الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
2504 -
وعن عمر رضي الله عنه، قال: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((قل: اللهم اجعل سريرتي خيراً من علإنيتي، واجعل علإنيتي صالحةً، اللهم إني أسألك من صالح ما تؤتي الناس من الأهل والمال والولد غير الضال ولا المضل)). رواه الترمذي. [2504]
كتاب المناسك
الفصل الأول
2505 -
عن أبي هريرة، قال: ((خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((يا أيها الناس! قد
فرض عليكم الحج فحجوا)) فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها
ــ
الحديث العاشر عن عمر رضي الله عنه قوله: ((قل: اللهم)) بيان لقوله: ((علمني)). قوله: ((سريرتي خيراً)) الجوهري: السر الذي يكتم، والجمع الأسرار، والسريرة مثله، طلب أولاً سريرة خيراً من العلإنية، ثم عقبه بطلب علإنية صالحة؛ لدفع توهم أن السريرة ربما تكون خيراً من علإنية غير صالحة. قوله:((من صالح)) ((من)) زائدة علي مذهب الأخفش، و ((من)) الثانية بيان ((ما)) ويجوز أن يكون بمعنى البعض. وقوله:((غير الضال)) مجرور بدل من كل واحد من الأهل، والمال، والولد علي سبيل البدل، والضال ها هنا يحتمل أن يكون للنسبة، أي غير ذي ضلال. والله أعلم بالصواب.
كتاب المناسك
النسك العبادة، والناسك العابد، واختص بأعمال الحج والمناسك مواقف النسك وأعمالها، والنسيكة مختصة بالذبيحة.
الفصل الأول
الحديث الأول عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((عليكم الحج)) ((قض)): الحج في اللغة القصد، وفي
الشرع قصد البيت علي الوجه المخصوص في الزمان المخصوص، وهو شوال وذو القعدة وعشر ليال من
ذي الحجة. ((فقال رجل)) يعني الأقرع بن حابس: ((أكل عام)) أي أتأمرنا أن نحج كل عام؟ وهذا يدل
علي أن مجرد الأمر لا يفيد التكرار، ولا المرة، وإلا لما صح الاستفهام. وإنما سكت صلى الله عليه وسلم
حتى قالها ثلاثاً زجراً له عن السؤال، فإن التقدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم منهي عنه لقوله تعالي:
{لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم مبعوث لبيان
ثلاثاً. فقال: ((لو قلتُ: نعم لوجبت ولما استطعتم)) ثم قال: ذروني ما تركتكم، فإنما
ــ
الشرائع، وتبليغ الأحكام، فلو وجب الحج كل سنة لبينه الرسول صلوات الله عليه لا محالة، ولا يقتصر علي الأمر به مطلقاً، سواء سئل عنه أو لم يسأل، فيكون السؤال استعجالاً ضائعاً. ثم لما رأي أنه لا ينزجر به ولا يقنع إلا بالجواب الصريح، أجاب عنه بقوله:((ولو قلت نعم لوجبت كل عام حجة)) فأفاد به أنه لا يجب كل عام، لما في ((لو)) من الدلالة علي نتفاء الشيء لانتفاء غيره، وأنه إنما لم يتكرر؛ لما فيه من الحرج، والكلفة الشاقة. ونبه علي أن العاقل ينبغي له أن لا يستقبل الكلف الخارجة عن سمعه، وأن لا يسأل عن شيء إن يبد له أساءه.
واحتج بهذا الحديث من جوز تفويض الحكم إلي رأي النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول الله له: احكم بما شئت، فإنك لا تحكم إلا بالصواب، فإن قوله صلى الله عليه وسلم:((لو قلت نعم لوجبت)) يدل علي أنه كان إليه إيجاب ما شاء. وهو ضعيف؛ لأن قوله: ((لو قلت)) أعم من أن يكون قولاً من تلقاء نفسه أو من وحي نازل، أو رأي يراه إن جوزنا له الاجتهاد، والدال علي الأعم لا يدل علي الأخص، لكنه يدل علي أن الأمر للوجوب؛ لأن قوله:((لو قلت نعم لوجبت)) تقديره: لو قلت: نعم حجوا كل سنة، لوجبت كل عام حجة. وذلك إنما يصح إذا كان الأمر مقتضياً للوجوب.
