المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(15) باب حرم المدينة حرسها الله تعالي - شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن - جـ ٦

[الطيبي]

الفصل: ‌(15) باب حرم المدينة حرسها الله تعالي

(15) باب حرم المدينة حرسها الله تعالي

الفصل الأول

2728 -

عن علي رضي الله عنه، قال: ما كتبنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا القرآن وما في هذه الصحيفة. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((المدينة حرام ما بين عير إلي ثور فمن أحدث فيها حدثًا أو آوى محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين،

ــ

باب حرم المدينة حرسها الله تعالي

الفصل الأول

الحديث الأول عن علي رضي الله عنه: قوله: ((ما كتبنا عن رسول الله إلا القرآن وما في هذه الصحيفة)) فإن قلت: قد تقرر عند علماء المعإني أن ما وإلا يفيدان الحصر، وهما أصل في الباب؛ فيفيد التركيب أن عليًا رضي الله عنه ما كتب شيئًا غير القرآن وما في هذه الصحيفة. وقد يوهم خلاف ذلك الجواب ما روينا في مسند الإمام أحمد عن أبي حسان، أن عليًا كان يأمر بالأمر فيؤتى، فيقال: قد فعلنا كذا وكذا، فيقول: صدق الله ورسوله، قال: فقال له الأشتر: إن هذا الذي تقول قد [تفشغ] في الناس، أهو شيء عهده إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: ما عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا خاصة دون الناس، إلا شيء، سمعته منه فهو في صحيفة في قراب سيفي. قال: فلم يزالوا به حتى أخرج الصحيفة؛ فإذا فيها ((من أحدث حدثًا)). الحديث

((مح)): هذا تصريح منه رضي الله عنه بإبطال ما تزعمه الشيعة ويفترونه من قولهم: إن عليًا رضي الله عنه أوصى إليه النبي صلى الله عليه وسلم بأمور كثيرة من أسرار العلم وقواعد الدين، وأنه صلى الله عليه وسلم خص أهل البيت بما لم يطلع عليه غيرهم. فهذه دعاوى باطلة واختراعات فاسدة، لا أصل لها. ويكفي في إبطالها قول علي رضي الله عنه هذا. وفيه دليل علي جواز كتابة العلم. ومعنى تفشغ بالتا، المثناة من فوق والفاء والشين والغين المعجمتين - الظهور والانتشار، كذا في النهاية.

قوله: ((ما بين عير إلي ثور)) ((نه)): هما جبلان، أما عير فجبل معروف بالمدينة، وأما ثور فالمعروف أنه بمكة، وفيه الغار الذي بات به النبي صلى الله عليه وسلم لما هاجر. وفي رواية قليلة ((بل بين عير واحدًا)) وأحد بالمدينة، فيكون ((ثور)) غلطًا من الراوي، وإن كان هو الأشهر في الرواية والأكثر. وقيل: إن عيرًا جبل بمكة، ويكون المراد منه أنه حرم من المدينة قدر ما بين عير وثور من مكة، وحرم المدينة تحريمًا مثل تحريم ما بين عير وثور بمكة، علي حذف المضاف، ووصف المصدر المحذوف. و ((الحدث)) الأمر الحادث المنكر الذي ليس بمعتاد ولا معروف في السنة.

وقوله: ((محدثًا)) بكسر الدال وفتحها علي الفاعل والمفعول، فمعنى الكسر من نصر جإنيا

ص: 2050

لا يقبل منه صرف ولا عدل، ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلمًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرفٌ ولا عدلٌ، ومن والي قوما بغير إذن مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل)). متفق عليه.

وفي رواية لهما: همن ادعى إلي غير أبيه، أو تولي غير مواليه؛ فعلمه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل)).

ــ

قول: ((ذمة المسلمين)) ((قض)): الذمة العهد، سمي بها؛ لأنها تذم متعاطيها علي إضاعتها، ((يسعى بها)) يتولاها ويذهب بها، والمعنى أن ذمة المسلمين واحدة، سواء صدرت من واحد أو أكثر، شريف أو وضيع، فإذا أمن أحد من المسلمين كافرًا وأعطاه ذمته، لم يكن لأحد نقضه. ((لا يقبل منه صرف ولا عدل)) أي شفاعة ولا فدية؛ لأنها تعادل المفدي. وقيل: توبة ولا فدية، وقيل: فريضة ولا نافلة.

