الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(ثمَّ تولى ابْنه الْملك النَّاصِر)
أَبُو السعادات فرج بن برقوق عِنْد وَفَاة أَبِيه كَمَا تقدم صَبِيحَة يَوْم الْجُمُعَة منتصف شَوَّال سنة ثَمَانمِائَة وَوَاحِدَة وَصَارَ الْأَمِير أيتمش مُدبر مَمْلَكَته والأمير يشبك خازنداره فَوَقَعت بَينهمَا منافرات أدَّت إِلَى مشاجرة ثمَّ إِلَى قتال فانكسر أيتمش فهرب إِلَى نَائِب الشَّام وجيش جيوشاَ على النَّاصِر ويشبك فَخرج النَّاصِر لقتالهم فَهَزَمَهُمْ واضطربت أَحْوَال مصر لاخْتِلَاف الْكَلِمَة ثمَّ وصل تيمورلنك إِلَى بِلَاد الشَّام وَأَخذهَا من سردون الظَّاهِرِيّ فَخرج إِلَيْهِ النَّاصِر فرج فَوَجَدَهُ قد توجه إِلَى بِلَاد الرّوم فَأعْطى الشَّام لتغري بردي وَعَاد إِلَى مصر سنة ثَلَاث وَثَمَانمِائَة وَمن خيرات فرج تعميره الْمَسْجِد الْحَرَام من الْحَرِيق الْوَاقِع بِهِ لَيْلَة السبت لليلتين بَقِيَتَا من شَوَّال سنة ثَمَانمِائَة واثنتين وَسَببه ظُهُور نَار من رِبَاط راشت الملاصق لباب الْحَزْوَرَة من أَبْوَاب الْمَسْجِد فِي الْجَانِب الغربي مِنْهُ وراشت هُوَ الشَّيْخ أَبُو الْقَاسِم إِبْرَاهِيم بن الْحُسَيْن الْفَارِسِي وقف هَذَا الرِّبَاط على الرِّجَال الصُّوفِيَّة أَصْحَاب المرقعات فِي سنة 529 خَمْسمِائَة وتسع وَعشْرين فوشت النَّار من سراج تَركه فِي الْخلْوَة فَاحْتَرَقَ مَا فِي الْخلْوَة وعلق الْحَرِيق من شباك الْخلْوَة إِلَى سقف الْمَسْجِد فاشتعل سقف الْمَسْجِد وعجزوا عَن إطفائه لارْتِفَاع السّقف فاحترقت الأروقة من ابْتِدَاء الْحَرِيق إِلَى بَاب العجلة فَأرْسل فرج الْأَمِير بيسق سنة ثَمَانمِائَة وَثَلَاث إِلَى مَكَّة وَكَانَ هُوَ أَمِير الْحَاج الْمصْرِيّ فعمر الْمَسْجِد الْحَرَام فِي مُدَّة يسيرَة وكملت فِي أَوَاخِر شعْبَان سنة أَربع وَثَمَانمِائَة وَمن جملَة خيراته أَنه لما رأى رِبَاط راشت وَمَا آل إِلَيْهِ بعد الْحَرِيق من الخراب حَتَّى صَار سباطة بذلك الْمحل أَمر بإعادته رِبَاطًا كَمَا كَانَ وَصرف عَلَيْهِ من مَاله إِلَى أَن عَاد أحسن من الأول وَيُسمى هَذَا الرِّبَاط الْآن رِبَاط الْخَاص سَببه أَنه اسْتَأْجرهُ وعمره بعد تهدمه فِي أواسط الْقرن الْعَاشِر وَالْخَاص من طَائِفَة المباشرين