أقول: والاستدلال بسؤال الرجل علي أن الأمر لا يفيد التكرار ولا المرة ضعيف؛ لأن الإنكار وارد علي السؤال الذي لم يقع موقعه، ولهذا زجره، وقال:((ذروني ما تركتكم)) فعم الخطاب يعني اقتصروا علي ما أمرتكم، فأتوا به علي قدر استطاعتكم. وكذا قوله تعالي:{يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} نازل في هذا الشأن، فقد علم أن الرجل لو لم يسأل لم يفد الأمر غير المرة، وأن التكرار مفتقر إلي دليل خارجي. وفي قوله ((لو قلت نعم))، أيضاً بحث؛ لأن القول إذا صرح به يجب أن يجري علي حقيقته إلا إذا منع مانع، فيجري علي المجاز. لنا قوله صلى الله عليه وسلم:((أيحسب أحدكم أن يكون متكئاً علي أريكته، يظن أن الله تعالي لم يحرم شيئاً إلا ما في هذا القرآن، ألا إني والله قد أمرت، ووعظت، ونهيت عن أشياء، إنها لمثل القرآن أو أكثر)) رواه عرباض. وفي حديث مقدام ((إنما حرم رسول الله كما حرم الله)) وفي تسميته صلى الله عليه وسلم نفسه رسول الله إشعار باستقلاله في الأمر والنهي، وكذلك القسم في الحديث الأول مؤذن بالغضب الشديد علي المنكر ووصفه بالاتكاء علي الأريكة شبعان من هذا القبيل. وفي قوله:((لما استطعتم)) إشارة إلي أن بناء الأمر علي اليسر والسهولة، لا العسر والصعوبة، كما ظن السائل.
قوله ((ذروني ما تركتكم)) ((مح)): فيه دليل علي أن الأصل عدم الوجوب، وأنه لا تكليف قبل ورود الشرع؛ لقوله تعالي:{وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً} .
هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم علي أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه)). رواه مسلم.
2506 -
وعنه، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم،: أي العمل أفضل؟ قال: ((إيمان بالله ورسوله)). قيل: ثم ماذا؟ قال: ((الجهاد في سبيل الله)). قيل: ثم ماذا؟ قال: ((حج مبرور)). متفق عليه.
2507 -
وعنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه)). متفق عليه.
ــ
وقوله: ((فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم)) من أجل قواعد الإسلام، ومن جوامع الكلم؛ لما يدخل فيه ما لا يحصى من الأحكام، كالصلاة بأنواعها، فإنه إذا عجز عن بعض أركانها، أو شروطها أتى بالباقي، وإذا عجز عن غسل بعض أعضاء الوضوء أو الغسل، أو غسل الممكن، وإذا وجد بعض ما يكفيه من الماء لطهارته أو لغسل النجاسة، فعل ما يمكن، وإذا وجد ما يستر بعض عورته أو حفظ بعض الفاتحة أتى بالممكن، وأشباهها غير محصور.
الحديث الثاني عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((أي العمل أفضل)) قد ورد كثير من أحاديث المفاضلة بين الأعمال علي منوال يشكل التوفيق بينها، والوجه في أول كتاب الصلاة. قوله:((حج مبرور)) يقال: بره أحسن إليه، فهو مبرور، ثم قيل: بر الله عمله إذا قبله، كأنه أحسن إلي عمله بأن قبله ولم يرده، وعلامة كونه مقبولاً الإتيان بجميع أركانه وواجباته، مع إخلاص النية واجتناب ما نهي عنه.
قوله: ((إيمان بالله، والجهاد، وحج مبرور)) أخبار مبتدأ محذوف، نكر الإيمان؛ ليشعر بالتعظيم والتفخيم، أي التصديق المقارن بالإخلاص المستتبع للأعمال الصالحة. وعرف ((الجهاد)) ليدل علي الكمال، لأن الخبر المعرف باللام يدل علي الاختصاص، كما قال:((فذلكم الرباط، فذلكم الرباط)) ووصف ((الحج)) بـ ((المبرور)) ليدلي بما يدلي التنكير في الإيمان، والتعريف في الجهاد. فإن قلت: لم لا يحملها علي الابتداء محذوفة الأخبار؟ قلت: يأبي التنكير في الإيمان ذلك، علي أن المقدر في الكل أفضل الأعمال، وهو أعرف من ((حج مبرور)) زمن ((إيمان بالله))، فأجرى الجهاد مجراهما مراعاة للتناسب.
الحديث الثالث عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((فلم يرفث)) ((نه)): الرفث التصريح
بذكر الجماع، والإعراب به. وقال الأزهري: هو كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من المرأة.
2508 -
وعنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((العمرة إلي العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة)). متفق عليه.
2509 -
وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن عمرة في رمضان تعدل حجة)). متفق عليه.
2510 -
وعنه، قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم لقي ركباً بالروحاء، فقال:((من القوم؟)) قالوا: المسلمون. فقالوا: من أنت؟ قال: ((رسول الله)) فرفعت إليه امرأة صبياً فقالت: ألهذا حج؟ قال: ((نعم، ولك أجر)) رواه مسلم.
ــ
وقال سعيد بن جبير في قوله تعالي: {فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج} : الرفث إتيان النساء، والفسوق السباب، والجدال المراء، يعني مع الرفقاء والخدم والمكارين. وإنما لم يذكر الجدال في الحديث اعتماداً علي الآية. ((والفاء)) في ((فلم يرفث)) معطوف علي الشرط، وجوابه ((رجع)) أي صار، والجار والمجرور خبر، ويجوز أن يكون حالاً، أي رجع مشابهاً لنفسه في البراءة عن الذنوب في يوم ولدته أمه.
