الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْمجْلس الثَّانِي
قَالَ الْمخبر: فَلَمَّا اندمل جرح الْفِرَاق، بعد طول، وزمان مطول، ومحى رسم التَّذَكُّر تكَرر فُصُول، ونصول خطاب وخطاب نصول، بَينا أَنا ذَات يَوْم فِي بعض أسواق الْغُبَار، أسرح طرف الِاعْتِبَار، فِي أُمَم تنسل من كل حدب، وتنتدب من كل منتدى، مَا بَين مُشْتَمل الصماء يلويها، ولائث الْعِمَامَة لَا يسويها. وصاعد من غور، ومتظلم من جور، وممسك بذنب عير أَو رفق ثَوْر يموجون، وَمن الأجداث يخرجُون، كَأَنَّهُمْ النَّمْل نشرها، وَقد برزت إِلَى الشَّمْس من منظر الأمس، يشيرون بأجنحة الأكسية، ويتساقطون على ثمار الْقلب، وأستار الأحسية، وَقد اصطف ذابحوا الْجَزُور، وَبَايَعُوا اللبوب والبذور، ولصق بالأملياء حللة العقد، وَشَهَادَة الزُّور، وَنظرت فِي ذَلِك الْمُجْتَمع الهائل الْمرَائِي والمستمع، إِلَى درسة غي، وطهاة عي، ورقاة جُنُون، بضروب من القَوْل وفنون، وَفهم كهل قد استظل بقيطون، وسل سيف الأطون، وتحدى برقية لديغ ومداواة سبطين، قد اشْتَمَل بسمل غباره، وَبَين يَدَيْهِ عيار فِي جلد فاره، وَطعن من إطْعَام كفاره، وأمامه تلميذ قد شمر الأكمام والتفت الْخلف والأمام، وَصرف لوحي لحظه الاهتمام، وَهُوَ يأسو ويجرح [ويتحكم بِلِسَان الْقَوْم ثمَّ يشْرَح] ويقيد من حَضَره بِقَيْد الْعَزِيمَة فَلَا يبرح، وَيَقُول أَيهَا البهم السارح، والحزب المسرور بِمَا لَدَيْهِ الفارح، والسرب الَّذِي تقتاته الْوُلَاة الْبَغي الْجَوَارِح، ضرفتهم غرُوب اعتنايكم لنسائكم وأبنائكم، وذهلتم عَمَّن جعلتم بفنائكم، وجعلتم تطمعون وتجمعون إِنَّمَا يستجيب الَّذين يسمعُونَ، من وَقعت عَليّ مِنْكُم عينه، فقد رأى فاتح أقفال الأسمار، ومثبت الْفِرَار، ومصمت الْإِفْك الصرار، ومقدر مياه الْآبَار بسير الْغُبَار، ومخرج الأضمار فِي الْمِضْمَار، وَمذهب الْمس، وطارد
الْعمار، أَنا قَاطع الدما إِذا نزفت، وَكَاشف الغما إِذا انكشفت، أما الْإِبِل فَلَا تجْرِي، وأحط حول الْحمى فَلَا تَدْنُو السبَاع وَلَا تقرب، وأذخر بهَا، فَلَا تتسلل الْحَيَّة وَلَا تدب الْعَقْرَب، وَإِن تغيب الشَّمْس لوقت مَحْدُود طمس فِيهِ نورها، وَإِن وعدت الأَرْض بَرى مَحْمُود فار تنورها، وَإِن كتبت لعقد النِّكَاح انْحَلَّت، وَإِن عقدت خطى الضَّالة وقفت حَيْثُ حلت، وَإِن زجرت الْجُنُون تركت وخلت، وَإِن انتثرت الدفائن، أَلْقَت الأَرْض مَا فِيهَا وتخلت، أَنا جردت الْبَيْضَة الشُّعَرَاء، أَنا زوجت الْفَتى الشَّرْقِي من الْجَارِيَة الْعَذْرَاء، أَنا صافحت الْملك ورصدت الْفلك، ومزجت بسر الْحِكْمَة الضياء والحلك، فاحتقرت، وَمَا ملك دَعَوْت، علم الطباع فأطاع [وَقطعت شكوك الهينة بالشكل اقتطاع] وَقلت بِالْقدرِ والاستطاع، وسبقت فِي صناعَة الْبُرْهَان يَوْم الرِّهَان، ورضت صعاب الرياضيات، حَتَّى ذل قيادها، وَسَهل انقيادها، وَعدلت الْكَوَاكِب، واختبرت الْقُلُوب البابانية والمناكب، وبشرت عِنْد رُجُوع خنسها بالغيوث السواكب، ورهبت بالامتحان على صناعَة الألحان، وقرأت مَا بعد الطبيعة، وناظرت قسيس الْبيعَة، وأعملت فِي فن الْأُصُول مرهفة النصول، وأحكمت أمزجة الطباع وطبائع الْفُصُول، وامتزت بالبروع فِي الْفُرُوع [وَقمت فِي الْعَهْد الحَدِيث بِالْحَدِيثِ، وحزت فِي علم اللِّسَان دَرَجَة الْإِحْسَان] وحققت قسْمَة الْفُرُوض، وَعدلت الشّعْر بميزان الْعرُوض، وعبرت حلم النّوم، ولبست الْخِرْقَة بِشُرُوط الْقَوْم، ولزمت خلْوَة الذّكر ومعتكف الصَّوْم. وَأما معرفتي بالأخبار وذرع الأَرْض بالأشبار، مَا بَين جليقية إِلَى الأنبار، وأوصاف المدن الْكِبَار، فقد ثَبت بِالِاعْتِبَارِ.