فِي ديوَان السُّلْطَان بِمصْر من خدمَة السُّلْطَان جقمق العلائي وَمن بعده وَكَانَ هَذَا بيسق الْأَمِير من أهل الْخَيْر رحمه الله ثمَّ كثرت الْفِتَن بِمصْر من الْأُمَرَاء الظَّاهِرِيَّة على فرج إِلَى أَن ضجر من ذَلِك وهرب من القلعة بعد الْعشَاء لَيْلَة الْإِثْنَيْنِ سادس ربيع الأول سنة ثَمَان وَثَمَانمِائَة فاختفى عِنْد سعد الدّين بن عرب أحد رُءُوس المباشرين فأخفاه عِنْده فَأصْبح الْأُمَرَاء فاقديه فأقاموا فِي السلطنة أَخَاهُ الْملك الْمَنْصُور عبد الْعَزِيز بن برقوق فتلاشت أُمُور المملكة لصِغَر سنه وَاخْتِلَاف الْأُمَرَاء عَلَيْهِ فَظهر النَّاصِر فرج بعد هروبه واختفائه وَركب مَعَه أُمَرَاء من مماليك أَبِيه فَأخذ القلعة فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَمَانمِائَة وثمان وَنفى أَخَوَيْهِ عبد الْعَزِيز وَإِبْرَاهِيم إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة فتوفيا بهَا واتهم فرج بِقَتْلِهِمَا فِي سنة تسع وَثَمَانمِائَة ثمَّ صَار الْملك النَّاصِر يتتبع أعداءه من الْأُمَرَاء فيقتلهم وَاحِدًا بعد وَاحِد فتجمعوا عَلَيْهِ وَخَرجُوا عَن طَاعَته وقاتلوه فَهَزَمَهُمْ وَخَرجُوا إِلَى الشَّام فَتَبِعهُمْ وصاروا يمكرون بِهِ ويهربون عَنهُ ويتعبونه فِي طَلَبهمْ إِلَى أَن مل مِنْهُ الخدم والأتباع فصادفوه فِي طَلَبهمْ بعد التَّعَب والدأب وَهُوَ وَمن مَعَه قد أتعبوا خيولهم فِي طَلَبهمْ من الْعشَاء إِلَى الصَّباح وأشرفوا عَلَيْهِ فَحمل النَّاصِر وَمن مَعَه وهم نفر قَلِيل على أعدائه وهم متوفرون كَثِيرُونَ فَمَنعه أَصْحَابه من هَذِه الحملة وَعَلمُوا أَنهم فِي قلَّة فَلم يطعهم وأطاع غروره وجهله واغتر بشجاعته وَظن أَن لَا يُقَابله أحد فدارت عَلَيْهِ الدَّوَائِر فَمَا كَانَ للناصر من قُوَّة وَلَا نَاصِر فأُخِذَ وَقيد وَحبس بقلعة دمشق إِلَى أَن قتل بأيدي المشاعلية بالسكاكين فِي لَيْلَة السبت منتصف صفر سنة خمس عشرَة وَثَمَانمِائَة وَأُلْقِي بعد هَذِه القتلة على سباطة مزبلة وَهُوَ عُرْيَان عَن اللبَاس تمر بِهِ النَّاس تنظر إِلَى ذَلِك الْبدن الممتهن والجسد العاري الممتحن إِلَى أَن عطف الله بعض الْأَنَام بعد عدَّة أَيَّام فَحَمله وغسله وكفنه وواراه فِي مَقْبرَة بَاب الفراديس وَوَقع فِي أَيَّام فرج بن برقوق الْمَذْكُور أَن سُلْطَان كاله من سلاطين الْهِنْد وَهُوَ غياث الدّين أعظم شاه بن إسكندر شاه أرسل إِلَى الْحَرَمَيْنِ الشريفين صَدَقَة كَبِيرَة مَعَ
