المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(3) باب مناقب أبي بكر [رضي الله عنه] - شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن - جـ ١٢

[الطيبي]

الفصل: ‌(3) باب مناقب أبي بكر [رضي الله عنه]

أصحابي فقولوا: لعنة الله على شركم)) رواه الترمذي [6017]

6018 -

وعن عمر بن الخطاب: قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((سألت ربي عن اختلاف أصحابي من بعدي، فأوحى إلي: يا محمد! إن أصحابي عندي بمنزلة النجوم في السماء، بعضها أقوى من بعض، ولكل نور، فمن أخذ بشيء مماهم عليه من اختلافهم فهو عندي على هدى)) قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أصحابي كالنجوم، فبأيهم اقتديتم اهتديتم)). رواه رزين [6018]

(3) باب مناقب أبي بكر [رضي الله عنه]

الفصل الأول

6019 -

عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن من أمن الناس علي

ــ

قوله: ((لعنة الله على شركم)) هو من الكلام المنصف الذي من سمعه من موال أو مناف، قال لمن خوطب به: قد أنصفك صاحبك، ومنه بيت حسان في حق من هجا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أتهجوه ولست له بكفء فشركما لخيركما الفداء

والتعريض والتورية أوصل بالمجادل إلى الغرض وأهجم به على الغلبة مع قلة شغب الخصم وقلة شوكته بالهوينا.

الحديث الثاني عن عمر رضي الله عنه:

قوله: ((عن اختلاف أصحابي)) أي في فروع الشرائع لا في أصولها، لقوله بعد ذلك:((فمن أخذ بشيء مما هم عليه من اختلاف فهو عندي على هدى)).

و ((من)) في قوله: ((ما هم)) بيان شيء. ومن في ((من اختلافهم)) بيان.

وفيه أن اختلاف الأئمة رحمة للأمة، والله أعلم.

باب مناقب أبي بكر الصديق رضي الله عنه

الفصل الأول

الحديث الأول عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه:

قوله: ((إن من أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر)) كذا هو في صحيح مسلم، وفي البخاري:((أبا بكر)) بالنصب وهو الظاهر، لأنه اسم ((إن)) والرفع مشكل.

ص: 3846

في صحبته وماله أبو بكر- وعند البخاري: أبا بكر- ولو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخوة الإسلام ومودته، لا تبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي

ــ

مظ: وفيه أوجه:

الأول: أن تكون ((من)) زائدة على مذهب الأخفش.

وقيل: ((إن)) هاهنا بمعنى نعم كما في جواب قوله: لعن الله ناقة حملتني إليك، قال: إن وصاحبها. فقوله: ((أبو بكر)) مبتدأ، و ((من أمن الناس)) خبره.

وقيل: اسم ((إن)) ضمير الشأن.

تو: يريد أن من أبذلهم وأسمحهم من من عليه منا لا من من عليه منة، إذ ليس لأحد أن يمتن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم إنه ورد مورد الأحماد، وإذا حمل على معنى الامتنان عاد ذماً على صاحبه لأن المنة تهدم الصنيعة.

و ((الخوخة)) كوة في الجدار تؤدي الضوء.

وقال الليث: ناس من أهل اللسان يسمون هذا الباب الذي يسميه العرب، المحترف ((خوخة))، فعلى هذا الخوخة مر بين بيتين أو دارين ينصب عليه باب.

وكان هذا القول منه صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي توفي فيه آخر خطبة خطبها، ولا خفاء بأن ذلك تعريض بأن أبا بكر هو المستخلف بعده.

وهذه الكلمة إن أريد بها الحقيقة فذلك لأن أصحاب المناازل اللاصفة بالمسجد قد جعلوا من بيوتهم مخترقاً يمرون فيه إلى المسجد، أو كوة ينظرون منها إليه، فأر بسد جملتها سوى خوخة أبي بكر تكريماً له بذلك أولاً، ثم تبينها للناس في ضمن ذلك على أمر الخلافة حيث جعله مستحقاً لذلك دون الناس.

وإن أريد به المجاز فهو كناية عن الخلافة، وسد أبواب المقالة دون التطرق إليه والتطلع عليها، وأرى المجاز فيه أقوى إذ لم يصح عندنا أن أبا بكر كان له منزل بجنب المسجد وإنما كان منزله بالسنح من عوالي المدينة، ثم إنه مهد المعنى المشار إليه وقرره بقوله:((ولو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلا)) ليعلم أنه أحق الناس بالنيابة عنه، وكفانا من الحجة على هذا التأويل تقديمه إياه في الصلاة وإباؤه كل الإباء أن يقف غيره ذلك الموقف والله أعلم.