قَالَ، فأثار قديمي، وأذكرنى بنديمي، فَقلت، الله أكبر، ووضح الْخَبَر
والمخبر، فخضت الْقُدس بيني وَبَينه، وهم بَحر زاخر، وَأول لَيْسَ لَهُ آخر، وبهم يسخر مِنْهُ الساخر، مَا بَين كَبْش مجتر، وَعجل ناخر، وَقلت، أَيهَا الحبر ضالتي قريب أمدها، ومعروف معتمدها، وعَلى ذَلِك فالشكر ممنوح والرفد طوفان نوح، فألان العريكة، وَسلم النطع والأريكة، وَقَالَ إجل أعرض، وَانْزِلْ السُّؤَال وأقرض، فَقلت، بِي إِلَى تعرف الْبلدَانِ جنوح وجنون، وَالْجُنُون فنون، وَقد ظَفرت قبلك بنقاب، وعود احتقاب وبسارب نقاب، حصل بِهِ من طلى الشُّكْر، وَبِك يتم السطر ويعظم الْخطر، فَقَالَ النَّاس مُتَّهم ومنجد، وخاذل ومنجد، وَلَا تجود يَد بِمَا تَجِد، وَالله المرشد، وَجعل ينشد:
(إِذا المشكلات تصدين لي
…
كشفت غوامضها بِالنّظرِ)
(وَلست بائقة فِي الرِّجَال
…
أسائل هَذَا وَذَا مَا الْخَبَر)
(ولكنني مدرب الأصفرين
…
أبين مَعَ مَا مضى مَا غبر)
ثمَّ قَالَ هَات، أَمن عقدك الشُّبُهَات.
قلت مَا تَقول فِي باديس، قَالَ، بدأت بحمدلة الرقعة، وبركة الْبقْعَة، ومدفن الْوَلِيّ، ومظهر النُّور الجلى، والنحر غير العاطل وَلَا الخلي من الحلى، بلد السراوة والشجاعة، والإيثار على فرض الْجَمَاعَة، والنفوس الأوابة إِلَى الله الرجاعة، حَيْثُ الْبر والحوت، والخشب الَّذِي ينشأ مِنْهَا كل منحوت، والبأس والإقدام، والفاكهة الطّيبَة والإدام، وَرب الْجبَال، وَفضل المدافعة لصب السبال، إِلَّا أَنَّهَا موحشة الْخَارِج [وعرة المعارج] مجاورة من غمارة بالمارد المارج، فهم ذُو دَبِيب فِي مدارج تِلْكَ الغرابيب، وكيدهم ببركة الشَّيْخ فِي تثبيت.
قلت فمدينة سبتة، قَالَ، عروس تِلْكَ المجلى، وتنية الصَّباح الأجلى، تبرجت تبرج العقيلة، وَنظرت وَجههَا من الْبَحْر فِي الْمرْآة الصقيلة، واختص
ميزَان حسناتها بِالْأَعْمَالِ الثَّقِيلَة، وَإِذا قَامَت بيض أسوارها [مقَام سوارها] وَكَانَ جبل بنيونس شماتة أزهارها، والمنارة مَنَارَة سوارها، كَيفَ لَا ترغب النُّفُوس فِي جوارها، وتخيم الخواطر بَين أنجادها وأغوارها، إِلَى الميناء الغالية، والمراقي الفلكية، والمركبة الزكية غير المنزورة وَلَا البكية، حَيْثُ الْوقُود الجزل، الْمعد للأزل، والقصور الْمَقْصُورَة، على الْجد والهزل، وَالْوُجُوه الزهر السحن، المضنون بهَا عَن المحن، دَار الناشية والحامية، المضرمة للحرب المناشية، والأسطول المرهوب الْمَحْذُور الألهوب، وَالسِّلَاح الْمَكْتُوب المحسوب، وَالْأَمر الْمَعْرُوف الْمَنْسُوب، كرْسِي الْأُمَرَاء والأشراف، والوسيطة لخامس أقاليم البسيطة، فَلَا حَظّ لَهَا فِي الانحراف، بصرت عُلُوم اللِّسَان، وَصَنْعَاء الْحلَل الحسان، وَثَمَرَة قَوْله، أَن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان، الأمينة على الاختزان، القويمة الميكيال وَالْمِيزَان، محشر أَنْوَاع الْحيتَان، ومحط قوافل الْعصير وَالْحَرِير والكتان، وكفاها السُّكْنَى ببنيونش فِي فُصُول الزَّمَان، وَوُجُود المساكن النبيهة بأرخص الْأَثْمَان، والمدفن الموهوم غير المزحوم، وخزانة كتب الْعُلُوم، والْآثَار المنبية عَن