المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ج - التوازن الاستراتيجي (1956 - 1960) - سلسلة جهاد شعب الجزائر - جـ ١١

[بسام العسلي]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌الفصل الأول

- ‌ قصة الثورة الجزائرية

- ‌أ - المخاض العسير

- ‌ب - البداية الشاقة:

- ‌ج - التوازن الاستراتيجي (1956 - 1960)

- ‌د - من التوازن إلى الهجوم الاستراتيجي:

- ‌ لاكوست - والثورة المضادة للثورة

- ‌ شاب - على خطى (نافار)

- ‌ ذريعة (أوروبيي) الجزائر

- ‌آ - الأقليات الأوروية في الجزائر:

- ‌ب - رسالة من جبهة التحرير الوطني إلى الفرنسيين:

- ‌ج - رسالة جبهة التحرير الوطني إلى اليهود:

- ‌ ثورة الجزائر تنتقل إلى فرنسا

- ‌أ - تقرير الصحافة عن الحرب في فرنسا:

- ‌ب - قصة المعركة في كتابة الثوار

- ‌ مع المجاهدين في معاقلهم

- ‌ مع قائد من المجاهدين

- ‌الفصل الثاني

- ‌ ولادة سرية ومصرعها

- ‌ ضباب الفجر

- ‌ المهمة الأولى

- ‌ معارك (تيفرين) في (جبل منصور)

- ‌ معركة جبل (منور)

- ‌ المقاومة في (بوهندس)

- ‌ معركة (الأوراس)

- ‌ معركة في الجنوب

- ‌ إعدام (فروجي)

- ‌قراءات

- ‌ الاضراب التاريخي للطلاب

- ‌ تعليمات وأوامر إدارية

- ‌ بيان الحكومة المؤقتة للجمهوريةالجزائرية إلى الشعب الجزائري

- ‌ أمر يومي من قيادة الأركان العامة

- ‌(محتوى الكتاب)

الفصل: ‌ج - التوازن الاستراتيجي (1956 - 1960)

في ذلك وهران. وشهد صيف 1955 معارك طاحنة في أوراس والشمال القسنطيني؛ حيث شن جيش التحرير الوطني هجوما شاملا - في يوم 20 آب - أغسطس - أعدم أثناءه مئات من الإفرنسيين - الاستعماريين والمستوطنين - وأعوانهم من الخونة والعملاء. وكثرت أعمال القتل والإبادة الجماعية من قبل الاستعماريين، الأمر الذي ساعد على خلق جدار قوي من العزلة بين قوى الاستعمار والقوى الوطنية. وخلال هذه الفترة كانت جبهة التحرير الوطني تتابع تطوير تنظيمها (داخليا وعربيا ودوليا). وعلى سبيل المثال: فقد أمكن لها في الفترة (1955 - 1958) تنظيم الطلاب والشباب في جامعات فرنسا ومدنها ضمن إطار (جبهة التحرير الوطني) وقد أثمرت هذه الجهود التنظيمية في آب - أغسطس - 1958، عندما أخذت الجبهة في نقل الصراع إلى فرنسا حيث قامت الفرق المسلحة الجزائرية بتدمير عدد من المنشآت الاقتصادية في فرنسا.

وعلى المستوى الدولي - اكتسبت الثورة تأييدا متعاظما انطلق من العالم العربي - الإسلامي وامتد إلى عواصم العالم. وبرز ذلك في مقررات (مؤتمر باندونغ - 1956) وفي هيئة الأمم المتحدة حيث طرحت للمرة الأولى قضية (حق الشعب الجزائري في تقرير المصير.

‌ج - التوازن الاستراتيجي (1956 - 1960)

.

