الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
2322 -
وعن ابن عمر/ أنه قال: سبحان الله هي صلاة الخلائق، والحمدلله كلمة الشكر، ولا إله إلا الله كلمة الإخلاص، والله أكبر تملأ ما بين السماء والأرض، وإذا قال العبد: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ قال الله تعالي: أسلم واستسلم. رواه رزين
(4) باب الاستغفار والتوبة
الفصل الأول
2323 -
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة)) رواه البخاري.
ــ
واستسلم)) أي فوض أمور الكائنات كلها إلي الله، وانقاد هو بنفسه لله تعالي مخلصا له الدين، والعرش منصة التدابير، قال الله تعالي:} ثم استوى علي العرش يدبر الأمر {فقوله:)) يقول الله تعالي)) جزاء شرط محذوف، أي إذا قال العبد هذه الكلمة يقول الله.
الحديث السادس عن ابن عمر رضي الله عنهما: قوله: ((سبحان الله، هي صلاة الخلائق)) ((هي)) ضمير فصل وعماد، وعلي التقديرين الحصر لازم، و ((الخلائق)) جمع محلي بلام الاستغراق، فلا يخرج ذرة من ذرات الكائنات إلا هي مسبحة لله خاضعة لأمره منقادة لطاعته. قال تعالي:} وإن من شيء إلا يسبح بحمده {.فالتسبيح إما بالمقال أو بالحال حيث يدل علي الصانع، وعلي قدرته، وحكمته، وحيث ينزه الله مما لا يجوز عليه من الشركاء وغيرها، فالمراد بالصلاة كونها منقادو لله تعالي، مسخرة لما يراد منهم، وهي كالسجود في قوله:} يتفيؤ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون {-الكشاف-:أي يرجع الظلال من جانب إلي جانب منقادة لله غير ممتنعة عليه فيما سخرها له. وهي داخرة صاغرة لأفعاله تعالي. قوله: ((والله أكبر تملأ السماء والأرض)) إشارة إلي أن هذه الخاتمة كالمجمل للتفصيل، وقد سبق أنه كاعتراف العبد بالقصور من إجراء تلك الأوصاف علي موصوفها.
باب الاستغفار والتوبة
الاستغفار استفعال من الغفران، وأصله من الغفر، وهو إلباس الشيء بما يصونه عن الدنس. ومنه قيل: اغفر ثوبك في الوعاء، فإنه أغفر للوسخ. الغفران والمغفرة من الله، هو أن
2324 -
وعن الأغر المزني (رضي الله عنه)،قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنه ليغان علي قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة)) رواه مسلم.
ــ
يصون العبد من أن يمسه العذاب، والتوبة ترك الذنب علي أحمد الوجوه، وهو أبلغ ضروب الاعتذار، فإن الاعتذار علي ثلاثة أوجه، إما أن يقول المعتذر: لم أفعل، أو يقول: فعلت لأجل كذا، أو فعلت أو أسأت، ولقد أقلعت، ولا رابع لذلك. وهذا الأخير هو التوبة، ثم التوبة في الشرع ترك الذنب لقبحه، والندم علي ما فرط منه، والعزيمة علي ترك المعاودة، وتدارك ما أمكنه أن يتدارك من الأعمال بالأعمال بالإعادة؛ فمتى اجتمع هذه الأربع فقد كمل شرائط التوبة، وتاب إلي الله. هذا كلام الراغب، وزاد كلام الشيخ محيي الدين النواوي وقال: وإن كان الذنب يتعلق ببني آدم، فلها شرط آخر، وهو رد الظلامة إلي صاحبها، أو تحصيل البراءة منه. والتوبة أهم قواعد الإسلام، وهي أول مقدمات سالكي الآخرة. وأنشد بعضهم في مناجاته:
لو لم ترد نيل ما أرجو وأطلبه
…
من وجود كفيك ما علمتني الطلبا
يريد به قوله تعالي:} واستغفروا ربكم إنه كان غفارا {.
الفصل الأول
الحديث الأول والثاني عن الأغر: قوله: ((إنه ليغان علي قلبي)) اسم ((إن)) ضمير الشأن، والجملة بعده خبر له مفسرة. ((فا)):((ليغان)) أي ليطبق إطباق الغين، وهو الغيم، يقال: غيت السماء تغان، والفعل مسند إلي الظرف، وموضعه رفعه بالفاعلية.
((مح)): ذكروا في الغين وجوها، أحدها قال القاضي عياض: المراد به فترات وغفلات من الذكر الذي شأنه الدوام عليه، فإذا فتر عنه، أو غفل عنه عد ذلك ذنبا فاستغفر منه. وثإنيها: هو همه بسبب أمته، وما طلع عليه من أحوالهم بعده ويستغفر لهم. وثالثهما: قيل: سببه اشتغاله بالنظر في مصالح أمته، وأمورهم ومحاربة العدو ومداراتهم، وتأليف المؤلفة، ونحو ذلك من معاشرة الأزواج، والأكل والشرب والنوم، وذلك مما يحجبه، ويحجزه عن عظيم مقامه، فيراه ذنبا بالنسبة إلي ذلك المقام العلي، وهو حضوره في حظيرة القدس ومشاهدته، ومراقبته وفراغه مع الله تعالي مما سواه، فيستغفر لذلك. ورابعها: قيل: يحتمل أن الغين هو السكينة التي تغشي قلبه لقوله تعالي:} فأنزل الله سكينته علي رسوله {فالاستغفار لإظهار العبودية والافتقار، والشكر لما أولاه. وخامسها قيل: يحتمل أن الغين هو حالة خشية وإعظام، فالاستغفار شكر لها. قال المحاسبي: خوف المقربين خوف إجلال وإعظام. وسادسها: هو شيء يعتري القلوب مما تتحدث به النفس، كل ذلك في شرح مسلم.
2325 -
وعنه، قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((يأيها الناس! توبوا إلي الله، فإني أتوب في اليوم مائة مرة)) رواه مسلم.
ــ
((تو)):سئل الأصمعي عن هذا الحديث، فقال: عن قلب من تروى هذا؟ فقال: عن قلب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: لو كان عن قلب غيره لكنت أفسره لك. ولله دره في انتهاجه في منهج الأدب، وإجلال القلب الذي جعله الله موقع وحيه، ومنزل تنزله! وبعد فإن قلبه مشرب، سد عن أهل اللسان موارده، وفتح لأهل السلوك مسالكه، وأحق من يعرب، أو يعبر عنه، مشايخ الصوفية الذين نازل الحق أسرارهم، ووضع الذكر أوزارهم.
ومن كلمات شيخنا شيخ الإسلام أبي حفص السهروي- قدس الله سره-:لا ينبغي أن يعتقد أن الغين نقص في حاله صلوات الله عليه، بل هو كمال، أو تتمة كمال، وهذا السر دقيق لا ينكشف إلا بمثال، وهو أن الجفن المسبل علي حدقة البصر، وإن كانت صورته صورة نقصان، من حيث هو إسبال وتغطية علي من شأنه أن يكون باديا مكشوفا، فإن المقصود من خلق العين إدراك المدركات الحسية، وذلك لا يتأتى إلا بانبعاث الأشعة الحسية من داخل العين، واتصالها بالمرئيات علي مذهب قوم، وبانطباع صور المدركات في الكرة الجليدية علي مذهب آخرين، فكيف ما قدر لا يتم المقصود إلا بانكشاف العين، وعرائها عما يعمل من انبعاث الأشعة عنها، ولكن لما كان الهواء المحيط بالأبدان الحيوإنية قلما يخلو من الأغبرة الثائرة بحركة الرياح، فلو كانت الحدقة دائمة الانكشاف، لاستضرت بملاقاتها وتراكمها عليها، فأسبلت أغطية الجفون عليها، وقاية لها، ومصقلة لها؛ لتنصقل الحدقة بإسبال الأهداب، ورفعها لخفة حركة الجفن، فيدوم جلاؤها، ويحتد نظرها. فالجفن وإن كان نقصا ظاهرا، فهو كمال حقيقة، فهكذا لم تزل بصيرة النبي صلي الله معترضة لأن تصدأ بالأغبرة الثائرة من أنفاس الأغيار، فلا جرم دعت الحاجة إلي إسبال جفن من الغين علي حدقة بصيرته سترا لها، ووقاية وصقالا عن تلك الأغبرة المثارة برؤية الأغيار وأنفاسها، فصه أن الغين وإن كانت صورته نقصا، فمعناه كمال وصقال حقيقة.