خادمه ياقوت الغياثي ليتصدق بهَا على أهل الْحَرَمَيْنِ ويعمر لَهُ بِمَكَّة مدرسة ورباطاً وَيُوقف على ذَلِك جِهَات يصرف ريعها على أَفعَال الْبر كالتدريس وَنَحْوه وَكَانَ ذَلِك بِإِشَارَة وزيره خَان جهان فوصل ياقوت الْمَذْكُور بأوراق سلطانية إِلَى مَوْلَانَا الشريف حسن بن عجلَان شرِيف مَكَّة يَوْمئِذٍ مَعَ هَدَايَا جليلة إِلَيْهِ فقبلها وَأَن يفعل مَا أَمر بِهِ السُّلْطَان غياث الدّين لكنه أَخذ ثلث الصَّدَقَة على معتاده ومعتاد آبَائِهِ ووزع الْبَاقِي على الْفُقَهَاء وَالْعُلَمَاء والفقراء فَاشْترى ياقوت الغياثي لعمارة الْمدرسَة والرباط دارين متلاصقتين على بَاب أم هَانِئ هدمهما وبناهما رِبَاطًا ومدرسة وَاشْترى أصيلتين وَأَرْبع وجبات من مَاء الريحاني وَجعلهَا وَقفا على الْمدرسَة وَجعل لَهَا أَرْبَعَة مدرسين وَاشْترى دَارا مُقَابلَة للمدرسة الْمَذْكُورَة بِخَمْسِمِائَة مِثْقَال ذَهَبا ووقفها على مصَالح الرِّبَاط وَأخذ مِنْهُ السَّيِّد حسن بن عجلَان فِي الدَّاريْنِ اللَّتَيْنِ بناهما رِبَاطًا ومدرسة والأصيلتين والأربع وجبات من قَرَار عين الريحاني اثْنَي عشر ألف مِثْقَال ذَهَبا وَأخذ مِنْهُ مبلغا لَا يعلم قدره كَانَ جهزه مَعَه سُلْطَانه لتعمير عين عَرَفَة فَذكر مَوْلَانَا أَنه يصرف ذَلِك على عمارتها فعين الشريف أحد قواده وَهُوَ الشهَاب بركوت المكيني لتفقد عين بازان وإصلاحها وَإِصْلَاح البركتين وكانتا معطلتين فأصلحهما وَكَانَ خَان جهان الْمَذْكُور أرسل مَعَ ياقوت الغيائي الْمَذْكُور خَادِمًا لَهُ يُسمى إقبال أرْسلهُ بِصَدقَة أُخْرَى من عِنْده لأهل الْمَدِينَة وجهز مَعَه مَالا يَبْنِي لَهُ بِهِ مدرسة ورباطاً وهدية لأمير الْمَدِينَة يَوْمئِذٍ وَهُوَ الْأَمِير جماز الْحُسَيْنِي فَانْكَسَرت السَّفِينَة الَّتِي بهَا الْأَمْوَال بِقرب جدة فَأخذ الشريف حسن ربع مَا خرج من الْبَحْر على عَادَتهم فِي المكسر وَأخذ مَا يتَعَلَّق بالأمير جماز لِأَنَّهُ عصى وَظهر مِنْهُ شنائع فِي الْمَدِينَة من أَخذ مِفْتَاح خزانَة النَّبِي
من قَاضِي الْمَدِينَة جبرا بعد إهانته وَهُوَ القَاضِي زين الدّين أَبُو بكر بن الْحُسَيْن المراغي وَضرب شيخ الخدام وَأخذ من خزانَة النَّبِي
إِحْدَى عشرَة خوشخانة وصندوقين كبيرين وصندوقاً صَغِيرا كلهَا ممهورة فِيهَا ذهب مودعة لملوك الْعرَاق وَخَمْسَة آلَاف كفن أَرَادَهُ وَأخذ قناديل الذَّهَب من الْحُجْرَة فَمَنعه الله ورجمته الْعَامَّة فهرب من الْمَدِينَة الشَّرِيفَة وَأَخذه الله وَنهب الْعَرَب كل مَا مَعَه فَأرْسل مَوْلَانَا الشريف حسن بن عجلَان إِلَى الْمَدِينَة عسكراً