الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(ثمَّ تولى بعده فِي ذَلِك الْيَوْم أتابكه بلباي الْمُؤَيد)
تلقب بِالْملكِ الظَّاهِر أبي النَّصْر وخلع على الْأَمِير تمريغا الظَّاهِرِيّ الأتابكية عوضا عَن نَفسه وَكَانَ بلباي ضَعِيفا عَن تَدْبِير الْملك وتنفيذ الْأُمُور فخلعه الْأُمَرَاء من السلطنة يَوْم السبت لسبع مضين من جُمَادَى الأولى سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَثَمَانمِائَة وَكَانَت مُدَّة سلطنته شَهْرَيْن إِلَّا أَرْبَعَة أَيَّام
(ثمَّ تولى مَكَانَهُ الْملك الظَّاهِر أَبُو سعيد تمريغا الظَّاهِرِيّ)
وَيُقَال إِنَّه رومي الأَصْل من مماليك الظَّاهِر جقمق أعْتقهُ ورباه صَغِيرا ورقاه إِلَى أَن جعله خاصكياً ثمَّ سلحداراً ثمَّ خازنداراً ثمَّ إِلَى أَن صَار أتابكاً للعساكر ثمَّ تسلطن وَكَانَ لَهُ فضل وتودد إِلَى النَّاس وحذق بِبَعْض الصَّنَائِع بِحَيْثُ كَانَ يعْمل القبي الفائقة بِيَدِهِ وَيعْمل السِّهَام عملا فائقاً وَيَرْمِي بهَا أحسن رمي مَعَ الفروسية التَّامَّة وَمَا زَالَ بِهِ الْأَمر حَتَّى خلعوه ونفوه إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة وَكَانَت مُدَّة ولَايَته ثَمَانِيَة وَخمسين يَوْمًا ثمَّ إِن السُّلْطَان قايتباي اعتذر إِلَيْهِ من وثوبه عَلَيْهِ وأكرمه وَأحسن مثواه وأرسله إِلَى دمياط على أحسن حَال فَقبل عذره وَلم يَقع لملك من الْإِكْرَام بعد الْخلْع مَا وَقع لَهُ لكَونه جَدِيرًا بذلك
(ثمَّ تولى السلطنة أتابك العساكر يَوْمئِذٍ السُّلْطَان الْأَشْرَف قايبتاي)
(المحمودي الظَّاهِرِيّ الشركسي)
ظهر يَوْم الْإِثْنَيْنِ لست مضين من شهر رَجَب سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَثَمَانمِائَة يَوْم خلع تمربغا وَقيل لَهُ المحمودي لِأَنَّهُ جلبه الخوجا مَحْمُود إِلَى مصر فنسب
إِلَيْهِ فَاشْتَرَاهُ الْأَشْرَف برسباي وَأعْتقهُ الظَّاهِر جقمق وَإِلَيْهِ انتسب بالظاهري وَكَانَ محباً للخير مُعْتَقدًا فِي الصَّالِحين حكى عَن نَفسه أَنه لما جلبه سَيّده إِلَى مصر للْبيع وَهُوَ إِمَّا مراهق أَو بَالغ كَانَ مَعَه رَفِيقه أحد المماليك والجلب فتحادثا مَعَ الْجمال لَيْلَة من اللَّيَالِي فِي شهر رَمَضَان فَقَالُوا لَعَلَّ هَذِه اللَّيْلَة لَيْلَة الْقدر وَالدُّعَاء فِيهَا مستجاب فَليدع كل وَاحِد منا بِدُعَاء يُحِبهُ قَالَ قايتباي فَقلت أما أَنا فأطلب سلطنة مصر من الله تَعَالَى فَقَالَ رفيقي وَأَنا أطلب أَن أكون أَمِيرا كَبِيرا والتفتنا إِلَى الْجمال فَقُلْنَا لَهُ أَي شَيْء تطلب أَنْت فَقَالَ أَنا أطلب من الله خَاتِمَة الْخَيْر فَصَارَ قايتباي سُلْطَانا وَصَارَ صَاحبه أَمِيرا كَبِيرا فَكُنَّا إِذا اجْتَمَعنَا نقُول فَازَ الْجمال من بَيْننَا وَكَانَ رحمه الله ملكا جَلِيلًا وسلطاناً نبيلاً لَهُ الْيَد الطُّولى فِي الْخيرَات والطول الطائل فِي إسداء المبرات