الحديث الرابع والخامس عن ابن عباس رضي الله عنهما: قوله: ((تعدل حجة)) ((مظ)): أي تقابل وتماثل في الثواب؛ لأن الثواب يفضل بفضيلة الوقت. أقول: هذا من باب المبالغة، وإلحاق الناقص بالكامل ترغيباً وبعثاً عليه، وإلا كيف يعدل ثواب العمرة ثواب الحج؟.
الحديث السادس عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله: ((ركباً)) ((تو)) هو جمع راكب، كصاحب وصحب، وهم العشرة فما فوقها من أصحاب الإبل في السفر دون الدواب، و ((الروحاء)) بفتح الراء من أعمال الفرع علي نحو من أربعين ميلاً من المدينة، وفي كتاب مسلم: أنها علي ستة وثلاثين ميلاً منها.
قوله: ((ألهذا حج؟)) ((حج)) فاعل الظرف لاعتماده علي الهمزة، يعني أيحصل لهذا ثواب حج؟ وما قالت: أعلي هذا؛ لأنه لا يجب علي الأطفال. ((مظ)): هذا تصريح بصحة حج الصبي، وحصول الثواب له، ولمن حج به، فإذا بلغ ووجد الاستطاعة وجب عليه الحج، وكانت تلك الحجة نافلة.
الحديث السابع عن ابن عباس رضي الله عنهما: قوله: ((شيخاً)) حال. وقوله: ((لا يثبت))
يجوز أن يكون صفة بعد صفة، وأن يكون من الأحوال المتداخلة، ويجوز أن يكون ((شيخاً))
2511 -
وعنه، قال: إن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله! إن فريضة الله علي عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يثبت علي الراحلة، أفأحج عنه، قال:((نعم)) وذلك حجة الوداع. متفق عليه.
2512 -
وعنه قال: أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أختي نذرت أن تحج، وإنها ماتت. فقال النبي صلى الله عليه وسلم:((لو كان عليها دين أكنت قاضيه؟)) قال: نعم قال: ((فاقض دين الله؛ فهو أحق بالقضاء)). متفق عليه.
2513 -
وعنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يخلون رجل بامرأةٍ، ولا تسافرن
ــ
بدلاً؛ لكونه موصوفاً أي وجب عليه الحج بأن أسلم وهو شيخ كبير، أو حصل له المال في هذه الحالة. والأول أوجه. قوله:((أفأحج عنه)) الفاء الداخلة عليها الهمزة معطوفة علي محذوف، أي: أيصح مني أن أكون نائبة له فأحج عنه؟ ((حس)): فيه دليل علي أن حج المرأة عن الرجل يجوز، وزعم بعضهم أنه لا يجوز؛ لأن المرأة تلبس في الإحرام ما لا يلبسه الرجل، فلا يحج عنه إلا رجل مثله. وفيه دليل علي أن من مات، وفي ذمته حق الله تعالي من حج، أو كفارة، أو نذر صدقة، أو زكاة فإنه يجب قضاؤها من رأس ماله مقدماً علي الوصايا والميراث، سواء أوصى به أو لم يوص، كما يقضي عنه ديون العباد.
قوله: ((وذلك في حجة الوداع)) أي جرى في حجة الوداع. ((مح)): سميت بذلك، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ودع الناس فيها، ولم يحج بعد الهجرة غيرها، وكانت سنة عشرة من الهجرة. وفي صدر الحديث ((كان الفضل بن عباس رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءته امرأة من خثعم تستفتيه، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل إلي الشق الآخر، فقالت: يا رسول الله! إن فريضة الله)) الحديث وفيه فوائد منها، جواز الإرداف علي الدابة إذا كانت مطيقة، وجواز سماع صوت الأجنبية عند الحاجة، ومنها تحريم النظر إلي الأجنبية. ومنها إزالة المنكر باليد لمن أمكنه.
الحديث الثامن عن ابن عباس رضي الله عنهما: قوله: ((لو كان عليها دين)) في الحديث دليل علي أن السائل ورث منها مالاً، فسأل ما سأل، فقاس رسول الله صلى الله عليه وسلم حق الله تعالي علي حق العباد، وأوجب الحج عليه، والجامع علة المالية.
الحديث التاسع عن ابن عباس رضي الله عنهما: قوله: ((اكتتبت)) ((تو)): أي أثبت اسمي
امرأة إلا ومعها محرم)). فقال رجل: يا رسول الله! اكتتبت في غزوة كذا وكذا، وخرجت امرأتي حاجة. قال:((اذهب فاحجج مع امرأتك)) متفق عليه.
2514 -
وعن عائشة، قالت: استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم في الجهاد. فقال: ((جهادكن الحج)). متفق عليه.