قوله: ((لاتخذت أبا بكر خليلاً)) قض: الخليل الصاحب الواد الذي يفتقر إليه ويعتمد في الأمور عليه، فإن أصل التركيب للحاجة، والمعنى لو كنت متخذاً من الخلق خليلاً أرجع إليه في الحاجات وأعتمد عليه في المهمات لاتخذت أبا بكر، ولكن الذي ألجأ إليه وأعتمد عليه في جملة الأمور ومجامع الأحوال هو الله تعالى، وإنما سمي إبراهيم عليه السلام خليلاً من الخلة

ص: 3847

بكر)) وفي رواية: ((لو كنت متخذاً خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلاً)) متفق عليه.

6020 -

وعن عبد الله بن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:((لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ولكنه أخي وصاحبي، وقد اتخذ الله صاحبكم خليلاً)) رواه مسلم.

6021 -

وعن عائشة، قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه: ادعي لي أبا بكر أباك، وأخاك، حتى أكتب كتاباً، فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل: أنا، ولا؛ [و] يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر)) رواه مسلم وفي ((كتاب الحميدي)):((أنا أولى)) بدل: ((أنا ولا)).

ــ

بالفتح التي هي الخصلة فإنه تخلق بخلال حسنة اختصت به، أو من التخلل فإن الحب تخلل شغاف قلبه واستولى عليه، أو من الخلة من حيث إنه صلى الله عليه وسلم ما كان يفتقر حال الافتقار إلا إليه، وما كان يتوكل إلا عليه، فيكون فعيلا بمعنى فاعل، وفي الحديث بمعنى مفعول.

وقوله: ((ولكن أخوة الإسلام)) استدراك عن مضمون الجملة الشرطية، ونحوها: كأن ليس بيني وبينه خلة ((ولكن أخوة الإسلام)) نفى الخلة المنبئة عن الحاجة وأثبت الإخاء المقتضي للمساواة.

الحديث الثاني عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:

قوله: ((وقد اتخذ الله)) فيه مبالغة من وجهين:

أحدهما: أنه أخرج الكلام على التجريد حيث قال: ((صاحبكم)) ولم يقل: اتخذني.

وثانيهما: ((اتخذ صاحبكم)) بالنصب عكس ما لمح إليه الحديث السابق من قوله: ((غير ربي)) فدل الحديثان على حصول المخاللة من الطرفين.

الحديث الثالث عن عائشة رضي الله عنها:

قوله: ((أن ولا)) مح: هكذا هو في بعض النسخ المعتمدة، أي يقول: أنا أحق بالخلافة ولا يستحقها غيري.

وفي بعضها: ((أنا أولى)) أي أنا أحق بالخلافة.

قال القاضي عياض: هذه الرواية أجود.

وأما طلبه لأخيها مع أبي بكر فلأن يكتب الكتاب، وهذا دليل لأهل السنة على أنا خلافة

ص: 3848

6022 -

وعن جبير بن مطعم، قال: أتت النبي صلى الله عليه وسلم امرأة فكلمته في شيء فأمرها أن ترجع إليه قالت: يا رسول الله! أرأيت إن جئت ولم أجدك؟ كأنها تريد الموت. قال: ((فإن لم تجدني فأتى أبا بكر)) متفق عليه.

6023 -

وعن عمرو بن العاص، أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه على جيش ذات السلاسل، قال: فأتيته، فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال: ((عائشة)). قلت: من الرجال؟ قال: ((أبوها)). قلت: ثم من؟ قال: ((عمر)). فعد رجالا، فسكت مخافة أن يجعلني في آخرهم. متفق عليه.

6024 -

وعن محمد بن الحنفية، قال، قلت لأبي: أي الناس خير بعد النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: أبو بكر. قلت: ثم من؟ قال: عمر. وخشيت أن يقول: عثمان قلت: ثم أنت قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين. رواه البخاري.

6025 -

وعن ابن عمر، قال: كنا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لا نعدل بأبي بكر أحداً، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا نفاضل بينهم. رواه البخاري.

ــ

أبي بكر ليست بنص من النبي صلى الله عليه وسلم صريحاً بل أجمعت الصحابة على عقد الخلافة له وتقديمه لفضله، ولو كان هناك نص عليه أو على غيره لم تقع المنازعة بين الأنصار وغيرهم أولاً، ولذكر حافظ النص ما معه ورجعوا إليه أولاً، ثم اتفقوا عليه.

وأما ما تدعيه الشيعة من النص على ((علي)) رضي الله عنه والوصية إليه فباطل لا أصل له باتفاق المسلمين، وأول من كذبهم علي رضي الله عنه حين سئل: هل عندكم شيء ليس في القرآن؟ قال: ما عندي إلا ما في هذه الصحيفة .. الحديث. ولو كان عنده نص لذكره.

