الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فإنما ذلك م ن من الله من به علي، وأما ما ذكرت من صحبة أبي بكر ورضاه، فإنما ذلك من من الله من به علي. وأما ما ترى جزعي، فهو من أجل ومن أجل أصحابك، والله لو أن لي طلاع الأرض ذهباً لافتديت به من عذاب الله قبل أن أراه. رواه البخاري.
(5) باب مناقب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما
الفصل الأول
6056 -
عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:((بينما رجل يسوق بقرة إذ أعيي، فركبها، فقال: إنا لم نخلق لهذا، إنما خلقنا لحراثة الأرض. فقال الناس: سبحان الله! بقرة تكلم!)). فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فإني أؤمن به أنا وأبو بكر وعمر)).
ــ
قوله: ((فهو من أجلك ومن أجل أصحابك)) كأنه رضي الله عنه رجح جانب الخوف على الرجاء لم أشعر من فتن تقع بعده في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فجزع حزناً لهم وترحماً عليهم، ومن استغناء الله تعالى عن العالمين، كما قال عيسى عليه الصلاة والسلام:{إن تعذبهم فإنهم عبادك} وكان جانب الخوف غالباً عليه فاستمر على ذلك هضماً لنفسه وانكساراً لذلك نسب ما حصل له من الفضيلة إلى منة الله تعالى وإفضاله.
وفي الاستيعاب: أن عمر رضي الله عنه حين احتضر قال: ورأسه في حجر ابنه:
ظلوم لنفسه غير أني مسلم أصلي الصلاة كلها وأصوم
وطلاع الأرض ما يملأها حين تطلع وتسيل.
باب مناقب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما
الفصل الأول
الحديث الأول عن أبي هريرة رضي الله عنه:
قوله: ((فإني أومن)) الفاء جزاء شرط محذوف، أي فإذا كان الناس يستغربونه ويتعجبون منه فإني لا أستغربه وأؤمن به.
وقوله: ((أنا وأبو بكر وعمر)) فإن قلت: ما فائدة ذكر ((أنا)) وعطف ما بعده عليه، وهذا عطف على المستتر في ((أؤمن)) مستغنياً عنه بالجار والمجرور؟.
وما هما ثم وقال: ((بينما رجل في غنم له إذ عدا الذئب على شاة منها، فأخذها فأدركها صاحبها، فاستنقذها، فقال له الذئب: فمن لها يوم السبع، يوم لا راعي لها غيري؟ فقال الناس: سبحان الله ذئب يتكلم؟!)). فقال: أومن به أنا وأبو بكر وعمر)) وما هما ثم. متفق عليه.
ــ
قلت: لو لم يذكر ((أنا)) لاحتمل أن يكون ((وأبو بكر)) عطفاً على محل ((إن)) واسمها والخبر محذوف فلا يدخل في معنى التأكيد، وتكون هذه الجملة واردة على التبعية ولا كذلك في هذه الصورة.
تو: إنما أراد بذلك تخصيصها بالتصديق الذي بلغ عين اليقين وكوشف صاحبه بالحقيقة التي ليس وراءها للتعجب مجال.
قوله: ((فقال له الذئب فمن لها؟)) وفي أصل المالكي: ((فقال الذئب: هذا استنقذتها مني فمن لها؟)).
قال المالكي: في هذا ثلاثة أوجه: أن يكون منادي؛ أي يا هذا، أجازه الكوفيون خلافاً للبصريين، وقول المجيز أصح لثبوتها في الكلام الفصيح كفول ذي الرمة:
إذا هملت عيني لها قال صاحبي: لمثلك هذا لوعة وغرام
وأن يكون في موضع نصب على الظرفية مشاراً به إلى اليوم، والأصل هذا اليوم استنقذتها مني.
وأن يكون في موضع نصب على المصدرية، والأصل: هذا الاستنفاذ استنقذتها مني.
والأصل في السبع ضم الباء فسكنها على لغة بني تميم، ((نه)) فإنهم يسكنون العين المضمومة من الأسماء والأفعال.
قوله: ((فمن لها يوم السبع)) نه: قال ابن الأعرابي: السبع بسكون الباء الموضع الذي يكون إليه المحشر يوم القيامة، أراد من لها يوم القيامة.
والسبع أيضاً الذعر: يقال: سبعت فلاناً إذا ذعرته، وسبع الذئب الغنم إذا فرستها، أي من لها يوم الفزع.