ثم قال- رضي الله عنه:وأيضا فإن روح النبي صلى الله عليه وسلم لم تزل في الترقي إلي مقامات القرب، مستتبعة للقلب في رقيها إلي مركزها، وهكذا القلب كان يستتبع نفسه الزكية، ولا خفاء أن حركة الروح والقلب أسرع وأتم من نهضة النفس وحركتها، فكانت خطى النفس تقصر عن مدى الروح والقلب في العروج والولوج في حريم القلب، ولوحقها بهما، فاقتضت العواطف الربإنية علي الضعفاء من الأمة إبطاء حركة القلب بإلقاء الغين عليه؛ لئلا يسرع القلب، ويسرح في معارج الروح ومدارجها، فتنقطع علاقة النفس عنه لقوة الانجذاب، فيبقى العباد مهملين محرومين عن الاستنارة بأنوار النبوة، والاستضاءة بمشكاة مصباح الشريعة، حيث كان يرى صلى الله عليه وسلم إبطاء القلب بالغين الملقى عليه، وقصور النفس عن شأنه، وترقي الروح في الرفيق الأعلي،
2326 -
وعن أبي ذر (رضي الله عنه)،قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن الله تبارك وتعالي أنه قال: ((يا عبادي! إني حرمت الظلم علي نفسي، وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا. يا عبادي! كلكم ضال إلا من اهديته، فاستهدوني أهدكم. يا
ــ
كان يفزع إلي الاستغفار؛ إذا لم تف قوامهما في سرعة اللحوق بها. وهذا من أعز مقول في هذا المعنى، وأحسن مشروح فيه. والله أعلم.
الحديث الثالث والرابع عن أبي ذر رضي الله عنه: قوله: ((يا عبادي)) ((قض)):الخطاب مع الثقلين خاصة لاختصاص التكليف، وتعاقب التقوى والفجور بهم، ولذلك فصل المخاطبين بالأنس والجن، ويحتمل أن يكون عاما شاملا لذوي العلم كلهم من الملائكة والثقلين، ويكون ذكر الملائكة مطويا مدرجا في قوله:((وجنكم)) لشمول الاجتنان لهم، وتوجه هذا الخطاب نحوهم لا يتوقف علي صدور الفجور منهم، ولا علي إمكانه؛ لأنه كلام صادر علي سبيل الفرض والتقدير. وأقول: يمكن أن يكون الخطاب عاما، ولا يدخل الملائكة في الجن؛ لأن الإضافة في ((جنكم)) تقتضي المغايرة، فلا يكون تفصيلا، بل إخراجا للقبيلين الذين يصح اتصاف كل منهما بالتقوى والفجور.
قوله: ((حرمت الظلم علي نفسي)) ((نه)):أي تقدست عنه، وتعاليت، فهو في حقي كالشيء المحرم علي الناس. أقول: يريد أنه استعارة مصرحة تبعية، شبه تنزهه تعالي عن الظلم الذي هو وضع الشيء في غير موضعه، باحتراز المكلف عما نهي عنه شرعا في الامتناع منه، ثم استعمل في جانب المشبه به مبالغة وتشديدا، ويحتمل أن يكون مشاكلة لقوله بعده:((وجعلته بينكم محرما)). نحو قول الشاعر:
من مبلغ أفناه يعرب كلها
…
إني بنيت الجار قبل المنزل
قوله: ((يا عبادي كلكم ضال)) لما كان الخطاب بعد ((يا عبادي)) معنيا به مهتما بشأنه، كرره تنبيها علي فخامته، ونسبة الضلال إلي الكل بحسب مراتبهم.
((غب)):الضلال العدول عن الطريق المستقيم، ويضاده الهداية، ويقال الضلال عدول عن المنهج، عمدا كان أو سهوا، يسيرا كان أو كثيرا، فإن الطريق المستقيم الذي هو المرتضى صعب جدا. قيل: كوننا مصيبين من وجه، وكوننا ضالين من وجوه كثيرة؛ فإن الاستقامة والصواب تجري مجرى المقرطس والمرمى، وما عداه كلها ضلال، وإليه أشار صلى الله عليه وسلم:((استقيموا ولن تحصوا)).فإذا كان الأمر علي ما جرى، صح أن يستعمل لفظ الضلال فيمن أن يكون علي خطأ ما، ولذلك نسب الضلال إلي الأنبياء وإلي الكفار وإن كان بين
عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم. يا عبادي! كلكم عار إلا من كسوته؛ فاستكسوني أكسكم. يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعا، فاستغفروني أغفر لكم. يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني. يا عبادي! لو أن أولكم، وآخركم، وإنسكم، وجنكم كانوا علي أتقى قلب رجل واحد منكم؛ ما زاد ذلك في ملكي شيئا. يا عبادي! لو أن
ــ
الضلالين بون بعيد، قال في حق النبي صلى الله عليه وسلم:} ووجدك ضالا فهدى {أي غير مهتد لما سبق إليك من النبوة، وقال موسى عليه السلام:} فعلتها إذن وأنا من الضالين {تنبيها علي أن ذلك منه سهو. ولما فرغ من الامتنان بأمور الدين شرع في بالامتنان بأمور الدنيا، وذكر منها ما هو أصل فيها، ومكمل لمنافعها من الشبع واللبس ولا يستغنى عنهما، ومن ثم وصف الجنة بقوله:} إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى {.
فإن قلت: ما معنى الاستثناء في قوله:)) إلا من أطعمته، وإلا من كسوته)) إذ ليس أحد من الناس محروما عنهما؟ قلت: الإطعام والكسوة لما كانا معبرين عن النفع التام والبسط في الرزق، وعدمها من التقتير والضيق، كما قال تعالي:} الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر {سهل التقصي عن الجواب، فظهر من هذا أن ليس المراد من إثبات الجوع والعري في المستثنى منه، نفي الشبع والكسوة بالكلية، وليس في المستثنى إثبات الشبع والكسوة مطلقا، بل المراد بسطهما وتكثيرهما، يوضحه الحديث الرابع عشر من الفصل الثاني أنه وضع قوله:((وكلكم فقراء إلا من أغتنيت)) في موضعه.
قوله: ((إنكم لن تبلغوا ضري، فتضروني)) نصب، حذف منه نون الإعراب جوابا عن النفي، أي لن تبلغوا لعجزكم إلي مضرتي، ولا يستقيم، ولا يصح منكم أن تضروني أو تنفعوني، حتى أتضرر منكم أو أنتفع بكم؛ لأنكم لو اجتمعتم علي عبادتي أقصى ما يمكن ما نفعتموني ولا زدتم في ملكي شيئا، ولو اجتمعتم كلكم علي عصيإني ما ضررتموني، ولا نقصتم من ملكي شيئا، فالقرينتان الأخيرتان كالنشر للأولين.
قوله: ((كانوا أتقى قلب رجل واحد)) ((قض)):أي علي تقوى أتقى قلب رجل، أو علي أتقى أحوال قلب رجل واحد. أقول: لا بد من هذا التقدير ليستقيم أن يقع ((أتقى)) خبرا لـ ((كان)) ثم إنه لم يرد أن كلهم بمنزلة رجل واحد، هو أتقى من الناس، بل كل واحد من الجمع
أولكم، وآخركم، وإنسكم، وجنكم، كانوا علي أفجر قلب رجل واحد منكم؛ ما نقص ذلك من ملكي شيئا يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم، وجنكم قاموا في صعيد واحد، فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته؛ ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر. يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم، ثم أوفيكم إياها. فمن وجد خير فليحمد الله. ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه)) رواه مسلم.
2327 -
وعن أبي سعيد الخدري (رضي الله عنه)، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
ــ
بمنزلته؛ لأن هذا أبلغ، كقولك: ركبوا فرسهم، وعليه قوله تعالي:} ختم الله علي قلوبهم وعلي سمعهم {في وجه، ثم إضافة ((أفعل)) إلي نكرة مفردة تدل علي أنك لو تقصيت قلب رجل رجل من كل الخلائق، لم تجد أتقى قلبا من هذا الرجل، قوله:((ما نقص ذلك من ملكي شيئا)) ((شيئا)) يجوز أن يكون مفعول به، إن قلنا: إن ((نقص)) متعد، ومفعولا مطلقا إن قلنا: إنه لازم، أي نقص نقصانا قليلا، والتنكير فيه للتحقير بقرينة قوله في الحديث الآتي:((جناح بعوضة)).
قوله: ((في صعيد واحد)) الصعيد وجه الأرض. ((قض)):قيد السؤال بالاجتماع في مقام واحد؛ لأن تزاحم السؤال وازدحامهم مما يدهش المسئول ويبهته، ويعسر عليه إنجاح مآربهم، والإسعاف إلي مطالبهم. و ((المخيط)) بكسر الميم وسكون الخاء الإبرة، وغمسها في البحر إن لم يخل عن نقص ما، لكنه لما لم يظهر ما ينقصه للحس، ولم يعتد به العقل، وكان أقرب المحسوسات نظيرا ومثالا، شبه به صرف ملتمسات السائلين مما عنده، فإنه لا يغيضه مثل ذلك، ولا أقل منه.
