الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
6107 -
وعنه، قال كنت شاكياً، فمر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أقول: اللهم إن كان أجلي قد حضر، فأرحني وإن كان متأخراً فارفعني، وإن كان بلاء فصبرني. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف قلت)) فأعاد عليه ما قال، فضربه برجله وقال:((اللهم عافه- أو اشفه)) شك الراوي قال: فما اشتكيت وجعي بعد. رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح [6107].
(9) باب مناقب العشرة
رضي الله عنهم
الفصل الأول
6108 -
عن عمر رضي الله عنه، قال: ما أحد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، فسمي علياً، وعثمان، والزبير، وطلحة، وسعداً، وعبد الرحمن. رواه البخاري.
6109 -
وعن قيس بن أبي حازم. قال: رأيت يد طلحة شلاء وقي بها النبي، يوم أحد. رواه البخاري.
ــ
الحديث الخامس إلى آخر الفصل عن علي رضي الله عنه: قوله: ((فارفغني)) هو بالغين المعجمة، أي وسع لي عيشي.
[تو:] في حديث علي رضي الله عنه: أرفغ لكم المعاش، أي أوسع، وعيش رافغ أي واسع.
باب مناقب العشرة المبشرة رضي الله عنهم
الفصل الأول
الحديث الأول عن عمر رضي الله عنه:
قوله: ((بهذا الأمر)) أي بالخلافة، قال يوم الشورى عند وفاته، وعلل الأحقية بقوله: ((توفي
6110 -
وعن جابر، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من يأتيني بخبر القوم يوم الأحزاب؟)) قال الزبير: أنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:((إن لكل نبي حوارياً، وحواري الزبير)). متفق عليه.
6111 -
وعن الزبير، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من يأتي بني قريظة فيأتيني بخبرهم؟)) فانطلقت، فلما رجعت جمع لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبويه فقال:((فداك أبي وأمي)) متفق عليه.
6112 -
وعن علي، قال: ما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم جمع أبويه لأحد إلى لسعد بن مالك، فإن سمعته يقول يوم أحد:((يا سعد! ارم فداك أبي وأمي)) متفق عليه.
6113 -
وعن سعد بن أبي وقاص، قال: إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل الله. متفق عليه.
ــ
رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض)) والحال أنه صلى الله عليه وسلم كان راضياً عن الصحابة كلهم، فيحمل رضاه عنهم على الزيادة لكونهم من العشرة المبشرة بالجنة، وكلهم من قريش، والأئمة منهم.
الحديث الثاني والثالث عن جابر رضي الله عنه:
قوله: ((وحواري)) مح: قال القاضي عياض: ضبطه جماعة من المحققين بفتح الياء المشددة، وضبطه أكثرهم بكسرها، ((حس)) المراد منه الناصر، وحواري عيسى عليه الصلاة والسلام أنصاره سموا به لأنهم كانوا يغسلون الثياب فيحورونها أي يبيضونها.
الحديث الرابع عن الزبير رضي الله عنه:
قوله: ((جمع لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبويه)): أي في الفداء تعظيماً لي وإعلاء لقدري وذلك أن الإنسان لا يفدي إلا من يعظمه فيبذل نفسه له.
[نه]: في الحديث: ((فاغفر فداء لك ما اقتفينا)) إطلاق هذا اللفظ مع الله تعالى محمول على المجاز والاستعارة، لأنه إنما يفدي من المكاره من يلحقه فيكون المراد بالفداء التعظيم والإكبار.
الحديث الخامس والسادس عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه:
قوله: ((العرب)) التعريف فهي للجنس.
و ((رمى بسهم)) صفة له، فهو كقوله:
ولقد أمر على اللئيم يسبني
6114 -
وعن عائشة، قالت: سهر رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدمه المدينة ليلة فقال: ((ليت رجلاً صالحاً يحرسني)) إذ سمعنا صوت سلاح فقال: ((من هذا)) قال: أنا سعد، قال:((ما جاء بك؟)) قال: وقع في نفسي خوفاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت أحرسه، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نام. متفق عليه.