أَصَالَة الحلوم، إِلَّا أَنَّهَا فاغرة أَفْوَاه الْجنُوب للغيث المصبوب، عرضة للرياح ذَات الهبوب، عديمة الْحَرْث، فقيرة من الْحُبُوب، ثغر تنبو فِيهِ الْمضَاجِع بالجنوب، وناهيك من حَسَنَة تعد من الذُّنُوب، فأحوال أَهلهَا رقيقَة، وتكلفهم ظَاهر مهما عرضت وَلِيمَة أَو عقيقة، واقتصادهم لَا تَلْتَبِس مِنْهُ طَريقَة، وأنساب نفقاتهم فِي تَقْدِير الأرزاق عريقة، فهم يمحصون البلالة، مص المحاجم [بِالشَّرِّ الهاجم][ويجعلون الْخبز فِي الولائم بِعَدَد الجماجم، وفتنتهم فِي بلدهم فتْنَة الواجم بالبشر المناجم] وراعى الْحَدث، بالمطر الساجم، فَلَا يفضلون على مدينتهم
مَدِينَة، الشَّك عِنْدِي فِي مَكَّة وَالْمَدينَة.
قلت فطنجة، قَالَ، الْمَدِينَة المعادية، والبقعة الَّتِي لَيست بالخبيثة وَلَا بالردية، إِلَيْهَا بالأندلس كَانَت نِسْبَة المغاربة، وَالْكتاب الْمُحَاربَة، والرفق السابحة فِي الأَرْض الضاربة. سورها لَيْسَ بمثلوم، وساكنها غير ملوم، وفضلها مَعْلُوم، ودارها لَيست بدار لوم. ميدان أَفْرَاس كَبِير، ومعدن ضد وذكير، مثلت بَين الْمنَار والقالة، وحكماها فِي التَّفْضِيل، فأشكل الحكم وتعذرت الْمقَالة، وَلم يَصح البيع وَلَا وَجَبت الْإِقَالَة، [هذي سَمَاء بروج] وهذي أزهار مروج، وَكِلَاهُمَا مركب سرُور وسروج، [ومسمع فروج] ومطعم غَدِير ومروج. وديارها نبيهة. وعَلى الْجُمْلَة فأحوالها بأحوال جارتها شَبيهَة، لَكِن رملها يحشو الْعين بالذرور عِنْد الْمُرُور، وَيدخل الدّور، وَيفْسد الْقُدُور. ورياحها لَا تسكن إِلَّا فِي الندور، وظلمة جوها متسببة عَمَّا وراها من مغرب الشموس والبدور، وَعين فرقان أعذب عيونها مَشْهُور بتواليد الْهَرج، قُرْآن عِنْد النَّاس غير ذِي عوج. وَيذكر أَن سُلَيْمَان اختصها بسخر مَوَدَّة الْجِنّ، فيعثر على أواني ملئت ريحًا تثير تبريحا، ويسندون [لذَلِك إفكا صَحِيحا] .
قلت فقصر كتامة، فَقَالَ، مغرد عندليب، وعنصر بر وحليب، ومرعى سَائِمَة غَائِبَة [ومسرح بَهِيمَة فِي الْجَحِيم هائمة، ومسقط مزنة عائمة] وديمة دائمة. وَبِه التفاح النفاح، ترتاح إِلَى شمه الْأَرْوَاح، يقذف إِلَيْهَا المسا والصباح، ويتفنن فِيهِ الْحَرَام والمباح، والسمك كَمَا جردت الصفاح، إِذا استنجز الكفاح وَطَرِيقه مَسْلَك الْقَافِلَة، وببابه الشئون الحافلة، ينسل إِلَيْهَا من غمارة، قرود وفهود، وَأمة صَالح وَهود. ذَلِك يَوْم مَجْمُوع لَهُ النَّاس وَذَلِكَ يَوْم مشهود. إِلَّا أَنه قدر قد تهدم، وَدَار الندوة لَام ملدم، ومثير الهائج الموار، وثائر الدَّم،
جثم الهوا الْخَبيث فِي بطيحته وربض، وانبسط وَمَا انقبض، وجبر ليله عَسْكَر البعوض الهاجم، دربة بمص المحاجم. وَأما وحله، فَلَا يعبر وَلَا يسبر، وَإِن أسهبت الْعبارَة وَالْأَمر أكبر. قلت فأصيلا، قَالَ، كَثِيرَة الْمرَافِق، رَافِعَة فِي الخصب اللِّوَاء الخافق، الْعصير الْأَثِير، والحوت الْكثير وَالْبر الغزير، والإدام الَّذِي يَرْمِي بِهِ من حكم عَلَيْهِ بالتعزير، والسفن المترددة، وفيهَا الملد الأبازير. إِلَّا أَن حصنها من المنعة بَرى، وساكنها بربرى، وجارها من غمارة جرى.