قوله: ((إنما أعمالكم)) ((قض)):أي هي جزاء أعمالكم، فأحفظها عليكم، ثم أؤديها إليكم تاما وافيا، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. ((مظ)):((أعمالكم)) تفسير لضمير المؤنث في قوله: ((إنما هي)) يعني إنما نحصي أعمالكم، أي نعد ونكتب أعمالكم من الخير والشر، توفية لجزاء عمل أحدكم علي التمام. أقول: يمكن أن يرجع الضمير إلي ما يفهم من قوله: ((أتقى قلب رجل، وأفجر قلب رجل)) وهي الأعمال الصالحات والطالحات، ويشهد له لفظة ((إنما)) فإنها تستدعي الحصر، أي ليس نفعها وضرها راجعا إلي، بل أحصيها إليكم، لأجازيكم بها، فمن وجد خيرا فليشكر الله؛ لأنه تعالي هو هادي الضلال، وموفقهم للخيرات، ومن وجد شر، فليلم نفسه؛ لأنه باق علي ضلاله الذي أشار إليه بقوله:((كلكم ضال)).
الحديث الخامس عن أبي سعيد رضي الله عنه: قوله: ((أله توبة)) ((مظ)):أي هل تقبل
((كان في بني اسرائيل رجل قتل تسعة وتسعين إنسانا، ثم خرج يسأل، فأتى راهبا، فسأله، فقال: أله توبة؟ قال: لا فقتله؛ وجعل يسأل، فقال له رجل: ائت قرية كذا وكذا، فأدركه الموت فناء بصدره نحوها، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأوحى الله إلي هذه تقربي، وإلي هذه أن تباعدي، فقال: قيسوا ما بينهما فوجد إلي هذه أقرب بشبر فغفر له)) متفق عليه.
2328 -
وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا؛ لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيتستغفرون الله فيغفر لهم)) رواه مسلم.
ــ
توبته بعد هذه الجريمة العظيمة؟ في الحديث إشكال؛ لأنا إذا قلنا: لا، فقد خالفنا نصوصا، وإن قلنا: نعم، فقد خالفنا أيضا أصل الشرع، فإن حقوق بني آدم لا تسقط بالتوبة، بل توبتها أداؤها إلي مستحقيها، أو الاستحلال منها. فالجواب: أن الله تعالي إذا رضي منه، وقبل توبته، يرضي خصمه. قوله:((فأدركه الموت)) أي أمارته وسكراته، فالفاء عطف علي محذوف، أي قيل له: ائت قرية كذا، فقصدها وصار نحوها، وقرب من وسط الطريق فأدركه الموت.
قوله: ((فناء)) ((نه)):أي نهض، ويحتمل أن يكون بمعنى ناء، أي بعد، يقال: ناء ونائ بمعنى. قوله: ((فأوحى الله إلي هذه، أن تقربي)) ((أن)) مفسرة، لأن ((أوحي)) فيه معنى القول، و ((هذه)) إشارة إلي القرية التي توجه إليها، أي تقربي من الميت، وقوله:((هذه)) ثإنيا إشارة إلي القرية التي هاجر منها، وقيل: هي إشارة إلي الملائكة المتخاصمين. وفيه بعد؛ إذ لو أريد هذا، لقيل: أبعدا عنه وقيسا. ((مظ)): فيه تحريض للمذنبين علي التوبة، ومنع لهم عن اليأس من رحمة الله تعالي، إذ لا منجأ ولا ملجأ، ولا مجير للمذنبين سواه.
الحديث الثالث عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((لو لم تذنبوا لذهب الله بكم)) ((تو)):لم يورد هذا الحديث مورد تسلية المنهمكين في الذنوب، وقلة اختفال منهم بمواقعة الذنوب، علي ما يتوهم الغرة، فإن الأنبياء صلوات الله عليهم إنما بعثوا ليردعوا الناس عن غشيان الذنوب؛ بل ورد مورد البيان لعفو الله عن المذنبين، وحسن التجاوز عنهم، ليعظموا الرغبة في التوبة والاستغفار.
والمعنى المراد من الحديث هو أن الله تعالي كما أحب أن يحسن إلي المحسن، أحب أن يتجاوز عن المسئ- وقد دل علي ذلك غير واحد من أسمائه الغفار، الحليم، التواب، العفو لم
2329 -
وعن أبي موسى (رضي الله عنه)،قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها)).رواه مسلم
ــ
يكن ليجعل العباد شأنا واحدا كالملائكة مجبولين علي التنزه من الذنوب، بل يخلق فيهم من يكون بطبعه ميالا إلي الهوى، متفتنا بما يقتضيه، ثم يكلفه التوقي عنه، ويحذره من مداناته، ويعرفه التوبة بعد الابتلاء، فإن وفي فأجره علي الله، وإن أخطأ الطريق فالتوبة بين يديه، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم إنكم لو كنتم مجبولين علي ما جبلت عليه الملائكة، لجاء الله بقوم يتأتى منهم الذنب، فيتحلي عليهم بتلك الصفات علي مقتضى الحكمة، فإن الغفار يستدعي مغفورا، كما أن الرزاق يستدعي مرزوقا.
أقول: تصدير الحديث بالقسم رد لمن ينكر صدور الذنب عن العباد، ويعده نقصا فيهم مطلقا، وأن الله تعالي لم يرد من العباد صدوره، كالمعتزلة ومن سلك مسلكهم، فنظروا إلي ظاهره، وأنه مفسدة صرفة، ولم يقفوا علي سره أنه مستجلب للتوبة والاستغفار الذي هو موقع محبة الله،} إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين {و ((‘ن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار))،و ((الله أشد فرحا بتوبة عبده)) الحديث.
ولعل السر في إظهار صفة الكرم، والحلم، والغفران، ولو لم يوجد لنثلم طرف من صفات الألوهية، والإنسان إنما هو خليفة الله في أرضه، يتجلي له بصفات الجلال، والإكرام، والقهر، واللطف، والملائكة لما نظروا إلي الجلال والقهر، قالوا:} أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء {والله تعالي حين نظر إلي صفة الإكرام واللطف قال:} إني أعلم ما لا تعلمون {.وإلي هذا الموضوع يلمح قوله صلى الله عليه وسلم: ((لذهب الله بكم)) ولم يكتف بقوله: ((لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون)) والله أعلم.
الحديث السابع عن أبي موسى: قوله: ((إن الله يبسط يده)) ((تو)) بسط اليد عبارة عن التوسع في الجود، والتنزه عن المنع عند اقتضاء الحكمة، ومنه الباسط. وفي الحديث تنبيه علي سعة رحمة الله، وكثرة تجاوزه عن الذنوب. ((مح)):((بسط اليد)) عبارة عن قبول التوبة. قال المازري: وذلك أن العرب إذا رضي أحدهم شيء، بسط يده لقبوله، وإذا كرهه قبضها عنه. أقول: لعله تمثيل، شبه حالة إرادة الله تعالي التوبة من العبد، وأنها مما هو مطلوبه يجب أن ينالها. بحالة من ضاع ما هو تعيشه به، ولا غنى له عنه، فيفتقده وهو يمد يده إلي من وجد
2330 -
وعن عائشة (رضي الله عنها)، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن العبد إذا اعترف ثم تاب؛ تاب الله عليه)) متفق عليه.
2331 -
وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها؛ تاب الله عليه)).رواه مسلم
2332 -
وعن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم، كان راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه، وعليه طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة، فاضطجع في ظلها، قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة من عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح)).رواه مسلم
ــ
ضالته، طالبا منه، متضرعا لديه. ثم استعمل في جانب المستعار له ما كان مستعملا في جانب المستعار منه من بسط اليد. ويشهد له الحديث العاشر من هذا الفصل، وما جاء في رواية أخرى:((إن الله واضع يده لمسيء الليل)) ((نه)):المعنى يكفها لأجله يتقاضى منه التوبة ليقبلها منه.
الحديث الثامن عن عائشة رضي الله عنها: قوله: ((تاب الله عليه)) أي قب توبته، وتحقيقه أن الله تعالي رجع متعطفا عليه برحمته، وقبل توبته، فيكون ((تاب الله عليه)) كناية عن قبول التوبة؛ لأن قبول التوبة مستلزم لتعطف الله تعالي وترحمه عليه.
الحديث التاسع عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((قبل أن تطلع الشمس من مغربها)) ((مح)):هذا حد لقبول التوبة، وهو معنى قوله:} يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل {.وللتوبة حد آخر، وهو أن يتوب قبل أن يغرغر، وأن يرى بأس الله؛ لقوله تعالي:} فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا {لأن الاعتبار إنما هو للإيمان بالغيب.
الحديث العاشر عن أنس رضي الله عنه: قوله: ((لله أشد فرحا)) ((مظ)):معناه أرضي بالتوبة وأقبل لها، والفرح المتعارف في نعوت بني آدم غير جائز علي الله تعالي؛ إنما معناه الرضي، وكذلك الضحك والاستبشار. والمتقدمون من أهل الحديث فهموا منها ما وقع الترغيب فيه من الأعمال، والإخبار عن فضل الله عز وجل، وأثبتوا هذه الصفات لله تعالي، ولم يشتغلوا بتفسيرها مع اعتقادهم أن الله سبحانه وتعالي منزه عن صفات المخلوقين، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير.