6115 -
وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح)) متفق عليه.
6115 -
وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح)) متفق عليه.
6116 -
وعن ابن أبي مليكة، قال: سمعت عائشة وسئلت: من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخلفاً لو استخلفه؟ قالت: أبو بكر. فقيل: ثم من بعد أبي بكر؟ قالت: عمر. قيل: من بعد عمر؟ قالت: أبو عبيدة بن الجراح. رواه مسلم.
6117 -
وعن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على حراء هو وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، فتحركت الصخرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((اهدأ فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد)) وزاد بعضهم: وسعد بن أبي وقاص، ولم يذكر علياً. رواه مسلم.
ــ
الحديث السابع عن عائشة رضي الله عنها:
قوله: ((مقدمه)) مصدر ميمي ليس بظرف لعمله في المدينة، ونصبه على الظرف على تقدير المضاف وهو الوقت أو الزمان، و ((ليلة)) بدل البعض من المقدر، أي: سهر ليلة من الليالي وقت قدومه المدينة من بعض الغزوات.
الحديث الثامن عن أنس رضي الله عنه:
قوله: ((وأمين هذه الأمة)) أي هو الثقة المرضى، والأمانة المشتركة بينه وبين غيره من الصحابة، لكن النبي صلى الله عليه وسلم خص بعضهم بصفات غلبت عليه وكان بها أخص.
الحديث التاسع والعاشر عن أبي هريرة رضي الله عنه:
قوله: ((اهدأ بالهمز. وقوله: ((أو شهيد)) يريد به الجنس لأن المذكورين في الحديث بعد الصديق كلهم شهداء.
مح: في الحديث معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بإخباره أن هؤلاء شهداء، فقتل عمر وعثمان وعلي مشهور، وقتل الزبير بوادي السباع بقرب البصرة منصرفاً تاركاً للقتال، وكذلك طلحة اعتزل
الفصل الثاني
6118 -
عن عبد الرحمن بن عوف، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:((أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في لجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة)) رواه الترمذي [6118].
6119 -
ورواه ابن ماجه عن سعيد بن زيد.
6120 -
وعن أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:((أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأقرؤهم أبي بن كعب، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، ولكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح)) رواه أحمد، والترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
وروي عن معمر عن قتادة مرسلاً وفيه: ((وأقضاهم علي)) [6120].
6121 -
وعن الزبير، قال: كان على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد درعان، فنهض إلى الصخرة فلم يستطع، فقعد طلحة تحته حتى استوى على الصخرة، فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:((أوجب طلحة)) رواها الترمذي [6121].
ــ
الناس تاركاً للقتال فأصابه سهم فقتله، وقد ثبت أن من قتل ظلماً فهو شهيد.
وفيه بيان فضيلة هؤلاء.
وفيه إثبات التمييز في الحجارة وجواز التزكية.
الفصل الثاني
الحديث الأول إلى الثالث عن الزبير رضي الله عنه:
قوله: ((فنهض إلى الصخرة)) فقام منتهياً إلى الصخرة ليستوي عليها فلم يستطع لثقل درعبه.
قوله: ((أوجب طلحة)) قض: معناه أوجب طلحة لنفسه الجنة بفعله هذا، أو بما فعل في ذلك
6122 -
وعن جابر، قال: نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى طلحة بن عبيد الله قال: ((من أحب أن ينظر إلى رجل يمشي على وجه الأرض وقد قضى نحبه فلينظر إلى هذا)) وفي رواية: ((من سره أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله)) رواه الترمذي [6122].
6123 -
وعن علي [رضي الله عنه] قال: سمعت أذني من في رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((طلحة والزبير جاراي في الجنة)) رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب [6123].