2515 -
وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تسافر امرأة مسيرة يوم وليلة إلا ومعها ذو محرم)) متفق عليه.
ــ
في جملة من يخرج فيها، من قولهم: اكتتب الرجل، إذا كتب نفسه في ديوان السلطان، ويستعمل أيضاً في موضع كتب. وهو في الأكثر متعارف في المختلق، ومنه قوله تعالي:{وقالوا أساطير الأولين اكتتبها} . وقيل: اكتتب أي أمر بأن يكتب له، كقولهم: اصطنع خاتماً، أي أمر بأن يصنع له، وفي الغريبين يقال: اكتتب فلان، أي سأل أن يكتب في جملة الزمني، ولا يندب للجهاد، وإذا أخذ الرجل من أمير جنده خطاً بزمانته ليتخلف عن الغزو، ولا زمانة به، بل فعل ذلك اعتلالاً، فقد اكتتبه.
أقول: الوجه هو الأول، فإن الصحابي جاء مستفتياً سائلاً عن أحد الأمرين اللازمين عليه فأفتاه النبي صلى الله عليه وسلم بما هو أولي. ((مح)): في الجواب تقديم الأهم من الأمور المتعارضة؛ لأنه لما عرض له الغزو والحج رجح صلى الله عليه وسلم الحج معها؛ لأن الغزو يقوم غيره في مقامه، بخلاف الحج معها، وليس لها محرم غيره.
الحديث العاشر والحادي عشر عن أبي هريرة رضي الله عنه قوله: ((ذو محرم)) ((مح)): حقيقة المحرم من النساء التي يجوز النظر إليها والخلوة بها والمسافرة معها، كل من حرم نكاحها علي التأبيد بسبب مباح لحرمتها، فقولنا:((علي التأبيد)) احتراز من أخت المرأة، وعمتها، وخالتها، ونحوهن. وقولنا:((بسبب مباح)) احتراز من أم الموطوءة بشبهة وبنتها، فإنهما محرمتان علي التأبيد وليستا محرمين؛ لأن وطء الشبهة لا يوصف بالإباحة؛ لأنه ليس بفعل المكلف. وقولنا:((لحرمتها)) احتراز من الملاعنة؛ فإنها محرمة علي التأبيد بسبب مباح، وليست محرمة؛ لأن تحريمها ليس لحرمتها بل عقوبة وتغليظاً.
وليس المراد من قوله: ((مسيرة يوم وليلة)) التحديد؛ لأن كل ما يسمى سفراً نهي المرأة أن تسافر فيه
بغير محرم؛ لرواية ابن عباس المطلقة: ((لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم)) وإنما كان ذلك عن
أمر واقع، فلا يعمل بالمفهوم. وقال: لا يشترط الأمن علي نفسها، ويشترط الأمن بزوج، أو
محرم، أو نسوة ثقات، فلو وجدت امرأة واحدة ثقة لم تلزمها، لكن يجوز لا الحج
2516 -
وعن ابن عباس، قال: وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة: ذا الحليفة، ولأهل الشام: الجحفة، ولأهل نجد: قرن المنازل، ولأهل اليمن: يلملم؛ فهن لهن، ولمن أتي عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة، فمن كان دونهن فمهله من أهله، وكذاك وكذاك، حتى أهل مكة يهلون منها. متفق عليه.
ــ
معها، هذا هو الصحيح. قال القاضي عياض: اتفق العلماء علي أنه ليس لها أن تخرج في غير الحج والعمرة إلا مع ذي محرم إلا الهجرة من دار الحرب؛ لأن إقامتها في دار الكفر حرام إذا لم تستطع إظهار الدين، سواء فيما ذكرنا من الأحكام الشابة والكبيرة؛ لأن المرأة مظنة للشهوة، والطمع فيها؛ لأن لكل ساقطة لاقطة.
الحديث الثاني عشر عن ابن عباس رضي الله عنهما: قوله: ((وقت)) ((قض)): الوقت في الأصل حد الشيء والتأقيت التحديد والتعيين، غير أن التركيب شاع في الزمان، وها هنا جاء علي أصله. والمعنى حد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعين لأهل المدينة ذا الحليفة، وهو ماء من مياه بني جثم، وحليفة تصغير حلفة كقضية، وهي بيت في الماء، وجمعها حلفاء. و ((جحفة)) موضع بين مكة والمدينة من الجانب الشامي، تحاذي ذي الحليفة، وكان اسمه مهيعة، فأجحف السيل بأهلها، فسميت جخفة، يقال: أجحف به إذا ذهب به. وسيل جُحاف -بالضم- إذا جرف الأرض وذهب به. و ((قرن)) -بسكون الراء- جبل مدور أملس، كأنه بيضة مطل علي عرفات. و ((يلملم)) جبل من جبال تهامة علي ليلتين من مكة. و ((المهل)) موضع الإهلال يريد به الموضع الذي يحرم منه؛ فيرفع في صوته بالتلبية للإحرام. وقوله:((حتى أهل مكة يهلون منها)) يدل علي أن المكي ميقاته نفس مكة، سواء أحرم بحج أو عمرة، والمذهب أن المعتمر يخرج إلي أدنى الحل، فيعتمر منه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عائشة لما أرادت أن تعتمر بعد التحلل من الحج بأن تخرج إلي الحل فتحرم، والحديث مخصوص بالحج.
