الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
5800 -
وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:((إنما أنا رحمة مهداة)) رواه الدارمي، والبيهقي في ((شعب الإيمان)).
(3) باب في أخلاقه وشمائله صلى الله عليه وسلم
القصل الأول
5801 -
عن أنس، قال: خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لي: أفٍ ولا: لم صنعت؟ ولا: ألا صنعت؟ متفق عليه.
ــ
قوله: ((إنما أنا رحمة مهداة)) أي ما أنا إلا رحمة للعالمين أهداها الله إليهم، فمن قبل هديته أفلح ونجا، ومن لم يقبل خاب وخسر، كقوله تعالى:{وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} .
باب في أخلاقه وشمائله صلى الله عليه وسلم
نه: الخلق بضم اللام وسكونها الدين والطبع والسجية، وحقيقته أنه لصورة الإنسان الباطنة، وهي نفسه وأوصافها المختصة بها بمنزلة الخلق لصورته الظاهرة وأوصافها ومعانيها، ولهما أوصاف حسنة وقبيحة، والثواب والعقاب متعلقان بأوصاف الصورة الباطنة أكثر مما يتعلقان بأوصاف الصورة الظاهرة.
والشمائل: جمع شمال وهو الخلق.
الفصل الأول
الحديث الأول عن أنس رضي الله عنه:
قوله: ((أف)) اسم الفعل بمعنى الضجر والكره، وحرف التحضيض دخل على الماضي فأفاد التقديم، كما في المضارع يفيد التحريض.
واعلم أن ترك اعتراض النبي صلى الله عليه وسلم على أنس رضي الله عنه فيما خالف أمره إنما يعرض فيما يتعلق بالخدمة والآداب، لا فيما يتعلق بالتكاليف الشرعية فإنه لا يجوز ترك الاعتراض فيه.
وفيه أيضًا مدح أنس فإنه لم يرتكب ما يتوجه إليه من النبي صلى الله عليه وسلم اعتراض ما.
الحديث الثاني عن أنس رضي الله عنه:
قوله: ((حتى أمر)) حكاية الحال الماضية، كما تقول: شربت الإبل حتى يجر بطنه، ويجوز أن تكون حتى ناصبة بمعنى كي.
5802 -
وعنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خلقاً، فأرسلني يوماً لحاجة، فقلت: والله لا أذهب، وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرجت حتى أمر على صبيان وهم يلعبون في السوق، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قبض بقفاي من ورائي، قال: فنظرت إليه وهو يضحك، فقال:((يا أنيس! ذهبت حيث أمرتك؟)). فقلت: نعم، أنا أذهب يا رسول الله!. رواه مسلم.
ــ
وقول أنس رضي الله عنه: ((نعم)) في جواب النبي صلى الله عليه وسلم: ((ذهبت حيث أمرتك؟)) مع أنه لم يذهب منبيء عن عزمه على ذهابه إلى المأمور به، فإنه قد جزم بذهابه إليه فكأنه قد ذهب، ولهذا قال: أنا ذاهب، ويحمل قوله لرسول الله صلى الله عليه وسلم: والله لا أذهب، وأمثاله على أنه كان صبياً غير مكلف.
الحديث الثالث عن أنس رضي الله عنه:
قوله: ((نجراني)) نه: هو موضع معروف بين الحجاز والشام واليمن.
والجبذ: لغة في الجذب، وقيل: هو مقلوب منه.
قوله: ((في نحر الأعرابي)) أي استقبل صلى الله عليه وسلم نحره استقبالاً تاماً، وهو معنى قوله:((وإذا التفت التفت معاً)) وهذا يدل على أنه لم يتغير ولم يتأثر من سوء أدبه، ولعله كان من المؤلفة قلوبهم ولذلك خاطبه باسمه.
الحديث الرابع عن أنس رضي الله عنه:
قوله: ((فاستقبلهم)) الضمير راجع إلى ما دل عليه الصوت الذي فزع منه أهل المدينة.
قوله: ((لم تراعوا)) معناه لا فزع ولا روع فاسكنوا.