قلت فمدينة سلا، قَالَ، العقيلة المفضلة، والبطيحة المخضلة، [وَالْقَاعِدَة الموصلة، والسدرة المفصلة] ذَات الوسامة والنضارة، والجامعة بَين البداوة والحضارة، مَعْدن الْقطن والكنان، والمدرسة والمارستان والزاوية كَأَنَّهَا الْبُسْتَان، والوادي المتعدد الأجفان [والقطر الآمن الرجفان] والعصير الْعَظِيم الشَّأْن، والأسواق المحازة حَتَّى برقيق الْحيتَان. اكتنفها المسرح وَالْخصب الَّذِي لَا يبرح، وَالْبَحْر الَّذِي يأسو ويجرح. وشقها الْوَادي يتمم محاسنها ويشرح، وقابلها الرِّبَاط الَّذِي ظهر بِهِ من الْمَنْصُور الِاغْتِبَاط، حَيْثُ القصبة والساباط، وَوَقع مِنْهُ بنظرة الاعتباط، فاتسع الْخرق، وَعظم الاشتطاط، وَبعد الْكَمَال يكون الانحطاط، إِلَى شامة مرعى الذمم، ونتيجة الهمم، وشمخ الأنوف ذَوَات الشمم، وعنوان الذمم، حَيْثُ الْحَسَنَات المكتتبة، والأرزاق الْمرتبَة، والقباب كالأزهار، مجودة بِذكر الله آنَاء اللَّيْل وأطراف النَّهَار، وطلل حسان الْمثل فِي الاشتهار. وَهِي على الْجُمْلَة من غَيرهَا أوفق، ومغارمها لاحترام الْمُلُوك الْكِرَام أرْفق،
ومقبرتها المنضدة عجب فِي الانتظام. مَعْدُودَة فِي الْمرَافِق الْعِظَام، وتتأتى بهَا للعباد الْخلْوَة، وَيُوجد عِنْدهَا للهموم الشلوة، كَمَا قَالَ ابْن الْخَطِيب:
(وصلت حثيث السّير فِيمَن فَلَا الفلى
…
فَلَا خاطرت لما نأى وانجلى انجلا)
(وَلَا نسخت كربي بقلبي سلوة
…
فَلَمَّا سرى فِيهَا نسيم سلا سلى)
وَكفى بالشابل رزقا طريا، وسمكا بالتفضيل حريا، يبرز عدد قطر الديم، وَيُبَاع ببخس الْقيم، ويعم حَتَّى المجاشر النائية والديم. إِلَّا أَن ماءها لَا يرْوى بِهِ وَارِد، لَا كريم وَلَا بَارِد، وإلفها شارد، والخزين بهَا فَاسد، وبعوضها مستأسد راضع غير مفطوم [خَالع للعذار غير محطوم] وَاسع للحد والخرطوم، تصغى لرنته الْأَذَان، ويفتك بوخز اللِّسَان، كالقوس تصمى الرمايا وَهِي مرنان، وديارها فِي المَاء دَار عُثْمَان، وطواحنها عالية الْأَثْمَان، وكثبانها تلوث بيض الثِّيَاب طي العياب، وعابر واديها إِلَى مأرب أكيد فِي تنكيد، إِلَى غَلَبَة الْإِمْسَاك، وخوض النساك، وَكَثْرَة أَرْبَاب الخطط، والإغيا فِي الشطط، تذود عَن جناتها للأسد جنان، فَلَا يلتذ بقطف العنقود مِنْهَا بنان، وَفِي أَهلهَا خفَّة، وميزانها لَا تعتدل مِنْهَا كفة. قلت فانقا، قَالَ، جون الْحَط والاقلاع ومجلب السلاع، تهوى إِلَيْهَا النَّفس شارعة، وتبتدر مسارعة، تصارف برهَا الذَّهَبِيّ بِالذَّهَب الإبريز، وتراوح برهَا وتفاديه بالتبريز.
(يكثر الطير حَيْثُ ينتشر
…
الْحبّ وتغشى منَازِل الكرماء)
وخارجها يفضل كل خَارج، وقنيصها يجمع بَين طَائِر ودارج، وفواكهها طيبَة وأمطارها صيبة، وكيلها وافر، وسعرها عَن وَجه الرخَاء سَافر، وميرتها لَا يَنْقَطِع لَهَا خف وَلَا حافر. لَكِن مَاؤُهَا وهواؤها عديما الصِّحَّة، وَالْعرب عَلَيْهَا فِي الْفِتَن ملحة، والأمراض عَلَيْهَا تعيث وتعبث، والخزين لَا يلبث.