قوله: ((فهن لهن)) أي هذه المواقيت لأهلهن علي حذف المضاف، يدل علي خصوصية المضاف المحذوف، قوله بعده:((ولمن أتى عليهن من غير أهلهن)). ((مح)): وقع عند بعض رواة البخاري ومسلم ((فهن لهم))، وكذا عند أبي داو وغيره. وقوله:((من أتى عليهن من غير أهلهن)) معناه أن الشامي مثلاً إذا مر بميقات أهل المدينة في ذهابه، لزمه أن يحرم من ميقات المدينة، ولا يجوز له التأخير إلي ميقات الشام. وفي قوله:((من أراد الحج والعمرة)) دلالة علي المذهب الصحيح أي من مر بالميقات لا يريد حجاً ولا عمرة لا يلزمه الإحرام لدخول مكة. وفيه دلالة علي أن الحج علي التراخي لا علي الفور. وقال أصحابنا: يجوز للمكي ومن ورد من الآفاق أن يحرم من جميع نواحي مكة بحيث لا يخرج عن نفس المدينة وسورها، وفي الأفضل قولان، أصحهما من باب داره، والثاني من المسجد الحرام تحت الميزاب.
2517 -
وعن جابر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((مهل أهل المدينة من ذي الحليفة، والطريق الآخر الجحفة، ومهل أهل العراق من ذات عرق، ومهل أهل نجد قرن، ومهل أهل اليمن يلملم)). رواه مسلم.
2518 -
وعن أنس، قال: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عمر كلهن في ذي القعدة، إلا التي كانت مع حجته: عمرة من الحديبية في ذي القعدة، وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة، وعمرة من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة، وعمرة مع حجته)) متفق عليه.
2519 -
وعن البراء بن عازب، قال: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة قبل أن يحج مرتين. رواه البخاري.
الفصل الثاني
2520 -
وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا أيها الناس! إن الله
كتب عليكم الحج)). فقام الأقرع بن حابس فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ قال:
ــ
الحديث الثالث عسر عن جابر رضي الله: قوله: ((والطريق الآخر)) مرفوع علي حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، أي مهل الطريق الآخر الجحفة. ((تو)):((مهل)) -بضم الميم وفتح الهاء- الموضع الذي وقت للإهلال منه، و ((ذات عرق)) موضع سمي بذلك؛ لأن هناك عرقاً، وهو الجبل الصغير، والعراق بلاد تذكر وتؤنث. قيل: إنما يقال لها: العراق؛ لوقوعها علي شاطئ دجلة والفرات، والعراق شاطئ البحر والنهر. ((مح)): اختلفوا في أن ذات العرق هل صار ميقاتاً بتوقيت النبي صلى الله عليه وسلم، أو باجتهاد عمر رضي الله عنه؟ والصحيح الثاني، نص الشافعي عليه في الأم.
الحديث الرابع والخامس عشر عن أنس رضي الله عنه: قوله: ((اعتمر)) ((غب)): العمرة الزيارة التي فيها عمارة الود، وجعل في الشريعة للقصد المخصوص. قوله:((من الحديبية)) ((مح)) الحديبية: فيها لغتان، تخفيف الياء وتشديدها، والتخفيف هو الصحيح المختار، وهو قول الشافعي، وأهل اللغة، وبعض المحدثين، والتشديد قول الكسائي، وابن وهب، وجماهير المحدثين.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن ابن عباس رضي الله عنهما: قوله: ((الحج مرة)) ((مرة)) خبر المبتدأ أي واحدة، فإن زاد فهو تطوع.
((لو قلتها: نعم لوجبت، ولو وجبت لم تعملوا بها، ولم تستطيعوا، والحج مرة، فمن زاد فتطوع)). رواه أحمد، والنسائي، والدارمي. [2520]
2521 -
وعن علي [رضي الله عنه]، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من ملك زاداً وراحلةً تبلغه إلي بيت الله ولم يحج؛ فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرإنياً، وذلك أن الله تبارك وتعالي يقول:{ولله علي الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} . رواه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب، وفي إسناده مقال، وهلال بن عبد الله مجهول، والحارث يضعف في الحديث. [2521]
2522 -
وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا صرورة في الإسلام)). رواه أبو داود. [2522]
ــ
الحديث الثاني عن علي رضي الله عنه: قوله: ((تبلغه)) ((قض)): إنما وحد الضمير الذي في ((تبلغه)) والمرجع إليه شيئان؛ لأنهما في معنى الاستطاعة، والمعتبر هو المجموع. ويجوز أن يكون الضمير للراحلة، ويكون تقييدها غنية عن تقييد الزاد. وقوله:((فلا عليه)) أي لا تفاوت عليه أن يموت يهودياً أو نصرإنياً. والمعنى: أن وفاته علي هذه الحالة، ووفاته علي اليهودية والنصرإنية سواء فيما فعله من كفران نعم الله، وترك ما أمر به والانهماك في معصيته، وهو من باب المبالغة والتشديد، والإيذان بعظمة شأن الحج. ونظيره قوله تعالي:{ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} فإنه وضع فيه ((ومن كفر)) موضع ((ومن لم يحج)) تعظيماً للحج، وتغليظاً علي تاركه.