حس: ويروى: ((لن تراعوا)) والعرب تضع ((لم)) و ((لن)) موضع ((لا)) انتهى كلامه.
فعلى هذا يكون خبراً في معنى النهي.
وقوله: ((ما عليه سرج)) صفة أخرى لفرس جاء بياناً وتأكيداً.
قوله: ((في عنقه)) أي في عنق النبي صلى الله عليه وسلم سيف.
وقوله: ((بحراً)) أي جواداً واسع الجري، وذلك الفرس يسمى ((المندوب)) أي المطلوب.
مح: فيه بيان ما أكرمه الله تعالى به من جليل الصفات.
وفيه: معجزة انقلاب الفرس سريعاً بعد أن كان بطيئاً.
5803 -
وعنه، قال: كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي، فجبذه بردائه جبذة شديدة، ورجع نبي الله صلى الله عليه وسلم في نحر الأعرابي حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد! مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ضحك، ثم أمر له بعطاء. متفق عليه.
5804 -
وعنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس، وأجود الناس، وأشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة، فانطلق الناس قبل الصوت، فاستقبلهم النبي صلى الله عليه وسلم قد سبق الناس إلى الصوت وهو يقول:((لم تراعوا، لم تراعوا)) وهو على فرس لأبي طلحة عري ما عليه سرج، وفي عنقه سيف. فقال:((لقد وجدته بحراً)) متفق عليه.
5805 -
وعن جابر، قال: ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم قط فقال: لا. متفق عليه.
ــ
وفيه: جواز سبق الإنسان وحده في كشف أخبار العدو ما لم يتحقق الهلاك.
وجواز العارية.
وفيه جواز الغزو على الفرس المستعار.
واستحباب تقلد السيف في العنق.
وتبشير الناس بعد الخوف إذا ذهب.
الحديث الخامس عن جابر رضي الله عنه:
قوله: ((فقال: لا)) ومنه قول الفرزدق في زين العابدين:
حمال أثقال إذا فدحوا
…
حلو الشمائل يحلو عنده نعم
ما قال: لا قط إلا في تشهده
…
لولا التشهد لم ينطق بذاك فم
الحديث السادس عن أنس رضي الله عنه:
قوله: ((ما يخاف الفقر)) يجوز أن يكون حالاً من ضمير يعطى، وأن يكون صفة لعطاء والتنكير فيه للتعظيم، أي: عطاء ما يخاف الفقر معه.
5806 -
وعن أنس، أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم غنماً بين جبلين، فأعطاه إياه، فأتى قومه، فقال: أي قوم! أسلموا، فوالله إن محمداً ليعطى عطاءً ما يخاف الفقر. رواه مسلم.
5807 -
وعن جبير بن مطعم، بينما هو يسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مقفله من حنين، فعلقت الأعراب يسألونه حتى اضطروه إلى سمرة، فخطفت رداءه فوقف النبي صلى الله عليه وسلم، فقال:((أعطوني ردائي، لو كان لي [عدد] هذه العضاه نعم لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني بخيلاً ولا كذوباً ولا جباناً)). رواه البخاري.
ــ
وقوله: ((يا قوم أسلموا)) فإن قلت: كيف دل هذا الوصف على وجوب الإسلام؟
قلت: مقام ادعاء النبوة مع العطاء الجزيل يدل على وثوقه على من أرسله إلى دعوة الخلق، فإن من جبلة الإنسان خوف الفقر، كما قال الله تعالى:{الشيطان يعدكم الفقر} .
الحديث السابع عن جبير رضي الله عنه:
قوله: ((مقفله)) مصدر ميمي، أو اسم زمان، أي عند رجوعه أو زمان رجوعه.
وقوله: ((فعلقت الأعراب)) أي طفقت، وقيل تشبثت.
وقوله: ((فخطفت)) أي علق رداؤه بها، فاستعير لها الخطف.
وفي الغريبين: ((العضاه)) اسم شجر أم غيلان، وقيل: كل شجر له شوك عظيم، الواحدة عضة، وأصلها عضهة.
