الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الله، لا إله إلا أنت، أحدا صمدا، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحدا، فقال رسوال الله صلى الله عليه وسلم:((لقد سأل الله باسمه الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب)) قلت: يارسول الله! أخبره بما سمعت منك؟ قال: ((نعم)).فاخبرته بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لي: أنت اليوم لي أخ صديق، حدثتني بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه رزين [2293].
(3) باب ثواب التسبيح والتحميد
والتهليل والتكبير
الفصل الأول
2294 -
عن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((أفضل الكلام أربع: سبحان الله، والحمدلله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)).وفي رواية: أحب الكلام إلي
ــ
وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتقدير: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحال أن أبا موسى يقرأ، ويؤيد هذا التأويل رواية شرح السنة بعد هذا، فعلم من ذلك أن الرجل في صدر الحديث هو أبو موسى، وفي رواية شرح السنة ((قال بل هو مؤمن منيب)).
عبد الله بن قيس، أو أبي موسى قوله:((أحدا صمدا)) منصوبان علي الاختصاص، لقوله تعالي:} شهد الله أنه لا إله إلا هو- إلي قوله- قائما بالقسط {. وفي شرح السنة: مرفوعان معرفتان صفتان لله. وفي الحديث دليل علي أن من رأي أو سمع في حق أخيه المسلم ما يسره من أمور الدين، يجب عليه إعلامه ليؤدي حق الأخوة.
باب ثواب التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير
الفصل الأول
الحديث الأول عن سمرة: قوله: ((أفضل الكلام أربع)) ((مح)):هذا محمول علي كلام البشر، وإلا فالقرآن أفضل من التسبيح والتهليل المطلق، وأما المأثور في وقت، أو حال ونحو ذلك، فالاشتغال به أفضل. ((قض)):الظاهر أن المراد من الكلام كلام البشر، فإن الثلاث الأول وإن
الله أربع، سبحان الله، والحمدلله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، لا يضرك بأيهن بدأت)) رواه مسلم [2294].
2295 -
وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لأن أقول: سبحان الله
ــ
وجدت في القرآن، لكن الرابعة لم توجد فيه، ولا يفضل ما ليس فيه علي ما هو فيه؛ ولأنه روى أنه صلى الله عليه وسلم قال:((أفضل الذكر بعد كتاب الله: سبحان الله، والحمدلله، ولا إله إلا الله، والله أكبر))،والموجب لفضلها اشتمالها علي جملة أنواع الذكر، ومن التنزيه، والتحميد، والتمجيد، والتوحيد، ودلالتها علي جميع المطالب الإلهية إجمالا. وهذا النظم وإن لم يتوقف عليه المعنى المقصود؛ لاستقلال كل واحدة من الجمل الأربع، ولذلك جاء في رواية ((لا يضرك بأيهن بدأت)) لكنه حقيق بأن يراعي؛ لأن الناظر المتدرج في المعارف يعرفه سبحانه أولا بنعوت الجلال التي هي تنزيه ذاته عما يوجب حاجة أو نقصا. ثم بصفات الإكرام، وهي الصفات الثبوتية التي بها يستحق الحمد، ثم يعلم أن من هذا شأنه لا يماثله غيره، ولا يستحق الألوهية سواه، فيكشف له من ذلك أنه أكبر، إذ كل شيء هالك إلا وجه، له الحكم، وإليه ترجعون.
أقول: قوله: ((لا يضرك)) بعد إيراد الكلمات علي النسق والترتيب يشعر بأن العزيمة أن يراعي الترتيب، والعدول عنه رخصة ورفع للجناح، روي عن مالك بن أنس: أن الباقيات الصالحات هي هذه الكلمة، ولعله صلوات الله عليه قد خصها بالباقيات الصالحات؛ لكونها جامعات للمعارف الإلهية، فالتسبيح تقديس لذاته عما لا يليق بجلاله، وتنزيه لصفاته من النقائص، والتحميد منبه علي معنى الفضل والإفضال من الصفات الذاتية والإضافية، والتهليل توحيد للذات، ونفي للضد والند، وتنبيه علي التبري عن الحول والقوة إلا به، واختتامها بالتكبير اعتراف بالقصور في الأفعال والأقوال. قال:((لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت علي نفسك)).وفي هذا التدرج لمعة من معنى العروج للسالك العارف. وتسميتها بالباقيات الصالحات؛ لما أنه تعالي قابلها بالفإنيات الزائلات أعني ((وأضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء)) الآية، وخص منها ما هو العمدة فيها، ويحصل منه تزيين المجالس، والتفاخر في المحافل من المال والبنين، وجعلها خير منها ثوابا وخير مؤمل. ((حس)):يحتج بهذا الحديث من يذهب إلي أن من حلف أن لا يتكلم اليوم، فسبح أو كبر، أو هلل، أو ذكر الله أنه يحنث؛ لأن الكل كلام، وهو قول بعض أهل العلم، وذهب قوم إلا أنه لا يحنث إلا أن يريده بنيته.
الحديث الثالث عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((في ((يوم)) مطلق، لم يعلم في أي
الحمدلله، ولا إله إلا الله، والله أكبر أحب إليا مما طلعت عليه الشمس)) رواه مسلم. [2295]
2296 -
وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من قال سبحان الله وبحمده في اليوم مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر)) متفق عليه.
2297 -
وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من قال حين يصبح وحين يمسي: سبحان الله وبحمده مائة مرة لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثل ما قال أو زاد عليه)) متفق عليه.
2298 -
وعنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كلمتان خفيفتان علي اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلي الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)) متفق عليه.