وأما قوله في الحديث الذي يليه حين قال للمرأة: ((فإن لم تجدني فأت أبا بكر)) فليس فيه نص على خلافته بل هو إخبار بالغيب الذي أعلمه الله به.

الحديث الرابع والخامس عن عمرو بن العاص رضي الله عنه:

قوله: ((على جيش ذات السلاسل)) قض: السلاسل رمل ينعقد بعضه ببعض، وسمي الجيش بذلك لأنهم كانوا مبعوثين إلى أرض بها رمل كذلك.

الحديث السادس والسابع عن ابن عمرو رضي الله عنهما:

قوله: ((لا نفاضل بينهم)) ((خط)): وجه ذلك أنه أراد به الشيوخ وذوي الأسنان منهم، الذين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر شاورهم فيه، وكان علي رضي الله عنه في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث السن، ولم يرد ابن عمر الإزراء بعلي ولا تأخيره عن الفضل بعد عثمان، وفضله مشهور لا ينكره ابن عمر ولا غيره من الصحابة.

ص: 3849

وفي رواية لأبي داود، قال: كنا نقول ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي: أفضل أمة النبي صلى الله عليه وسلم بعده أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، رضي الله عنهم. [6025]

الفصل الثاني

6026 -

عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما لأحد عندنا يد إلا وقد كافيناه، ما خلا أبا بكر، فإن له عندنا يداً يكافيه الله بها يوم القيامة، وما نفعني مال أحد قط ما نفعني مال أبي بكر، ولو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ألا وإن صاحبكم خليل الله)) رواه الترمذي [8026]

6027 -

وعن عمر [رضي الله عنه] قال: أبو بكر سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه الترمذي [8027]

6028 -

وعن ابن عمر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر:((أنت صاحبي في الغار، وصاحبي على الحوض)) رواه الترمذي [8028]

ــ

تو: وأيضاً قد عرف أن أهل بدر وأهل بيعة الرضوان وأصحاب العقبتين الأولى والثانية يفضلون غيرهم، وكذلك علماء الصحابة وذووا الفهم المتبتلون عن الدنيا.

الفصل الثاني

الحديث الأول عن أبي هريرة رضي الله عنه:

قوله: ((ما لأحد عندنا يد إلا وقد كافيناه)) وفسر قوله تعالى: {وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى وما لأحد عنده من نعمة تجزى} بأن المراد منه أبو بكر رضي الله عنه.

الحديث الثاني والثالث عن ابن عمر رضي الله عنهما:

قوله: ((أنت صاحبي في الغار)) كما قال الله تعالى: {ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا} قيل: من أنكر صحبة أبي بكر لأنه أنكر النص الجلي.

ص: 3850

6029 -

وعن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يؤمهم غيره)) رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب [6029].

6030 -

وعن عمر، قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتصدق، ووافق ذلك عند مالا، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوماً. قال: فجئت بنصف مالي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما أبقيت لأهلك)) فقلت: مثله. وأتى أبو بكر بكل ما عنده. فقال: ((يا أبا بكر؟ ما أبقيت لأهلك؟)). فقال: أبقيت لهم الله ورسوله قلت: لا أسبقه إلى شيء أبداً. رواه الترمذي، وأبو داود [6030]

6031 -

وعن عائشة، أن أبا بكر دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:((أنت عتيق الله من النار)) فيومئذ سمي عتيقاً رواه الترمذي [6031].

ــ

الحديث الرابع عن عائشة رضي الله عنها:

قوله: ((أن يؤمهم غيره)) مظ: هذا دليل على فضله على جميع الصحابة فإذا ثبت هذا فقد ثبتت خلافته؛ لأن خلافة المفضول مع وجود الفاضل لا تصح.

الحديث الخامس عن عمرو رضي الله عنه:

قوله: ((ووافق ذلك عندي مالا)) أي صادف أمره بالتصدق حصول مال عندي.

قوله: ((أبقيت)) قول الصديق رضي الله عنه: ((أبقيت لهم الله ورسوله)) إطناباً يوافق قول القاروق رضي الله عنه اختصاراً في قوله: ((مثله)) في تطابقهما على [مجرى] البلاغة، ونظيره في الإطناب قول الله تعالى حكاية عن عبدة الأصنام بعد ما سئلوا: ما تعبدون؟: {نعبد أصناماً فنظل لها عاكفين} قالوه ابتهاجاً منهم بعبادة الأصنام وافتخاراً بمواظبتها.

الحديث السادس عن عائشة رضي الله عنها:

قوله: ((عتيق الله)) غب: العتيق المتقدم في الزمان أن المكان، أو الرقابة، ولذلك قيل للقديم: عتيق، وللكريم: عتيق، ولمن حل عن الرق: عتيق.