6124 -
وعن سعد بن أبي وقاص، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يومئذ، يعني يوم أحد:((اللهم اشدد رميته وأجب دعوته)) رواه في ((شرح السنة)) [6124].
ــ
اليوم فإنه خاطر بنفسه يوم أحد وفدى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعلها وقاية له، حتى طعن دونه وجرح جميع جسده وأصيب ببضع وثمانين جراحة.
الحديث الرابع عن جابر رضي الله عنه: قوله: ((وقد قضى نحبه)) تو: ((النحب النذر، والنحب المدة والوقت، ومنه يقال: قضى فلان نحبه إذا مات، وعلى المعنيين يحمل قوله تعالى: {فمنهم من قضى نحبه} فعلى النذر، أي نذره فيما عاهد الله عليه من الصدق في مواطن القتال والنصرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى الموت أي مات في سبيل الله وذلك أنهم عاهدوا الله أن يبذلوا نفوسهم في سبيله، فأخبر أن طلحة ممن وفى بنذره، أو ممن ذاق الموت في سبيله وإن كان حياً، تدل عليه الرواية الأخرى: ((من سره أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة)) وكان طلحة قد جعل نفسه وما به يوم أحد وقاية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يقول: ((قد عقرت يومئذ في سائر جسدي حتى عقرت في ذكري)) وكانت الصحابة رضوان الله عليهم إذا ذكروا يوم أحد قالوا: ((ذلك يوم كان كله لطلحة)) انتهى كلامه.
وفي معنى قوله: ((من أحب أن ينظر إلى رجل يمشي على وجه الأرض وقد قضى نحبه)) قال شيخنا شيخ الإسلام أبو حفص السهروردي: إن هذا ليس على سبيل المجاز معنياً به التعبير بالحال عن المآل بل هو ظاهر في معناه، جلي من حيث فحواه، إذ الموت عبارة عن الغيبوبة عن عالم الشهادة، وقد كان هذا حاله من الانجذاب بكليته إلى عالم الملكوت، وهذا إنما يحدث بعد إحكام المقدمات من كمال التقوى والزهد وفي الدنيا والخروج عن الارتهان بنظر الخلق،
6125 -
وعنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((اللهم استجب لسعد إذا دعاك)) رواه الترمذي [6125].
6126 -
وعن علي [رضي الله عنه] قال: ما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أباه وأمه إلا لسعد، قال له يوم أحد:((ارم فداك أبي وأمي)) وقال له: ((ارم أيها الغلام الحزور)) رواه الترمذي [6126].
6127 -
وعن جابر، قال: أقبل سعد فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((هذا خالي فليرني امرؤ خاله)) رواه الترمذي. وقال: كان سعد من بني زهرة، وكانت أم النبي صلى الله عليه وسلم من بني زهرة، فلذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم:((هذا خالي)) وفي المصابيح)): ((فليكر من)) بدل ((فليرني)) [6127].
الفصل الثالث
6128 -
عن قيس بن أبي حازم، قال: سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: إني
ــ
وامتطاء صهوة الإخلاص، وكمال الشغل بالله عز وجل بتناوب أعمال القلب والقالب، وصدق العزيمة في العزلة، واغتنام الوحدة، والفرار من مساكنه الأنس بالجلساء والإخوان.
الحديث الخامس إلى الثامن عن علي رضي الله عنه: قوله: ((الحزور)) ((نه)): هو الذي قارب البلوغ، والجمع الحزاورة.
الحديث التاسع عن جابر رضي الله عنه
قوله: ((وفي المصابيح ((فليكرمن)) الفاء فيه على تقدير الشرط في الكلام، فإن الإشارة بهذا لمزيد التمييز وكمال التعيين، فهو كالإكرام له أي: أنا أكرم خالي هذا، وإذا كان كذلك فليتبع كل سنتي وليكرمن كل أحد خاله.
