الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
14 -
رفعة بن رافع الأنصاري. 15 - رفاعة بن عبد المنذر أبو لبابة الأنصاري. 16 - الزبير بن العوام القرشي. 17 - زيد بن سهل أبو طلحة الأنصاري. 18 - أبو زيد الأنصاري. 19 - سعد بن مالك الزهري. 20 - سعد بن خولة القرشي. 21 - سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل القرشي، 22 - سهل بن حنيف الأنصاري. 23 - ظهير بن ارافع الأنصاري. 27 - عبيدة بن الحارث القرشي. 28 - عبادة بن الصامت الأنصاري. 29 - عمرو بن عوف حليف بني عامر بن لؤي. 30 - عقبة بن عمرو الأنصاري. 31 - عامر بن ربيعة العنزي. 32 - عاصم بن ثابت الأنصاري. 33 - عويمر بن ساعدة الأنصاري. 34 - عتبان بن مالك الأنصاري. 35 - قدامة بن مظعون. 36 - قتادة بن النعمان الأنصاري. 37 - معاذ بن عمرو بن الجموح. 38 - معوذ بن عفراء. 39 - وأخوه. 40 - مالك بن ربيعة أبو أسيد الأنصاري. 41 - مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب بن عبد مناف. 42 - مرارة بن الربيع الأنصاري. 43 - معن بن عدي الأنصاري. 44 - مقداد بن عمرو الكندي حليف بني زهرة. 45 - هلال بن أمية الأنصاري، رضي الله عنهم أجمعين.
(13) باب ذكر اليمن والشام
وذكر أويس القرني
الفصل الأول
6266 -
عن عمر بن الخطاب، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((إن رجلاً يأتيكم من اليمن يقال له: أويس، لا يدع باليمن غير أم له، قد كان به بياض، فدعا الله فأذهبه إلا موضع الدنيار أو الدرهم، فمن لقيه منكم فليستغفر لكم)).
ــ
باب ذكر اليمن والشام
وذكر أويس القرني
قال في المغرب: اليمن مأخوذ من اليمين، لخلاف الشام، لأنها بلاد على يمين الكعبة، والنسبة إليها ((يمني)) بتشديد الياء، أو ((يماني)) بالتخفيف على تعويض الألف إحدى يائي النسبة.
الفصل الأول
الحديث الأول عن عمر رضي الله عنه:
قوله: ((فليستغفر لكم)) ((مح)): هذه منقبة ظاهرة لأويس القرني، وفيه طلب الدعاء والاستغفار من أهل الصلاح وإن كان الطالب أفضل منهم، والحديث دل على أنه خير التابعين.
وفي رواية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن خير التابعين رجل يقال له: أويس، وله والدة، وإن به بياض، فمروه فليستغفر لكم)). رواه مسلم.
6267 -
وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((أتاكم أهل اليمن، هم أرق
ــ
وقال الإمام أحمد بن حنبل وغيره: أفضل التابعين سعيد بن المسيب.
والجواب: أن مرادهم سعيد أفضل في العلوم الشرعية كالتفسير والحديث والفقه ونحوها، لا في كونه أكثر ثواباً عند الله تعالى.
وفيه معجزة ظاهرة.
الحديث الثاني عن أبي هريرة رضي الله عنه:
قوله: ((أرق أفئدة)) ((مظ)): وصف الأفئدة بالرقة، والقلوب باللين، وذلك أنه يقال: إن الفؤاد غشاء القلب، وإذا رق نفذ القول وخلص إلى ما وراء، وإذا غلظ تعذر الوصول إلى داخله، فإذا صادف القلب ليناً علق به ونجع فيه.
((قض)): الرقة ضد الغلظة والصفاقة، واللين مقابل للقساوة، فاستعيرت في أحوال القلب، فإذا نبا عن الحق وأعرض عن قبوله ولم يتأثر عن الآيات والنذر يوصف بالغلظة، فكان شغافه صفيقاً لا ينفذ فيه الحق، وجرمه صلب لا يؤثر فيه الوعظ، وإذا كان بعكس ذلك يوصف بالرقة واللين، فكان حجابه رقيقاً لا يأبى نفوذ الحق، وجوهره لين يتأثر بالنصح.
