَا بالعبير تتأرج، وحورها تتجلى وتتبرج، وولدانها فِي شط أنهارها المتعددة تتفرج، وَلها الفحص الَّذِي يُسَافر فِيهِ الطّرف سعيا، وَلَا تعدم السَّائِمَة بَدْرِيًّا وَلَا رعيا. وَللَّه در الْقَائِل.
(فِي بَلْدَة عودت نَفسِي بهَا
…
إِذْ فِي أسماطه وَيَاسِين)
(ألجأني الدَّهْر إِلَى عَالم
…
يُؤْخَذ عَنهُ الْعلم وَالدّين)
إِلَّا أَن تربها تفصح الْبَنَّا، فَإِن صَحبه الاعتنا، فأسواره تسْجد عِنْد الْإِقَامَة، وخندقها لإكسارها تلقامه، فَهِيَ لذَلِك غير دَار المقامة، ورياحها عَاصِفَة، ورعودها قاصفة، وحاميتها تنظر إِلَى الْهياج من خلف سياج، والعدو فِيهَا شَدِيد الفتكات معمل الحركات، وساكنها دَائِم الشكاة، وَحدهَا فليل، وأعيانها قَلِيل وعزيزها المتوقع الْمَكْرُوه ذليل.
قلت فأشكر قَالَ نعم الْبَسِيط المديد، والرزق الْجَدِيد، والسقي العديد،
وَالصَّيْد والقديد، تركب الجداول فحصها، ويأبى الْكَمَال نَقصهَا، ويلازم ظلّ الخصب شخصها، مسرح للبهائم، ومعدن للربيع الدَّائِم، إِلَّا أَن معقلها لَا يمْنَع، ومكانها يحوم عَلَيْهِ الْحَادِث الأشنع، ونفوس أَهلهَا مستسلمة لما الله يصنع.
قلت فأندرش، قَالَ عنصر جباية، ووطن بهم أولى باية، حريرها ذهب، وتربها تبر منتهب، وماؤها سلسل، وهواؤها لَا يلفي مَعَه كسل، إِلَّا أَنَّهَا ضيقَة الأحواز والجهات، كَثِيرَة المعابر والفوهات، عديمة الْفرج والمتنزهات، كَثِيرَة المغارم، مستباحة الْمَحَارِم، أغرابها أولو استطالة، وأنباء مُتْرَفِيهَا كثير البطالة، فَلَا يعْدم ذُو الضَّرع وَالزَّرْع عُدْوانًا، وَلَا يفقد عين الشَّرّ نزقانا، وطريقها غير سوي، وشأنها ضَعِيف يشكو من قوى.
قلت فقنالش، قَالَ مَعْدن حَرِير خلصت سنابكه، وأثرى بزازه وحابكه وتهدلت حجاله، وتمهدت أرائكه، وجبايته سهل اقتضاؤها، وجمت بيضاؤها، إِلَّا أَنه وَطن عدم إدامه، وبليت ظهر اهتدامه، وفقدت بِهِ حيل التعيش وأسبابه، وَمحل لَا هيم فِيهِ إِلَّا أربابه.
قلت فمدينة وَادي آش، قَالَ مَدِينَة الوطن، ومناخ من غبر أَو قطن، للنَّاس مَا بدا وَالله مَا بطن، وضع سديد، وبأس شَدِيد، ومعدن حَدِيد، وَمحل
عدَّة وعديد، وبلد لَا يعتل مِنْهُ إِلَّا النسيم، ومرأى يخجل مِنْهُ الصَّباح الوسيم، كَثِيرَة الجداول والمذانب، مخضرة الجوانب، إِلَى الْفَوَاكِه الْكَثِيرَة والكروم الأثيرة، والسقى الَّذِي يسد الْخلَّة، ويضاعف الْعلَّة، وسندها مَعْدن الْحَدِيد وَالْحَرِير، ومعقلها أهل للتاج والسرير، وَهِي دَار أَحْسَاب وإرث وإكتساب، وآداب وحساب، وماؤها مجاج الجليد، وهواؤها يذكى طبع البليد، إِلَّا أَن ضعيفها يضيق عَلَيْهِ المعاش، وتافهها يتَعَذَّر عَلَيْهِ الانتعاش، وشيخها يَسْطُو على عصبه الارتعاش، فَهِيَ ذَات برد، وَعكس وطرد، ماشئت من لحي راعد، ومقرور على الْخمر قَاعد، وَنَفس صاعد، وفتنة يعد بهَا وَاعد، وشرور تسل الخناجر، وفاخر يَسْطُو بفاجر، وكلف يُهَاجر، واغتمام تبلغ بِهِ الْقُلُوب الْحَنَاجِر، وزمهرير تجمد لَهُ الْمِيَاه، فِي شهر ناجر، وعَلى ذَلِك فدرتها أسمح للحالب، ونشيدها أقرب للطَّالِب، ومحاسنها أغلب، وَالْحكم للْغَالِب.