قلت فأزمور، قَالَ جَار وَاد وريف، وعروس ربيع وخريف، وَذُو وضع شرِيف، أطلت على واديه المنارة والمراقب، كَأَنَّهُمَا النُّجُوم الثواقب، وجلت عَن خصبه المناقب، وقمين الْمرَافِق نهره المجاور وبحره المصاقب، بلد يخزن الأقوات، ويملأ اللهوات، بَاطِنه الْخَيْر، وأمامه اللَّحْم وَالطير، وساكنه رفيه، ولباسه يتَّخذ فِيهِ، ومسكنه نبيه، وصوته الشابل لَيْسَ لَهُ شَبيه، لَكِن أَهله إِنَّمَا حرثهم وحصادهم اقتصادهم، فَلَا يعْرفُونَ إرضاخا وَلَا وردا نضاحا، يترامون على حَبَّة الْخَرْدَل بالجندل، ويتضاربون بِالسُّيُوفِ على الْأَثْمَان والزيوف، بربري لسانهم، كثير حسانهم، قَلِيل إحسانهم، يكثر بَينهم بِالْعرضِ الافتخار، ويعدم ببلدهم المَاء وَالْملح والفخار.
قلت فتيط، قَالَ، مَعْدن تَقْصِير، وبلد بَين مجْرى وَمَاء وعصير، للأولياء بِهِ اغتباط، ومسجدها يضيق عَنهُ المداين، منارا عَالِيا، وبقلادة الْأَحْكَام حاليا. إِلَّا أَن خَارِجهَا يروق عين الْمُقِيم وَالْمُسَافر، وَلَا يشوق بِحسن مُسَافر، ومؤمنة تشقى بصداع كَافِر، وحماه عَدو كل خف وحافر، فلولا ساكنها، لم يلبس يَوْم فَخر وَلم ينْبت أَي صَخْر.
قلت فرباط آسفي، قَالَ، لطف خَفِي، وجناب حفي، ووعد وَفِي، وَدين ظَاهره مالكي، وباطنه حَنَفِيّ. الدماثة وَالْجمال، وَالصَّبْر وَالِاحْتِمَال، والزهد وَالْمَال وَالْجمال [والسذاجة والجلال] قَليلَة الإخوان، صابرة على الاختزان، وافية الْمِكْيَال وَالْمِيزَان، رَافِعَة اللِّوَاء بِصِحَّة الْهَوَاء، بلد مَوْصُوف برفيع ثِيَاب الصُّوف، وَبِه تربة الشَّيْخ أبي مُحَمَّد صَالح، وَهُوَ خَاتِمَة المراحل المسورات من ذَلِك السَّاحِل. لَكِن مَاؤُهُ قَلِيل، وعزيره لغاديه من يواليه من الْأَعْرَاب ذليل.
قلت فمدينة مراكش، قَالَ فتنفس الصعدا، وأسمع البعدا، وَقَالَ درج
الحلى، وبرج النُّور الْجَلِيّ، وتربة الْوَلِيّ، وحضرة الْملك الأولى، وَصرح النَّاصِر الْوَلِيّ، ذَات المقاصر والقصور، وغابة الْأسد الهصور وسدة النَّاصِر والمنصور، بَعدت من المركز دارتها، وسحرت الْعُيُون شارتها، وَتعبد الإيماءة إشارتها، وخاضت الْبَحْر الخضم بدارتها وبشارتها. اقتعدت الْبَسِيط المديد، واستظهرت بتشييد الأسوار وأبراج الْحَدِيد، وَبكى الْجَبَل من خشيتها بعيون الْعُيُون، فسالت المذانب كصفاح القيول، وقيدت طرف النَّاظر الْمفْتُون أدواح الشّجر بهَا وغابات الزَّيْتُون. مَا شِئْت من انفساح السكَك، وامتداد الباع فِي ميدان الانطباع، وتجويد فنون المجون بِالْمدِّ والإشباع، زيتها للمزمن يعصر، وَخَيرهَا يمد وَلَا يقصر، وفواكهها لَا تحصر. فَإِذا تنافس الْحر وَالْبرد وَتَبَسم الزهر، وخجل الْورْد، وكسا غدرانها الحائرة الْخلق السرد، قلت انجز لِلْمُتقين من الْجنَّة الْوَعْد، وساعد السعد، وَمَا قلت إِلَّا بِالَّذِي عملت سعد. ومنارها الْعلم فِي الفلاة، ومنزلته فِي المآذن منزلَة والى الْوُلَاة. إِلَّا أَن هَواهَا مُحكم فِي الجباه والجنوب يحمى عَلَيْهَا بكر الْجنُوب، وحمياتها كلفة بالجسوم، طالبة ديونها بالرسوم، وعقاربها كَثِيرَة الدبيب، منغصة مضاجع الحبيب، وحزابها موحش هائل، وَبعد الأخطار عَن كثير من الأوطار بهَا مائل، وعدوها ينتهب فِي الفتق أقرانها، وجرذان الْمَقَابِر تَأْكُل أمواتها وَكَانَت أولى الْمنَازل بالأعياد، لَو أَنَّهَا الْيَوْم مَعْدُودَة فِي الْأَحْيَاء.