وعلى رواية المشكاة كما في الترمذي والجامع تقديره: أنا أميز خالي كمال تمييز وتعيين لأباهي به الناس، فليرني كل امرئ خاله مثل خالي، ونحوه في التعبير قول الشاعر:
أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع
الفصل الثالث
الحديث الأول عن قيس بن أبي حازم:
لأول رجل من العرب رمي بسهم في سبيل الله، ورأتينا نعزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومالنا طعام إلا الحبلة وورق السمر، وإن كان أحدنا ليضع كما تضع الشاة ماله خلط، ثم أصبحت بنو أسد تعزرني على الإسلام، لقد خبت إذاً وضل عملي، وكانوا وشوا به إلى عمر، وقالوا: لا يحسن يصلي. متفق عليه.
6129 -
وعن سعد قال: رأيتني وأنا ثالث الإسلام، وما أسلم أحد إلا في اليوم الذي أسلمت فيه، ولقد مكثت سبعة أيام وإني لثالث الإسلام. رواه البخاري.
ــ
قوله: ((إلا الحبلة وورق السمر))
قال أبو عبيد: هما ضربان من الشجر.
وقال ابن الأعرابي: الحبلة ثم السمر شبه اللوبيا.
وقيل: الحبلة ثم العضاة.
ومعنى قوله: ((كما تضع الشاة)) أن نجوهم يخرج بعراً ليبسه وعدم الغذاء المألوف.
((وماله خلط)) أي ما يختلط بعضه ببعض لجفافه ويبسه. و ((إن)) في ((إن كان)) هي المخففة، واللام هي الفارقة.
قوله: ((تعزرني)) ((نه)): التعزيز الإعانة والتوقير والنصرة مرة بعد أخرى، وأصل التعزير المنع والرد، وكأن من نصرته قد رددت عنه أعداءه ومنعتهم من آذاه، ولهذا قيل للتأديب الذي هو دون حد التعزير لأنه يمنع الجاني أن يعاود الذنب فهو من الأضداد، ومنه حديث سعد:((لقد أصبحت بنو أسد تعزرني على الإسلام)) أي توفقني عليه، وقيل: توبخني على التقصير فيه.
أقول: عبر عن الصلاة بالإسلام، كما عبر عنها بالإيمان في قوله تعالى:{وما كان الله ليضيع إيمانكم} إيذاناً بأنها عماد الدين ورأس الإسلام.
وأراد بقوله: ((لقد خبت إذا وضل عملي)) أي مع سابقتي في الإسلام وقدمي في الدين [إذا لم أحسن الصلاة وأفتقر إلى تعليم بني أسد إياي أكن خاسراً صالاً.
قوله: ((وشوا به)) يقال وشى به يشي وشاية إذا نم عليه وشى به فهو واش جمعه وشاة].
الحديث الثاني عن سعد: قوله: ((وأنا ثالث الإسلام وما أسلم أحد ولقد مكثت)) أحوال متداخلة، يعني يوم أسلمت كنت ثالث من أسلم، فأكون ثالث أهل الإسلام، وبقيت على ما كنت عليه سبعة أيام، ثم أسلم بعد ذلك من أسلم.
6130 -
وعن عائشة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كن يقول لنسائه:((إن أمركن مما يهمني من بعدي، ولن يصبر عليكن إلا الصابرون الصديقون)) قالت عائشة: يعني المتصدقين، ثم قالت عائشة لأبي سلمة بن عبد الرحمن: سقى الله أباك من سلسبيل الجنة، وكان ابن عوف قد تصدق على أمهات المؤمنين بحديقة بيعت بأربعين ألفاً. رواه الترمذي [6130].