2333 -
وعن أبي هريرة (رضي الله عنه)،قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن عبدا أذنب ذنبا، فقال. رب! أذنبت فاغفره، فقال ربه: أعلم عبدي أن له رب يغفر الذنب ويأخذ به؟ غفرت لعبدي. ثم مكث ما شاء الله، ثم أذنب ذنبا، فقال رب! أذنبت ذنبا فاغفره فقال ((ربه)).أعلم عبدي أن له رب يغفر الذنب ويأخذ به؟ غفرت لعبدي. ثم مكث ما شاء الله، ثم أذنب ذنبا، فقال رب! أذنبت ذنبا آخر فاغفر لي. فقال: أعلم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به؟ غفرت لعبدي، فليفعل ما شاء)).متفق عليه.
ــ
أقول: هذا هو المذهب المحتاط، وقلما يزيغ عنه قدم الراسخ، ومن اشتغل بالتفسير والتأويل، فله طريقان، أحدهما أن التشبيه مركب عقلي من غير نظر إلي مفردات التركيب، بل تؤخذ الزبدة والخلاصة من المجموع، وهي غاية الرضا ونهايته، وإنما أبرز ذلك في صورة التشبيه تقريرا لمعنى الرضا في نفس السامع، وتصويرا لمعناه. وثإنيهما تمثيلي، وهو أن يتوهم للمشبه الحالات التي للمشبه به، وينتزع له منها ما يناسبه حاله بحيث لم يختل منها شيء، فإنك إذا أمعنت النظر في التمثيل السابق في حديث بسط اليد، حل لك هذا المعضل، وانكشف لك الحال.
الحديث الحادي عشر عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((أعلم عبدي)) يجوز أن يكون استخبارا عن الملائكة وهو أعلم بهم، للمباهاة، وأن يكون استفهاما للتقرير والتعجيب، والتفاتا عدل من الخطاب، وقوله:((أعلم عبدي)) إلي الغيبة شكرا لصنيعه إلي غيره وإحمادا له علي فعله. قوله: ((فليفعل ما شاء)) ((مح)):معناه اعمل ما شئت ما دمت تذنب، ثم تتوب فقد غفرت لك.
((فليفعل ما شاء)) كلام يستعمل تارة في معرض السخطة والنكير، وطورا في صورة اللطف والحفاوة، وليس المراد منه في كلتا الصورتين الحث علي الفعل أو الترخص فيه. وعلي السخطة والنكير ورد قوله تعالي:} اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير {، وعلي الحفاوة والتلطف ورد هذا الحديث، وذلك مثل قولك لمن توده وترى منه الجفاء: اصنع ما شئت، فلست بتارك لك، وقوله صلى الله عليه وسلم في حق حاطب بن أبي بلتعة:((لعل الله اطلع إلي أهل بدر فقال: ((اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)).قوله: ((فقال)) خبر ((إن)) إذ كان اسمها نكرة موصوفة بفعل، فالفاء في ((فاغفره)) سببية، جعل اعترافه بالذنب سببا للمغفرة، حيث أوجب الله تعالي المغفرة للتائبين المعترفين بالسيئات علي سبيل الوعد.
2234 -
وعن جندب (رضي الله عنه):أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدث: ((أن رجلا قال: والله لا يغفر الله لفلان، وأن الله تعالي قال: من ذا الذي يتألي علي إني لا أغفر لفلان فإني قد غفرت لفلان وأحبطت عملك)).أو كما قال رواه مسلم.
2335 -
وعن شداد بن أوس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((سيد الاستغفار أن تقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا علي عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر
ــ
الحديث الثاني عشر عن جندب رضي الله عنه: قوله: ((من ذا الذي يتألي)) وارد علي الإنكار والتهديد، وكان من الظاهر أن يقال: أنت الذي تتألي علي، يدل عليه الالتفاف في قوله:((أحبطت عملك)) فعدل منه شاكيا صنيعه لغيره، معرضا عنه علي عكس الحديث السابق. ((نه)):((من يتألي علي الله)) أي من حكم علي الله وحلف، كما تقول: والله لا يدخلن الله فلانا النار، وفلانا الجنة، ومنه الحديث ((من يتألي علي الله يكذبه)).
((مظ)):لا يجوز لأحد أن يجزم بالغفران، أو بالعقاب؛ لأن أحدا لا يعلم مشيئة الله وإرادته في عباده، بل نرجو للمطيع، ونخاف للعاصي، وإنما يجزم القول في حق من جاء فيه نص، كالعشرة المبشرة. قوله:((أحبطت عملك)) إن قلنا: قوله هذا كفر، فهو ظاهر، وإن قلنا إنه معصية، فمذهب المعتزلة علي هذا، وأما علي مذهب أهل السنة فمحمول علي التغليظ، وقد تأوله المظهر، بأن قال: أبطلت قسمك، وجعلت حلفك كذبا. قوله:((أو كما قال)) أي قال ما ذكرته، أو قال ما يشبهه. ((مح)):ينبغي لمن روى حديثا بالمعنى أن يقول عقيبة: أو كما قال، أو نحو هذا، وما أشبهه، وروي هذا عن عبدالله بن مسعود، وأبي الدرداء، وأنس وغيرهم.
الحديث الثالث عشر عن شداد: قوله: ((سيد الاستغفار)) السيد هنا مستعار من الرئيس المقدم، الذي يصمد إليه في الحوائج، ويرجع إليه في الأمور بهذا الدعاء، الذي هو جامع لمعإني التوبة كلها، وقد سبق أن التوبة غاية الاعتذار. وقوله:((وأنا عبدك)) يجوز أن يكون مؤكده، وأن يكون مقدرة، أي أنا عابد لك، كقوله تعالي:} وبشرناه بإسحاق نبيا {وينصره عطف قوله: ((وأنا علي عهدك، ووعدك)). ((حس)):يريد أنا علي ما عاهدتك عليه، وواعدتك من الإيمان بك، وإخلاص الطاعة لك، وقد يكون معناه إني مقيم علي ما عاهدت إلي من أمرك ومتمسك به، ومنتجز وعدك في المثوبة، والأجر عليه. واشتراط الاستطاعة في ذلك،
لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت)) قال:((ومن قالها من النهار موقنا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة. ومن قالها بالليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو في الحنة)).رواه البخاري.
الفصل الثاني
2336 -
عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قال الله تعالي: يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك علي ما كان فيك ولا أبالي، يا ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني، غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم! إنك لو لقيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا، لأتيتك بقرابها مغفرة)) رواه الترمذي. [2336]
ــ
معناه الاعتراف بالعجز، والقصور عن كنه الواجب من حقه عز وجل. أقول: ويجوز أن يراد بالعهد والوعد ما في قوله: تعالي:} وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم، وأشهدهم علي أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا بلي شهدنا {.
قوله: ((أبوء لك)) ((نه)):أي ألتزم وأرجع، وأقر، وأصل البوء اللزوم، ومنه الحديث ((فقد باء أحدهما)) أي ألزمه، ورجع به. أقول: اعترف أولا بأنه تعالي أنعم عليه، ولم يقيده ليشمل كل الإنعام، ثم أعترف بالتقصير، وأنه لم يقم بأداء شكرها، وعده ذنبا مبالغة في التقصير وهضم النفس.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن أنس رضي الله عنه: قوله: ((ما دعوتني)) أي ما دمت تدعوني، وترجو مغفرتي، ولا تقنط من رحمتي، فإني أغفر لك، ولا يعظم علي مغفرتك وإن كانت ذنوبك كثيرة وفي عدم المبالاة معنى قوله:((لا يسأل عما يفعل)).قوله: ((عنان السماء)) ((نه)):العنان السحاب، وإضافته علي هذا المعنى إلي السماء غير فصيح، وأرى الصواب ((أعنان السماء))،وهي صفائحها، وما اعترض من أقطارها، وكأنها جمع عنن، فلعل الهمزة أسقطت عن بعض الرواة، أو ورد العنان بمعنى العنن.