قلت ففنيانة، قَالَ مَدِينَة، وللخير خدينة، مَا شِئْت من ظبى غزير، وَعصب طرير، وغلة حَرِير، وَمَاء نمير، ودوام للخزين وتعمير، إِلَّا أَن بردهَا كثير، ووقودها نثير، وشرارها لَهُم فِي الْخِيَار تَأْثِير.
قلت فمدينة غرناطة، قَالَ حَضْرَة سنية، وَالشَّمْس عَن مدح المادح غنية، كَبرت عَن قيل وَقَالَ، وحلت عرقا من وَقَالَ، وقيدت الْعقل بعقال، وَأمنت لحَال حسنها من انْتِقَال، لَو خيرت فِي حسن الْوَضع لما زَادَت وَصفا، وَلَا أحكمت رصفا، وَلَا أخرجت أرْضهَا ريحانا وَلَا عصفا، وَلَا أخذت بأشتات الْمذَاهب وأصناف الْمَوَاهِب حدا وَالنَّبِيّ قُولُوا لَو وورولو وَلَا قصفا، كرسيها ظَاهر الإشراف، مطل على الْأَطْرَاف،
وديوانها مَكْتُوب بآيَات الْأَنْفَال والأعراف، وهواؤها صَاف، وللأنفاس مصَاف، حجبت الْجنُوب عَنْهَا الْجبَال، فأمنت الوبا والوبال، وَأصْبح ساكنها غير مبال، وَفِي جنَّة من النبال، وانفسحت للشمال، واستوفت شُرُوط الْكَمَال، وَانْحَدَرَ مِنْهَا مجاج الجليد على الرمال، وانبسط بَين يَديهَا المرج، الَّذِي نَضرة النَّعيم لَا تُفَارِقهُ ومدرار النسيم تعلن بهَا مفارقه، ريع من واديه ثعبان مُبين، أَن لدغ ثلول شطه، ثلها للجبين، وَولد حيات المذانب عَن الشمَال وَالْيَمِين، وقلد مِنْهَا اللبات سلوكا تأتى من الْحَصْبَاء بِكُل در ثمين، وَترك الأَرْض مخضرة، تغير من خضراء السَّمَاء ضرَّة الأزهار مفترة، والحياة الدُّنْيَا بزخرفها مغترة.
(أَي وَاد أَفَاضَ من عَرَفَات
…
فَوق حمرائها أتم إفَاضَة)
(ثمَّ لما اسْتَقل بالسهل يجْرِي
…
شقّ مِنْهَا بحلة فضفاضة)
(كلما انساب كَانَ غصنا صقيلا
…
وَإِذا مَا اسْتَدَارَ كَانَ نفاضة)
فتعددت الْقرى والجنات، وحفت بالأناث مِنْهَا الْبَنَات، ورف النَّبَات، وتدبجت الجنبات، وتقلدت اللبات، وَطَابَتْ بالنواسم الهبات، ودارت الأسوار دور السوار للمنى والمستخلصات، ونصبت للروض المنصات، وَقعد سُلْطَان الرّبيع لعرض القصات، وخطب بلبل الدوح فَوَجَبَ الْإِنْصَات، وتمرجت الأعناب، واستنجر بِكُل عذب لجنانها الجناب، وزينت السَّمَاء الدُّنْيَا من الأبراج العديدة بأبراج، ذَوَات دقائق وأدراج، وتنفست الرّيح عَن أراج، أذكرت الْجنَّة كل أمل عِنْد الله وراج، وتبرجت بحمرائها الْقُصُور مبتسمة عَن بيض الشرفات، سافرة عَن صفحات القباب المزخرافات، تقذف بِالنَّهَارِ من بعد المرتقى فيوض بحارها الرزق، وتناغى أذكار المآذن بأسحارها، نغمات الْوَرق، وَكم أطلقت من أقمار وأهلة، وربت من مُلُوك جلة، إِلَى بَحر التمدن
الْمُحِيط الاستدارة، الصادع عَن الْأَحْكَام والإدارة، ذِي المحاسن عير المعارة، المعجزة لِسَان الْكِتَابَة والاستعارة، حَيْثُ الْمَسَاجِد العتيقة الْقَدِيمَة، والميازب الْمُحَافظَة للري المديحة، والجسور العريقة، والعوائد المقررة تَقْرِير الْفَرِيضَة، والأسواق المرقومة الإطراق، بنفائس الأذواق، وَالْوُجُوه الزهر، والبشرات الرفاق، والزي الَّذِي فاق زِيّ الأوان، وملأ قُلُوب الْمُؤمنِينَ بالإشفاق.
