الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المقدمة
إنها أيام جزائرية خالدة، والخلود لله وحده، ولكن في حياة الأفراد كما في حياة الشعوب أحداث تترك أثرا عميقا يبقى ثابتا ما دامت الحياة متدفقة في مسيرتها التي لا تتوقف، إلا أن يشاء الله ويبقى ذلك الأثر الثابت قويا، حيا، نابضا، لأنه يمثل ذروة الصراع في الحياة الإنسانية حيث تلتقي الحياة والموت عند نقطة المصير. تلك هي أحداث الثورة الجزائرية بكل ما حفلت به أيامها ولياليها طوال السنوات التي فصلت بين ليل الاستعمار وفجر الجزائر الجديد -فجر الاستقلال.
و (الأيام) كلمة استخدمها العرب منذ القديم للدلالة على أحداث بارزة في حياتهم، كان لها دورها في حياتهم، فكان (يوم الفجار) و (يوم ذي قار) و (يوم داحس والغبراء)، وجاء الإسلام فحافظ العرب المسلمون على تراثهم وتقاليدهم، فكات لهم: أيام العراق، وأيام القادسية، ويوم الجسر (المروحة)، ويوم نهاوند (فتح الفتوح)، ويوم اليرموك. وتمضي الأيام، ويسجل العرب المسلمون تاريخهم على صفحة التاريخ، لا يمضي جيل إلا ويضيف يوما جديدا إلى سجل المجد والخلود، حتى لتكاد صفحات التاريخ تفيق بما تحتويه. ويأتي على الأمة العربية والإسلام حين من
الدهر، تكاد تنسى فيه - لشدة ما أصابها ولقوة ما نزل بها - أيامها الخالدات، لكن ذاكرة الشعوب تبقى قوية، جبارة، متعاظمة، ترتفع على الأحداث مهما عظمت، وتكبر على النوائب مهما قست واشتدت.
هكذا كان شعب الجزائر المجاهد، ومن قلب المحن، ظهرت الأيام التي ربطت بين صفحات الماضي بصفحات المستقبل، فكان الأجداد الصيد من أمثال: الأمير عبد القادر، والحداد، والمقراني، وبو معزة، ولالا فاطمة، وآخرون لا زالت أيامهم ذكرا على شفة التاريخ ولسان الأجيال.
ثم تأتي الثورة الحاسمة، فتكون أيامها ولياليها، ساعاتها ودقائقها، كلها نسيج متصل من البطولات الخارقة والأعمال الرائعة حتى لتكاد تشكل بمجموعها يوما واحدا، غير أنه يوم لا يقاس بعمر الزمان.
لقد تمثلت (أيام الجزائر الخالدة) بما قام به رجال جيش التحرير الوطني الجزائري، من مجاهدين ومسبلين وفدائيين، وبما اضطلعوا بتنفيذه من جلائل الأعمال. وسبق في الكتاب رقم (10) من هذ5 المجموعة، التعرض لأعمال الجيش وتطوره، غير أن البحث أوسع من أن يأخذ حقه في كتاب أو عدد من الكتب، وإذن فلا بد من التعرض للحد الأدنى والضروري حتى تكون الفكرة أكثر وضوحا، وحتى يكون البحث أكثر شمولا واتساعا.
وقد يظهر من غير المهم - للحظة من اللحظات - الإسهاب في بحث حادثة معينة، أو تضمين الكتاب وثيقة من الوثائق، تجاوزها الزمن، وحدث عليها كثير أو قليل من التغيير، غير أن قضية البحث
هنا هي قضية تسجيل تاريخي لمرحلة معينة قد يكون من الضروري جدا - لأمانة البحث من جهة، ولإجراء المقارنة مع التطور اللاحق من جهة ثانية، عدم إسقاط تلك الأحداث أو إجمال تلك الوثائق - وهنا أيضا، وإذا كان من المحال ذكر كل ما هو متوافر من الوثاثق فلا أقل من التعرض لبعضها وتحقيق نوع من التوازن الذي يحقق الهدف، وهو: لا إيجاز يخل بالموضوع ولا إسهاب يبتعد بالبحث عن غرضه. تبقى هناك نقطة لا بد من ذكرها:
لقد سقط في حرب التحرير مليون ونصف المليون من الشهداء الأبرا ر، ولكل شهيد قصة تستحق التسجيل، هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فقد تعرضت كل قرية وكل ضاحية وكل مدينة لأحداث لا يمكن حصرها وكلها تستحق النسجيل، لأنها تراث تاريخي وتجارب هامة تشكل بمجموعها قصة التجربة التاريخية للجزائر في معاناتها مع الاستعمار. غير أن الإحاطة بكل تلك الأحداث هي من الأمور التي يصعب بلوغها وهنا أيضا كان لا بد من الاختيار والانتقاء. وهذا الاختيار والانتقاء لا يعني أهمية هذه الأحداث أكثر من سواها. ولا يعني إعطاءها الأفضلية على غيرها.
ولعل من المناسب الإشارة إلى أن المتحف الوطني للمجاهد - مركز الوثائق - والمركز التاريخي للبحوث في الجزائر، يعكف حاليا على جمع ما يستطيع جمعه من (قصص المجاهدين) وقد تكون لدى هذه المراكز نتاج ضخم - وقد يفتقر إلى الوثائقية الدقيقة، غير أنه يضم يقينا تراثا ضخما قد يظهر في المستقبل صورة أكمل وفكرة أفضل عن دور المجاهدين في الثورة، ويساعد على إغناء مادة (البحث التاريخي).
وبعد، وعلى الرغم من كل ما كتب، وكل ما سيكتب عن (أضخم ثورة عربية إسلامية في العصر الحديث)، فإن تراث الثورة وأمجادها لا زالا في حاجة للمزيد من البحث والدراسة حتى تأخذ هذه الثورة الرائدة حجمها الطبيعي في الإطار التاريخي. وحتى يتم الإفادة من التجربة التاريخية للجزائر، لا في الحدود الجغرافية للجزائر فحسب، وإنما في كل أرجاء العالم العربي - الإسلامي. والله أسأله التوفيق.
بسام العسلي