قلت فأغمات، قَالَ، بَلْدَة لحسنها اشتهار، وجنة تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار، وشمامة تتضوع مِنْهَا الأزهار، مُتعَدِّدَة الْبَسَاتِين، طامية بحار الزياتين، كَثِيرَة الْفَوَاكِه وَالْعِنَب والتين، خَارِجهَا فسيح المذانب فِيهِ تميح، وهواؤها صَحِيح، وقبولها بالغريب شحيح، وماؤها نمير، وَمَا وردهَا ممد للبلاد وممير. إِلَّا أَن أَهلهَا
يوصفون بنوك وَذُهُول، بَين شُبَّان كهول، وخرابها يهول، وعدوها تضيق لكثرته السهول، فأموالها لعدم المنعة فِي غير ضَمَان، ونفوسها لَا تعرف طعم أَمَان.
قلت: فمدينة مكناسة، قَالَ، مَدِينَة أَصْلِيَّة، وَشعب للمحاسن وفصيلة، فَضلهَا الله ورعاها، وَأخرج مِنْهَا ماءها ومرعاها، فجانبها مريع، وَخَيرهَا سريع، ووضعها لَهُ فِي فقه الْفَضَائِل تَفْرِيع، عدل فِيهَا الزَّمَان، وانسدل الْأمان، وفاقت الْفَوَاكِه فواكهها، وَلَا سِيمَا الرُّمَّان، وَحفظ أقواتها الاختزان، ولطفت فِيهَا الْأَوَانِي والكيزان، واعتدل الجسوم للوزان، ودنا من الحضرة جوارها، وَكثر قصادها من الوزراء وزوارها، وَبهَا الْمدَارِس وَالْفُقَهَاء، ولقصبتها الأبهة والبهاء، والمقاصر والأبهاء. إِلَّا أَن طينها ضحضاح، لذِي الطّرف فِيهِ افتضاح، وأزقتها لَا يفارقها القذر، وأسواقها يكثر بهَا الهذر، وعقاربها لَا تبقي وَلَا تذر، ومقبرتها لَا يحْتَج عَن إهمالها وَلَا يعْتَذر.
قلت، فمدينة فاس، قَالَ: رعى الله أَرضًا تربها ينْبت الفنا، وآفاقها ظلّ على النَّاس مَمْدُود، نعم العرين لأسود بني مرين، وَدَار الْعِبَادَة الَّتِي يشْهد بهَا مطرح الْجنَّة، وَمَسْجِد الصابرين، وَأم الْقرى، [ومأم السرى] وموقد نَار الدعا، ونارء القرا، ومقر الْعِزّ الَّذِي لَا يهضم، وكرسي الْخلَافَة الْأَعْظَم، والجزية الَّتِي شقها ثعبان الْوَادي، فَمَا ارتاعت، والأبية الَّتِي مَا أذعنت إذعانها للإيالة المرينية وَلَا أطاعت أَي كَاف وكلف، وَخلف عَن سلف، ومحاباة وزلف، وقضيم وعلف، إِنَّمَا الدُّنْيَا أَبُو دلف. سَأَلت عَن الْعَالم الثَّانِي، ومحراب السَّبع المثاني، وَمُغْنِي المغاني، ويرقص النادب والغاني، وأرمم المباني، ومصلى القاصي والداني، هِيَ الْحَشْر الأول، والقطب الَّذِي عَلَيْهِ الْمعول، وَالْكتاب الَّذِي لَا يتَأَوَّل، بل المدارك والمدارس، والمشايخ والفهارس، وديوان الراجل والفارس، وَالْبَاب الْجَامِع من موطإ الْمرَافِق،
وَبَدَأَ الْملك الخافق، وتنور المَاء الدافق، ومحشر الْمُؤمن وَالْمُنَافِق [وسوق الكاسد والنافق] حَيْثُ الْبَنَّا الَّذِي نظر إِلَيْهَا عُطَارِد واستجفاها، وَخَافَ عَلَيْهَا الْوُجُود أَن يُصِيبهَا بِعَيْنِه الحسود فسترها بالغور وأخفاها، والأسواق الَّتِي ثَمَرَات كل شَيْء إِلَيْهَا قد حبيت، والموارد الَّتِي اخْتصّت بالخصر وجبلت، والمنارة المخطوبة، وصفح الحلج المشطوبة والغدر الَّتِي مِنْهَا أَبُو طوبة.