2337 -
ورواه أحمد، والدرامي، عن أبي ذر.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
2338 -
وعن ابن عباس (رضي الله عنهما)،عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال:((قال الله تعالي: من علم إني ذو قدرة علي مغفرة الذنوب غفرت له ولا أبالي، ما لم يشرك بي شيئا)).رواه في ((شرح السنة)). [2338]
2339 -
وعنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجا، ومن كل هم فرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب)).رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه. [2339]
ــ
أقول: يمكن أن يجعل من باب قوله: تعالي:} فخر عليهم السقف من فوقهم {تصويرا لارتفاع شأن السحاب، وأنها بلغت السماء، وأن يجعل من قوله:} أو كصيب من السماء {فإن فائدة ذكر السماء، والصيب لا يكون إلا منها، أنه جيء بها معرفة، فبقي أن يتصور من سماء، أي من أفق واحد من بين سائر الآفاق؛ لأن كل أفق من آفاقها سماء. و ((قراب الأرض)) ملاؤها، ومثله طباقها وطلاعها. قوله:((خطايا)) تمييز من الإضافة، نحو قولك: ملاء الإناء عسلا. قوله: ((ثم لقيني لا يشرك)) ((ثم)) للتراخي في الإخبار، وأن عدم الشرك مطلوب أولي، ولذلك أعاد ((لقيني)) وعلقه به، وإلا لكان يكفي أن يقال: لو لقيني بقراب الأرض خطايا لا يشرك بي.
الحديث الثاني عن ابن عباس رضي الله عنهما: قوله: ((من علم إني ذو قدرة)) ((مظ)):فيه أن اعتراف العبد بأنه تعالي قادر علي مغفرة الذنوب سبب للغفران، وهو نظير قوله:((أنا عن ظن عبدي)).أقول: إن قوله: ((من علم إني ذو قدرة علي مغفرة الذنوب)) تعريض بالوعيدية، وبمن قال: إن الله تعالي لا يغفر الذنوب بغير توبة، ويشهد للتعريض قوله:((ولا أبالي)) أي لا أحتفل بما يقوله المعتزلة القائلون بالحسن والقبح العقليين.
((حس)):روى أن حماد بن سلمة عاد سفيان الثوري، فقال له سفيان: يا أبا سلمة! أترى الله يغفر لمثلي؟ قال حماد: والله لو خيرت بين محاسبة الله تعالي إياي وبين محاسبة أبوي لاخترت محاسبة الله علي محاسبة أبوي لأن الله أرحم من أبوي.
الحديث الثالث عن ابن عباس رضي الله عنهما: قوله: ((جعل الله له من كل ضيق مخرجا))
2340 -
وعن أبي بكر الصديق (رضي الله عنه)، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة)).رواه الترمذي، وأبو داود. [2340]
2341 -
وعن أنس، قال: قال رسول الله: ((كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون)) رواه الترمذي، وابن ماجه، والدرامي. [2341]
ــ
مقتبس من قوله تعالي:} ومن يتق الله يجعل له مخرجا {لأن من دوام الاستغفار وأقام بحقه، كان متقيا، وناظرا إلي قوله تعالي:} فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا {الآية، روى عن الحسن أن رجلا شكا إليه الجدب، فقال: استغفروا ربكم، وشكا إليه آخر الفقر، وآخر قلة النسل، وآخر قلة ريع أرضه، فأمرهم كلهم بالاستغفار، فقيل له: شكوا إليك أنواعا، فأمرتهم كلهم بالاستغفار؟ فتلا الآية.
الحديث الرابع عن أبي بكر رضي الله عنه: قوله: ((ما أصر)) قال الشيخ ابن عبد السلام في كتابه القواعد: وقد جعل الإصرار علي الصغيرة بمثابة ارتكاب الكبيرة، قال صلى الله عليه وسلم:((لا صغيرة مع إصرار))،فما حد الإصرار، هل يثبت بمرة أو مرتين، أو بأكثر؟ قلنا: إذا تكررت الصغيرة منه تكرارا يشعر بقلة مبالاته بذنبه إشعار ارتكاب الكبيرة، ردت شهادته وروايته بذلك، وكذلك إذا اجتمعت صغائر مختلفة الأنواع حيث يشعر مجموعها بما يشعر به أصغر الكبائر. أقول: الإصرار ها هنا مطلق، أي من أصر علي الذنب، سواء كان صغيرة أو كبيرة، ولأن الاستغفار يرفع الذنوب كلها حتى الشرك.
الحديث الخامس عن أنس رضي الله عنه: قوله: ((خطاء)) ((نه)):يقال: رجل خطاء، إذا كان ملازما للخطايا، غير تارك لها، وهو من أبنية المبالغة. أقول: إن أريد بلفظ الكل الكل من حيث هو كل، كان تغليبا؛ لأن فيهم الأنبياء، وليسوا مبالغين في الخطأ، وإن أريد به الاستغراق، وأن كل واحد واحد خطاء فلا يستقيم إلا علي التوزيع، كما تقول: هو ظلام لعبيده، أي يظلم كل احد واحد، فهو ظالم بالنسبة إلي كل أحد، وظلام بالنسبة إلي المجموع، وإذا قلت: هو ظلام لعبده، كان مبالغا في الظلم.
((مظ)):فيه تعميم جميع بني آدم حتى الأنبياء، لكنهم خصوا منه لكونهم معصومين، واختلفوا في أنهم معصومون عن الصغائر والكبائر، أم عن الكبائر، فمن قال: هم غير
2342 -
وعن أبي هريرة (رضي الله عنه)،قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن المؤمن إذا أذنب كانت نكته سوداء في قلبه، فإن تاب واستغفر صقل قلبه، وإن زاد زادت حتى تعلو قلبه، فذلكم الران الذي ذكر الله تعالي:} كلا، بل ران علي قلوبهم ما كانوا يكسبون {.رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه. وقال الترمذي: هذا حديث صحيح. [2342]
2343 -
وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر)).رواه الترمذي، وابن ماجه. [2343]
ــ
معصومين عن الصغائر استدلوا بعصيان آدم، وكذبا إبراهيم عليهما السلام، ومن قال: هم معصومين عن الصغائر أيضا، حملوا زلات الأنبياء علي النسيان، والخطأ، وهذا هو الأولي لما فيه تعظيم من تعظيم الأنبياء، وقد أمرنا بتعظيمهم. أقول: إخراجه الأنبياء من هذا الحديث بالنظر إلي بناء المبالغة، وإثبات الخطأ لهم بالنظر إلي التوزيع.
الحديث السادس عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((الران)) ((نه)):أصل الرين الطبع والتغطية، والران والرين سواء كالذم والذيم، والعاب والعيب. ((قض)):المعنى بالقصد الأول في التكليف بالأعمال الظاهرة، والأمر بمحاسنها، والنهي عن مقابحها هو ما تكتسب النفس منها من الأخلاق الفاضلة، والهيئات الذميمة، فمن أذنب ذنبا أثر ذلك في نفسه، وأورث لها كدورة ما، فإن تحقق قبحه وتاب عنه، زال الأثر، وصارت النفس مصقولة صافية، وإن انهمك فيه، وأصر عليه زاد الأثر، وفشا في النفس، واستعلي عليها، وصار من أهل الطبع.
وقوله: ((فذلكم الران)) أي فذلك الأثر المستعلي ما أخبر الله تعالي وعبر عنه بقوله:} ران علي قلوبهم {أي غلب واستولي علي قلوبهم ما كانوا يكسبون من الذنوب. وأدخل حرف التعريف علي الفعل، لما قصد به حكاية اللفظ، فأجراه مجرى الاسم، وشبه تأثر النفس باقتراف الذنوب بالنكتة السوداء من حيث إنهما يضادان الجلاء والصفاء، وأنت الضمير الذي في ((كانت)) الراجع إلي ما دل عليه ((أذنب)) لتإنيثها علي تأويل السيئة. تم كلامه.
وروي ((نكتة)) بالرفع علي أن ((كان)) تامة، فلا بد من الراجع، أي حدثت نكتة من أي من الذنب. ((مظ)):هذه الآية نازلة في حق الكفار، ولكن ذكرها في الحديث تخويف للمؤمنين، لكي يحترزوا عن كثرة الذنوب؛ لأن المؤمن لا يكفر بكثرة الذنوب، لكن يصير قلبه مسودا بها، فيشبه الكافر في اسوداد القلب.
الحديث السابع عن ابن عمر رضي الله عنهما: قوله: ((ما لم يغرغر)) ((نه)):الغرغرة أن يجعل المشروب في الفم، ويردد إلي أصل الحلق، ولا يبلغ، فالمعنى ما لم تبلغ روحه حلقومه،
2344 -
وعن أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الشيطان قال: وعزتك يا رب! لا أبرج أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم. فقال الرب عز وجل: وعزتي وجلالي وارتفاع مكإني، لا أزال أغفر لهم ما استغفروني)) رواه أحمد. [2344]
فيكون بمنزلة الشيء الذي يتغرغر به المريض. ((قض)):اعلم أن توبة العبد المذنب مقبولة ما لم يحضره الموت، فإذا حضره لم ينفعه؛ كما قال تعالي:} وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن {.وذلك لأن من شرط التوبة العزم علي ترك الذنب المتوب عنه، وعدم المعاودة عليه، وذلك إنما يتحقق مع تمكن التائب منه، وبقاء أوان الاختيار.