ــ
وقت من أوقاته، لا يقيد بشيء منها. قوله ((مثل زبد البحر)) هذا وأمثاله نحو ((ما طلعت عليه الشمس)) كنايات، عبر بها عن الكثرة عرفا. ((مح)):ظاهر الإطلاق يشعر بأنه يحصل هذا الأجر المذكور لمن قال ذلك مائة مرة في يومه، سواء قاله متوالية أو متفرقة في مجالس، أو بعضها أول النهار وبعضها آخره، لكن الأفضل أن يأتي بها متوالية في أول النهار.
الحديث الرابع عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((أو زاد عليه)) ((مح)):فيه دليل علي أنه لو قال هذا التهليل أكثر من مائة مرة في اليوم، كان له هذا الأجر المذكور والزيادة عليه، وليس هذا من التحديد الذي نهي عن اعتدائها، والمجاوزة عن أعدادها، وأن زيادتها لأفضل فيها، أو يبطلها كالزيادة في عدد الطهارة، وعد ركعات الصلاة، ويحتمل أن يكون المراد بالزيادة ما أتى من أعمال الخير، لا من نفس التسبيح.
أقول: والاستثناء قوله: ((إلا أحد)) منقطع، فالتقدير: لم يأت أحد بأفضل مما جاء، ولكن رجل قال مثل ما قاله، فإنه يأتي بمساو له، ولا يستقيم أن يكون متصلا إلا علي التأويل. نحو قول الشاعر:
وبلدة ليس بها إنيس
…
إلا اليعافير وإلا العيس
الحديث الخامس عن أبي هريرة رضي الله عنه قوله: ((كلمتان خفيفتان)) الخفة مستعارة للسهولة، شبه سهولة جريان الكلمتين علي اللسان بما يخف علي الحامل من بعض الأمتعة،
2299 -
وعن سعد بن أبي وقاص. قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:((أيعجز أحدكم أن يكسب كل يوم ألف حسنة؟)) فسأل سائل، من جلسائه: كيف يكسب أحدنا ألف حسنة؟ قال: يسبح مائة تسبيحة، فيكتب له مائة حسنة، أو يحط عنه ألف خطيئة)) رواه مسلم.
وفي كتابه: في جميع الروايات عن موسى الجهني: ((أو يحط))، قال أبو بكر البرقإني: ورواه شعبة، وأبو عوانة، ويحيي بن سعيد القطان عن موسى، فقالوا:((ويحط)) بغير ألف. هكذا في كتاب الحميدي.
2230 -
وعن أبي ذر، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الكلام أفضل؟ قال: ((ما اصطفي الله لملائكته سبحان الله وبحمده)) رواه مسلم.
ــ
فلا يتعبه كالشيء الثقيل، فذكر المشبه به وأراد المشبه، وأما الثقل فعلي الحقيقة عند علماء أهل السنة؛ إذ الأعمال تتجسم حينئذ، والخفة والسهولة من الأمور النسبية فهما مختصران من قوله:((سبحان الله والحمدلله ولا إله إلا الله، والله أكبر)) فتدبر.
وفيه حث علي المواظبة عليها، وتحريض علي ملازمتها، وتعريض بأن سائر التكاليف صعبة شاقة علي النفس ثقيلة، وهذه خفيفة سهلة عليها، مع أنها تثقل في الميزان ثقل غيرها من التكاليف، فلا يتركوها إذا. روى في الآثار أنه سئل عيسى عليه السلام: ما بال الحسنة تثقل، والسيئة تخف؟ فقال: لأن الحسنة حضرت مرارتها، وغابت حلاوتها، فلذلك ثقلت عليكم، فلا يحملنكم ثقلها علي تركها، فإن بذلك ثقلت الموازين يوم القيامة،، والسيئات حضرت حلاوتها، وغابت مرارتها، فخفت عليكم، فلا يحملنكم علي فعلها خفتها، فإن بذلك خفت الموازين يوم القيامة.
الحديث السادس عن سعد: قوله: ((وفي كتابه)) إلي آخر الفصل مذكور في شرح صحيح مسلم. أقول: يختلف معنى الواو وأو إذا أريد به أحد الأمرين، وأما إذا أريد به التنويع. فهما سيان في القصد.
الحديث السابع عن أبي ذر رضي الله عنه: قوله: ((اصطفي الله لملائكته)) لمح به إلي قوله تعالي:} ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك {،ويمكن أن تجعل هذه الكلمة مختصرة من قوله:((سبحان الله، والحمدلله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)) لما سبق أنه سبحان الله)) تنزيه
2301 -
وعن جويرية أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من عندها بكرة حين صلي الصبح، وهي في مسجدها، ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة، قال:((مازلت علي الحال التي فارقتك عليها؟)) قالت: نعم قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات، لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله وبحمده عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته)) رواه مسلم.
ــ
لذاته عما يليق بجلاله، وتقديس لصفاته من النقائص، فيندرج فيه معنى قوله ((لا إله إلا الله))، وقوله ((وبحمده)) صريح في معنى ((والحمدلله صلى الله عليه وسلم)؛لأن الإضافة فيه بمعنى اللام في الحمد، ومستلزم لمعنى ((والله أكبر))؛لأنه إذا كان كل الفضل والإفضال لله ومن الله، وليس من غيره، فلا يكون أحد أكبر منه.