(بلد أعارته الْحَمَامَة طوقها
…
وكسا ريش جنَاحه الطاووس)
(فَكَأَنَّمَا الْأَنْهَار فِيهِ مدامة
…
وَكَأن ساحات الديار كؤوس)
اجْتمع بهَا مَا أولده سَام وَحَام، وَعظم الالتآم والالتحام، فَلَا يعْدم فِي مساكنها رُخَام، فأحجارها طاحنة [ومخابزها ساخنة] وألسنتها باللغات الْمُخْتَلفَة لاحنة، ومكاتبها سابحة، ورحابها متمالحة، وأوقافها جَارِيَة، الهمم فِيهَا إِلَى الْحَسَنَات واضدادها متبارية. بلد نِكَاح وَأكل، وَضرب وركل، وامتياز من النسا بِحسن زِيّ وشكل، ينتبه بهَا للباءة، وتسل الجباه، وتوجد للأزواج الْأَشْبَاه وفور النشب، وَكَثْرَة الْخشب وَوُجُود الرفيق، وَطيب الدَّقِيق، وَإِمْكَان الإدام، وتعدد الخدام، وَعمْرَان الْمَسَاجِد والجوامع، وإدامة ذكر الله فِي المآذن والصوامع.
وَأما مَدِينَة الْملك فبيضاء كالصباح، أفق للغرر الصَّباح، يحتقر لإيوانها إبوان كسْرَى، وَترجع الْعين حسرى، ومقاعد الحرس، وملاعب اللَّيْث المفترس، ومنابت الرّوح المفترس، [ومدشر من درس أَو درس، ومجالس الحكم للفصل] وسقايف الترس، والنصل، وأهداف الناشبة أولى الخصل وأواوين الْكتاب، وخزاين محمولات الإقتاب، وكراسي الْحجاب، وعنصر الْأَمر العجاب، إِلَى
الناعورة الَّتِي ملكت من الْفلك الدوار مِثَالا، وَأوحى المَاء إِلَى كل سَمَاء مِنْهَا أمرهَا، فأجزت امتثالا، ومحبة البرود سلسالا، وألفت أكوارها الترفة والترف، فَإِذا قَامُوا إِلَى الصَّلَاة قَامُوا كسَالَى:
(وقورا من قَوس الْغَمَام ابْتَغوا لَهَا
…
مِثَالا أداروها عَلَيْهِ بِلَا شكّ)
(قس الثريا والترا سد جرمها
…
وللباك الدوار قد أَصبَحت تحك)
(تصوغ لجين النَّهر فِي الرَّوْض دَائِما
…
وزاهم نور قد خلص من الشَّك)
(وَترسل شهباتها ذَا ذؤابة
…
تبتغي استراق السّمع عَن حوزة الْملك)
(تذكرت الْعَهْد الَّذِي اخترعت بِهِ
…
وحنت فَمَا تنفك ساجعة تبك)
إِلَّا أَن حر هَذِه الميدنة يذيب، وساكنها ذيب، ومسالكها وعرة، وظهايرها مستعرة وطينها هايل، ورخامها حَرْب وابل، إِن نَشد الجفا نَاشد، فَهِيَ ضالته المنشودة، أَو حشد إِضَافَة حاشد، فَهِيَ كتيبته المحشودة، إِلَى بعد الأقطار، وعياث الميازب أَوْقَات الأمطار، والاشتراك فِي المساكن والديار، عَن الْمُوَافقَة. وَالِاخْتِيَار، وتجهم الْوُجُوه للغريب ذِي الطّرف الْمُرِيب، وغفلة الأملس عَن الجريب، ودبيب العقارب إرْسَالًا كالقطار الغارب. وَأَهْلهَا يرَوْنَ لأَنْفُسِهِمْ مزية الْفضل، ويدينون فِي مُكَافَأَة الصَّنَائِع الْبَالِغَة بالعضل، يلقى الرجل أَبَا منواه فَلَا يَدعُوهُ لبيته، وَلَا يسمح لَهُ ببقله وَلَا زيته، فَلَا يطْرق الطيف حماهم، وَلَا يعرف اسمهم وَلَا مسامهم، إِلَّا الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات، وَقَلِيل مَا هم، ومقبرتهم غير نابهة، وأجداثها غير متشابهة، منشبة حَيَوَان ومشبعة جرذان غير وان.
ثمَّ قَالَ فِي أَمر سلوين، قَالَ وَاد عَجِيب، وبلد لداعي الإيناع مُجيب، مخضر الوهاد والمتون، كثير شجرات الْجَوْز وَالزَّيْتُون، كنفته الْجبَال الشم، وَحنث عَلَيْهِ الطود كَمَا تحنو على الْوَلَد الْأُم، فهواؤها ملائم، وَالْعِنَب على الْفُصُول دَائِم،
إِلَّا أَن الشَّمْس لَا تطرقه سمال، وَلَا ترمقه إِلَّا وَقت زَوَال، قد بَاء بالحظ الموكوس، وانكمش تَحت إبط الظل المنكوس، فجوه عديم الطلاوة، وعنبه للبرد قَلِيل الْحَلَاوَة.