((مظ)):قال ابن عباس رضي الله عنهما: تقبل التوبة ما لم يعاين الرجل ملك الموت معناه أنه ما لم يتيقن الموت، لا أنه يرى ملك الموت بعينه؛ لأن كثير من الناس لم يره وفيه نظر، لقوله تعالي:} قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم {وقوله:} فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا {وهذا القائل من أين علم أن المحتضر لم ير ملك الموت؟ ((مظ)):هذا الخلاف في التوبة من الذنوب، أما لو استحل من مظلمة صح تحليله، وكذا لو أوصى بشيء أو نصب وليا علي أطفاله أو علي خير، صحت وصيته.
الحديث الثامن عن أبي سعيد رضي الله عنه: قوله: ((وعزتك يارب)) الحديث. فإن قلت: كيف المطابقة بين الحديث وبين قوله الله تعالي:} لأغوينهم أجمعين* إلا عبادك منهم المخلصين* قال الحق والحق أقول* لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين {فإن الآية دلت علي أن المخلصين هم الناجون فحسب، والحديث دال علي أن غير المخلصين أيضا ناجون؟ قلت: قيد قوله تعالي:} ممن تبعك {أخرج العاصين المستغفرين منهم؛ لأن المعنى ممن تبعك، واستمر علي المتابعة، ولم يرجع إلي الله ولم يستغفر. قوله:((وارتفاع مكإني)) عبارة عن علو شأنه من غير ذهاب إلي المكان، كقولهم: المجلس العالي.
2345 -
وعن صفوان بن عسال (رضي الله عنه)،قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله تعالي جعل بالمغرب بابا، عرضه مسيرة سبعين عاما للتوبة، لا يغلق ما لم تطلع الشمس من قبله، وذلك قول الله عز وجل: ((يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها ما لم تكن آمنت من قبل)).رواه الترمذي، وابن ماجه. [2345]
2346 -
وعن معاوية، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع
ــ
الحديث التاسع عن صفوان: قوله: ((إن الله تعالي جعل بالمغرب بابا)) ((قض)):المعنى أن باب التوبة مفتوح علي الناس، وهم في فسحة وسعة منها، ما لم تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت انسد عليهم، فلم يقبل منهم إيمان ولا توبة؛ لأنهم إذا عاينوا ذلك، واضطروا إلي الإيمان والتوبة، فلا ينفعهم ذلك، كما لا ينفع المحتضر. ولعله لما رأي أن سد الباب إنما هو من قبل المغرب، جعل فتح الباب أيضا من ذلك الجانب. وقوله:((مسيرة سبعين عاما)) مبالغة في التوسعة، أو تقدير لعرض الباب بمقدار ما يسده من جرم الشمس الطالع من الغرب.
قوله:} لا ينفع نفسا إيمانها {تمسكت المعتزلة بها علي أن الإيمان المجرد لا ينفع شيئا. –الكشاف-: ((لم تكن آمنت من قبل)) صفة لقوله:} نفسا {وقوله:} أو كسبت في إيمانها خيرا {عطف علي ((آمنت))،والمعنى أن أشراط الساعة إذا جاءت- وهي آيات ملجئة مضطرة- ذهب أوان التكليف عندها، فلم ينفع الإيمان حينئذ نفسا غير مقدمة إيمانها من قبل ظهور الآيات، أو مقدمة إيمانها غير كاسبة خيرا في إيمانها. فلم يفرق كما ترى بين النفس الكافرة إذا آمنت في غير وقت الإيمان، وبين النفس التي آمنت في وقتها ولم تكسب خيرا؛ ليعلم أن قوله تعالي:} الذين آمنوا وعملوا الصالحات {جمع بين قرينتين لا ينبغي أن تتفك إحداهما عن الأخرى، حتى يفوز صاحبهما ويسعد، وإلا فالشقاوة والهلاك. الجواب أنه إن حمل علي ما قال، لم يفد قوله:} في إيمانها {،لما يلزم من العطف علي ((آمنت)) حصول الكسب في الإيمان، فالوجه أن يحمل علي الوجه التقديري، بأن يقال: لا ينفع نفسا إيمانها حينئذ، أو كسبها في إيمانها خيرا، حينئذ لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيرا من قبل، والإيجاز من حلية التنزيل.
الحديث العاشر عن معاوية: قوله: ((لا تنقطع الهجرة)) لم يرد بها الهجرة من مكة إلي المدينة؛ لأنها انقطعت، ولا الهجرة من الذنوب والخطايا، كما ورد ((المهاجر من هاجر الذنوب والخطايا)) لأنها عين التوبة، فليلزم التكرار، فيجب أن يحمل علي الهجرة من مقام لم يتمكن فيه.
التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها)).رواه أحمد، وأبو داود، والدرامي. [2346]
2347 -
وعن أبي هريرة (رضي الله عنه)، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن رجلين كانا في بني إسرائيل متحابين، أحدهما مجتهد في العبادة، والآخر يقول: مذنب، فجعل يقول: أقصر عما أنت فيه. فيقول: خلني وربي. حتى وجده يوما علي ذنب استعظمه فقال: أقصر. فقال: خلني وربي، أبعثت علي رقيبا؟ فقال: والله لا يغفر الله لك أبدا، ولا يدخلك الجنة، فبعث الله إليهما ملكا، فقبض أرواحهما، فاجتمعا عنده، فقال للمذنب: ادخل الجنة برحمتي. وقال للآخر: أتستطيع أن تحظر علي عبدي رحمتي؟ فقال: لا يا رب! قال: اذهبوا به إلي النار)).رواه أحمد. [2347]
2348 -
وعن أسماء بنت يزيد، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ:} قل يا عبادي الذين أسرفوا علي أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعا {
ــ
من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإقامة حدود الله، قال تعالي:} ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها {.
الحديث الحادي عشر عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((يقول: مذنب)) ((مظ)):أي يقول للآخر: أنا مذنب، ويحتمل أن يكون معناه ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: الآخر مذنب. أقول: ويمكن أن يقال: إن المعنى: والآخر منهمك في الذنب، ليطايق قوله:((مجتهد في العبادة))؛لأن القول كثيرا ما يعبر عن الأفعال المختلفة بحسب المقام. والتنكير في قوله: ((ملكا)) إما للإفراد شخصا، أي ملكا من أعوان ملك الموت، أو للتعظيم والتفخيم، أي ملك عظيم الشأن، وهو ملك الموت، كقوله تعالي:} إنا أرسلنا إلي فرعون رسولا {.
قوله: ((اذهبوا به إلي النار)) ((مظ)):الضمير في ((اذهبوا)) يرجع إلي ما لم يجر له ذكر؛ لأنه لا إلباس في أن المراد منه الملائكة، وإدخاله النار؛ لجازاته علي قسمه بأن الله تعالي لا يغفر للمذنب؛ لأن هذا حكم علي الله تعالي، وجعل الناس آيسا من رحمته، وحكم بكون الله غير غفور. ((حس)):قال أبو هريرة فيه: ((والذي نفسي بيده! لتكلم بالكلمة أوبقت دنياه وآخرته)).
الحديث الثاني عشر عن أسماء رضي الله عنها: قوله: ((يا عبادي)) في هذه الآية مبالغات شتى، والتفاسير مشحونة بها.
((ولا يبالي)).رواه أحمد، والترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب. وفي ((شرح السنة)) يقول: بدل: يقرأ.
2349 -
وعن ابن عباس: في قوله تعالي:} إلا اللمم {،قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك ما ألما)). [2349]
رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب.
ــ
الحديث الثالث عشر عن ابن عباس رضي الله عنهما: قوله: ((إلا اللمم)) ((تو)):اللمم ما قل وصغر، ومنه قولهم: ألم بالمكان، إذا قل فيه لبثه، ويقال: زيارته لمام، أي قليلة، ومنه قول القائل: لقاء أخلاء الصفاء لمام، وإلي هذا المعنى أشار ابن عباس بما نقله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تفسير قوله تعالي:} والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم {من قوله:)) إن تغفر اللهم- البيت))،والاستثناء فيها منقطع. ويجوز أن يكون قوله:((إلا اللمم)) صفة، أي كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم، وقد تنوعت أقاويل أهل التفسير فيه، فمن قائل: هو النظرة، والغمزة، والقبلة، ومن قائل: كل ذنب لم يذكر الله فيه حدا ولا عذابا، ولا خفاء في أن المراد منه صغائر الذنوب.
أقول: وجه مطابقة الآية وتفسيرها للبيت، هو أن يقال: إن الشرط والجزاء في البيت متحدان، فيدل علي كمال الغفران ونهايته، ومجيئهما مضارعين للدلالة علي الاستمرار وأن هذا من شأنه تعالي، وكذا الاعتراض بـ ((اللهم)) يدل علي فخامة الشأن، أي من شأنك اللهم أن تغفر غفرانا كبيرا للذنوب العظيمة، وأما الجرائم الصغائر، فلا تنسب إليك؛ لأن أحدا لا يخلو عنها، وأنها مكفرة باجتناب الكبائر.