ويحتمل أن يكون المراد بالرقة جودة الفهم، وباللين قبول الحق، فإن رقة الفؤاد تعد لقبول الأشكال بسهولة، واللين يقتضي عدم الممانعة والانفعال عن المؤثر بيسر، ولعله لذلك أضاف الرقة إلى الفؤاد، واللين إلى القلب، فإنه وإن كان الفؤاد والقلب واحداً، لكن الفؤاد فيه معنى النفاذ وهو التوقد، يقال: فاءدت اللحم أي شويته، والقلب فيه معنى التقلب، يتقلب حاله حالا بسبب ما يعتريه.
ثم لما وصفهم بذلك أتبعه ما هو كالنتيجة، فإن صفاء القلب ورقته ولين جوهره يؤدي إلى عرفان الحق والتصديق به، وهو الإيمان والانقياد لما يوجبه ويقتضيه، والتيقظ والإيقان فيما يذره ويأتيه، وهو الحكمة، فتكون قلوبهم معادن الإيمان وينابيع الحكمة، وهي قلوب منشؤها اليمن، نسب إليه الإيمان والحكمة معاً لانتسابهما إليه تنويهاً بذكرهما، وتعظيماً لشأنهما.
أقول: يمكن أن يراد بالقلب والفؤاد ما عليه أهل اللغة في كونهما مترادفين فكرر ليناط به معنى غير المعنى السابق، فإن الرقة مقابلة للغلظة، واللين مقابل للشدة والقسوة، فوصفت أولاً بالرقة، ليشير إلى التخلق مع الناس وحسن المعاشرة مع الأهل والأخوان، قال الله
أفئدة، وألين قلوباً، الإيمان يمان، والحكمة يمانية، والفخر والخيلاء في أصحاب الإبل، والسكينة والوقار في أهل الغنم)). متفق عليه.
6268 -
وعنه، قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((رأس الكفر نحو المشرق، والفخر والخيلاء في أهل الخيل والإبل، والفدادين أهل الوبر، والسكينة في أهل الغنم)) متفق عليه.
ــ
تعالى: {ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك} وثانياً باللين ليؤذن بأن الآيات النازلة والدلائل المنصوبة ناجعة فيها، وصاحبها مقيم على التعظيم لأمر الله.
وقوله: ((الإيمان يمان والحكمة يمانية)) يشمل حسن المعاملة مع الله تعالى، والمعاشرة مع الناس، فلشدة شكيمة اليهود وعنادهم قيل فيهم:{ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة} وللين جانب المؤمنين وصفوا بقوله: {ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} .
قوله: ((والخيلاء في أصحاب الإبل)) ((قض)): تخصيص الخيلاء بأصحاب الإبل، والوقار بأهل الغنم، يدل على أن مخالطة الحيوان مما يؤثر في النفس، وتعدي إليها هيئات وأخلاقاً تناسب طباعها، وتلائم أحوالها.
الحديث الثالث عن أبي هريرة رضي الله عنه:
قوله: ((رأس الكفر نحو المشرق)) نحوه: ((رأس الأمر الإسلام)) أي ظهور الكفر من قبل المشرق.
((مح)): المراد باختصاص المشرق به مزيد تسلط الشيطان على أهل المشرق، وكان ذلك في عهده صلى الله عليه وسلم، ويكون حين يخرج الدجال من المشرق، فإنه منشأ الفتن العظيمة، ومثار الكفرة الترك.
قوله: ((والخيلاء في أهل الخيل)) غب: الخيلاء التكبر عن تخيل فضيلة تراءات للإنسان من نفسه، ومنه يتأول لفظ الخيل، لما قيل: إنه لا يركب أحد فرساً إلا وجد في نفسه نخوة، والخيل في الأصل اسم للأفراس والفرسان جميعاً.