قوله: ((وفي إسناده مقال)) ((تو)): وقد روى أيضاً معناه عن أبي أمامة، والحديث إذا روي من غير وجه وإن كن ضعيفاً غلب علي الظنون كونه حقاً. والله أعلم. أقول: قوله: ((علي اليهودية والنصرإنية)) إشارة إلي أن ((أو)) في قوله: ((أو نصرإنياً)) بمعنى الواو، كما في قوله تعالي:{عذراً أو نذراً} فيكون التخيير واقعاً بين كونه مؤمناً، وبين كونه كافراً، ليكون علي وزان قوله تعالي:{فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} في التهديد والتغليظ، لأن التخيير في مثل هذا ينبغي أن يكون بين الضدين. وعلي هذا يكون أصل التركيب: فلا بأس عليه أن يموت مؤمناً أو كافراً.
الحديث الثالث عن ابن عباس رضي الله عنهما: قوله: ((لا صرورة)): -بالصاد المهملة- ((نه)):
2523 -
وعنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من أراد الحج فليعجل)). رواه أبو داود، والدارمي. [2523]
2524 -
وعن ابن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة)). رواه الترمذي، والنسائي. [2524]
2525 -
ورواه أحمد، وابن ماجه عن عمر إلي قوله:((خبث الحديد)).
ــ
قال أبو عبيدة: هو في الحديث التبتل وترك النكاح، أي ليس ينبغي لأحد أن يقول: لا أتزوج؛ لأنه ليس من أخلاق المؤمنين، وهو فعل الرهبان، والصرورة أيضاً الذي لم يحج قط، وأصله من الحبس والمنع. ((قض)): وظاهر هذا الكلام أيضاً يدل علي أن تارك الحج ليس بمسلم، والمراد منه أنه لا ينبغي أن يكون في الإسلام أحد يستطيع الحج ولا يحج، فعبر عنه بهذه العبارة للتشديد والتغليظ.
الحديث الرابع عن ابن عباس رضي الله عنهما: قوله: ((من أراد)) أي قدر علي أداء الحج؛ لأن الإرادة مبدأ الفعل، والفعل مسبوق بالقدرة، فأطلق أحد سببي الفعل، وأراد الآخر، والعلاقة هي الملابسة، لأ، معنى ((فليتعجل)) فليغتنم الفرصة إذا وجد الاستطاعة من القوت والزاد والراحلة، قبل أن يمنع مانع لم يقدر عليه. وروي:((حجوا قبل أن لا تحجوا، حجوا قبل أن يمنع البر جانبه)). ((مظ)): وهذا أمر استحباب، لأن تأخير الحج جائز من وقت وجوبه إلي آخر العمر.
الحديث الخامس عن ابن مسعود رضي الله عنه قوله: ((تابعوا)) أي إذا حججتم فاعتمروا، أو إذا اعتمرتم فحجوا. وإزالته الفقر كزيادة الصدقة بالمال، {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل} الآية، مثل متابعة الحج والعمرة في إزالة الذنوب بإزالة النار خبث الذهب الإبريز الذي استصحبه من معدنه؛ لأن الإنسان مركوز في جبلته القوة الشهوإنية والغضبية، يحتاج إلي رياضة تزيلها عنه، هذا إذا كان معصوماً، فكيف بمن تابع هوى النفس، خليع العذار، منهمكاً في المعاصي؟ والحج جامع لأنواع الرياضات من إنفاق المال، وجهد النفس بالجوع والعطش والسهر، وقطع المهامه واقتحام المهالك، ومفارقة الأوطان، ومهاجرة الإخوان والأخدان.
2526 -
وعن ابن عمر، قال: جاء رجل إلي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! ما يوجب الحج؟ قال: ((الزاد والراحلة)). رواه الترمذي، وابن ماجه. [2526]
2527 -
وعنه، قال: سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما الحاج؟ فقال: ((الشعث النفل)). فقام آخر، فقال: يا رسول الله! أي الحج أفضل؟ قال: ((العج والثج)). فقام آخر، فقال: يا رسول الله! ما السبيل؟ قال: ((زاد وراحلة)). رواه في ((شرح السنة)). وروى ابن ماجه في ((سننه)) إلا أنه لم يذكر الفصل الأخير. [2527].