بنى فِي الْمَسَاجِد الثَّلَاثَة عدَّة رُبط ومدارس وجوامع عَظِيمَة الْآثَار باهرة الْأَنْوَار وَله بِمصْر وَالشَّام وغزة وَغير ذَلِك آثَار جميلَة وخيرات جزيلة أَكْثَرهَا بَاقٍ إِلَى الْآن وَجَمِيع عمائره يلوح عَلَيْهَا لوائح النورانية والأنس وَفِي أول ولَايَته أرسل إِلَى شرِيف مَكَّة بالمراسيم وَالْخلْع وَهُوَ الشريف مُحَمَّد بن بَرَكَات بن حسن بن عجلَان وَإِلَى قَاضِي القضاه إِبْرَاهِيم بن عَليّ بن ظهيرة تقليداً لقَضَاء مَكَّة ومراسيم تَتَضَمَّن الْأَمر بِإِبْطَال جَمِيع المكوسات والمظالم وَأَن ينقر ذَلِك على أسطوانة من أساطين الْحرم الشريف فِي بَاب السَّلَام وَفِي أَوَاخِر سنة أَربع وَسبعين وَثَمَانمِائَة أَو الَّتِي قبلهَا بنى مَسْجِد الْخيف بِنَاء عَظِيما محكماً وَجعل فِي وسط الْمَسْجِد قبَّة عَظِيمَة هِيَ حد مَسْجِد رَسُول الله
وبنيت جدرانه المحيطة بِهِ وَبنى أَربع بوائك من جِهَة الْقبْلَة فَصَارَت قبَّة عالية فِيهَا محراب النَّبِي
وبلصق الْقبَّة مئذنة غير المئذنة الَّتِي على بَاب الْمَسْجِد وَبنى دَارا بلصق بَاب الْمَسْجِد كَانَت مسكن أَمِير الْحَاج وعَلى بَاب الدَّار سَبِيل على صهريج كَبِير جعل فِي صحن الْمَسْجِد يمتلئ من الْمَطَر وجدد العلمين الموضوعين لحد عَرَفَة والعلمين الموضوعين لحد الْحرم وجدد عين عَرَفَات وابتدأ الْعَمَل فِيهَا من سفح جيل الرَّحْمَة إِلَى وَادي نعْمَان فَوجدَ المَاء بِكَثْرَة فاقتصر على ذَلِك وَلم يصل إِلَى أم الْعين وَكَانَت قد انْقَطَعت مُنْذُ مائَة وَخمسين عَاما فَكَانَ الْحجَّاج
يقاسون فِي يَوْم عَرَفَة من قلَّة المَاء مَا لَا صَبر عَلَيْهِ ثمَّ أصلح البرك وملأها بِالْمَاءِ ثمَّ أصلح عين خليص وأجراها وَأصْلح بركتها وَبنى قبتها وَكَانَ ذَلِك سنة تسع وَسبعين وَثَمَانمِائَة وَفِي سنة اثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ وَثَمَانمِائَة أَمر السُّلْطَان وَكيله وتاجره الخوجا شمس الدّين مُحَمَّد بن عمر الشهير بِابْن الزَّمن وشاد عمائره الْأَمِير سنقر الجمالي أَن يحصلا لَهُ موضعا مشرفاً على الْحرم الشريف ليبني فِيهِ مدرسة ليدرس فِيهَا على الْمذَاهب الْأَرْبَعَة ورباطاً يسكنهُ الْفُقَرَاء وَيعْمل لَهُ ربوعاً ومسقفات يحصُل مِنْهَا ريع كَبِير يصرف مِنْهُ على المدرسين وعَلى الْقُرَّاء وَأَن تقْرَأ لَهُ ربعَة فِي كل يَوْم يحضرها الْقُضَاة الْأَرْبَعَة والمتصرفون ويقرر لَهُم وظائف وَيعْمل مكتِّباً للأيتام وَغير ذَلِك من جِهَات الْخَيْر فاستبدل لَهُ رِبَاط السِّدْرَة ورباط المراغي وَكَانَا متصلين وَكَانَ إِلَى جَانب رِبَاط المراغي دَار الشَّرِيفَة شمسية من شرائف بني حسن اشْتَرَاهَا وَهدم ذَلِك جَمِيعه وَجعل فِيهِ اثْنَتَيْنِ وَسبعين خلْوَة ومجمعاً كَبِيرا مشرفاً على الْمَسْجِد الْحَرَام وعَلى الْمَسْعَى وصير الْمجمع الْمَذْكُور مدرسة بناها بالرخام الملون والسقف