قوله: ((والفدادين)) ((نه)): الفدادون بالتشديد الذين يعلون أصواتهم في حروثهم ومواشيهم، واحدهم فداد، يقال: فد الرجال يفد فدداً إذا اشتد صوته.
وقيل: هم المكثرون من الإبل.
6269 -
وعن أبي مسعود الأنصاري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:((من هاهنا جاءت الفتن- نحو المشرق- والجفاء، وغلظ القلوب في الفدادين أهل الوبر عند أصول أذناب الإبل والبقر، في ربيعة ومضر)). متفق عليه.
6270 -
وعن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((غلظ القلوب والجفاء في المشرق، والإيمان في الحجاز)). رواه مسلم.
6271 -
وعن ابن عمر، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا)). قالوا: يا رسول الله! وفي نجدنا؟ قال: ((اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا)) قالوا: يا رسول الله! وفي نجدنا؟ فأظنه قال في الثالثة: ((هناك الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان)). رواه البخاري.
ــ
وقيل: هم الجمالون والبقارون والحمارون والرعيان.
وقيل: إنما هو الفدادون مخففاً، واحد فداد مشددا، وهي البقرة التي يحرث بها، وأهلها أهل جفاء وغلظة.
تو: إذا روي بالتخفيف تقديره: وهي أهل الفدادين، وأرى أن أصوب الروايتين بالتشديد، كما في حديث ابن مسعود الذي يتلو هذا الحديث:((والجفاء والغلظة في الفدادين)) والتخفيف في هذه الرواية غير مستقيم، وتقدير الحذف فيه مستبعد رواية ومعنى، فرددنا المختلف فيه إلى المتفق عليه، هذا وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى سكة وشيئاً من آلة الحرث فقال:((ما دخل هذا دار قوم إلا أدخل عليهم الذل)) وأين إيقاع الفخر والخيلاء من موقع الذل؟
الحديث الرابع عن أبي مسعود رضي الله عنه:
قوله: ((نحو المشرق)) حال متعلق بمحذوف، أي قال صلى الله عليه وسلم:((من هنا جاءت الفتن)) مشيراً نحو المشرق. و ((أهل الوبر)) موضع الفدادين، ويراد بأهل الوبر الأعراب، فيكون قوله:((في ربيعة ومضر)) بدلا من وله: ((في الفدادين)) بإعادة العامل، وقوله:((عند)) ظرف لقوله الفدادين على تأويل: الذين بهم جلبة وصياح عند سوقهم لها، لأن سائق الدواب إنما يعلو صوته خلفها.
الحديث الخامس والحديث السادس عن ابن عمر رضي الله عنهما:
قوله: ((اللهم بارك لنا في شامنا)) ((شف)): إنما دعا لها بالبركة لأن مولده بمكة وهي من اليمن، ومسكنه ومدفنه بالمدينة وهي من الشام، وناهيك من فضل الناحيتين أحدهما مولده والأخرى مدفنه، وأنه أضافهما إلى نفسه وأتى بضمير الجمع تعظيماً، وكرر الدعاء ثلاث مرات.
الفصل الثاني
6272 -
عن أنس، عن زيد بن ثابت، أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر قبل اليمن، فقال:((اللهم أقبل بقلوبهم، وبارك لنا في صاعنا ومدنا)). رواه الترمذي [6272].
6273 -
وعن زيد بن ثابت، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((طوبى للشام)) قلنا: لأي ذلك يا رسول الله؟ قال: ((لأن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليها)). رواه أحمد، والترمذي [6273].
6274 -
وعن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ستخرج نار من نحو حضر موت، أو من حضر موت، تحشر الناس)) قلنا: يا رسول الله! فما تأمرنا؟ قال: ((عليكم بالشام)). رواه الترمذي [6274].