فإن قلت: يلزم من هذا أن يكون التسبيح أفضل من التهليل. قلت: لا يلزم ذلك؛ إذ التهليل تصريح في التوحيد، والتسبيح متضمن له، ولأن نفي الإلهية في قول:((لا إله إلا الله)) نفي لمصححهما من الخالقية والرازقية وكونه مثيبا ومعاقبا من الغير، وقوله:((إلا الله)) إثبات له، يلزم من ذلك ما نفي ما يضاد الإلهية ويخالفها من النقائض، فمنطوق ((سبحان الله)) تنزيه، ومفهومه توحيد، ومنطوق ((لا إله إلا الله)) توحيد، ومفهومه تقديس، فإذا اجتمعا دخلا في أسلوب الطرد والعكس، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الحديث الثامن عن جويرية، وهي زوجة النبي صلى الله عليه وسلم، واسم أبيها الحارث بن ضرار: قوله: ((في مسجدها)) أي موضع سجودها للصلاة بعد أن أضحى، أي دخل في الضحى. و ((أربع كلمات)) نصب علي المصدر، أي تكلمت بعد مفارقتك أربع كلمات. قوله:((لوزنتهن)) ((تو)):أي ساوتهن، أي لو قوبلت بما قلت لساوتهن، ويحتمل أن يراد الرجحان، أي رجحت عليهن في الوزن، كما تقول: حاججته فحججته، أي غلبته في الحجة، أعاد الضمير إلي ما يقتضيه المعنى لا إلي لفظه ((ما)) في قوله:((ما قلت))،وفيه تنبيه علي أنها كلمات كثيرة، و ((اليوم)) في قوله:((منذ اليوم)) مجرور، وهو الاختيار.
((شف)):وقوله: ((عدد خلقه)) وكذلك ما بعده نصب علي المصدر، أي سبحته تسبيحا يساوي خلقه عند التعداد، وزنة عرشه، ومداد كلماته في المقدار، ويوجب رضي نفسه، أو يكون ما يرتضيه لنفسه. ((مظ)):((عدد خلقه)) منصوب علي المصدر، أي أعد تسبيحه وتحميده بعدد خلقه، وبمقدار ما يرضاه خالصا، وبثقل عرشه، ومقداره، وبمقدار كلماته. ((تو)):((زنة عرشه)) ما يوازنه في القدر والرزانة، يقال: هو زنة الجبل أي حذاؤه في الثقل، والوزانة المداد، مصدر، تقول: مددت الشيء أمده مدا ومدادا. وقيل: يحتمل أن يكون جمع مد- بالضم- أي
2302 -
وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله: ((من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو علي كل شيء قدير في اليوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر منه)) متفق عليه.
2303 -
وعن أبي موسى الأشعري، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فجعل الناس يجهرون بالتكبير، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يأيها الناس! أربعوا علي أنفسكم؛ إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنكم تدعون سميعا بصيرا، وهو معكم،
ــ
مكيال، فإنه يجمع علي مداد، وكلمات الله علمه، وقيل: كلامه، وقيل: يراد به القرآن، وذكر العدد علي المجاز مبالغة بالكثرة؛ لأنها لا تتعدد ولا تنحصر.
((مح)) فيه ترقى. أقول: قوله: ((أربع كلمات)) يقتضي تقدير الناصب في كل من المنصوبات؛ إذ الكلمات خمس، كأنه قيل: سبحان الله وبحمده عدد خلقه، وسبحان الله وبحمده رضي نفسه، وهلم جر. فإن قلت: كيف أصرح في القرينة الأولي بالعدد، وفي الثالثة بالزنة، وعزل الثانية والرابعة عنهما؟ قلت: ليؤذن بأنهما لا يدخلان في جنس المعدود والموزون، ولا يحصرهما المقدار لا حقيقة ولا مجازا، فيحصل الترقي حينئذ من عدد الخلق إلي رضي الله، ومن زنة العرش إلي مداد الكلمات.
الحديث التاسمع عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((محيت عنه مائة سيئة)) ((مح)):جعل في هذا الحديث التهليل ماحيا للسيئات مقدارا معلوما، وفي حديث التسبيح جعل التسبيح ماحيا لها مقدار زبد البحر، فيلزم أن يكون التسبيح أفضل، وقد قال في حديث التهليل:((ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به))؟ أجاب القاضي عياض: أن التهليل المذكور في هذا الحديث أفضل؛ لأنه جزاءه مشتمل علي محو السيئات، وعلي عتق عشر رقاب، وعلي إثبات مائة حسنة، والحرز من الشيطان.
الحديث العاشر عن أبي موسى: قوله: ((أربعوا علي أنفسكم)) أي ارفقوا بها، يقال: أربع علي نفسك، أي انتظر، وقيل: المعنى أمسكوا عن الجهر وقفوا عنه،، من أربع الرجل بالمكان، إذا وقف عن السير وأقام. قوله:((إنكم تدعون سميعا بصيرا)) كالتعليل لقوله: ((لا تدعون أصم))،وقوله:((وهو معكم)) لقوله ((ولا غائبا)).فإن قلت: فما فائدة الزيادة في قوله: ((بصيرا))؟ قلت: السميع البصير أشد إدراكا وأكمل إحساسا من الضرير والأعمى.
والذي تدعونه أقرب إلي أحدكم من عنق راحلته. قال أبو موسى: وأنا خلفه أقول: لا حول ولا قوة إلا بالله في نفسي، فقال:((يا عبدالله بن قيس! ألا أدلك علي كنز من كنوز الجنة؟))، فقلت بلي يا رسول الله. قال:((لا حول ولا قوة إلا بالله)) متفق عليه.
الفصل الثاني
2304 -
عن جابر، قال: قال رسول الله: ((من قال سبحان الله العظيم وبحمده غرست له نخلة في الجنة)) رواه الترمذي [2304].