الْمَذْهَب وَقرر فِيهَا أَرْبَعَة مدرسين على الْمذَاهب الْأَرْبَعَة وَأَرْبَعين طَالبا وَأرْسل خزانَة كتب وَقفهَا على طلبة الْعلم وَجعل مقرها الْمدرسَة الْمَذْكُورَة وَجعل الْوَاقِف فِي ذَلِك الْمجمع للقضاة الْأَرْبَعَة حضوراً بعد الْعَصْر مَعَ جمَاعَة من الْفُقَهَاء يقرءُون ثَلَاثِينَ جُزْءا من الْقُرْآن وَجعل لَهَا معلم أَرْبَعِينَ صَبيا من الْأَيْتَام ورتب لكل وَاحِد من الْأَيْتَام وَأهل الخلاوي مَا يكفيهم من الْقَمْح كل سنة وللمدرسين وقراء الربعة وَأهل الخدم مبالغ من الذَّهَب تصرف لَهُم كل سنة وَبنى عدَّة ربوع ودور تغل فِي كل عَام نَحوا من ألفي دِينَار ووقف عَلَيْهِم بِمصْر قرى وضياعاً كَثِيرَة تغل حبوباً كَثِيرَة تحمل كل عَام إِلَى أهالي مَكَّة وَعمل من الْخيرَات الْعَظِيمَة مَا لم يعمله سُلْطَان قبله وَذَلِكَ باقٍ إِلَى الْآن إِلَّا أَن الْأكلَة استولت على تِلْكَ الْأَوْقَاف فضعفت جدا قلت هَذَا فِي زمَان قطب الدّين رَحمَه الله تَعَالَى وَأما الْآن فقد تضاعفت لَا ضعفت إِلَّا أَنَّهَا كَمَا قَالَ رحمه الله قد استولت عَلَيْهَا أَكلَة النظار وَقد صَارَت الْمدرسَة سكناً لأمراء الْحَج إِذا وصلوا مَكَّة أَيَّام الْمَوْسِم وَكَانَ الْفَرَاغ من
بِنَاء هَذِه الْمدرسَة والرباط والبيتين أَحدهمَا من نَاحيَة بَاب السَّلَام وَالثَّانِي من نَاحيَة بَاب الحريريين فِي سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَثَمَانمِائَة على يَد مُشَيدِ عمائره الْأَمِير سنقر الجمالي وَفِي هَذِه السّنة وَردت أَحْكَام سلطانية من السُّلْطَان قايتباي إِلَى صَاحب مَكَّة الشريف مُحَمَّد بن بَرَكَات بن حسن بن عجلَان رحمه الله تَتَضَمَّن أَنه رأى مناماً وَأَن بعض المعبرين عبر لَهُ ذَلِك الْمَنَام بِغسْل الْبَيْت الشريف من دَاخله وخارجه وَغسل المطاف وَأَنه أمره أَن يفعل ذَلِك فَحَضَرَ مَوْلَانَا الشريف مُحَمَّد بن بَرَكَات رحمه الله بِنَفسِهِ وقاضي الْقُضَاة إِبْرَاهِيم ابْن ظهيرة وناس من التّرْك المقيمين بِمَكَّة الْأَمِير قاتي باي اليوسفي والأمير سنقر الجمالي والدوادار الْكَبِير جَان بك نَائِب جدة المعمورة وَبَقِيَّة الْقُضَاة والأعيان وفاتح الْكَعْبَة عمر بن أبي رَاجِح الشيبي والشيبيون والخدام وغسلوا الْكَعْبَة الشَّرِيفَة من ظَاهرهَا وباطنها قدر قامة وغسلوا أَرض الْكَعْبَة وَأَرْض المطاف الشريف وطيبوها بالطيب وَالْعود وَكَانَ ذَلِك يَوْم الْخَمِيس لثمان بَقينَ من ذِي الْحجَّة الْحَرَام من السّنة الْمَذْكُورَة وَمن أعظم مَا وَقع فِي أَيَّام السُّلْطَان قايتباي من الْأُمُور المهولة حريق الْمَسْجِد النَّبَوِيّ فِي ثلث اللَّيْل الْأَخير من لَيْلَة الْإِثْنَيْنِ ثَالِث عشر رَمَضَان سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَثَمَانمِائَة فعمره رحمه الله أحسن عمَارَة وَبنى الْمَقْصُورَة وأدار عَلَيْهَا الشبك الْحَدِيد