ــ
الفصل الثاني
الحديث الأول عن أنس رضي الله عنه:
قوله: ((أقبل بقلوبهم)) ((تو)): وجه التناسب بين الفصلين أن أهل المدينة ما زالوا في شدة من العيش، وعوز من الزاد، لا تقوم أقواتهم بحاجتهم، فلما دعا الله بأن يقبل عليهم بقلوب أهل اليمن إلى دار الهجرة، وهم الجم الغفير دعا الله بالبركة في طعام أهل المدينة ليتسع على القاطن بها، والقادم عليها، فلا يسأم المقيم من القادم عليه، ولا تشق الإقامة على المهاجر إليها.
الحديث الثاني عن زيد بن ثابت رضي الله عنه:
قوله: ((طوبى للشام)) هو مصدر من طاب كبشرى وزلفى، ومعنى طوبى لك: أصبت خيراً وطيباً.
وقوله: ((لأي ذلك؟ ((كذا في جامع الترمذي على حذف المضاف إليه، أي لأي سبب قلت ذلك؟ وقد أثبت في بعض نسخ المصابيح لفظ ((شيء)).
الحديث الثالث عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما:
قوله: ((نار من حضر موت)) ((تو)): يحتمل أنها رأي عين وهو الأصل، ويحتمل أنها فتنة عبر عنها بالنار، وعلى التقديرين فالوجه فيه أنها قبل قيام الساعة، لأنهم قالوا:((فما تأمرنا؟)) يعنون في التوقي عنها، فقال:((عليكم بالشام)).
6275 -
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إنها ستكون هجرة بعد هجرة، فخيار الناس إلى مهاجر إبراهيم)). وفي رواية: ((فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم، ويبقى في الأرض شرار أهلها، تلفظهم أرضوهم، تقذرهم نفس الله، تحشرهم النار مع القردة والخنازير، تبيت معهم إذا
ــ
الحديث الرابع عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما:
قوله: ((هجرة بعد هجرة)) قال الشارحون: كان من حق الثانية أن يؤتى بها مع لام العهد، لأن المراد منها الهجرة الواجبة قبل الفتح، وإنما أتى بها منكرة لتساوق الأولى في الصيغة مع إضمار في الكلام، أي بعد هجرة حقت ووجبت، والمعنى: ستكون هجرة إلى الشام بعد هجرة كانت إلى المدينة.
أقول ويمكن أن يراد التكرير، كما في قولك: لبيك وسعديك، أي ألبيك إلباباً بعد إلباب.
و ((الفاء)) في قوله: ((فخيار الناس)) يلوح إليه لأنه تفصيل للمجمل، كأنه قيل: سيحدث للناس مفارقة من الأوطان، وكل إنسان يفارق وطنه إلى آخر ويهجره هجرة بعد هجرة، فخيارهم من يهاجر أو يرغب إلى ((مهاجر إبراهيم عليه الصلاة والسلام) وهو الشام.
وينصر هذا التأويل الحديث الذي يتوله.
((تو)): وذلك حين تكثر الفتن، ويقل القائمون بأمر الله في البلاد، ويستولى الكفرة الطغام على بلاد الإسلام، وتبقى الشام يسوسها العساكر الإسلامية منصورة على من ناوأهم، ظاهرين على الحق حتى يقاتلوا الدجال، فالمهاجر إليها حينئذ فاز بدينه، ملتجئ إليها لصلاح آخرته، يكثر سواد عباد الله الصالحين القائمين بأمر الله تعالى.
ولعل الحديث إشارة إلى العصر الذي نحن فيه.
قوله: ((تلفظهم أرضوهم)) ((قض)): أي ينتقل من الأراضي التي يستولى عليها الكفرة خيار أهلها، ويبقى خساس تخلفوا عن المهاجرين جبناً عن القتال، حرصاً وتهالكاً على ما كان لهم فيه امن ضياع ومواش ونحوهما من متاع الدنيا، فهم لخسة نفوسهم وضعف ينهم كالشيء المسترذل المستقذر عنه، فكأن الأرض تستنكف عنهم فتقذفهم، والله سبحانه يكرههم، فيبعدهم من مظان رحمته ومحل كرامته، إبعاد من يستقذر الشيء ويبعد عنه طبعه، فلذلك منعهم من الخروج وثبطهم قعوداً مع أعداء الدين، نحوه قوله تعالى:{ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم} .