و ((عدد)) منصوب على المصدر، أي بعدد عددها، أو على نزع الخافض، أي بعددها.
قوله: ((ثم لا تجدوني بخيلاً)) مظ: يعني إذا جربتموني في الوقائع لا تجدوني متصفاً بالأوصاف الرذيلة.
وفيه: دليل على جواز تعريف نفسه بالأوصاف الحميدة لمن لا يعرفه ليعتمد عليه.
أقول: ((ثم)) هنا للتراخي في الرتبة، يعني: أنا في ذلك العطاء لسن بمضطر إليه، بل أعطيه مع أريحية نفس ووفور نشاط، ولا بكذوب أدفعكم عن نفسي ثم أمنعكم عنه، ولا بجبان أخاف أحداً. فهو كالتتميم للكلام السابق.
الحديث الثامن والتاسع والعاشر عن أنس رضي الله عنه:
5808 -
وعن أنس، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الغداة جاء خدم المدينة بآنيتهم فيها الماء، فما يأتون بإناء إلا غمس يده فيها، فربما جاءوه بالغداة الباردة فيغمس يده فيها. رواه مسلم.
5809 -
وعنه، قال: كانت أمة من إماء أهل المدينة تأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنطلق به حيث شاءت. رواه البخاري.
5810 -
وعنه، أن امرأة كانت في عقلها شيء، فقالت: يا رسول الله! إن لي إليك حاجة، فقال:((يا أم فلان! انظري أي السكك شئت حتى أقضي لك حاجتك)) فخلا معها في بعض الطرق، حتى فرغت من حاجتها. رواه مسلم.
5811 -
وعنه، قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشاً ولا لعاناً ولا سباباً، كان يقول عند المعتبة:((ما له ترب جبينه؟!)). رواه البخاري.
ــ
قوله: ((جاءوه بالغداة الباردة)) فيه تكلف المشاق لتطييب قلوب الناس لا سيما مع الخدم والضعفاء، وليتبركوا بإدخال يده الكريمة في أوانيهم، وبيان تواضعه صلى الله عليه وسلم مع الضعفاء.
الحديث الحادي عشر عن أنس رضي الله عنه:
قوله: ((ولا لعاناً ولا سباباً)) فإن قلت: بناء فعل للتكثير أو للمبالغة، ونفيه لا يستلزم نفي اللعن والسب مطلقاً؟.
قلت: المفهوم هنا غير معتبر لأنه وارد في مدحه صلى الله عليه وسلم، فإن أريد التكثير فيعتبر بحسب من يستحق اللعن من الكفار والمنافقين، أي ليس لعاناً لكل واحد منهم، وإن أريد المبالغة كان المعنى: أن اللعن بلغ في العظم بحيث لولا الاستحقاق لكان اللاعن بمثله لعاناً بليغ اللعن، نحو قوله تعالى:{وأن الله ليس بظلام للعبيد} .
قوله: ((ترب جبينه)) [نه]: أي غاية ما يقول عند الغضب والمخاصمة هذه الكلمة، وهي أيضًا ذات وجهين، إذ يحتمل أن تكون دعاء على المقول له بمعنى رغم أنفك، وأن تكون دعاء له بمعنى سجد لله وجهك.
الحديث الثاني عشر عن أبي هريرة رضي الله عنه:
5812 -
وعن أبي هريرة، قال: قيل يا رسول الله! ادع على المشركين. قال ((إني لم أبعث لعاناً؛ وإنما بعثت رحمة)). رواه مسلم.
5813 -
وعن أبي سعيد الخدري، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها، فإذا رأي شيئاً يكرهه عرفناه في وجهه. متفق عليه.
5814 -
وعن عائشة [رضي الله عنها]، قالت: ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم مستجمعاً قط ضاحكاً حتى أرى منه لهواته، وإنما كان يتبسم. رواه البخاري.
5815 -
وعنها، قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يسرد الحديث كسردكم، كان يحدث حديثاً لو عده العاد لأحصاه. متفق عليه.