ــ
الحديث السادس والسابع عن ابن عمر رضي الله عنهما: قوله: ((ما الحاج)) ((ما)) يسأل بها عن الجنس، أو عن الوصف، والمراد الثاني لجوابه صلى الله عليه وسلم:((الشعث التفل)) الشعث: هو المغبر الرأس الذي لم يمتشط، و ((التفل)) أن لا يتطيب من تفل الشيء من فيه، إذا رمى به متكرهاً له. وإنما ذكر هذين الوصفين لما فيهما من المعنى البالغ في سمت المحرم وهديه، ثم إنه صلى الله عليه وسلم كان يجيب السائل علي ما يعرفه من حاله، ويتوسم فيه من الأمارات الدالة علي مقصده؛ فلعله أجاب بذلك بناءً علي ما تبين له من مغزاه. ((مظ)): إذا أحرم الرجل لا يمتشط رأسه ولحيته، لئلا ينتف الشعر، فإن امتشط ولم ينتف الشعر فلا بأس، وإن نتف لزمه دم بثلاث شعرات أو أكثر. وفي شعره مد أو درهم علي الخلاف، وكذا الشعرتان. وأما استعمال الطيب فحرام، ويجب فيه دم شا’.
قوله ((أي الحج)) ((تو)): يعني أي أعمال الحج أفضل؟ حذف المضاف وأقام إليه مقامه، وأراد بالحج رفع الصوت بالتلبية، وبالثج سيلان دم الهدي، ويحتمل أن يكون السؤال عن الحج نفسه، ويكون قوله:((العج والثج)) أي الذي فيه العج والثج.
أقول: يمكن أن يراد بهما الاستيعاب، فابتدأ بالإحرام الذي هو الإهلال، وانتهي بالتحليل الذي هو إهراق دم الهدي، فاختصر اقتصاراً بالمبدأ والمنتهي عن سائر الأعمال، ونحوه قوله تعالي {كما أرسلنا إلي فرعون رسولاً- إلي قوله- فأخذناه أخذاً وبيلاً} فينطبق علي هذا الجواب علي السؤال، أي أفضل الحج ما استوعب فيه جميع أعماله من الأركان، والمندوبات وغيرهما. والتعريف في ((السبيل)) للعهد، والمعهود المنكر في قوله تعالي:{من استطاع إليه سبيلاً} والفصل الأخير قوله: ((فقام آخر قائلاً: ما السبيل؟)).
2528 -
وعن أبي رزين العقيلي، أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن. قال: ((حج عن أبيك واعتمر)). رواه الترمذي، وأبو داود، والنسائي. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. [2528]
2529 -
وعن ابن عباس، قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة. قال: ((من شبرمة؟)) قال: أخ لي أو قريب لي. قال: ((أحججت عن نفسك؟)) قال: لا. قال: ((حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة)). رواه الشافعي، وأبو داود، وابن ماجه. [2529].
2530 -
وعنه، قال: وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المشرق العقيق. رواه الترمذي، وأبو داود.
ــ
الحديث الثامن والتاسع عن أبي رزين: قوله: ((ولا الظعن)) ((تو)): ((الظعن)) - بفتح الظاء وسكون العين- الرحلة، وكذلك بالتحريك. وذكر ذلك علي وجه البيان للحال التي انتهي إليها من كبر السن، أي لا يقوى علي السير، ولا علي الركوب. أقول: يمكن أن يكنى به عن القوة، ويراد بنفي الاستطاعة عدم الزاد والراحلة، كأنه قال: ليس له زاد ولا راحلة ولا قوة، بعد أن وجب عليه الحج. ((مظ)): يحتمل أن يريد بقوله: ((لا يستطيع الحج والعمرة)) الذهاب إليهما راجلاً، وبالظعن ركوب الدابة. ((شف)): فيه دليل علي جواز النيابة في الحج، وفي الحديث الآتي دليل علي أ، النيابة إنما تجوز بعد فرض الحج.
((حس)): سئل عبد الله بن أبي أوفي عن الرجل لم يحج يستعرض الحج؟ فقال: لا. وهو قول الأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق؛ لأن إحرام الصرورة عن غيره ينقلب عن فرض نفسه. وذهب قوم إلي أنه يجوز، وهو قول الحسن، وعطاء، ومالك، والثوري، وأصحاب أبي حنيفة. ومن تطوع أو نذر وعليه فرض الحج، فحج، يقع عن فرضه عند الشافعي رضي الله عنه، ثم بعده لو أحرم عن التطوع يقع عن النذر، وقال مالك وأصحاب أبي حنيفة: يقع عن التطوع، والفرض في ذمته، فإن حجه علي ما نوى.