وقوله: ((تقذرهم نفس الله)) من التمثيلات المركبة التي لا يتطلب لمفرداته ممثلا وممثلا به، مثل: شابت لمة الليل، وقامت الحرب على ساق.
باتوا، وتقيل معهم إذا قالوا)). رواه أبو داود [6275].
6276 -
وعن ابن حوالة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((سيصير الأمر أن تكونوا جنوداً مجندة، جند بالشام، وجند باليمن، وجند بالعراق)) فقال ابن حوالة: خرلي يا رسول الله! إن أدركت ذلك. فقال: ((عليك بالشام، فإنها خيرة الله من أرضه، يجتبي إليها خيرته من عباده، فأما إن أبيتم عليكم بيمنكم، واسقوا من غدركم، فإن
ــ
تو: نفس الله ذاته، وهو وإن كان من حيث حصل له مضاف ومضاف إليه يقتضي المغايرة وإثبات شيئين من حيث الغيار على سبيل الاتساع، وتعالى الله الملك عن الأثنوية ومشابهة المحدثات علواً كبيراً.
قوله: ((تحشرهم النار مع القردة والخنازير)) مظ: النار هاهنا الفتنة، يعني تحشرهم نار الفتنة التي هي نتيجة أفعالهم القبيحة، وأقوالهم، مع القردة والخنازير لكونهم متخلقين بأخلاقهم، فيظنون أن الفتنة لا تكون إلا في بلدانهم فيختارون جلاء أوطانهم ويتركونها، والفتنة تكون لازمة لهم ولا تنفك عنهم حيث يكونون وينزلون.
أقول: قوله: ((تلفظهم أرضوهم إلخ)) جمل مستأنفات مبنية لقوله: ((ويبقى في الأرض شرار أهلها)) كأنه سئل: فما حال الأشرار الباقية؟ فقيل: تلفظهم أرضوهم، أي ترميهم وتقذفهم من أرضيهم إلى أخرى، وليس لهم فيها قرار.
ثم قيل: ومعاملة الله معهم؟ فقيل: يقذرهم فيبعدهم عن مظان رحمته ومحل كرامته.
ثم قيل: ما مآل آمرهم حينئذ؟ فيقل: تحشرهم النار مع القردة والخنازير.
وقوله: ((تبيت معهم)) إما جملة مؤكدة لما قبلها، أو حال منها.
الحديث الخامس عن ابن حوالة رضي الله عنه:
قوله: ((فإنها خيرة الله)) الخيرة بسكون الياء اسم من خار، فأما بالفتح فهي الاسم من قولك: اختاره الله، ومحمد صلى الله عليه وسلم خيرة الله من خلقه، يقال بالفتح والسكون.
قوله: ((فأما إن أبيتم فعليكم بيمنكم)) تو: هذا كلام معترض أدخله بين قوله: ((عليكم بالشام)) وبين قوله: ((واسقوا من غدركم)) أي ألزموا الشام واسقوا من غدركم.
((فإن الله تكفل لي بالشام وأهلها)) رخص لهم في النزول بأرض اليمن، ثم عاد على ما بدأ منه، وإنما أضاف اليمن إليهم لأنه خاطب به العرب، واليمن من أرض العرب.
الله عز وجل توكل لي بالشام وأهله)) رواه أحمد، وأبو داود [6276].
ــ
ومعنى قوله: ((واسقوا من غدركم)) أي ليسق كل واحد منكم من غديره الذي يختص به، والأجناد المجندة بالشام- لاسيما أهل الثغور والنازلين في المروج- من شأنهم أن تتخذ كل فرقة لنفسها غديراً تستنقع فيه الماء للشرب والتطهر وسقي الدواب، فوصاهم بالسقي مما يختص بهم وترك المزاحمة فيما سواه والتغلب لئلا يكون سبباً للاختلاف وتهيج الفتنة.