ــ
قوله: ((والذي تدعونه)) أقرب تمثيل لمعنى قرب القريب، والمبالغة فيه، فيكون ترقيا من قوله:((وهو معكم)).قوله: ((لا حول ولا قوة إلا بالله)) ذكر في إعرابه وجوه خمسة في كتب النحو. ((تو)) الأصل في الحول تغيير الشيء وانفصاله عن غيره، فيفسر بالحالة، وهي ما يتوصل به إلي حيلة ما خفية. وقيل: الحيلة هي الحول، قلبت واوه ياء لانكسار ما قبلها، والمعنى لا توصل إلا تدبير أمر وتغيير حال إلا بمشيئتك ومعونتك. وقيل: الحول الحركة، يقال: حال الشخص إذا تحرك، فالمعنى لا حركة ولا استطاعة إلا بمشيئة الله. ومعنى قوله:((كنز من كنوز الدنيا)) أنه يعد لقائله، ويدخر له من الثواب ما يقع له في الجنة موقع الكنز في الدنيا؛ لأن من شأن الكانزين أن يسعدوا به، ويستظهروا بوجدان ذلك عند الحاجة.
قوله: ((كنز من كنوز الجنة)) قد سبق مثل هذا التركيب أنه ليس باستعارة؛ لذكر المشبه وهو الحوقلة، والمشبه به وهو الكنز، ولا التشبيه الصرف؛ لبيان الكنز بقوله:((من كنوز الجنة))؛بل هو من إدخال الشيء في جنس، وجعل أحد أنواعه علي التغليب ونحوه قوله تعالي:} لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم {فالكنز إذن نوعان: المتعارف. وهو المال الكثير يجعل بعضه فوق بعض ويحفظ، وغير المتعارف، وهي هذه الكلمة الجامعة المكتنزة بالمعإني الإلهية، كما أنها محتوية علي التوحيد الخفي؛ لأنه إذا نفيت الحيلة والحركة والاستطاعة عما من شأنه ذلك، وأثبتت لله علي سبيل الحصر وبإيجاده واستعانته وتوفيقه، لم يخرج شيء من ملكه وملكوته، ومن الدلالة علي أنها دالة علي التوحيد الخفي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي موسى ((ألا أدلك علي كنز من الكنوز)) مع أنه كان يذكرها في نفسه، والدلالة إنما تستقيم علي ما لم يكن عليه، وهو أنه لم يعلم أنه توحيد خفي، وكنز من الكنوز، ولأنه لم يقل: ما ذكرته كنز من الكنوز، بل صرح بها وقال:((لا حول ولا قوة إلا بالله)) تنبيها له علي هذا السر، والله أعلم.
الفصل الثاني
الحديث الأول والثاني عن الزبير رضي الله عنه قوله: ((صباح)) نكرة وقعت في سياق النفي،
2305 -
وعن الزبير، قال: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من صباح يصبح العباد إلا مناد ينادي: سبحوا الملك القدوس)) رواه الترمذي. [2305]
2306 -
وعن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((أفضل الذكر: لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمدلله)) رواد الترمذي، وابن ماجه. [2306]
ــ
وضمت إليها ((من)) الإستغراقيو لإفادة الشمول، ثم جئ بقوله:((يصبح)) صفة مؤكدة لمزيد من الشمول والإحاطة، كقوله تعالي:} وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه {الآية. قوله: ((سبحوا الملك القدوس)) ((مظ)):أي قولوا: سبحان الملك القدوس. أو ما في معناه من قوله: سبوح قدوس رب الملائكة والروح. أقول: كأنه قيل: نزهوا عن النقائص من هو منزه عنها.
الحديث الثالث عن جابر رضي الله عنه: قوله: ((أفضل الذكر لا إله إلا الله)) قال بعض المحققين: إنما جعل التهليل أفضل الذكر؛ لأن لها تأثير في تطهير الباطن عن الأوصاف الذميمة التي هي معبودات في باطن الذاكر، قال تعالي:} أفرأيت من اتخذ إلهه هواه {فيفيد نفي عموم الإلهية بقول: ((لا إله)) ويثبت الواحد بقوله: ((إلا الله)) ويعود الذكر من ظاهر لسانه إلي باطن قالبه، فيتمكن فيه ويستولي علي جوارحه. وجد حلاوة هذا من ذاق. وإطلاق الدعاء علي الحمد من باب المجاز، ولعله جعل أفضل الدعاء من حيث أنه دعاء لطيف يدق مسلكه، ومن ذلك قول أمية بن أبي الصلت حين خرج إلي بعض الملوك يطلب نائله:
إذا أثنى عليك المرء يوما
…
كفاه من تعرضه الثناء
أقول: يمكن أن يكون قوله: ((الحمدلله)) من باب التلميح والإشارة إلي قوله:} اهدنا الصراط المستقيم*صراط الذين أنعمت عليهم {وأي دعاء أفضل وأكمل وأجمع من ذلك! ونظيره قوله تعالي:} ولقد فضلنا بعض النبيين علي بعض وآتينا داود زبورا {الكشاف: قوله: ((وآتينا داود زبورا)) دلالة علي وجه تفضيل محمد صلوات الله عليه، وهو أنه خاتم الأنبياء، وأن أمته خير الأمم؛ لأن ذلك مكتوب في الزبور، قال تعالي:((ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون)).ونظائر هذا كثيرة في التبيان.
((مظ)):إنما كان التهليل أفضل الذكر؛ لأنه لا يصح الإيمان إلا به، وإنما جعل ((الحمدلله))
2307 -
وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الحمد رأس الشكر، ما شكر الله عبدا لا يحمده)). [2307]
2308 -
وعن ابن عباس، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أول ما دعي إلي الجنة
ــ
أفضل الدعاء؛ لأن الدعاء عبارة عن ذكر الله، وأن يطلب منه حاجته، و ((الحمدلله)) تشملهما؛ فإن من حمد الله إنما يحمده علي نعمته،، والحمد علي النعمة طلب مزيد، قال تعالي:} لئن شكرتم لأزيدنكم {.