6131 -
وعن أم سلمة، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأزواجه: ((إن الذي يحثو عليكن بعدي هو الصادق البار، اللهم اسق عبد الرحمن بن عوف من
ــ
الحديث الثالث عن عائشة رضي الله عنها: قوله: ((إلا الصابرون)) جعل الصابر فاعلا ليصبر، وعداه بعلى ليؤذن بأن الأمر صعب وفيه مشقة ومخالفة لهوى النفس فلا يتمكن منه إلا الصابر الصديق، وأنه لن يصبر عليكن إلا من له كمال الصبر والثبات فيه، ومن له قدم صدق في الصدق، ولعلها إنما فسرت هذا بالمتصدق نظراً إلى قوله:((ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتاً من أنفسهم} فإن الصديق إنما يتصدق ابتغاء مرضات الله، وإن الصابر الذي راض نفسه يبذل المال الذي هو شقيق الروح وبذله أشق شيء على النفس من سائر العبادات الشاقة ومن الإيمان وإنما يتحامل عليها تثبيتاً لها على الإيمان واليقين وتحقيقاً للجزاء من أصل نفسه، فإن قلت: فمن أين أول قوله: ((ولن يصبر عليكن إلا الصابرون)) على المتصدق؟ وما وجه دلالته عليه؟ فإن هذا مجاز لابد له من العلاقة؟.
قلت: وروده عقيب قوله: ((ما يهمني)) لأن جل همه صلى الله عليه وسلم كان مصروفاً إلى نفقاتهن، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يترك ميراثاً ولا هن آثرن الحياة الدنيا على الآخرة حين خيرن.
وأما وجه دلالته فإن تعديته ((يصبر)) بعلى يشعر بلحوق المضرة والمشقة بالصابر، ولم يك يلحق الأمة منهن المضرة إلا لكونهن معسرات يجب عليهم إزالة إعسارهن بالتصدق، وفي الكلام إيجاز، أي: ما يهمني من بعدي وهو أمر صعب، ولن يصبر عليه إلا الصابر فوضع موضع الأمر ضمير ((هن)) مبالغة، وأن الصبر على الإنفاق عليهن كالصبر عليهن.
وقوله: ((وكان ابن عوف)) من كلام الراوي حال من عائشة، والعامل ((قالت)) وفيه دلالة بينة على فضل التصديق لاسيما الإحساس والبر إلى أهل البيت، وعلى فضل عبد الرحمن رضي الله عنه.
الحديث الرابع عن أم سلمة رضي الله عنها: قوله: ((يحثو عليكن)) أي يجود وينثر عليكن ما تنفقن.
سلسبيل الجنة)). رواه أحمد [6131].
6132 -
وعن حذيفة، قال: جاء أهل نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله! ابعث إلينا رجلاً أميناً. فقال ((لأبعثن إليكم رجلاً حق أمين)) فاستشرف لها لناس، قال: فبعث أبا عبيدة بن الجراح. متفق عليه.
ــ
فا: في حديث عمر رضي الله عنه قال ابن عباس: دعاني عمر رضي الله عنه فإذا حصير بين يديه عليه الذهب منثور نثر الحثا، فأمرني بقسمه وهو دقاق العين لأن الريح تحثوه. انتهى كلامه.
وفيه مبالغة في الجود والإنفاق عليهن.
ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: ((ثلاث حثيات من حثيات ربي سبحانه وتعالى) وهو كناية عن المبالغة في الكثرة، ولعمري إن من بغض إنفاقه عليهن حديقة بيعت بأربعين ألفاً.
قوله: ((من سلسبيل الجنة)) هي عين سميت به لسلاسة انحدارها في الحلق وسهولة مساغها، يقال: شراب سلسل وسلسال وسلسبيل، وقد زيدت الباء في التركيب حتى صارت الكلمة خماسية، ودلت على غاية السلاسة.
وقوله: ((اللهم اسق)) دعا له قبل أن يصدر عنه ما صدر من الحثى كأنه صنع الصنيعة فشكره ودعا له، ومن هنا دعت الصديقة رضي الله عنها له بهذا الدعاء حين تصدق على أمهات المؤمنين بالحديقة.