أقول: كأن قوله: ((فأما إن أبيتم)) وارد على التأنيب والتعيير، يعني: أن الشام مختار الله من الأرض، فلا يختارها إلا خيرة الله من عباده، فإن أبيتم أيها العرب ما اختاره الله تعالى، واخترتم بلادكم ومسقط رأسكم من البوادي فالزموا يمنكم، واسقوا من غدرها لأنه أوفق لكم من البوادي، ألا ترى كيف جمع الضميرين في القرينتين بعد أن أفرده في قوله:((عليكم بالشام)) فعلم من هذا أن الشام أولى بالاختيار واليمن عند الاضطرار.
والغدر: جمع غدير وهي حفرة يستنقع فيها الماء، والعرب أكثر الناس اتخاذاً لها، ولذلك أضيف إليهم.
وهاتان الإضافتان بعد نسبته أرض الشام إلى الله تعالى يرشدانك إلى أن الكلام ليس فيه اعتراض، وكذا ((أما)) التفصيلية، ثم إن قوله:((فإن الله توكل لي بالشام)) مرتب على الكلامين، كأنه قيل: الشام هو الاختيار، واليمن عند الاضطرار، فإن الله تعالى توكل لي بالشام.
((تو)): في سائر نسخ المصابيح: ((فإن الله قد توكل لي بالشام)) والصواب: ((قد تكفل لي)) وهو سهو إما في أصل الكتاب أو من بعض رواة الحديث، فنقل [على ما وجد].
((قض)): أراد بالتوكل التكفل، فإن من توكل بشيء فقد تكفل بالقيام به، والمعنى: أنه تعالى ضمن لي حفظها وحفظ أهلها من بأس الكفرة واستيلائهم، بحيث يتخطفهم ويدمرهم بالكلية.
أقول: في مسند أحمد وجامع الأصول عن أبي الدرداء كما في المصابيح.
وقوله: ((لي)) ليس بصلة توكل، وصلته: إما ((على)) أو ((الباء))، ولا يجوز الأول فتعين الثاني، أي: توكل بالشام لأجلي.
((نه)): يقال: توكل بالأمر إذا ضمن القيام به.
الفصل الثالث
6277 -
عن شريح بن عبيد، قال: ذكر أهل الشام عند علي [رضي الله عنه] وقيل: العنهم يا أمير المؤمنين! قال: لا، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:((الأبدال يكونون بالشام، وهم أربعون رجلاً، كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلاً، يسقى بهم الغيث وينتصر بهم على الأعداء، ويصرف عن أهل الشام بهم العذاب)) [6277].
6278 -
وعن رجل من الصحابة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((ستفتح الشام، فإذا خيرتم المنازل فيها، فعليكم بمدينة يقال لها دمشق، فإنها معقل المسلمين من الملاحم وفسطاطها، منها أرض يقال لها: الغوطة)). رواهما أحمد [6278].
6279 -
وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الخلافة بالمدينة، والملك بالشام)) [6279].
6280 -
وعن عمر [رضي الله عنه] قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((رأيت عموداً من نور، خرج من تحت رأسي ساطعاً حتى استقر بالشام)). رواهما البيهقي في ((دلائل النبوة)) [6280].
ــ
الفصل الثالث إلى آخره
رجل: []
قوله: ((معقل المسلمين)) هو من معقل [الأروية]، أي يتحصن المسلمون ويلتجئون إلى دمشق، كما يلتجئ الوعل إلى رأس الجبل.
و ((الملحمة)) الحرب والقتال.
و ((الفسطاط)) أراد به البلدة الجامعة للناس، ومنه سميت مصر الفسطاط.
و ((الغوطة)) اسم البساتين والمياه التي عند دمشق، وهي غوطة دمشق.