…
(بلد جللها الله سناء وسنا
…
وَأجر السعد منحل لَدَيْهَا رسنا)
(قد أجرت سكرا احما وَرِزْقًا حسنا
…
أعجزت عَن مُنْتَهى الْفَخر الْبعيد اللسنا)
يروقك فِي أطراقها حسن الصُّورَة وجمالها. وطرف الصنايع وكمالها، والفعلة وأعمالها، حَتَّى الأطلال وانهمالها وَالسُّؤَال وأسمائها.
(كل عَلَيْهِ من المحاسن لمحة
…
فِي كل طور للوجود تطورا)
(كالروض يعجب فِي ابتدانباته
…
وَإِذا استجم بِهِ النَّبَات ونورا)
(وَإِذا الْجمال الْمُطلق استشهدته
…
ألغيت مَا انتحل الخيال وزورا)
ثمَّ قَالَ، أَي أَمْرِي عري عَن مَخَافَة، وَأي حصافة لَا تقَابلهَا سخافة، وَلكُل شَيْء آفَة، لَكِنَّهَا وَالله بردهَا يطفىء حر الْحَيَاة، وَيمْنَع الشفاه عَن رد التَّحِيَّات، وأسعارها يشمر معيارها بالترهات، وعدوها يعاطي كؤوس الْحَرْب بهاك وهات، إِلَى السكَك الَّتِي بَان خمولها، وَلم يقبل الْمَوْضُوع محمولها، وَالْكرب الَّذِي يجده الْإِنْسَان فِيهَا صَادف إِضَافَة أَو ترفيها، والمكوس الَّتِي تطرد الْبركَة وتلقيها إِلَى سوء الْجوَار، وجفاء الزوار، ونزالة الديار، [وَغَلَاء الْخشب والجيار، وكساد المعايش عِنْد الِاضْطِرَار وامعان الْمَقَابِر وَهِي دَار الْقَرار] وَقصر الْأَعْمَار،
وَاسْتِحْلَال الْغَيْبَة والأسحار، واحتقار أولى الْفضل وَالْوَقار، والتنافس فِي الْعقار، وَالشح فِي الدِّرْهَم وَالدِّينَار، باليم وَالنَّار، ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ غفرا، وَإِن لم نقل كفرا، إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ، وبغفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء. وَللَّه در أبي الْعَتَاهِيَة إِذْ يَقُول:
(أَصبَحت الديار لنا فتْنَة
…
وَالْحَمْد لله على ذلكا)
(اجْتمع النَّاس على ذمها
…
وَمَا نرى مِنْهُم لَهَا تَارِكًا)
قلت فالحمة، قَالَ، أجل الصَّيْد والحجل وَالصِّحَّة، وَإِن كَانَ الْمُعْتَبر الْأَجَل، وتورد الخدود وَإِن لم يطرقها الخجل، والحصانة عِنْد الْهَرَب من الريب، وَالْبر كَأَنَّهُ قطع الذَّهَب، والحامة الَّتِي حَوْضهَا يفهق بالنعيم، مبذولة للخامل والزعيم، تَحت ثنيتها بِالنّسَبِ إِلَى ثنية التَّنْعِيم، قد ملأها الله اعتدالا، فَلَا تَجِد الْخلق اعتياضا وَلَا استبدالا، وأنيط صخرتها الصماء عذبا زلالا، قد اعتزل الكور اعتزالا، لَكِن مزارعها لَا ترْوِيهَا الجداول، وَلَا ينجدها إِلَّا الْجُود المزاول، فَإِن أخصب الْعَام، أعيي الطَّعَام، وَإِن أخلف الإنعام، هَلَكت النَّاس والأنعام، والفواكه يطرف بهَا الجلب، وتزر عَلَيْهَا العلب، وعصيرها لَا يَلِيق لَا بِالْأَكْلِ وَلَا يصلح للحلب، وبردها شَدِيد، وَإِن لم يقْض بِهِ المنقلب.