الحديث الرابع عن عبدالله بن عمرو: قوله: ((الحمد رأس الشكر)) –الكشاف-:الحمد الثناء علي الجميل من نعمة وغيرها، تقول: حمدته علي إنعامه وعلي شجاعته، وأما الشكر فعلي النعمة خاصة، وهو بالقلب واللسان والجوارح، والحمد باللسان وحده، فهو إحدى شعب الشكر. وإنما جعل رأسا؛ لأن ذكر النعمة باللسان، والثناء علي موليها أشيع لها وأدل علي مكانها من الاعتقاد، وآداب الجوارح لخفاء عمل القلب، وما في عمل الجوارح من الاحتمال، بخلاف عمل اللسان، وهو النطق الذي يفصح عن كل خفي، ويجلي عن كل مشتبه.
وأقول: ولذلك صرح نبي الله داود وسليمان القول بالتحميد، وقصرا عليه، وكنيا عن أعمال الجوارح والقلب بالواو العاطفة في قوله تعالي:} ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمدلله {إذ التقدير: آتينا داود وسليمان علما، فعملا به وعلماه، وعرفا حق النعمة، وقالا: الحمدلله، ونحن لما ذهبنا إلي أن ((الحمدلله)) أفضل الدعاء في الحديث السابق تلميحا إلي ما في الفاتحة، فتقول: إنما كان رأس الشكر؛ لأنه حكم رتب عليه الأوصاف الآتية إشعارا بالعلية، فيجعل اللام فيه للاستغراق؛ ليدل علي أن كل ثناء وشكر صدر عن المخلوقات من الملائكة، والثقلين وغيرهما، من ابتداء خلقتهم إلي الأبد لله تعالي؛ لأنه ربهم ومولي نعمهم جلائلها ودقائقها، وظاهرها وباطنها، ومالك أمورهم في العاقبة، فأي حمد أفضل وأعلي وأسنى منه؟ فطابق معنى الحمد معنى الدعاء في قوله:((اهدنا الصراط المستقيم)) يعني حمدناك بما هو رأس الشكر، فأولنا ما هو أفضل، وهي الهداية إلي الصراط المستقيم.
قوله: ((ما شكر الله عبد لم يحمده)) ((قض)):ولما جعل الحمد رأس الشكر، وأصله والعمدة فيه، حتى انعكس عليه، حتى انعكس عليه، لم يعتد بغيره من الشعب عند فقده، وكان التارك له كالمعرض عن الشكر رأسا.
الحديث الخامس عن ابن عباس رضي الله عنهما: قوله: ((في السراء والضراء)) هو عبارة عن
يوم القيامة الذين يحمدون الله في السراء والضراء)) رواهما البيهقي في ((شعب الإيمان)) [2308]
2309 -
وعن أبس سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قال موسى عليه السلام: يارب! علمني شيئا أذكرك به، وأدعوك به، فقال: يا موسى! لو أن السموات السبع وعامرهن، غيري، والأرضين السبع وضعن في كفة، ولا إله إلا الله في كفة لمالت بهن لا إله إلا الله)) رواه في ((شرح السنة)). [2309]
ــ
جميع أحوال الإنسان، فالسراء من المسرة، والضراء من المضرة، والمقابلة بينهما من حيث المعنى؛ إذ المقابلة الحقيقية للسرور الحزن، وللضر النفع، فقوبل بينهما لمزيد التعميم والإحاطة، وهو أسلوب غريب في البديع.
الحديث السادس عن أبس سعيد رضي الله عنه: قوله: ((أذكرك به)) خبر مبتدأ محذوف استئنافا، أي أنا أذكرك، ولا يجزم جوابا للأمر لعطف قوله:((أو أدعوك به)) ويجوز الجزم، وعطف ((أو أدعوك)) بالجزم علي منوال قوله ولسنا بالجبال ولا الحديدا.
قوله: ((قال: يا موسى! قل: لا إله إلا الله)) فإن قلت: طلب موسى ما به يفوق علي غيره من الذكر أو الدعاء، فما مطابقة الجواب السؤال؟ قلت: كأنه تعالي قال: طلبت شيئا محالا؛ إذ لا ذكر ولا دعاء أفضل من هذا، إذ المطلوب من الذكر والدعاء الثواب، فلا ثواب أعظم من ثوابها. وفي إخراج ذاته تعالي من بين عمارها إشعار بأن لا غاية لثواب هذه الكلمة؛ إذ المعنى: أن ثواب هذه الكلمة، أو مدلولها لو وزنت بالسموات والملائكة القانطين فيها، والموكلين بحفظها، والأرضين السبع لترجحت، والزبدة والخلاصة منه: أنه لو وزنت بجميع الكائنات لرجحت، ولإرادة الاستيعاب، وأن المعنى به ما سوى الله استثناه بقوله:((وعامرهن غيري)) وهذا الذي أردناه بالمحال.