قلت فسجلماسة، فَقَالَ تِلْكَ كورة. وَقَاعِدَة مَذْكُورَة، ومدينة محمودة مشكورة، كَانَت ذَات تَقْدِيم، وَدَار ملك قديم، وبلد تبر وأديم، ومنتهى تجر ومكسب عديم، مَعْدن التَّمْر، بحكمة صَاحب الْخلق وَالْأَمر، تَتَعَدَّد أَنْوَاعه، فتعيي الْحساب، وتجم بهَا فوائدها، فتحسب الاقتناء والاكتساب، قد اسْتَدَارَ بهَا لحلو السُّور وَالْأَمر العجاب، والقطر الَّذِي تحار فِي ساحته النجاب، فَيضْرب مِنْهُ على عذاريها الْحجاب، بَاطِنه فِيهِ الرَّحْمَة وَظَاهره من قبله الْعَذَاب، تحيط بهَا مرحلة رَاكب، ويصيرها سَمَاء مخطرة ذَات كواكب، فمنازلها لَا تنَال بهوان، وفدانها ودمنها تَحت صوان، ونخلها تطل من خَلفه الْجِدَار، وتتبوأ الْإِيمَان والديار، وحللها مبتوتة بَين الدمن، وضياعها تمتلك على مر الزَّمن، وسوائمها تالعة للسمن، مَوْجُودَة بنزر الثّمن، وفواكهها جميمة، ونعمها عميمة، وسورها يعجز عَن مثله معتصم ورشيد، وسقيها يخص دَار الْملك بحظ مَعْلُوم، وَيرجع إِلَى وَال يكف كل مظلوم. وَهِي أم الْبِلَاد الْمُجَاورَة لحدود السودَان فتقصدها بالتبر القوافل، وتهدي إِلَى مِحْرَابهَا النَّوَافِل، والرفاهة بهَا فَاشِية، وَالنِّسَاء فِي الْحلَّة ناشية. لَكِنَّهَا معركة غُبَار، وقتيل عقربها جَبَّار، ولباسها خامل، والجفا بهَا شَامِل، والجو يسفر عَن الْوَجْه القطوب، والمطر مَعْدُود من الخطوب، لبِنَاء جدرانها بالطوب، والقرع برؤوس أَهلهَا عابث، والعمش لجفونهم لابث، والحصا يصيبهم، ويتوفر مِنْهُ نصِيبهم.
قلت فتازى، فَقَالَ، بلد امْتنَاع، وكشف قناع، وَمحل ربع وإيناع، ووطن طَابَ مَاؤُهُ، وَصَحَّ هواؤه، وَبَان إشرافه واعتلاؤه، وجلت فِيهِ مواهب الله وآلاؤه، عصيره مثل، وَأمر الخصب بِهِ ممتثل، وفواكهه لَا تحصى بِمَائِهَا لأقصى، وحبوبه تدوم على الخزن، وفخاره آيَة فِي لطافة الجرم وخفة الْوَزْن، إِلَّا أَن رِيحه عاصف، وبرده لَا يصف واصف، وَأَهله فِي وبال من معرة أهل الْجبَال، وليوثه مفترسة، وأخلاق أَهله شرسة.
قلت فغساسة، قَالَ فريسة وأكيلة، وحشف وَشر كيلة، إِلَّا أَنَّهَا مرسى مطروق بِكُل مَا يروق، ومرفأ جَارِيَة بحريّة، ومحط جباية تجرية.
ثمَّ لما وصل إِلَى هَذَا الْحَد، نظر إِلَى حَاج السُّوق، وَقد أَفَاضَ، ومزاده أعمل فِيهِ الإنفاض، وعلو الْأَصْوَات بِهِ قد صَار إِلَى الانخفاض. فَقَالَ، وَجب اعتناء بالرحيل واهتمام، وكل شَيْء فَإلَى تَمام، ومددت يَدي إِلَى الدُّعَاء فحزمته، وَإِلَى الْعين فأرقته، فَقلت لَا حكمتك من كرائم بني الأصقر فِي الْعدَد الأوفر، ماثلة فِي اللبَاس المزعفر، فَلَمَّا خضب كَفه بجنابها، وحصلت النَّفس على استغنائها، استدناني، وَشَبك بنانه ببناني، وَقَالَ لَا حَبط الله عَمَلك، وَلَا خَابَ أملك، وَلَا عدم المرعى الخصب هملك، فلنعم فعلي البضائع، وحافظ الْفضل الضائع ومقتنى الْفَوَائِد، ومعود العوائد. واستثبت مخيلته فَإِذا الشَّيْخ وتلميذه، وَحِمَاره ونبيذه، وَقد تنكر بالخضاب المموه، والزي المنوه، وعاث نخده الشّعْر المشوه. فَقلت هيه، أَبَت المعارف أَن تتنكر، والصباح أَن يجْحَد أَو يُنكر، كَيفَ الْحَال بعدِي، وَمَا اعتذارك عَن إخلاف وعدي، فَقَالَ:
(خُذ من زَمَانك مَا تيَسّر
…
واترك بجهدك مَا تعسر)
(فلرب مُجمل حَالَة
…
موصى بهَا مَا لم تفسر)
(والدهر لَيْسَ بدائم
…
لابد أَن سيسوء أَن سر)