جَمِيعهَا وَكَانَ تَمام ذَلِك فِي عَام ثَمَان وَثَمَانِينَ وَثَمَانمِائَة كَمَا رَأَيْته مرسوماً بالقلم الْحَدِيد فِي جِهَة الْبَاب من الْحُجْرَة الشَّرِيفَة وَقد ذكر السَّيِّد السمهودي ذَلِك مفصلا وَغَيره وَعمر السُّلْطَان الْمَذْكُور بِالْمَدِينَةِ مثل مَا عمر بِمَكَّة من الْمدرسَة والرباط وأوقف كتبا على طلبة الْعلم الشريف فَأرْسل مصاحف كَثِيرَة وكتباً لخزانة الْمَسْجِد الشريف عوضا عَمَّا احْتَرَقَ وَلم يحجّ من مُلُوك الشراكسة غير السُّلْطَان قايتباي الْمَذْكُور وَذَلِكَ لتمكنه فِي
الْملك وَحسن تَدْبيره وَضَبطه للممالك فحج سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَثَمَانمِائَة فَأَقَامَ الْأَمِير يشبك الدوادار الْكَبِير نَائِبا عَنهُ بِمصْر وَخرج بعد الْحَاج بِثَلَاثَة أَيَّام وَكَانَ أَمِير الْحَاج الْخَارِج بالمحمل الشريف خشقدم فَخرج السُّلْطَان قَاصِدا لِلْحَجِّ والزيارة ووصلت القصاد إِلَى شرِيف مَكَّة يَوْمئِذٍ جمال الدّين الشريف مُحَمَّد ابْن بَرَكَات بن حسن بن عجلَان سقى الله رمسه صوب الرَّحْمَة والرضوان فتهيأ هُوَ وَالْقَاضِي إِبْرَاهِيم بن ظهيرة القَاضِي الشَّافِعِي لملاقاة السُّلْطَان فَإِن القصاد أخبروهما أَنهم فارقوه من عقبَة أَيْلَة فَأرْسل الشريف أحد قواده يسْبقهُ إِلَى ملاقاة السُّلْطَان بسماط حلوى فوصل إِلَى الْحَوْرَاء ولاقى السُّلْطَان وَمد لَهُ سماط الْحَلْوَى هُنَالك فوصل عَلَيْهِ وَأظْهر غَايَة اللطف والمجابرة وَأكل وَقسم على أمرائه وَعَسْكَره وَكَانَ سماطاً كَبِيرا جميلاً ويحكى من لطافة السُّلْطَان أَنه تنَاول شَيْئا من الْحَلْوَى وَسَأَلَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مَا اسْم هَذَا عنْدكُمْ فَقَالَ لَهُ الْقَائِد اسْمه كل واشكر فَقَالَ لَهُ سلم على سيدك وَقل لَهُ أكلنَا وشكرنا ثمَّ لما وصل إِلَى يَنْبع عدل إِلَى الْمَدِينَة الشَّرِيفَة فَأَقَامَ الشريف مُحَمَّد وَمن مَعَه من الْقُضَاة والأعيان ببدر منتظرين قدوم السُّلْطَان فَلَمَّا وصل الْخَبَر بِعُود السُّلْطَان من الْمَدِينَة ركب الشريف مُحَمَّد وَمن مَعَه لملاقاته فَاجْتمعُوا بِهِ فِي مَسْجِد الصَّفْرَاء وتلاقيا على ظُهُور الْخَيل وتصافحا وَمَشى الشريف عَن يَمِينه وَالْقَاضِي إِبْرَاهِيم عَن يسَاره وَبَاقِي من مَعَهُمَا سلمُوا على السُّلْطَان من بُعْد وَمَشوا أَمَامه وَصَارَ السُّلْطَان يلاطفهما ويسألهما عَن أحوالهما ويشكر مساعيهما ويطمن خواطرهما وينصت لَهما إِذا تكلما وَاسْتمرّ كَذَلِك إِلَى أَن وصل السُّلْطَان إِلَى وطاقه فَرَجَعَا عَنهُ إِلَى مخيمهما وصاروا يسايرونه فِي الطَّرِيق ويبدي لَهُم وافر الأنبساط وَكَمَال النشاط وألبسهم خلعاً فاخرة مرَارًا عديدة وتقدموا إِلَى وَادي مر ورتبوا لَهُ سماطاً حافلاً وَلما كَانَ صبح يَوْم الْأَحَد مستهل ذِي الْحجَّة وصل السُّلْطَان إِلَى مخيمه بوادي مر وَوجد السماط ممدوداً فَجَلَسَ هُوَ وَمن مَعَه عَلَيْهِ وَأكل وَأطْعم وخلع على الخدام خلعاً مُتعَدِّدَة جميلَة وَوصل بَقِيَّة الْقُضَاة والخطباء والأعيان فَسَلمُوا على السُّلْطَان فانصرفوا أَمَامه وَركب السُّلْطَان هُوَ وَشَيخ الْإِسْلَام إِبْرَاهِيم بن