ص: 3851

6032 -

وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أنا أول من تنشق عنه الأرض، ثم أبو بكر، ثم عمر، ثم آتى أهل البقيع فيحشرون معي، ثم أنتظر أهل مكة حتى أحشر بين الحرمين)) رواه الترمذي [6034].

6033 -

وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أتاني جبريل فأخذ بيدي، فأراني باب الجنة الذي يدخل منه أمتي)) فقال أبو بكر: يا رسول الله! وددت أني كنت معك حتى أنظر إليه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أما إنك يا أبا بكر! أول من يدخل الجنة من أمتي)) رواه أبو داود [6033].

الفصل الثالث

6034 -

عن عمر، ذكر عنده أبو بكر فبكى وقال: وددت أن عملي كله مثل عمله يوماً واحداً من أيامه، وليلة واحدة من لياليه، أما ليلته فليلة سار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغار فلما انتهيا إليه قال: والله لا تدخله حتى أدخل قبلك، فإن كان فيه شيء أصابني دونك، فدخل فكسحه، ووجد في جانبه ثقباً، فشق إزاره وسدها به،

ــ

الحديث السابع عن ابن عمر رضي الله عنهما:

قوله: ((فيحشرون معي)) المراد بالحشر هنا الجمع، كقوله تعالى:{وأن يحشر الناس ضحي} وكذا معنى قوله: ((حتى أحشر)).

الحديث الثامن عن أبي هريرة رضي الله عنه:

قوله: ((أول من يدخل الجنة من أمتي)) لما تمنى رضي الله عنه بقوله: ((وددت)) والتمني إنما يستعمل فيما لا يستدعى إمكان حصوله، قيل له:((لا تتمنى النظر إلى الباب فإن لك ما هو إلى منه وأجل، وهو دخولك فيه أول أمتي)) وحروف التنبيه ينبهك على [الرمزة] التي لوحنا بها.

الفصل الثالث

الحديث الأول عن عمر رضي الله عه:

قوله ((فكسحه)) أي كنسه، الكسح الكنس.

ص: 3852

وبقي منها اثنان فألقمهما رجليه. ثم قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ادخل فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووضع رأسه في حجره ونام، فلدغ أبو بكر في رجله من الجحر ولم يتحرك مخافة أن ينتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسقطت دموعه على وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:((مالك يا أبا بكر؟)) قال: لدغت، فداك أبي وأمي، فتفل رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهب ما يجده، ثم انتفض عليه، وكان سبب موته. وأما يومه، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب وقالوا: لا نؤدي زكاة. فقال: لو منعوني عقالا لجاهدتهم عليه. فقلت:

ــ

وقوله: ((فألقمهما)) أي جعل رجليه كاللقمة لها غاية للحرص على سدها.

((ثم انتقض عليه)) أي نكست الجراحة بعد أن اندملت لتفل رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال في أساس البلاغة، انتقضت القرحة نكست.

قوله: ((في رجله)) بدل من أبي بكر، بدل البعض، وجيء بفي بياناً لشدة تمكن اللدغ فيها، كما في قول الشاعر:

يجرح في عراقيبها نصلي

قوله: ((لو منعوني عقالا)) نه: أراد بالعقال الحبل الذي يعقل به البعير الذي كان يؤخذ في الصدقة، لأن على صاحبها التسليم وإنما يقع القبض بالرباط.

وقيل: أراد ما يساوي عقالا من حقوق الصدقة.

وقيل: إذا أخذ المصدق أعيان الإبل، قيل: أخذ عقالا، وإذا أخذ أثمانها قيل: أخذ نقداً.

وقيل: أراد بالعقال صدقة العام، يقال: أخذ المصدق عقال هذا العام إذا أخذ منهم صدقته، وبعث فلان على عقال بني فلان إذا بعث على صدقاتهم، واختاره أبو عبيد، وقال: هو أشبه عندي بالمعنى.

وقال الخطابي: إنما يضرب المثل في هذا بالأقل لا بالأكثر، وليس بسائر في كلامهم أن العقال صدقة عام.

وفي أكثر الروايات: ((لو منعوني عناقاً)) وفي أخرى: ((جدياً)).

قلت: قد جاء في الحديث ما يدل على القولين، فمن الأول: حديث عمر رضي الله عنه أنه كان يأخذ مع كل فريضة عقالاً، فإذا جاءت إلى المدينة باعها ثم تصدق بها. وحديث محمد بن سلمة أنه كان يعمل بالصدقة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يأمر الرجل إذا جاء بفريضتين أن يأتي بعقالهما وقرانهما.

ص: 3853