5816 -
وعن الأسود، قال: سألت عائشة: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله - تعني خدمة أهله - فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة. رواه البخاري.
ــ
قوله: ((وإنما بعثت رحمة)) أي إنما بعثت لأقرب الناس إلى الله تعالى وإلى رحمته، وما بعثت لأبعدهم عنها، فاللعن مناف لحالي فكيف ألعن؟
الحديث الثالث عشر عن أبي سعيد رضي الله عنه:
قوله: ((في خدرها)) تتميم، فإن العذراء إذا كانت في خدرها كانت أشد حياء مما إذا كانت خارجة عنه.
((مح)): قوله: ((عرفناه في وجهه)) معناه أنه صلى الله عليه وسلم لم يتكلم بالشيء الذي يكرهه لحيائه، بل يتغير وجهه فيفهم كراهيته له، وفيه فضيلة الحياء، وأنه محثوث عليه ما لم ينته إلى الضعف والخور.
الحديث الرابع عشر عن عائشة رضي الله عنها:
قوله: ((مستجمعاً)) تو: تريد ضاحكاً كل الضحك. يقال: استجمع كل مجمع، واستجمع الفرس جريا، انتهى كلامه.
فعلى هذا ضاحكاً وضع موضع ضحكاً على أنه منصوب على التمييز.
قال في المغرب: استجمع السيل اجتمع من كل موضع، واستجمعت للمرء أموره، وهو لازم، وقولهم استجمع الفرس جرياً نصب على التمييز، وأما قول الفقهاء: مستجمعاً شرائط الجمعة فليس [بثبت]- انتهى كلامه.
5817 -
وعن عائشة، قالت ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثماً، فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه في شيء قط، إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها. متفق عليه.
5818 -
وعنها، قالت: ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه شيئاً قط بيده، ولا امرأة ولا خادماً، إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه، إلا أن ينتهك شيء من محارم الله فينتقم لله. رواه مسلم.
الفصل الثاني
5819 -
عن أنس، قال: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن ثمان سنين، خدمته
ــ
الحديث الخامس عشر عن عائشة رضي الله عنها:
قوله: ((لم يكن يسرد)) يقال: فلان سرد الحديث سرداً إذا تابع الحديث بحديث استعجالاً، وسرد الصوم تواليه، يعني لم يكن حديث النبي صلى الله عليه وسلم متتابعاً بحيث يأتي بعضه إثر بعض فيلتبس على المستمع، بل كان يفصل بين كلامين بحيث لو أراد المستمع عده أمكنه، فيتكلم بكلام واضح مفهوم في غاية الوضوح والبيان.
الحديث السادس عشر عن الأسود رضي الله عنه:
قوله: ((في مهنة أهله)) ((نه)): المهنة الخدمة، والرواية بفتح الميم وقد تكسر، قال الزمخشري: وهو عند الإثبات خطأ، وقال الأصمعي: المهنة بفتح الميم ولا يقال: مهنة بالكسر، وكان القياس لو قيل مثل: جلسة وخدمة، إلا أنه جاء على فعلة واحدة.
الحديث السابع عشر والثامن عشر عن عائشة رضي الله عنها:
قوله: ((نيل منه)) ((نه)): يقال: نال ينال نيلا إذا أصاب، وفي الحديث ((أن رجلاً كان ينال من الصحابة))، يعني الوقيعة فيهم.
قوله: ((إلا أن تنتهك حرمة الله تعالى)) استثناء منقطع، أي ما عاقب أحداً لخاصة نفسه بجناية جني عليه، بل بحق الله تعالى إذا فعل شيئاً من المحرمات امتثالاً لقوله تعالى:{ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله} .