ظهيرة وَولده أَبُو السُّعُود وَأَخُوهُ أَبُو البركات وأمام السُّلْطَان إِبْرَاهِيم بن الكركي الْحَنَفِيّ ودخلوا مَكَّة عصراً من أَعْلَاهَا وَشَيخ الْإِسْلَام هُوَ الَّذِي تقدم لتطويف السُّلْطَان وَصَارَ يلقنه الْأَدْعِيَة إِلَى أَن دخل من بَاب السَّلَام الْأَقْصَى وطلع بفرسه مِنْهُ فجفل بِهِ الْفرس فَسَقَطت عمَامَته وَاسْتمرّ مَكْشُوف الرَّأْس إِلَى أَن تقدم المهتار فشالها من الأَرْض ومسحها فناولها السلطانَ فلبسها وَكَانَ ذَلِك تأديباً لَهُ من الله تَعَالَى حَيْثُ كَانَ يتَعَيَّن عَلَيْهِ أَن يَنْزِعهَا وَيدخل مَكْشُوف الرَّأْس متواضعاً وَلما وصل إِلَى العتبة الداخلية من بَاب السَّلَام الْأَدْنَى ترجل وَقَرَأَ الريس بَين يَدَيْهِ بِصَوْت جَهورِي {لقد صدق الله رَسُوله الرءيا بِاَلحَق} الْفَتْح 27 الْآيَة ثمَّ رفع يَدَيْهِ يَدْعُو للسُّلْطَان وَأمن من حوله من أهل الْأَصْوَات فَقبل الْحجر وَطَاف والريس يَدْعُو لَهُ من أَعلَى قبَّة زَمْزَم وَالنَّاس محيطون بِالطّوافِ يشاهدونه وَيدعونَ لَهُ إِلَى أَن تمّ طَوَافه وَصلى خلف الْمقَام ثمَّ خرج إِلَى الصَّفَا فَلَمَّا فرغ من سَعْيه عَاد إِلَى الزَّاهِر فَبَاتَ بِهِ فِي مخيمه وَركب فِي الصُّبْح فِي موكبه ولاقاه الشريف وَأَوْلَاده وَالْقَاضِي فَخلع السُّلْطَان على الشريف وَالْقَاضِي وَغَيرهمَا وَمَشوا أَمَامه فِي الموكب الْعَظِيم والأبهة الجليلة وَلم يتَخَلَّف أحد بِمَكَّة حَتَّى النِّسَاء المخدرات وَدخل مَكَّة بِهَذِهِ الصّفة إِلَى أَن وصل مدرسته فترجل لَهُ النَّاس وَسلم عَلَيْهِم وَدخل الْمدرسَة وَمد لَهُ الشريف سماطاً وَاسْتمرّ على ذَلِك تمد لَهُ صبحاً وليلاً الأسمطة الجليلة الجميلة وَمد لَهُ ثَانِي يَوْم القَاضِي إِبْرَاهِيم بن ظهيرة سماطاً بِالْمَدْرَسَةِ وَاسْتمرّ بِالْمَدْرَسَةِ مَا ظهر لأحد إِلَى أَن طلع عَرَفَة وَكَانَت الوقفة بالإثنين فَأَفَاضَ مَعَ النَّاس وَأتم حجه وَقرب أغناماً كَثِيرَة وَكَانَ يُنَاسب أَن ينْحَر شَيْئا من الْإِبِل فَمَا أَشَارَ عَلَيْهِ بِهِ أحد وَركب مرّة إِلَى درب الْيمن يُشَاهد مَا قدمه لَهُ الشريف مُحَمَّد من الْإِبِل وَالْخَيْل وتشكر من فضل الشريف ثمَّ سَافر ظهر يَوْم السبت لأَرْبَع عشرَة لَيْلَة خلت من ذِي الْحجَّة بعد أَن طَاف للوداع والريس يَدْعُو لَهُ على قبَّة زَمْزَم وَمَشى الْقَهْقَرِي إِلَى أَن خرج من بَاب الْحَزْوَرَة وَركب مَعَه الشريف وَأَوْلَاده وَالْقَاضِي إِبْرَاهِيم إِلَى الزَّاهِر ثمَّ ودعهم ووادعهم وسافر إِلَى مصر وَعَاد إِلَى مَمْلَكَته وَلم يخْتل شَيْء من ملكه مَعَ