وقيل: هذا التأويل يفسد بقول الذئب في تمام الحديث: ((يوم لا راعي لها غيري)) والذئب لا يكون لها راعياً يوم القيامة.
وقيل: أراد من لها عند الفتن حين يتركها الناس هملا لا راعي لها فتكون نهبة للذئاب والسباع، فجعل السبع لها راعياً إذ هو منفرد بها، ويكون حينئذ بضم الباء، وهذا إنذار بما يكون من الشدائد والفتن التي يهمل الناس فيها شياههم فيتمكن منها السباع بلا مانع.
6057 -
وعن ابن عباس، قال: إني لواقف في قوم فدعوا الله لعمر وقد وضع على سريره، إذا رجل من خلفي قد وضع مرفقه على منكبي يقول يرحمك الله، إني لأرجو أن يجعلك الله مع صاحبيك؛ لأني كثيراً ما كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:((كنت وأبو بكر وعمر، وفعلت وأبو بكر وعمر، وانطلقت وأبو بكر وعمر، ودخلت وأبو بكر وعمر، وخرجت وأبو بكر وعمر)). فالتفت فإذا علي بن أبي طالب [رضي الله عنه]. متفق عليه.
ــ
قال أبو موسى بإسناده عن أبي عبيدة: يوم السبع عيد كان لهم في الجاهلية يشتغلون بعيدهم ولهوهم وليس بالسبع الذي يفترس الناس.
قال: وأملاه أبو عامر العبدري الحافظ بضم الباء، وكان من العلم والإتقان بمكان.
الحديث الثاني عن ابن عباس رضي الله عنهما:
قوله: ((وقد وضع على سريره)) جملة حالية من عمر.
والخطاب في ((يرحمك الله)) له.
والمراد ((بصاحبيه)) النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر.
واللام في ((لأني)) تعليل لقوله: ((أن يجعلك الله مع صاحبيك)) أي يجمعك معهما في عالم القدس.
قوله: ((كنت وأبو بكر)) قال المالكي: تضمن الحديث صحة العطف على ضمير المرفوع المتصل غير مفصول بتوكيد أو غيره، وهو ما لا يجيزه النحويون في النثر إلا على ضعف ويزعمون أن بابه الشعر، والصحيح جوازه نثراً ونظماً فمن النثر ما تقدم من قل علي رضي الله عنه، وكذا قول عمر رضي الله عنه:((كنت وجار لي من الأنصار)) ومنه قوله تعالى: {ولو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا} فإن واو العطف فيه متصلة بضمير المتكلم ووجود ((لا)) بعدها لا اعتداد بها لأنها بعد العاطف ولأنها زائدة إذ المعنى تام بدونها.
قوله: ((لأني كثيراً ما كانت)) كذا في صحيح البخاري و ((ما)) فيه إبهامية مؤكدة، وليس في جامع الأصول لفظ ((ما)) فقوله ((كنت)) خبر ((أن)) و ((كثيراً)) ظرف زمان وعامله ((كان)) قدم عليه، ونحوه قوله تعالى:{قليلاً ما تشكرون} .
الفصل الثاني
6058 -
عن أبي سعيد الخدري، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:((إن أهل الجنة ليتراءون أهل عليين، كما ترون الكوكب الدري في أفق السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما)) رواه في ((شرح السنة)) وروى نحوه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه [6058].
6059 -
وعن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين)) رواه الترمذي [6059].
6060 -
ورواه ابن ماجه عن علي [رضي الله عنه][6060].
ــ
وفي أكثر المصابيح وقع هكذا: ((لأني كثيراً مما كنت)) بزيادة ((من)) وليس له محمل صحيح، إلا أنه يتعسف ويقال: إني أجد كثيراً مما كنت.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن أبي سعيد رضي الله عنه:
قوله: ((وأنعما)) أي زادا وفضلاً، يقال: أحسنت إلي وأنعمت، أي زدت على الإنعام، وقيل: معناه صار إلى النعيم وخلا فيه، كما يقال: أشمل إذا دخل في الشمال، ومعنى قولهم أنعمت على فلان أي أسديت إليه نعمة.
تو: أي زاد على تلك الرتبة والمنزلة.
وفي أكثر نسخ المصابيح: ((لمنهم)) واللام زائدة على الرواية، فإنهه نقل هذا الحديث من كتاب الترمذي وفيه:((منهم وأنعما)) من غير لام.
أقول: وكذا أيضاً في سنن أبي داود وابن ماجه وجامع الأصول بغير لام.