قوله: ((عامرهن)) العمارة نقيض الخراب، يقال: عمر أرضه يعمرها عمارة، والعمر اسم للمدة التي فيها عمارة البدن بالحياة، والعمرة الزيارة التي فيها عمارة الود. وقوله:((إنما يعمر مساجد الله)) إما من العمارة التي هي حفظ البناء، أو من العمرة التي هي الزيارة، أو من
2310 -
وعن أبي سعيد، وأبي هريرة (رضي الله عنهما)، قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من قال: لا إله إلا الله والله أكبر، صدقه ربه. قال: لا إله إلا أنا وأنا أكبر، وإذا قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الله: لا إله إلا أنا وحدي، لا شريك لي، وإذا قال: لا إله إلا الله له الملك وله الحمد، قال: لا إله إلا أنا، لي الملك ولي الحمد، وإذا قال: لا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، قال: لا إله إلا أنا لا حول ولا قوة إلا بي)) وكان يقول: ((من قالها في مرضه ثم مات لم تطعمه النار)) رواه الترمذي، وابن ماجه. [2310]
ــ
قولهم ((عمرت بمكان كذا)) أي أقمت به. ((قض)):عامر الشيء حافظه، ومدبره، وممسكه من الخلل والانحلال، ولذك سمي الساكن والمقيم في البلدة عامره، وسمي زوار البيت عمارا. وفي الحديث علي المعنى الأعم الذي هو الأصل والحقيقة؛ ليصبح استثناؤه تعالي عنه، فإنه الذي يمسك السموات والأرض أن تزولا بالحقيقة.
أقول: لو حمل علي جميع مفهومات العمارة من الإصلاح، والمرمة، والحفظ والإمساك، والزيارة، والإقامة وغير ذلك لم يستبعد، فيكون من باب قوله:} إن الله وملائكته يصلون علي النبي {أو يكون ((غيري)) صفة لـ ((عامرهن))،وهذا أولي بسياق الحديث، وإرادة المبالغة منه. ((مظ)):قوله: ((غيري)) مشكل علي تأويل العامر بالساكن؛ فإن الله ليس بساكن فيها، فمعنى العامر- المصلح؛ لأنه تعالي مصلح للسموات والأرض ومن فيهن، والملائكة في السموات مصلحوها بالسكون، وأهل الأرض مصلحوها كذلك، فإذن صح الاستثناء، ويحتمل أن يكون التقدير: وما فيهن كلامي وذكري، فحذف المضاف.
الحديث السابع عن أبي سعيد رضي الله عنه قوله: ((صدقه ربه)) أي قرره بأن قال ما قال، وهو أبلغ من أن لو قال: صدقت، نحوه قوله تعالي:} لقد صدق الله رسوله الرؤيا {أي حقق في اليقظة ما رآه صلى الله عليه وسلم في النوم، وقوله:} والذي جاء بالصدق وصدق به {،فقوله: ((لا إله إلا أنا)) بيان لقوله: ((صدقه)) لأنه هو التصديق بعينه. قوله: ((لم تطعمه النار)) استعار الطعم للإحراق مبالغة، كأن الإنسان طعامها تتغذى وتتقوى به، نحو قوله:} وقودها الناس والحجارة {أي الناس كالوقود والحطب الذي تشتعل به النار.
2311 -
وعن سعد بن أبي وقاص، أنه دخل مع النبي صلى الله عليه وسلم علي امرأة وبين يديها نوى أو حصى، تسبح به فقال:((ألا أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا أو أفضل؟ سبحان الله عدد ما خلق في السماء. وسبحان الله عدد ما خلق في الأرض، وسبحان الله عدد مابين ذلك، وسبحان الله عدد ما هو خالق، والله أكبر مثل ذلك، والحمدلله مثل ذلك، ولا إله إلا الله مثل ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك)) رواه الترمذي، وأبو داود، وقال الترمذي: هذا حديث غريب. [2311]
2312 -
وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله: ((من سبح مائة بالغداة ومائة بالعشي؛ كان كمن حج مائة حجة، ومن حمد الله مائة بالغداة ومائة بالعشي؛ كان كمن حمل علي مائة فرس في سبيل الله، ومن هلل الله مائة بالغداة ومائة بالعشي؛ كان كمن أعتق مائة رقبة من ولد إسماعيل، ومن كبر الله مائة بالغداة ومائة بالعشي؛ لم يأت في ذلك اليوم أحد بأكثر مما أتى به إلا من قال مثل ذلك، أو زاد علي ما قال)).رواه الترمذي، وقال هذا حديث حسن غريب. [2312]
ــ
الحديث الثامن عن سعد رضي الله عنه: قوله: ((أو أفضل)) ((مظ)):شك الراوي أي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيسر عليك، أو قال: أفضل. أقول: ويمكن أن يكون ((أو)) بمعنى بل، وإنما كان أفضل؛ لأنه اعترف بالقصور، وأنه لا يقدر أن يحصي ثناؤه، وتسبيحه علي العد بالنواة إقدام علي أنه قادر علي الإحصاء، كما قال:((لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت علي نفسك)).قوله: ((عدد ما خلق في السماء)) في ((ما)) وجهان: أحدهما أنه عام في الأجناس كلها، سواء كانت ذوات العلم أم لا، وثإنيهما جعل ذوا العلم بمنزلة غيره علي تأويل المعدود.
قوله: ((ما هو خالق)) أي ما هو خالقه، أجمل بعد التفصيل؛ لأن اسم الفاعل إذا أسند إلي الله يفيد الاستمرار من بدء الخلق إلي الأبد- الكشاف-:قوله:} وجاعل الليل سكنا {ما هو بمعنى المضي، وإنما هو دال علي جعل مستمر في الأزمنة المختلفة، كما تقول: الله قادر عالم، فلا تقصد زمانا دون زمان. قوله:((مثل ذلك)) ((مثل)) منصوب نصب عدد في القرائن السابقة علي المصدر.