بدأت الثورة الجزائرية بمجموعة قليلة من الثوار التاريخيين، لا يمتلكون من وسائط الصراع إلا القليل، وكان التوازن في القوى مفقودا على ساحات الصراع، وزاد الأمر سوءا. عندما أخدت فرنسا بإرسال موجات متتالية من قوات الدعم المجهزة بأحدث وسائط

ص: 19

الصراع. ومقابل ذلك أخذت الثورة في زيادة رصدها بفضل ما كان يقدمه لها خزان الشعب الهائل من دعم مادي ومعنوي. غير أن ميزان القوى بقي مضطربا في غير مصلحة الثورة. وبدأ الصراع في استنزاف قدرة العدو المادية والمعنوية، ومع هذا الاستنزاف كانت قوات الثورة تتعاظم باستمرار - ماديا ومعنويا-. وفي نهاية السنة الخامسة للثورة (1959) ظهر بوضوح أن فرنسا قد استنزفت كل إمكاناتها للصراع. في حين ظهر أن الثورة لا زالت قادرة على حشد المزيد من القدرات (في القوى والوسائط) حيث انتظمت جماهير الشعب الجزائري في أعمال الصراع المختلفة، وحيث ظهر أن تأمين التمويل للثورة وإمدادها باحتياجاتها من الأسلحة لم تعد مشكلة على طريق الثورة. ووصلت الثورة بذلك إلى مرحلة (التوازن الاستراتيجي). غير أن الوصول إلى هذه المرحلة لم يكن سهلا ولا يسيرا.

كان الثوار - القادة التاريخيون - قد تواعدوا عندما أطلقوا شرارة الثورة، على الالتقاء بعد ستة أشهر من انطلاقة الثورة بهدف إعادة تقويم المرحلة السابقة، والإعداد لمتطلبات المرحلة التالية. ولكن سرعة تطور الأحداث، وعنف المد الثوري الجارف، وإنهماك القادة في العمل لم تسمح بعقد هذا اللقاء إلا بعد سنة وعشرة أشهر. وهكذا انعقد مؤتمر الصومام يوم 20 آب - أغسطس - 1956. الذي يعتبر - إلى حد ما - نقطة تحول حاسمة على طريق الثورة.

لقد حضر هذا المؤتمر - لأول مرة - مندوبون عن مناطق الكفاح المختلفة، وتخلف عنه بعض القادة الذين استشهدوا أو اعتقلوا مثل المرحومين (ديدوش مراد) و (مصطفى بن بو العيد) اللذين استشهدا قبل انعقاد المؤتمر و (رابح بيطاط) الذي اعتقل يوم

ص: 20

(23 - أيار - مايو - 1955) ولم يتمكن من الحضور أيضا (أحمد بن بيللا) ورفاقه الذين كانوا يمثلون الثورة في الخارج. وقد أسفرت اجتماعات المؤتمر عن نتائح هامة، مثل شرح وتأكيد المبادىء الأساسية التي عبر عنها منشور الثورة الأول، وتنسيق التعاون بين مختلف (ولايات الكفاح)، وتنظيم جيش التحرير، وتوحيد ظواهره وأساليبه وطرائق إدارته، وتعزيز قوته. وإنشاء المجلس الوطني للثورة الجزائرية الذي يعتبر بمثابة السلطة العليا للثورة، ثم لجنة التنسيق والتنفيذ التي هي بمثابة السلطة التنفيذية.

امتازت هذه الفترة بزيادة أعداد جيش التحرير الوطني وتعزيز إطاراته بالشباب المثقف الذي ترك الدراسة والتحق بصفوف الثوار في الجبال، بعد إعلان الإضراب العام من طرف (الإتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين)، ولقد حل هذا الاتحاد الذي كان في إضراب منذ أيار - مايو - 1956 من قبل الإدارة الإفرنسية سنة 1958. كما كانت قد حلت من قبل (الاتحاد العام للعمال الجزائريين) و (الاتحاد العام للتجار الجزائريين) سنة 1957 وحينذاك إنضم عدد من أجهزة هذه التنظيمات إلى (جبهة التحرير الوطني) و (جيش التحرير الوطني) فدعموا قدراته بالعناصر القيادية والمقاتلين، كما إنضم عدد كبير إلى صفوف المجاهدين بصورة سرية (داخل البلاد أو خارجها).