وفيه معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
الحديث الخامس عن حذيفة رضي الله عنه: قوله: ((حق أمين)) فيه توكيد، والإضافة نحوها: إن زيداً العالم حق عالم وجد عالم، أي عالم حقاً وجداً يعني عالم لم يبالغ في العلم جداً ولم يترك من الجد المستطاع منه شيئاً، ومنه قوله تعالى:{وجاهدوا في الله حق جهاده} أي جهاداً فيه حقاً خالصاً لوجهه، فعكس وأضيف الحق إلى الجهاد مبالغة.
وقوله: ((فاستشرف لها)) الضمير للإمارة، أي طمعوا فيها وتوقعوا نيلها.
نه: وفي الحديث وما جاءك من هذا المال وأنت غير مستشرف له فخذه)) يقال: أشرفت الشيء علوته وأشرفت عليه اطلعت عليه من فوقه، أراد ما جاءك منه وأنت غير متطلع إليه ولا طامع فيه.
6133 -
وعن علي، قال: قيل لرسول الله: من نؤمر بعدك؟ قال: ((إن تؤمروا أبا بكر تجدوه أميناً زاهداً في الدنيا راغباً في الآخرة، وإن تؤمروا عمر تجدوه قوياً أميناً لا يخاف في الله لومة لائم، وإن تؤمروا علياً- ولاأراكم فاعلين- تجدوه هادياً مهدياً. يأخذ بكم الطريق المستقيم)) رواه أحمد. [6133].
6134 -
وعنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((رحم الله أبا بكر، زوجني ابنته، وحملني إلى دار الهجرة، وصحبني في الغار، وأعتق بلالاً من ماله، رحم الله عمر يقول الحق وإن كان مراً، تركه الحق وماله من صديق. رحم الله عثمان تستحييه الملائكة، رحم الله عليا، الله أدر الحق معه حيث دار)) رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب [6134].
ــ
الحديث السادس عن علي رضي الله عنه: قوله: ((أن تؤمروا أبا بكر)) يعني الأمر مفوض إليكم أيتها الأمة لأنكم أمناء مجتهدون مصيبون في الاجتهاد، ولا تجمعون إلا على الحق الصرف، وهؤلاء المذكورون كالحلقة المفرغة لا يدري أيهم أكمل فيما بدلي إليه مما يستحق به الإمارة، وفي تقديم أبي بكر رضي الله عنه بالذكر إيماء إلى تقديمه، ولم يذكر عثمان رضي الله عنه صريحاً، ولكن في قوله في حق علي رضي الله عنه:((ولا أراكم فاعلين)) أي فاعلين بعد عمر رضي الله عنه إشارة إلى أنه المتقدم عليه، أو ذكره صلى الله عليه وسلم وسقط من قلم الكاتب.
قوله: ((لا يخاف في الله لومة لائم)) أي أنه صلب في الدين إذا شرع في أمر من أموره، لا يخاف إنكار منكر، ومضى فيه كالمسمار المحمي لا يرعه قول قائل ولا اعتراض معترض ولا لومة لائم يشق عليه جده. واللومة المرة من اللوم. وفيها في التنكير مبالغتان كأنه قيل: لا يخاف شيئاً قط من لوم أحد من اللوم.
الحديث السابع عن علي رضي الله عنه: قوله: ((تركه الحق وماله من صديق)) الجملة مبينة لقوله: ((يقول الحق وإن كان مراً)) لأن تمثيل الحق بالمرارة يؤذن باستبشاع الناس من سماع الحق استشباع من يذوق العلقم فيقل لذلك صديقه.
وقوله: ((وماله من صديق)) حال من المفعول، هذا إذا جعل ((ترك)) بمعنى خلى، وإذا ضمن معنى صير كان هذا مفعولاً ثانياً، والواو فيه كما في قول الحماسي:
عدا والليث غضبان