الفصل الثاني
الحديث الأول عن أنس رضي الله عنه:
عشر سنين، فما لامني على شيء قط أتي فيه على يدي، فإن لامني لائم من أهله قال:((دعوه، فإنه لو قضي شيء كان)). هذا لفظ ((المصابيح)) وروى البيهقي في ((شعب الإيمان)) مع تغيير يسير. [5819]
5820 -
وعن عائشة [رضي الله عنها] قالت: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشاً ولا متفحشاً ولا سخاباً في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح. رواه الترمذي. [5820]
5821 -
وعن أنس، يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يعود المريض، ويتبع الجنازة، ويجيب دعوة المملوك، ويركب الحمار، لقد رأيته يوم خيبر على حمار خطامه ليف. رواه ابن ماجه والبيهقي في ((شعب الإيمان)). [5821]
5822 -
وعن عائشة، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخصف نعله، ويخيط ثوبه، ويعمل في بيته كما يعمل أحدكم في بيته، وقالت: كان بشراً من البشر، يفلي ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه. رواه الترمذي. [5822]
ــ
قوله: ((أتى فيه على يدي)) هو صفة شيء، وضمن فيه معنى عيب أو طعن، و ((على يدي)) حال.
الحديث الثاني عن عائشة رضي الله عنها:
قوله: ((فاحشاً ولا متفحشاً)) نه: الفاحش ذو الفحش في كلامه وفعاله، والمتفحش الذي يتكلف ذلك ويتعمده.
((قض)): نفت عنه صلى الله عليه وسلم الفحش والتفوه به طبعاً وتكلفاً.
الحديث الثالث والحديث الرابع عن عائشة رضي الله عنها:
قوله: ((يخصف نعله)) ((حس)): أي يطبق طاقة على طاقة، وأصل الخصف الضم والجمع، ومنه قوله تعالى:{وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة} أي يطبقان ورقة فوق ورقة على بدنهما.
5823 -
وعن خارجة بن زيد بن ثابت، قال: دخل نفر على زيد بن ثابت، فقالوا له: حدثنا أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كنت جاره، فكان إذا نزل عليه الوحي بعث إلي فكتبته له، فكان إذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا. وإذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا، فكل هذا أحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه الترمذي. [5823]
5824 -
وعن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا صافح الرجل لم ينزع يده من يده حتى يكون هو الذي ينزع يده، ولا يصرف وجهه عن وجهه حتى يكون هو الذي يصرف وجهه عن وجهه، ولم ير مقدماً ركبتيه بين يدي جليس له. رواه الترمذي. [5824]
5825 -
وعنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يدخر شيئاً لغد. رواه الترمذي. [5825]
5826 -
وعن جابر بن سمرة، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم طويل الصمت. رواه في ((شرح السنة)). [5826]
ــ
قوله: ((كان بشراً)) تمهيد لما تقوله بعده، لأنه لما رأت اعتقاد الكفار أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يليق بمنصبه أن يفعل ما يفعل غيره من عامة الناس، وجعلوه كالملوك فإنهم يترفعون عن الأفعال العادية الدنيئة تكبراً، كما حكى الله تعالى عنهم في قوله:{مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق} فقالت: إنه صلى الله عليه وسلم كان خلقاً من خلق الله تعالى، وواحداً من أولاد آدم شرفه الله تعالى بالنبوة، وكرمه بالرسالة، وكان يعيش مع الخلق بالخلق، ومع الحق بالصدق فيفعل مثل ما فعلوا، ويعينهم في أفعالهم تواضعاً وإرشاداً لهم إلى التواضع ورفع الترفع، وتبليغ الرسالة من الحق إلى الخلق كما أمر، قال تعالى:{قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي} .
الحديث الخامس والسادس عن أنس رضي الله عنه:
قوله: ((ولم ير مقدماً ركبتيه)) قيل: أي ما كان يجلس في مجلس بحيث تكون ركبتاه متقدمتين على ركبتي صاحبه، كما يفعل الجبابرة في مجالسهم.
وقيل: لم يكن يرفع ركبتيه عند من يجالسه، بل كان يخفضهما تعظيماً لجليسه.