قلت فصالحة، قَالَ. لَوْلَا أَنَّهَا مناخ لم تذكر، فَلَيْسَتْ مِمَّا يذم وَلَا يشْكر، وَإِن كَانَ مَاؤُهَا فضيا، وَوجه جوها وضيا، وعصيرها مرضيا، وَرِزْقهَا أرضيا، وفضلها ذاتيا لَا عرضيا، فَهِيَ مهب نسف، وَدَار خسف، وَأَهْلهَا بهم لَيْسَ لأحد مِنْهُم فهم.
قلت فإلبيرة ومنتفريد، قَالَ بَلَدا ارتفاق بِإِجْمَاع وإصفاق، مَعْدن الْبر
الذكى، وَالصَّيْد الذكي، وهما ذَا شَاهِق، ومصرخ ناهق، ومعدن بر فائق، إِن لم يعق من عَدو القلعة عائق.
قلت فلوشة قَالَ مرأى بهيج، ومنظر يروق ويهيج، ونهر سيال، وغصن مياد ميال، وجنات وعيون، ولذات لَا تمطل بهَا دُيُون، وجداول تنضح بهَا الجوانح، ومحاسن يشغل بهَا من وَكره السايح، وَنعم يذكر بهَا الْمَائِع المانح، مَا شِئْت من رحى تَدور، ونطف تشفى بهَا الصُّدُور، وصيد ووقود، وإعنات كلما زانت اللبات عُقُود، وأرانب تحسبهم أيقاظا وهم رقود، إِلَى مَعْدن الْملح، ومعصر الزَّيْت، وَالْخضر المتكلفة بخصب الْبَيْت، والمرافق الَّتِي لَا تحصر إِلَّا بعد الكيت، وَالْخَارِج الَّذِي عضد مسحة الملاحة بجدوى الفلاحة، إِلَّا أَن داخلها حرج الْأَزِقَّة، أَحول أَهلهَا مائلة إِلَى الرقة، وأزقتها قذرة، وَأَسْبَاب التَّصَرُّف فِيهَا متعذرة، ومنازلها لترامل الْجند نازلة، وعيون الْعَدو لثغرها الشنيب مغازلة.
قلت فأرجدونه، قَالَ شَرّ دَار، وطلل لم يبْق مِنْهُ غير جِدَار، ومقام يرجع الْبَصَر عَنهُ إِلَيْهِ وَهُوَ حاسر، وعورة ساكنها لعدم الما مستأسر، وقومها ذُو بطر وأشر، وشيوخها تيوس فِي مسالح بشر، طغام، من يقوت مِنْهُم أَو يعول التيوس والوعول، وحرثها مقل، وخلقها حسد وغل.
قلت فأنتقيرة، قَالَ، مَحل الْحَرْث والإنعام، ومبذر الطَّعَام، والمرآة الَّتِي يتجلى فِيهَا وُجُوه الْعَام، الرحب والسهل، والثبات الطِّفْل، والمنسم والكهل، والوطن والأهل. ساحتها الجداول فِي فحصها الأفيح، وسالت وانسابت حَيَاة المذانب، فِي سقيها الرحب الجوانب، وانسالت لَا تَشْكُو من نبو ساحة، وَلَا تسفر
إِلَّا عَن ملاحة، وَلَا تضاهي فِي جدوى فلاحة، إِلَّا أَنَّهَا جرداء الْخَارِج، فل مارد ومارج، وَشدَّة فرجهَا بارج، لَا تصطبنها المسلحة للاتساع، [الذرع الوساع] ، قَليلَة الْفَوَاكِه، عديمة الملاطف والفاكه، أَهلهَا أولو سرُور وغرور، وَسلَاح مَشْهُور، وقاهر ومقهور لَا تقبل غَرِيبا، وَلَا تعدم من الْعَدو تثريبا.