الحديث الثاني عن أنس رضي الله عنه:
قوله: ((سيدا كهول أهل الجنة)) اعتبر ما كانوا عليه في الدنيا وإلا لم يكن في الجنة كهل، كقوله تعالى:{وآتوا اليتامى أموالهم} .
6061 -
وعن حذيفة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إني لا أدري ما بقائي فيكم؟ فاقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر)) رواه الترمذي [6061]
6062 -
وعن أنس، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد لم يرفع أحد رأسه غير أبي بكر وعمر، كان يتبسمان إليه ويتبسم إليهما. رواه الترمذي. وقال: هذا حديث غريب [6062].
6063 -
وعن ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ذات يوم ودخل المسجد وأبو بكر وعمر، أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله، وهو آخذ بأيديهما. فقال:((هكذا نبعث يوم القيامة)) رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب [6063].
6064 -
وعن عبد الله بن حنطب، أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى أبا بكر وعمر فقال:((هذان السمع والبصر)) رواه الترمذي مرسلا [6064].
6065 -
وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من نبي إلا
ــ
الحديث الثالث عن حذيفة رضي الله عنه:
قوله: ((ما بقائي فيكم؟)): ((ما)) هي استفهامية معناه: لا أدري كم مدة بقائي فيكم أقليل أو كثير؟ وفيه تعليق.
الحديث الرابع إلى السادس عن عبد الله بن حنطب:
قوله: ((هذان السمع والبصر)) قض: أي هما في المسلمين بمنزلة السمع والبصر في الأعضاء، أو منزلتهما في الدين منزلة السمع والبصر في الجسد، أو هما مني في العزة كالسمع والبصر.
ويحتمل أنه صلى الله عليه وسلم سماهما بذلك لشدة حرصهما على استماع الحق وإتباعه، وتهالكهما على النظر في الآيات المبينة في الآفاق والأنفس والتأمل فيها والاعتبار بها.
الحديث السابع عن أبي سعيد رضي الله عنه:
وله وزيران من أهل السماء، وزيران من أهل الأرض، فأما وزيراي من أهل السماء فجبريل وميكائيل، وأما وزيراي من أهل الأرض فأبو بكر وعمر)) رواه الترمذي [6065].
6066 -
وعن أبي بكرة، أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: رأيت كأن ميزاناً نزل من السماء، فوزنت أنت وأبو بكر، فرجحت أنت؛ ووزن أبو بكر وعمر فرجح أبو بكر، ووزن عمر وعثمان، فرجح عمر؛ ثم رفع الميزان)) فاستاء لها رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني فساءه ذلك. فقال:((خلافة نبوة، ثم يؤتي الله الملك من يشاء)) رواه الترمذي، وأبو داود [6066].
ــ
قوله: ((فأما وزيراي من أهل السماء فجبريل وميكائيل)) فيه دلالة ظاهرة على فضله صلوات الله وسلامه عليه على جبريل وميكائيل.
والوزير من الوزر: الثقل؛ لأنه يتحمل عن الملك أوزاره ومؤنه، قال تعالى حكاية عن موسى عليه الصلاة والسلام:{واجعل لي وزيراً من أهلي} .
الحديث الثامن عن أبي بكرة رضي الله عنه:
قوله: ((فاستاء لها)) نه: استاء بوزن افتعل من السوء وهو مطاوع ساء، يقال: استاء فلان، أي ساءه ذلك.
ويروى: ((فاستأولها)) أي طلب تأويلها بالتأمل والنظر.
تو: إنما ساءه- والله أعلم- من الرؤيا التي ذكرها ما عرفه من تأويل رفع الميزان، فإن فيه احتمالا لانحطاط رتبة الأمر في زمان القائم به بعد عمر رضي الله عنه عما كان عليه من النفاذ والاستعلاء والتمكن بالتأييد، ويحتمل أن يكون المراد من الوزن موازنة إياهم لما كان يطرأ فيها من رونق الإسلام وبهجته، ثم إن الموازنة إنما تراعي في الأشياء المتقاربة مع مناسبة ما، فيظهر الرجحان، فإذا تباعدت كل التباعد لم يوجد للموازنة معنى فلهذا رفع الميزان.
قوله: ((خلافة نبوة)) قيل: أي انقضت خلافة نبوة، يعني أن هذه الرؤيا دالة على أن الخلافة بالحق تنقضي وتنتهي حقيقتها بانقضاء خلافة عمر رضي الله عنه.