الحديث التاسع عن عمرو بن شعيب: قوله: ((من ولد إسماعيل)) تتميم ومبالغة في معنى
2313 -
وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((التسبيح نصف الميزان. والحمدلله يملؤه. ولا إله إلا الله ليس لها حجاب دون الله حتى تخلص إليه)) رواه الترمذي. وقال: هذا حديث غريب، وليس إسناده بالقوي. [2313]
2314 -
وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله، ((ما قال عبد لا إله إلا الله مخلصا قط إلا فتحت له أبواب السماء حتى يفضي إلي العرش مااجتنب الكبائر)) رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب. [2314]
ــ
العتق؛ لأن فك الرقاب أعظم مطلوب، وكونه من عنصر إسماعيل الذي هو أشرف الخلق نسبا، أعظم وأمثل.
الحديث العاشر عن عبد الله بن عمرو: قوله: ((التسبيح نصف الميزان))،والحمدلله يملؤه)) قالوا: فيه وجهان، أحدهما أن يراد التسوية بين التسبيح والتحميد، بأن كل واحد منهما يأخذ نصف الميزان، فيملأن الميزان معا، وذلك؛ لأن الأذكار التي هي أم العبادات البدنية، والغرض الأصلي من شرعها تنحصر في نوعين، أحدهما: التنزيه، والآخر التمجيد، والتسبيح يستوعب القسم الأول، والتحميد يتضمن القسم الثاني. وثإنيهما: أن يراد بيان تفضيل الحمد علي التسبيح، وأن ثوابه ضعف ثواب التسبيح؛ لأن التسبيح نصف الميزان، والتحميد وحده يملؤه. وذلك؛ لأن الحمد المطلق إنما يستحقه من كان مبرءا عن النقائص، منعوتا بنعوت الجلال وصفات الإكرام، فيكون الحمد شاملا للأمرين وأعلي القسمين، وإلي الوجه الأول الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم:((كلمتان خفيفتان علي اللسان، ثقيلتان في الميزان)) وإلي الثاني بقوله صلى الله عليه وسلم: ((بيدي لواء الحمد يوم القيامة)).أقول: يؤيد معنى الترجيح الترقي في قوله: ((ولا إله إلا الله ليس لها حجاب))؛ لأن هذه الكلمة اشتملت علي التنزيه والتمجيد لله تعالي كما مر، وعلي نفي ذلك عما سواه صريحا، ومن ثم جعله من جنس آخر؛ لأن الأولين دخلا في معنى الوزن، والمقدار في الأعمال، وهذا حصل منه القرب إلي الله تعالي من غير حاجز ولا مانع.
الحديث الحادي عشر عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((حتى يفضي إلي العرش)) أي ينتهي إليه، وأصله من الفضاء. ((غب)):الفضاء المكان الواسع، ومنه أفضى بيده، وأفضى إلي امرأته، قال:((وقد أفضى بعضكم إلي بعض)). ((مظ)):الحديث المتقدم يدل علي أنه تجاوز من العرش حتى انتهي إلي الله تعالي، والمراد بهذا وأمثاله سرعة القبول، وكثرة الثواب. قيد سرعة القبول وكمال الثواب باجتناب الكبائر؛ فإن الثواب يحصل للقائل سواء
2315 -
وعن ابن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لقيت إبراهيم ليلة أسري بي. فقال: يا محمد! أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها سبحان الله، والحمدلله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)) رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن، غريب إسنادا. [2315]
2316 -
وعن بسيرة (رضي الله عنها)،وكانت من المهاجرات، قالت: قال لنا
ــ
اجتنب الكبائر أو لم يجتنب، ولكن ثواب من يجتنب الكبائر أكمل ممن لم يجتنب، فإن السيئة لا تحط الحسنة، بل تذهب الحسنة السيئة، قال تعالي:} إن الحسنات يذهبن السيئات {.
الحديث الثاني عشر عن ابن مسعود رضي الله عنه: قوله: ((أنها قيعان)) ((تو)):القيعان جمع قاع، وهو المستوي من الأرض، والغراس جمع غرس، وهو ما يغرس، والغرائس أيضا وقت الغرس، والغرس إنما يصلح في التربة الطيبة، وينمو بالماء العذب، المعنى: أعلمهم أن هذه الكلمات تورث قائلها الجنة، وتفيد مخارفتها، وأن الساعي في اكتسابها لا يصيع سعيه؛ لأنها المغرس الذي لا يتلف ما استودع فيه. وأقول: هنا إشكال؛ لأن هذا الحديث يدل علي أن الجنة أرض خالية عن الأشجار والقصور، ويدل قوله تعالي:} جنات تجري من تحتها الأنهار {وقوله تعالي:} أعدت للمتقين {علي أنها غير خالية عنها؛ لأنها إذا سميت جنة لأشجارها المتكاثفة المظلة بالتفاف أغصانها، وتركيب الجنة دائر علي معنى الستر، وأنها مخلوقة معدة للمتقين. والجواب: أنها كانت قيعانا، ثم إن الله تعالي أوجد بفضله وسعة رحمته فيها أشجارا وقصورا علي حسب أعمال العاملين، لكل عامل ما يختص به بحسب عمله، ثم إن الله تعالي لما يسره لما خلق له من العمل لينال به ذلك الثواب، جعله كالغارس لتلك الأشجار علي سبيل المجاز؛ إطلاقا للسبب علي المسبب. مثاله في الشاهد الوالد إذا ألف كتابا جامعا للآداب، فقال: هذا لولدي إذا تعلم ونشأ أدبيا، فإذا حصل له ولد بعد برهة علي ما أراد منه، فقال: أنت صاحب ذلك الكتاب، وأنت الذي حصلته، وجمعت ما فيه؛ لأنك أنت الغرض فيه، ولما كان سبب إيجاد الله الأشجار عمل العامل أسند الغراس إليه. والله أعلم بالصواب.