قلت فذكوان، قَالَ، روض وغدير، وفواكه جلت عَن تَقْدِير، وخورنق وسدير، ومائدة لَا تفوتها فَائِدَة، دارت على الطَّحْن الغرير أحجارها، والتفت أشجارها، وطاب هواؤها، وخفق بالمحاسن لواؤها. إِلَّا أَنَّهَا ضَالَّة سَاقِطَة، وحية ترتقب لاقطة، لَا تدفع عَن قُرْطهَا وسوارها بأسوارها، وَلَا تمنع نزع صدارها بجدارها، قَضَت بقلة أعيانها، حَدَاثَة بنيانها.
قلت فقرطمة، قَالَ: الكرك الَّذِي يُؤمن عَلَيْهِ الدَّرك، وَإِن عظم المعترك، جوها صَاف فِي مبشتى ومصطاف، وتربها للبر مصَاف، وعصيرها بِالْكَثْرَةِ ذُو اتصاف. إِلَّا أَن المَاء بمعقلها مخزون، وعتاد مَوْزُون، وَأَهْلهَا فِي الشدائد لَا يجزون، أَيْديهم بالبخل مغلولة، وسيوف تشاجرهم مسلولة.
قلت فمدينة رندة، قَالَ، أم جنَّات وحصون، وشجرة ذَات غصون، وجناب خصيب وَحمى مصون، بلد زرع وضرع، وَأهل وَفرع، مخازنها بِالْبرِّ مَالِيَّة، وأقواتها جَدِيدَة وبالية، ونعمها بجوار الْجَبَل مُتَوَالِيَة، وَهُوَ بلد أَعْيَان وصدور، وشموس وبدور، ودور أَي دور، وَمَاء واديها يتَوَصَّل إِلَيْهِ فِي حدور، بِحكم مَقْدُور، وَفِي أَهلهَا فضاضة وغضاضة، مَا فِي الكلف بهَا غَضَاضَة، تلبس نساؤها الموق، على الأملد المرموق، ويسفرن عَن الخد المعشوق، وينعشن قلب المشوق، بالطيب المنشوق. إِلَّا أَن الْعَدو طوى ذيل برودها]
وغصب بنياتها وَكَيف السَّبِيل إِلَى ردهَا، وأضاق خَارِجهَا، وخفض معارجها، وَأَعْلَى طائرها ودارجها.
فَلَمَّا بلغ هَذَا الْحَد، قَالَ: هَل اكتفيت، فقد شرحت صدرك وشفيت، وَبِمَا طلبت مني قد وفيت، يَا بني كَأَنِّي بالصباح السافر، وأدهم الظلام النافر قد أحفل أَمَام منتبه الوافر، وَترك من الْهلَال نعل الْحَافِر، وَنَفْسِي مطيتي، وَقد بلغت اللَّيْلَة طيتي، وأجزلت عطيتي، فلنجم بالحمض، ونلم بالغمض، وَأَنا بعد نزيلك، أَن سرني جزيلك وعديلك، أَن ضحك إِلَى منديلك وسميرك، إِن رواني نميرك، فبادرت البدرة، والصرة فافتضفتها، والعيبة فنفضتها، والمعادن فأفضتها. فَقَالَ بوركت من مراس، وَأنْشد قَول أبي نواس:
(مَا من يَد فِي النَّاس وَاحِدَة
…
كيد أَبُو الْعَبَّاس أولاها)
(نَام الثِّقَات على مضاجعهم
…
وسرى إِلَى نَفسِي فأحياها)
ثمَّ قَالَ، نم فِي أَمَان من خطوب الزَّمَان، وقم فِي ضَمَان من وقاية الرَّحْمَن، فلعمري، وَمَا عمري عَليّ بهين، وَلَا الْحلف لدي بمتعين، لَو كَانَ الْجُود ثمرا لَكُنْت لبَابَة، أَو عمرا لَكُنْت شبابه، أَو منزلا لَكُنْت بَابه، فَمَا هُوَ إِلَّا أَن كحلت جفني بميل الرقاد، وَقد سَلس المقاد، وَقَامَ فيمَ الخان إِلَى عَادَة الافتقاد، وبادر سراجه الإيقاد. وَنظرت إِلَى مَضْجَع الشَّيْخ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا أَن يبر أطماره. وروت حِمَاره، فَخرجت لإيثاره مقتفيا لآثاره فَكَأَن العلك لفه فِي مَدَاره، أَو خسفت الأَرْض بِهِ وَبِدَارِهِ، وسرت، وَفِي قلبِي لبينة، وَذَهَاب أَثَره وعينه حرقة، وَقلت متأسيا لكل اجْتِمَاع من حبيبين فرقة.