2531 -
وعن عائشة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لأهل العراق ذات عرق. رواه أبو داود، والنسائي. [2531]
2532 -
وعن أم سلمة، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من أهل بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلي المسجد الحرام؛ غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، أو وجبت له الجنة)). رواه أبو داود، وابن ماجه. [2532]
الفصل الثالث
2533 -
عن ابن عباس، قال: كان أهل اليمن يحجون فلا يتزودون ويقولون:
ــ
الحديث العاشر والحادي عشر عن عائشة رضي الله عنها: قوله: ((ذات عرق)) ((قض)): هي موضع من شرقي مكة بينهما مرحلتان، يوازي قرن نجد، سمي بذلك؛ لأن هناك عرقاً، وهو الجبل الصغير. و ((العقيق)) موضع يقال: إنه قبيل ذات عرق، ويقال: إنه في حد ذات عرق من الطرف الأقصى، ولا اختلاف بين الحديثين، وفي صحة الحديثين مقال، والأصح عند الجمهور أن النبي صلى الله عليه وسلم ما بين لأهل المشرق ميقاتاً، وإنما حد لهم عمر رضي الله عنه حين فتح العراق، وهي بلاد من المشرق، إذ المراد منه ما يكون من شرقي مكة إلي آخر العمارات، وكان الشافعي يستحب للمشرقي عراقياً كان أو غيره أن يحرم من العقيق جمعاً بين الحديثين، وتفصياً عن الخلاف، فإن تحديد المواقيت وتعيينها للمنع عن مجاوزتها بلا إحرام لا عن الإحرام قبل ورودها.
الحديث الثاني عشر عن أم سلمة رضي الله عنها: قوله: ((غفر له))؛ لأنه لا إهلال أفضل وأعلي من ذلك؛ لأنه أهل من أفضل البقاع ثم مر بالأفضل، ثم انتهي إلي الأفضل، فلا غرو أن يعامل معاملة أفضل البشر {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} .
الفصل الثالث
الحديث الأول عن ابن عباس رضي الله عنهما: قوله: ((فلا يتزودون)) كان من الظاهر أن يقال: ((ولا يتزودون)) علي الحال، فجيء بالفاء إرادة يقصدون الحج، ويجوز أن يكون ((الفاء)) للسببية علي التعكيس، لأن قصد الحج سبب للتزود، فعكسوا كقوله تعالي:{وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} . قوله: {فإن خير الزاد التقوى} أي تزودوا واتقوا الاستطعام، وإبرام الناس، والتثقيل عليهم، فإن خير الزاد التقوى.
نحن المتوكلون، فإذا قدموا مكة سألوا الناس. فأنزل الله تعالي:{وتزودوا فإن خير الزاد التقوى} . رواه البخاري.
2534 -
وعن عائشة، قالت: قلت: يا رسول الله! علي النساء جهاد؟ قال: ((نعم، عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة)). رواه ابن ماجه. [2534]
2535 -
وعن أبي أمامة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من لم يمنعه من الحج حاجة ظاهرة أو سلطان جائر أو مرض حابس، فمات ولم يحج، فليمت إن شاء يهودياً وإن شاء نصرإنياً)). رواه الدارمي. [2535]
2536 -
وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال:((الحاج والعمار وفد الله؛ إن دعوه أجابهم، وإن استغفروه غفر لهم)). رواه ابن ماجه. [2536]
2537 -
وعنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((وفد الله ثلاثة: الغازي، والحاج، والمعتمر)). رواه النسائي، والبيهقي في ((شعب الإيمان)). [2537]
ــ
الحديث الثاني عن عائشة رضي الله عنها: قوله: ((لا قتال فيه)) صفة ((جهاد)) وهو من أسلوب الرجوع، قرر أولاً ما سألت، وهو ((الجهاد)) ثم رجع عنه بقوله:((لا قتال فيه)) نحو قوله تعالي: {قل أذن خير لكم} في جوابهم {هو أذن} أي نعم هو أذن، لكن أذن خير لكم، لا كما تزعمونه. و ((الحج)) يجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أو بدلاً من ((جهاد)).
الحديث الثالث عن أبي أمامة رضي الله عنه: قوله: ((حاجة ظاهرة)) وهي فقد الزاد والراحلة. وقوله: ((فليمت)) جواب الشرط، وبقية الحديث مضى شرحه مستقصى.
الحديث الرابع عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((الحاج)) ((نه)): الحاج والحاجة واحد الحجاج، وربما أطلقت الحاج علي الجماعة مجازاً، وقوله:((عماراً)) أي معتمرين، قال الزمخشري: لم يجئ فيما أعلم عمر بمعنى اعتمر، ولكن عمر الله إذا عبده، فيحتمل أن يكون العمار جمع عامر من عمر بمعنى اعتمر، وإن لم نسمعه، ولعل غيرنا سمعه، وأن يكون مما استعمل منه بعض التصاريف دون بعض، كما قيل: يذر ويدع، و ((الوفد)) الذين يقصدون الأمراء لزيارة، واسترفاد، وانتجاع، وغير ذلك.