تطورت في هذه الفترة الوسائط القتالية لجيش التحرير الوطني عن طريق الغنائم الضخمة التي كان ينتزعها المجاهدون من أعدائهم، وعن طريق الإمدادات التي أخذت في الوصول إلى القواعد المحررة من الخارج - عن طريق تونس بالدرجة الأولى وامتازت هذه الفترة من جهة أخرى بتعاظم أعمال الفدائيين في المدن

ص: 21

ضد الاستعماريين والخونة. وكذلك تخريب مرافق العدو ووسائل مواصلاته، وبرز تضامن الشعب الجزائري مع مجاهديه بشكل مثير وواضح عبر تلك الإضرابات والتظاهرات التي كانت تدعو إليها جبهة التحرير الوطني، ومنها على سبيل المثال: إضراب 5 تموز - يوليو - 1956، بمناسبة ذكرى إحتلال فرنسا للجزائر العاصمة (*) وكذلك في إضراب غرة نوفمبر - تشرين الثاني - 1956 إحياء للذكرى الثانية لاندلاع الثورة، والتي نشر (المجاهد) بمناسبتها القانون الأساسي الذي تمخض عنه مؤتمر (وادي الصومام) وكذلك أيضا الاضراب الوطني الكبير الذي إستمر لمدة ثمانية أيام (من 28 كانون الثاني - يناير - حتى 4 شباط - فبراير - 1957) وهو عبارة عن تضامن وطني لا عنف فيه، في وقت مناقشة القضية الجزائرية في هيئة الأمم المتحدة

أساءت فرنسا لنفسها عندما رفضت (وهي الدولة العقلانية - العلمانية على ما تزعم) الإصغاء لصوت العقل، فتابعت عنادها الأحمق، متنكرة لكل ما كان يقع تحت بصرها من تطورات، وعلى الرغم من أن الاشتراكيين (غي موليه) و (لا كوست) قد خاضا المعركة الانتخابية تحت شعار السلم في الجزائر، فإن (غي موليه) سرعان ما تنكر (لشعاره) وطرح ثلاثيته المعروفة (إيقاف القتال، فالانتخابات، فالمفاوضات). وقد قيل كثيرا أن سبب هذا

(*) وكان قد سبقه الإضراب التاريخي في شهر أيار (مايو) 1956 بنداء صادر عن الطلبة الجزائريين بعاصمة الجزائر (انظر قراءات - 1) في نهاية الكتاب لمطالعة نص النداء المذكور.

ص: 22

(التنكر) هو ما تعرض له (غي موليه) من مقاومة ضارية نظمها المستوطنون الأوروبيون في الجزائر، حتى أنهم رموه بالطماطم الفاسدة (البندورة) عند زيارته الأولى للجزائر، غير أن مقاومة هؤلاء المستوطنين لم تكن أكثر من لعبة إستعماريه لمتابعة النهج الاستعماري. وقد كان (غي موليه) في حاجة لمثل هذه الذرائعيه لتعطية انحرافه. المهم في الأمر هو أن (غي موليه) أقال (كاترو) المعتدل من وجهة نظر الاستعماريين، وعين زميله السفاح المشهور (روبير لاكوست) صاحب (الأرباع الساعة الأخيرة التي لا تنتهي). وأخذت فرنسا في إرسال قوات الأمم حتى بلغ عدد أفراد الجيش الاستعماري في الجزائر أكثر من نصف مليود مقاتل، علاوة على (الميليشيات المحلية)، وعلاوة على قوات الدرك (الجندرمة) وتبع ذلك أعمال قمع وحشية لم تفلح في قمع الثورة، الأمر الذي أدى إلى سقوط حكومة (غي موليه) وقيام الجمهورية الخامسة برئاسة (ديغول). وقد حاول هذا بدوره قمع الثورة وهو يطرح (سلم الأبطال). فبرزت للوجود مجموعة من المخططات العسكرية، عرفت بأسماء اصطلاحية - من أبرزها:

1 -

عملية (لوبروميير) في منطقة القبائل الكبرى (اكتوبر - نوفمبر = تشرين الأول والثاني 1958).

2 -

عملية (التاج) في جبال القبائل والأكفاد (جويليه - نوفمبر - تموز - تشرين الثاني 1959).

3 -

عملية (كوروا - وايتانسيل) شمال قسنطينة والقبائل الصغرى بداية من نوفمبر (تشرين الثاني - 1959).

4 -

عملية (جوميل) التي امتدت حتى جبال الجزائري في (الحضنة) في تموز - يوليو - 1959.