5827 -
وعن جابر، قال: كان في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ترتيل وترسيل. رواه أبو داود. [5827]
5828 -
وعن عائشة، قالت: ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسرد سردكم هذا، ولكنه كان يتكلم بكلام بينه فصل، يحفظه من جلس إليه. رواه الترمذي. [5828]
5829 -
وعن عبد الله بن الحارث بن جزء، قال: ما رأيت أحداً أكثر تبسماً من رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه الترمذي. [5829]
5830 -
وعن عبد الله بن سلام، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس يتحدث يكثر أن يرفع طرفه إلى السماء. رواه أبو داود. [5830]
ــ
قالوا: أراد بالركبتين الرجلين، وتقديمهما مدهما وبسطهما كما يقال: قدم رجلاً وأخر أخرى، ومعناه كان صلى الله عليه وسلم لا يمد رجليه عند جليسه تعظيماً له.
وفيه وفي قوله: [((كان لا ينزع يده قبل نزع صاحبه))] تعليم لأمته في إكرام صاحبه وتعظيمه، فلا يبدأ بالمفارقة عنه، ولا يهينه بمد الرجلين إليه في وجهه، وإرشاد لهم أن يكرموا من يجالسهم ويصافحهم جلباً للمودة بينهم.
الحديث السابع إلى التاسع عن جابر رضي الله عنه:
قوله: ((ترتيل وترسيل)) ((نه)) ترتيل القراءة التأني فيها والتمهل وتبيين الحروف والحركات، تشبيهاً [يالثغر] المرتل، وهو المشبه بنور الأقحوان، يقال: رتل القراءة وترتل فيها.
والترسيل: الترتيل، يقال: ترسل الرجل في كلامه ومشيه إذا لم يعجل، وهو الترتيل سواء.
الحديث العاشر إلى الحديث الثاني عشر عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه:
قوله: ((طرفه إلى السماء)) انتظاراً لما يوحى، وشوقاً إلى الرفيق الأعلى، قال الشاعر:
تلفت نحو الحي حتى وجدتني وجعت من الإصغاء ليتا وأخدعا
الفصل الثالث
5831 -
عن عمرو بن سعيد، عن أنس، قال: ما رأيت أحداً كان أرحم بالعيال من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان إبراهيم ابنه مسترضعاً في عوالي المدينة، فكان ينطلق ونحن معه، فيدخل البيت وإنه ليدخن، وكان ظئره قيناً، فيأخذه فيقبله ثم يرجع. قال عمرو: فلما توفي إبراهيم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن إبراهيم ابني، وإنه مات في الثدي، وإن له لظئرين تكملان رضاعه في الجنة)) رواه مسلم.
5832 -
وعن علي، أن يهودياً يقال له: فلان، حبر، كان له على رسول الله صلى الله عليه وسلم دنانير، فتقاضى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له:((يا يهودي! ما عندي ما أعطيك)). قال: فإني لا أفارقك يا محمد حتى تعطيني. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذًا أجلس معك)) فجلس معه، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة والغداة،
ــ
الفصل الثالث
الحديث الأول عن عمرو بن سعيد رضي الله عنه:
قوله: ((أرحم بالعيال)) مح: هذا هو المشهور، ويروى ((بالعباد)).
و ((العوالي)): القرى التي عند المدينة.
والظئر: بكسر الظاء مهموزة، المرضعة ولد غيرها، وزوجها ظئر لذلك المرضع، والظئر يقع على الأنثى والذكر.
والقين: الحداد.
قوله: ((إنه مات في الثدي)) أي مات في سن رضاع الثدي، أو في حال تغذيته بلبن الثدي.
ومعنى: ((تكملان رضاعه)) أي تتمانه سنتين، فإنه توفي وله سنة عشر شهراً - أو سبعة عشر شهراً - فترضعانه بقية السنتين.
قال صاحب التحرير: وهذا الإتمام لإرضاع إبراهيم يكون عقيب موته، ويدخل الجنة متصلاً بموته فيتم فيها رضاعه كرامة له ولأبيه صلى الله عليه وسلم.
الحديث الثاني عن علي رضي الله عنه:
قوله: ((يهودي يحبسك؟)) همزة الإنكار مقدرة، والتنكير فيه للتحقير.
وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهددونه ويتوعدونه، ففطن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما الذي يصنعون به، فقالوا: يا رسول الله! يهودي يحبسك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((منعني ربي أن أظلم معاهدًا وغيره)) فلما ترجل النهار قال اليهودي: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله، وشطر مالي في سبيل الله، أما والله ما فعلت بك الذي فعلت بك إلا لأنظر إلى نعتك في التوراة: محمد بن عبد الله، مولده بمكة، ومهاجره بطيبة، ومُلكُه بالشام، ليس بفظٍّ ولا غليظٍ ولا سخاب في الأسواق. ولا مُتزىٍّ بالفحش، ولا قول الخنا، أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وهذا مالي فاحكم فيه بما أراك الله، وكان اليهودي كثير المال. رواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) [5832].
5833 -
وعن عبد الله بن أبي أوفي، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر الذكر، ويقل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، ولا يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين فيفضي الحاجة. رواه النسائي، والدارمي [5833].
ــ
وترجل النهار: أي ارتفع. ((نه)): فما ترجل النهار حتى أتى بهم، أي ما ارتفع النهار تشبيها بارتفاع الرجل عن الصبي.
الحديث الثالث والحديث الرابع عن علي رضي الله عنه:
قوله: ((ولكن نكذب بما جئت به)) أي لا نكذبك لأنك عندنا صادق، والصادق الموسوم بالصدق، ولكنَّا نجحد آيات الله، وروى أن الأخنس بن شريق قال لأبي جهل: يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب فإنه ليس عندنا خيرنا؟
فقال له: والله إن محمدًا لصادق وما كذب قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والنبوة فماذا يكون لسائر قريش؟
وقوله: ((ولكن نكذب بما جئت به)) وضع موضع ((ولكن نحسدك)) وضعًا للمسبب موضع السبب، والله أعلم.
الحديث الخامس عن عائشة رضي الله عنها:
قوله: ((وإن حجزته لتساوي الكعبة)) أي كان طويلا بحيث يساوي معقد إزاره طول الكعبة.
5834 -
وعن علي، أن أبا جهل قال للنبى صلى الله عليه وسلم: إنا لا نكذبك ولكن نكذب بما جئت به، فأنزل الله تعالى فيهم:{فإنهم لايكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} رواه الترمذي. [5834]
5835 -
وعن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا عائشة! لو شئت لسارت معى جبال الذهب، جاءني ملكٌ وإن حجزته لتساوي الكعبة، فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول: إن شئت نبيًّا عبدًا، وإن شئت نبيًّا ملكًا، فنظرت إلى جبريل عليه السلام، فأشار إلي أن ضع نفسك)) [5835].
5836 -
وفي رواية ابن عباس: فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جبريل كالمستشير له، فأشار جبريل بيده أن تواضع. فقلت:((نبيًّا عبدًا)).
قالت: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك لا يأكل متكئًا، يقولُ:((آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد)) رواه في ((شرح السنة)). [5836]
ــ
قوله: ((يقرأ عليك السلام)): ((نه)): يقال: أقرأ فلانًا السلام، وأقرأ عليه السلام، كأنه حين يبلغه سلامه يحمله على أن يقرأ السلام ويرده.
قوله: ((نبيًا عبدًا)) هو خبر ((تكون)) محذوف بدليل الرواية الأخرى: ((إن الله يخيرك بين أن تكون عبدًا نبيًّا ..)) وجزاء الشرط محذوف، أي: إن شئت أن تكون نبيًّا عبدًا فكن إياه، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب
باب المبعث وبدء الوحي
غب: أصل الوحى الإشارة السريعة، ولتضمن السرعة قيل: أمر وحى، وذلك يكون بالكلام على سبيل الرمز والتعريض، وقد يكون بصوت مجرد عن التركيب وبإشارة ببعض الجوارح، وبالكناية، وقد حمل على ذلك قوله تعالى عن زكريا:{فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم} .