الحديث الثالث عشر عن بسيرة: قوله: ((والتهليل)) ((تو)):العرب إذا كثر إستعمالهم
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((عليكن بالتسبيح والتهليل، والتقديس. وأعقدن بالأنامل، فإنهن مسئولات مستنطقات، ولا تغفلن فتنسين الرحمة)) رواه الترمذي، وأبو داود. [2316]
الفصل الثالث
2317 -
عن سعد بن أبي وقاص، قال: جاء أعرابي إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: علمني كلاما أقوله، قال:((قل: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، الله أكبر كبيرا. والحمدلله كثيرا، وسبحان الله رب العالمين. لا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم)) فقال: فهولاء لربي، فما لي؟ فقال:((قل: اللهم اغفر لي، وأرحمني، واهدني، وازرقني وعافني)) شك الراوي في ((عافني)) رواه مسلم.
ــ
الكلمتين، ضموا بعض حروف إحداهما إلي بعض حروف الأخرى، مثل الحوقلة، والبسملة، فالتهليل مأخوذ من لا إله إلا الله، يقال: هيلل الرجل وهلل إذا قالها، أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تحصيل تلك الكلمات بأناملهن ليحط عنها بذلك ما اجترحته من الأوزار، فإنهن مسئولات مستنطقات، فيشهدن علي أنفسهن بما اكتسبنها، قال تعالي:} وما كنتم تسترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم)). ((مظ)):فيه تحريض علي استخدام جميع الأعضاء في الخيرات.
قوله: ((فتنسين الرحمة)) ((تو)):النسيان ترك ضبط ما استودع، وإما لضعف قلبه، وإما عن غفلة أو قصد، أي استحفظتن ذكر الرحمة، وأمرتن بمسألتها، فإذا غفلتن ضيعتن ما استودعن. ((مظ)):المعنى لا تتركن الذكر، فإنكن إن تركتن الذكر لحرمتن ثواب الذكر، فإن الله تعالي قال:} فاذكروني أذكركم {.وأقول: قوله: ((لا تغفلن)) نهي للأمرين، أي لا تغفلن عما ذكرت، لكن من اللزم علي الذكر والمحافظة عليه، والعقد بالأصابع توثيقا. وقوله: ((فتنسين)) جواب له، أي إنكن لو تغفلن عما ذكرت لكن تركتن سدى عن رحمة الله، هذا من باب قوله تعالي:} لا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي {أي لا تكن منكن الغفلة، فيكون من الله ترك الرحمة، فعبر بالنسيان عن الترك كما في قوله تعالي:} وكذلك اليوم تنسى {.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن سعد رضي الله عنه: قوله: ((الله أكبر كبيرا)) ((مح)):هو منصوب بفعل مضمر، أي كبرت كبيرا، ويجوز أن يكون حالا مؤكدة كقولك: زيد أبوك عطوفا. قوله:
2318 -
وعن أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر علي شجرة يابسة الأوراق، فضربها بعصاه، فتناثر الورق، فقال:((إن الحمدلله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، تساقط ذنوب العبد كما يتساقط ورق هذه الشجرة)) رواه الترمذي، وقال: هذه حديث غريب، [2318]
2319 -
وعن مكحول، عن أبي هريرة، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ فإنها من كنز الجنة)) قال المحكول: فمن قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ولا منجي من الله إلا إليه؛ كشف الله عنه سبعين بابا من الضر، أدناها الفقر. رواه الترمذي، وقال: هذا حديث ليس إسناده بمتصل، ومحكول لم يسمع عن أبي هريرة. [2319]
2320 -
وعن أبي هريرة رضي، قال: قال رسول الله صلي اللع عليه وسلم: ((لا حول ولا قوة إلا بالله دواء من تسعة وتسعين داء أيسرها الهم)). [2320]
2321 -
وعنه. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ألا أدلك علي كلمة من تحت العرش من كنز الجنة: لا حول ولا قوة إلا بالله، يقول الله تعالي: أسلم عبدي، واستسلم)) رواه البيهقي في ((الدعوات الكبير)). [2321]
ــ
((العزيز الحكيم)) هذه التتمة للحوقلة لم ترد في أكثر الروايات إلا عن الإمام أحمد بن حنبل، فإن أردفها بقوله:((العلي العظيم)).
الحديث الثاني عن أنس رضي الله عنه: قوله: ((تساقط)) –بضم التاء- وقوله: ((كما يتساقط)) إن جعل صفة مصدر محذوف لم تبق المطابقة بين المصدرين، ولو جعل حالا من الذنوب استقام، ويكون تقديره: تساقط الذنوب مشبها تساقطها بتساقط الورق.
الحديث الثالث عن مكحول: قوله: ((فمن قال: لا حول ولا قوة إلا بالله إلي آخره)) موقوف عليه.
الحديث الرابع والخامس عن أبي هريرة رضي الله عنه قوله: ((من تحت العرش)) صفة ((كلمة))،ويجوز أن تكون ((من)) ابتدائية، أي ناشيءة من تحت العرش، وبيإنية أي كائنة من تحت العرش، ومستقرة فيه. وأما ((من)) الثانية فليست إلا بيإنية، فإذا ذهب إلي أن الجنة تحت العرش، والعرش سقفها جاز أن يكون ((من كنز الجنة)) بدلا من ((تحت العرش)).وقد مر أن ((لا حول)) دل علي نفي التدبير للكائنات، وإثباته لله عز وجل، هذا معنى قوله: ((أسلم عبدي