ص: 23

5 -

عملية (برنامج شال)(*) التي حشد لها من (50) إلى (100) ألف جندي. وطبق البرنامج في البداية في جبال (الونشريس) من شباط - فبراير - حتى تموز - يوليو - 1959. ثم استأنف (شال) هجماته الكبرى في النصف الثاني من عام 1959 وطوال عام 1960.

6 -

عملية (تونتاكيل) في ولاية (وهران) وبالقرب من (السد الغربي) وفي جبل دايه (نيسان - أيار = افريل - ماي)1960.

7 -

عملية (بروقيتي) جنوب (وهران) من أيار (مايو) إلى أيلول (سبتمر)1960.

8 -

عملية (سيغال) في (الونشريس) تموز (يوليو) إلى آب (أغسطس)1960.

9 -

عملية (جوميل) وعملية (الأحجار الكريمة) - للمرة الثانية في منطقة القبائل والشمال القسنطيني. في سنة 1960.

10 -

عملية (آربييج) بداية من ربيع 1960 وحتى تشرين الأول - اكتوبر - وتشرين الثاني - نوفمبر 1960 - وشملت المناطق المحيطة بالأوراس.

(*) ويسمى (مشروع شال) ويتلخص في نقطتين: أولاهما عزل جيش التحرير عن المواطنين في الريف. ولذلك عمدت القوات الاستعمارية إلى إجلاء السكان عن مساكنهم، وحشدهم في معسكرات الحشد حيث يصبحون تحت المراقبة الدائمة لجيش الاحتلال. أما النقطة الثانية، فهي القيام بعملية عسكرية واسعة النطاق، ذات مراحل، يقع مركز الثقل في كل مرحلة منها على منطقة من المناطق التي يرتكز فيها جيش التحرير، حيث تحشد قوات هائلة من مختلف الأسلحة، يستمر عملها أسابيع أو شهورا متتالية لسحق القوات الوطنية في تلك المنطقة، ثم تنتقل إلى غيرها. وهكذا ....

ص: 24

11 -

عملية (ماراتون) لدعم السد الشرقي (خط موريس) في محاولة للقضاء على جيش التحرير في نيسان - إبريل - 1960.

أحد عشر هجوما واسع النطاق بها أسماؤها الضخمة، وبعضها أعيد مرات. عديدة، ومثلها أضعافا من الهجمات التي لم تحمل أسماء إصطلاحية، وكلها فشلت على صخرة صمود المجاهدين وتحطمت. فماذا يعني ذلك؟ يعني ذلك ببساطة أن مرحلة التوازن الاستراتيجي على مستوى العمليات قد تحققت بالرغم من كل العناد الافرنسي. ومضى جيش التحرير الوطني وسط العقبات والمصاعب، وهو يزيد من قوته، حتى بلغ عدد أفراده (120 ألفا). وأنشئت المدارس العسكرية، وأرسلت البعثات إلى الخارج لتكوين الإطارات (الكادرات) الفنية، وتغيرت خطط المقاومة للإفلات بنجاح من عمليات (مشروع شال)، وامتدت العمليات الحربية إلى أقصى الصحراء بل وإلى فرنسا ذاتها، حيث تم تدمير مستودعات بترولية ضخمة، وأعيد تنظيم المقاومة في المدن، وتعرضت الثورة في هذه الأثناء إلى خطرين جسيمين، قدم الشعب المجاهد في مواجهتهما أعدادا كبيرة من الضحايا البريئة أولهما: معركة العاصمة (سنة 1957) حيث أسندت إدارة الأمن في العاصمة وضواحيها إلى قائد المظليين (الجنرال ماسو) الذي أخذ على عاتقه تدمير منظمات الفدائيين في (الجزائر) فأطلق جنوده، يرتكبون أفظع أعمال التقتيل وأبشع طرائق التعذيب والسلب.

وقد ذهب ضحية التعذيب والاغتيال كثير من الشهداء الأبرار، منهم بصورة خاصة (الشهيد العربي بن المهيدي) عضو لجنة التنسيق والتنفيذ، و (علي بومنجل) المحامي، اللذان اغتيلا في

ص: 25

السجن بطريقة قذرة. كما ظهررت قضايا التعذيب (جميلة بوحيرد) فثار الرأي العام العربي - الإسلامي والعالمي، وتعاظمت موجة السخط والاحتجاج. وقد وقعت عمليات مماثلة في كافة المدن الجزائرية، مما أفقد الثورة كثيرا من إطاراتها النشيطة، وأضعف الحركة الفدائية في المدن. واضطر الأحياء من أعضاء لجنة التنسيق والتنفيذ إلى مغادرة الوطن، بعد أن كانوا قد جعلوا من العاصمة (الجزائر) مقرا لهم.