فإن قلت: فعلي هذا كان الواجب أن يجاء بـ ((إذا)) المقتضية بالقطع، لا ((إن)) لاقتضائها الشك. قلت:((إن)) هاهنا بمعنى التعليل، كما في قوله تعالي للنبي وأصحابه:} ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين {أي لأجل أنكم مؤمنين لا تهنوا ولا تحزنوا، وقولك للسلطان: إن كنت سلطانا فأعط الجزيل من النوال. ((قض)):البيت لأمية بن الصلت، أنشده رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالي:} وما علمناه الشعر وما ينبغي له {ينفي إنشاء الشعر، لا إنشاده؛ لأنه رد لقولهم: هو شاعر.
2350 -
وعن أي ذر، قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: ((يقول الله تعالي يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديت؛ فاسألوني الهدى أهدكم. وكلكم فقراء إلا من أغنيت؛ فاسألوني أرزقكم. وكلكم مذنب إلا من عافيت؛ فمن علم منكم إني ذو قدرة علي المغفرة فاستغفرني غفرت له ولا أبالي. ولو أن أولكم وآخركم وحيكم، وميتكم، ورطبكم، ويابسكم اجتمعوا علي أتقى قلب عبد من عبادي؛ ما زاد ذلك في ملكي جناح بعوضة. ولو أن أولكم وآخركم وحيكم، وميتكم، ورطبكم، ويابسكم اجتمعوا في صعيد واحد؛ ما نقص ذلك من ملكي إلا كما لو أن أحدكم مر بالبحر فغمس فيه إبرة، ثم رفعها؛ ذلك بإني جواد ماجد أفعل ما أريد، عطائي كلام، وعذابي كلام، إنما أمري لشيء إذا أردت أن أقوله له: ((كن، فيكون)))) رواه أحمد والترمذي، وابن ماجه. [2350]
ــ
الحديث الرابع عشر عن أبي ذر رضي الله عنه: قوله: ((يقول الله تعالي: كلكم ضال)) الحديث سبق شرحه مستوفي في الفصل الأول، وسنذكر أبحاثا مخصوصة بهذا الحديث، منها قوله:((كلكم مذنب إلا من عافيت)) أي من شأن بني آدم وجبلتهم، أن يذنب إلا من أعصمه من الأنبياء، والصديقين، فوضع ((عافيت)) موضع ((عصمت)) يشعر بأن الذنب مرض ذاتي، وصحته عصمة الله تعالي منه. وقوله:((فمن علم)) مرتب علي حاصل معنى الذكور، أي فمن لم أعصمه فأذنب، وعلم إني ذو قدرة علي المغفرة، ((غفرت له)).
قوله: ((ورطبكم ويابسكم)) ((مظ)):أي أهل البحر والبر، ويحتمل أن يراد بالرطب النبات والشجر، وباليابس الحجر والمدر، يعني لو صار كل مافي الأرض من النبات والشجر والحجر والمدر إنسانا كان كيت كيت. أقول: الرطب واليابس عبارتان عن الاستيعاب التام، كما في قوله تعالي:} ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين {.والإضافة إلي ضمير المخاطبين تقتضي أن يكون الاستيعاب في نوع الإنسان، فيكون تأكيدا للشمول بعد تأكيد، وتقريرا بعد تقرير.
قوله: ((إلا كما لو أن أحدكم)) هذا تمثيل يوهم النقصان في الممثل أيضا. قلت: هو من باب الفرض والتنزل، أي لو فرض النقص في ملك الله تعالي، لكان مقداره مقدار الممثل به، نحو قوله تعالي:} لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي {وقد حققنا القول فيه في شرح
2351 -
وعن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قرأ:} هو أهل التقوى وأهل المغفرة {قال: ((قال ربكم)) أنا أهل أن أتقى، فمن اتقإني فأنا أهل أنا أغفر له)).رواه الترمذي، وابن ماجه، والدرامي.
ــ
الكشاف. قوله: ((وذلك بإني جواد ماجد)) فيه ترق؛ لأن الماجد أبلغ من الجواد، فإن معناه السعة في الكرم والجلال، موقع ذلك هاهنا كموقع} أولئك علي هدى من ربهم {من الكلام السابق، يعني بإني جدير أن أتمدح بالجواد الماجد، لإني هاد كل ضال، ومغن لكل فقير، وعاف لكل مذنب، وغافر لكل مستغفر، وإن طاعتكم ومعصيتكم لا تزيد ولا تنقص من ملكي شيئا، وإن خزائن رحمتي لا ينفدها إسعاف حاجاتكم.
قوله: ((عطائي كلام)) إلي آخره استئناف علي بيان الموجب لقوله: ((أفعل ما أريد)). ((تو)):المعنى الخلق يعتريهم العجز إذا أرادوا الانتقام، ويعتورهم العوز إذا أرادوا الإعطاء؛ لأنهم يفتقرون فيه إلي مادة فينقطع بهم انقطاع المادة، وأنا الغني القادر الذي لا يفتقر إلي المواد، ولا ينقص ما عندي بالعطاء، وإني إذا أردت إيجاد شيء لم يتأخر كونه عن الأمر. قوله:((كن فيكون)) –الكشاف-: ((كن)) من كان التامة، أي أحدث فيحدث، وهذا ومعناه أن ما قضاه من الأمور وأراد كونه فإنما يتكون، ويدخل تحت الوجود من غير امتناع ولا توقف، كالمأمور المطيع الذي يؤمر فيمتثل، ولا يتوقف ولا يمتنع، ولا يكون فيه الإباء.
الحديث الخامس عشر عن أنس رضي الله عنه: قوله: ((أهل التقوى)) أهل الرجل من يجمعه وإياهم نسب، أو دين، أو ما يجري مجراهما من صناعة، وبيت وبلد وضيعة. وكما قيل لمن يجمعهم دين: هم أهل دين، كذا نفاه عن ابن نوح بقوله:} إنه ليس من أهلك {ثم تجوز واستعمل في معنى الخليق والجدير، فقيل: فلان أهل لكذا، أي خليق به، وهو المعنى بقوله: ((هو أهل التقوى)). والواو في قوله تعالي:} وأهل المغفرة {عاطفة بمنزلة الفاء السببية، أخبر الله تعالي أنه أهل التقوى، أي حقيق بأن يتقى منه، وأخبر بأنه حقيق يغفر لمن اتقاه، ففوض الترتب إلي ذهن السامع، ولعل الفاء في قوله صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله:((فأنا أهل أن أغفر له)) تفسير لهذا الواو.
2352 -
وعن ابن عمر، قال: إن كنا لنعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس يقول: ((رب! اغفر لي، وتب علي، إنك أنت التواب الغفور)) مائة مرة. رواه أحمد، والترمذي، وأبو داود، وابن ماجه. [2352]
2353 -
وعن بلال بن يسار بن زيد مولي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: حدثني أبي، عن جدي أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:((من قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه. غفر له، وإنا كان قد فر من الزحف)).رواه الترمذي، وأبو داود، لكنه عند أبي داود: هلال بن يسار، وقال الترمذي: هذا حديث غريب. [2353]
الفصل الثالث
2354 -
عن أبي هريرة، قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم ((إن الله عز وجل ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة، فيقول: يارب إني لي هذه؟ فيقول: باستغفار ولدك لك)).رواه أحمد. [2354]
ــ
الحديث السادس عشر عن ابن عمر رضي الله عنهما: قوله: ((إن كنا)) ((إن)) هي المخففة من الثقيلة، و ((اللام)) هي الفارقة، وفيه معنى التأكيد، وأن العد واقع ألبتة، والمعدود قوله:((يقول)) علي تأويل أن يقول، كما في قوله: احضر الوغى، المعنى كنا نكثر أن نعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم قول:((رب اغفر لي)) مائة مرة.
الحديث السابع عشر عن بلال: قوله: ((الحي القيوم)) يجوز فيهما النصب صفة لـ ((الله))،أو مدحا، والرفع بدلا من الضمير، أو خبر مبتدأ محذوف علي المدح. قوله:((من الزحف)) الزحف الجيش الدهم الذي يرى لكثرته كأنه يزحف، أي يدب دبيبا من زحف الصبي، إذا دب علي استه قليلا قليلا.
أقول: وفي تخصيص ذكر الفرار عن الزحف إدماج لمعنى أن هذا الذنب من أعظم الكبائر لأن سياق الكلام، وارد في الاستغفار، وعبارته في المبالغة عن حط الذنوب عنه، فيلزم بإشارته أن هذا الذنب أعظم الذنوب. ((مظ)):أراد بقوله: ((فر من الزحف)) أنه فرمن حرب الكفار حيث لا يجوز له الفرار، وذلك بأن لا يكون عدد الكفار علي مثلي عدد جيش المسلمين.