أما الخطر الثاني، فيتجسم في تلك الفتنة التي أثارها عميل فرنسا (بن لونيس) والذي جمع حوله بعض البسطاء المغرورين، وقد شغلت هذه الفتنة جانبا غير قليل من جهود جيش التحرير الوطني. وذهب ضحيتها كثير من الشهداء إلى أن أمكن القضاء عليها (في نيسان - إبريل - 1958) بعد إعدام رأس الحركة والتحاق جنوده بمجاهدي جيش التحرير الوطني. وقد أمكن التغلب على كل هذه الصعوبات بفضل التنظيم المحكم للثورة، والكفاءة العالية في سرعة تبديل الخطط حتى تتكيف مع أساليب العدو المتبدلة، ومع ظروف الصراع المتحولة. كما أن التفاف الشعب حول الثورة ودعمه لها، قد ضمن لها الحماية من كل خطر.

رافق ذلك تطور على مستوى القيادة، فقد اجتمع المجلس الوطني للثورة الجزائرية في دورته الثانية من (20) إلى (28) آب - أغسطس - 1957 في القاهرة. وغيرت لجنة التنسيق والتنفيذ، ووسع نطاقها، فأصبحت تضم (7) أعضاء نشرت أسماؤهم للمرة الأولى كما أصبح المجلس الوطني يضم (54) عضوا. واتخذ عدة مقررات سياسية هامة، ففوض بالخصوص جزءا من سلطته إلى لجنة التنسيق والتنفيذ. وفي السنة التالية تقرر تشكيل الحكومة

ص: 26

المؤقتة للجمهورية الجزائرية، وأعلن عن تشكيلها يوم (19 - أيلول سبتمبر - 1958) فاكتمل بذلك الكيان الرسمي للدولة الجزائرية، بوجود حكومة، وجيش وأجهزة إدارية لإدارة البلاد.

أصبحت (القضية الجزائرية) معضلة من أضخم المشكلات الدولية ولقد سجلت وبوقشت في دورات الأمم المتحدة المتتالية، وكانت في كل مرة تكتسب المزيد من الدعم والتأييد الدولي. وبات مصير السكان المدنيين الجزائريين (مليونا نسمه من المرحلين) يقلق العالم بأكمله. وأثار التعذيب والاغتيالات، واستمرار فرنسا في ممارساتها الوحشية - ومنها اغتيال عيسى ايدير - استنكارا عالميا. وباتت فرنسا في حاله مفزعة من العزلة الدولية، حيث أخد حلفاؤها في انتهاج سياسة مستقلة عنها (وظهر ذلك في أزمة ساقية سيدق يوسف عند ما اعتدت فرنسا على الحدود التونسية، الأمر الذي مهد لسقوط الجمهورية الرابعة وقيام جمهورية (ديغول) الخامسة.

ومقابل هذا التآكل (والاهتراء) في (الهيبة الإفرنسية) عسكريا وسياسيا واقتصاديا، كانت حكومة الثورة وجيش الثورة، وشعب الثورة، تكتسب هيبة متعاظمة، أبرزها التأييد المتزايد لشرعية الحكومية الجزائرية، بقدر ما أبرزتها الزيارات الرسمية التي قام بها القادة الجزائريون لبعض دول العالم (زيارة ابن خدة لأمريكا اللاتينية - آب - أغسطس - 1960) وزيارة نائب رئيس الحكومة المؤقتة (كريم بلقاسم) لهيئة الأمم المتحدة وكذلك زيارة الرئيس فرحات عباس إلى بكين وموسكو في تشرين الأول - أكتوبر - 1960. هذا بالإطافة إلى التأييد المتعاظم في المؤتمرات الإقليمية (الشعوب الإفريقية - الآسيوية). لقضية (الثورة الجزائرية).

ص: 27