الفصل الثالث
الحديث الأول عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((إن الله عز وجل ليرفع)) الحديث، دل الحديث علي أن الاستغفار يحط من الذنوب أعظمها، وهذا يدل علي أنه يرفع درجة غير المستغفر إلي ما لم يبلغها بعمله فما ظنك بالعامل المستغفر؟ ولو لم يكن في النكاح فضيلة
2355 -
وعن عبد الله بن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما الميت في القبر إلا كالغريق المتغوث، ينتظر دعوة تلحقه من أب، أو أم، أو أخ، أو صديق، فإذا لحقته كان أحب إليه من الدنيا وما فيها، وإن الله تعالي ليدخل علي أهل القبور من دعاء أهل الأرض أمثال الجبال، وإن هدية الأحياء إلي الأموات الاستغفار لهم)).رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)). [2355]
2356 -
وعن عبد الله بن بسر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارا كثيرا)). رواه ابن ماجه، وروى النسائي في ((عمل يوم وليلة)) [2356]
2357 -
وعن عائشة، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول:((اللهم اجعلني من الذين إذا أحسنوا استبشروا، وإذا أسأووا استغفروا)).رواه ابن ماجه، والبيهقي في ((الدعوات الكبير)). [2357]
2358 -
وعن الحارث بن سويد، قال: حدثنا عبد الله بن مسعود حديثين: أحدهما عن الرسول صلى الله عليه وسلم، والآخر عن نفسه. قال: إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه
ــ
غير هذا، لكفي به فضلا. فإن قلت: كيف طابق الباء في قوله: ((باستغفار)) و ((اللام)) في قوله: ((لي))؟ والظاهر أن يقال: لاستغفار. قلت: ليس بذلك، بل التقدير كيف حصل لي هذه؟ فقيل: حصل لك باستغفار ولدك.
الحديث الثاني والثالث عن عبد الله: قوله: ((لمن وجد في صحيفته)) فإن قلت: لم يقل: ((طوبى لمن استغفر كثيرا)) وما فائدة العدول؟ قلت: هو كناية عنه، فيدل علي حصول ذلك جزما، وعلي الإخلاص؛ لأنه إذا لم يكن مختصا فيه، كان هباء منثورا، فلم يجد في صحيفته إلا ما يكون حجة عليه، ووبالا له. قوله:((في عمل يوم وليلة)) هو ترجمة كتاب صنف في الأعمال اليومية والليلية.
الحديث الرابع عن عائشة رضي الله عنها: قوله: ((إذا أحسنوا استبشروا)) أي إذا أتو بعمل حسن، قرنوه بالإخلاص، فيترتب عليه الجزاء، فيستحقوا الجنة، ويستبشروا بها، كما قال:} وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون {فهو كناية تلويحية. وقوله: ((وإذا أساءوا استغفروا)) عبارة أن لا يبتليه بالاستدراج، ويرى عمله حسنا، فإن الله يضله فيهلك، كما قال تعالي:} أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء {.
قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر علي أنفه فقال به هكذا- أي بيده- فذبه عنه، ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((لله أفرح بتوبة عبد مؤمن من رجل، نزل في أرض دوية مهلكة، معه راحلته، عليها طعامه وشرابه، فوضع رأسه فنام نومة، فاستقيظ وقد ذهبت راحلته، فطلبها حتى إذا اشتد عليه الحر والعطش أو ما شاء الله. قال: أرجع إلي مكإني الذي كنت فيه. فأنام حتى أموت، فوضع رأسه علي ساعده ليموت، فاستيقظ؛ فإذا راحلته عنده، عليها زاده وشرابه، فالله أشد فرحا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده)) روى مسلم المرفوع إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فحسب، وروى البخاري الموقوف علي ابن مسعود أيضا.
ــ
الحديث الخامس عن الحارث: قوله: ((يرى ذنوبه)) المفعول الثاني محذوف، أي كالجبال، بدليل قوله:((كذباب)).ويجوز أن يكون ((كأنه)) مفعولا ثإنيا، والتشبية تمثيل، شبه حالة ذنوبه وأنها مهلكة له بحالته إذا كان تحت جبل، علي منوال قوله:
وما الناس إلا كالديار وأهلها بها يوم حلوها، وغدوا بلاقع
لم يشبه الناس بالديار، بل شبه وجودهم في الدنيا وسرعة زوالهم، بحلول أهل الديار ووشك نهوضهم عنها، وتركها خلاء خاوية. دل التمثيل الأول علي غاية الخوف، والاحتراز من الذنوب، والثاني علي نهاية قلة المبالاة، والاحتفال بها.
فإن قلت: ما التوفيق بين هذا القول، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:((لله أفرح))؟ قلت: لما بالغ في احتراز المؤمن، وخوفه من الذنوب، وصوره بتلك الصورة الفظيعة الهائلة، تصور أنه طلب ملجأ وكهفا يلوذ إليه من ذلك الهول، فقيل له: ليس ذلك الملجأ والمفزع إلا إلي الله؛ لأنه أفرح إلي آخره، وذكر الفاجر وارد علي سبيل الاستطراد، كما في قوله تعالي:} ومن كل تأكلون لحما طريا {بعد قوله:} وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه {؛لأن البحرين تمثيل للمؤمن والكافر. قوله: ((لله أفرح)) الحديث قد مر شرحه في الفصل الأول، ويذكر بعض ما يختص به هاهنا.
قوله: ((دوية)) ((مح)):هي بتشديد الواو والياء جميعا، وذكر مسلم في رواية أخرى ((داوية)) بزيادة ألف، وهي بتشديد الياء أيضا، وهي الأرض القفر والمفازة الخالية، فالدوية منسوبة إلي الدو، وأما الداوية فإبدال إحدى الواوين ألفا، كالطائي منسوبا إلي الطيء. و ((المهلكة)) –بفتح
2359 -
وعن علي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله يحب العبد المؤمن المفتن التواب)). [2359]
2360 -
وعن ثوبان، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ما أحب أن لي الدنيا بهذه الآية} يا عبادي الذين أسرفوا علي أنفسهم لا تقنطوا {)) الآية. فقال رجل: فمن أشرك؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: ((ألا ومن أشرك)) ثلاث مرات. [2360]
2361 -
وعن أبي ذر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله تعالي ليغفر لعبده ما لم يقع الحجاب)).قالوا: يارسول الله! وما الحجاب؟ قال: ((أن تموت النفس وهي مشركة)).
ــ
الميم وفتح اللام وكسرها- موضع خوف الهلاك، قوله:((أو ما شاء الله)) إن كان الترديد من الراوي، كان التقدير: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، أو قال: ما شاء الله، وإن كان من قول الرسول صلى الله عليه وسلم، تكون ((أو)) للتنويع، وكان التقدير: اشتد عليه الحر والعطش، أو ما شاء الله من العذاب والبلاء غير الحر والعطش. قوله:((فالله أشد فرحا)) ((الفاء)) هي التي تعقب المجمل بالمفصل تأكيدا وتقريرا له؛ لئلا يزاد فيه ولا ينقص.
الحديث السادس عن علي رضي الله عنه: قوله: ((المفتن)) ((نه)):وفي الحديث: ((المؤمن خلق مفتنا)) أي ممتحنا يمتحنه الله باالذنب، ثم يتوب ثم يعود ثم يتوب، يقال: فتنته
أفتنه فتنا، وفتونا، إذا امتحنته، وقد كثر استعمالها فيما أخرجه الاختبار للمكروه، ثم كثر حتى استعمل بمعنى الإثم والكفر.
الحديث السابع عن ثوبان: قوله: ((بهذه الآية)) أي بدلها، وهي أرجى آية في القرآن، وذلك أن وحشيا قاتل حمزة عرض عليه آيات نحو ذلك، فما اطمأن ولا آمن إلا بها. و ((الواو)) في قوله:((ألا ومن أشرك)) مانعة من حمل ((إلا)) علي الاستثناء، وموجبة لحملها علي حرف التنبيه، فقول السائل:((فمن أشرك؟)) هل خص هذا العام بمن أشرك، أي المشرك داخل فيه أم خارج؟ فأجابه صلى الله عليه وسلم بأنه داخل فيه، ويمكن أن ينزل السؤال علي قوله:} يا عبادي {يعني المشرك داخل في هذا المفهوم، وينادي بـ} يا عبادي {فقيل: ((نعم)) أو علي الذين أسرفوا أي هل يصح أن يقال لهم: أسرفوا علي أنفسهم، فقيل: نعم، أو علي} لا تقنطوا {فينهون عن القنوط، فقيل: نعم، أو علي قوله:} إن الله يغفر الذنوب جميعا {فقيل: نعم. وفي قوله: ((فسكت ثم قال)) يحتمل وجهين، أنه صلى الله عليه وسلم علم بوحي نزل عليه، فأجاب، أو تفكر واجتهد فأجاب.