وقوله: ((من والي قومًا بغير إذن مواليه)) قيل: أراد به ولاء الموالاة لا ولاء العتق، والظاهر أنه أراد به ولاء العتق؛ لعطفه علي قوله:((من ادعى إلي غير أبيه)) والجمع بينهما بالوعيد في الرواية الأخرى، فإن العتق من حيث إن له لحمة كلحمة النسب، فإذا نسب إلي غير من هو له، كان كالدعي الذي تبرأ عمن هو منه، وألحق نفسه بغيره، فيستحق به الدعاء عليه بالطرد والإبعاد عن الرحمة. وقوله:((بغير إذن مواليه)) ليس لتقييد الحكم بعدم الإذن وقصره عليه، وإنما هو للتنبيه علي ما هو المانع، وهو إبطال حق مواليه والإهانة بهم، وإيراد الكلام علي ما هو الغالب.

((حس)): إذا أعطى واحد من المسلمين أمان أهل الحرب، فإن أمانه ماضٍ، وإن كان المجير عبدًا أو امرأة، وهو أدناهم وأقلهم، وإن لم يكن العبد مأذونًا من القتال ولم يجوز أبو حنيفة. وإنما يصح الأمان من آحاد المسلمين إذا أمن واحدًا أو اثنين، فأما عقد الأمان لأهل ناحية فلا يصح إلا من الإمام.

قوله: ((فمن أخفر)) ((نه)): خفرت الرجل أجرته وحفظته، وخفرته إذا كنت له خفيرًا، أي حاميًا وكفيلًا، وتخفرت به إذا استجرت به، والخفارة بالكسر والضم الذمام، وأخفرت الرجل إذا انقضت عهد وذمامه، والهمزة فيه للإزالة، أي أزلت خفارته، كأشكيته إذا أزلت شكواه. والدعوة في النسب بالكسر، هو أن ينتسب الإنسان إلي غير أبيه وعشيرته، وقد كانوا يفعلونه

ص: 2051

2729 -

وعن سعد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إني أحرم ما بين لابتي المدينة: أن يقطع عضاهها، أو يقتل صيدها)). وقال: ((المدينة خيرٌ لهم لوكانوا يعلمون، لايدعها أحدٌ رغبةٌ عنها إلا أبدل الله فيها من هو خيرٌ منه، ولا يثبت أحد علي لأوائها، وجهدها إلا كنت له شفيعًا أو شهيدًا يوم القيامة)) رواه مسلم.

ــ

فنهي عنه. وقوله: ((ومن وإلي قومًا بغير إذن مواليه)) أي اتخذهم أولياء له، ظاهره يوهم أنه شرط وليس شرطًا؛ لأنه لايجوز له إذا أذنوا له أن يوالي غيرهم، إنما هو بمعنى التوكيد؛ لتحريمه والتنبيه علي بطلانه، والإرشاد إلي السبب فيه؛ لأنه إذا استأذن أولياءه في موالاة غيرهم منعوه، والمعنى إن سولت له نفسه ذلك فليستأذنهم؛ فإنهم يمنعونه.

الحديث الثاني عن سعد رضي الله عنه: قوله: ((أن يقطع عضاهها)) هو بدل اشتمال من ((ما بين لابتي المدينة)). وأنث الضمير في ((عضاهها)) بتأويل الأمكنة. ((نه)): اللابة الحرة، وهي الأرض ذات الحجارة السود التي قد ألبستها لكثرتها، وجمعها لابات، فإذا كثرت فهي اللاب واللوب، مثل قارة وقار وقور، وألفها منقلبة عن واو. ((فا)): اللابة الحرة وجمعها لاب ولوب. والإبل إذا اجتمعت وكانت سوداء سميت لابة، وهي من اللوبان وهي شدة الحر كما أن الحرة من الحر.

قوله: ((وقال: المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون)) ((لو)) إن كانت امتناعية فجوابها محذوف دل عليه ما قبله، هذا إذا كان يجري ((يعلمون)) مجرى اللازم، أي لو كانوا من أهل العلم والمعرفة لعرفوا ذلك وما فارقوا المدينة. وإذا قدر مفعوله، كان المعنى: لو علموا ذلك لما فارقوا المدينة. وإن كانت بمعنى ليت فلا جواب لها. وعلي التقديرين ففيه تجهيل لمن فارقها وآثر غيرها عليها؛ لتفويته علي نفسه خيرًا عظيمًا؛ ولذلك قال: ((إلا أبدل الله فيها من هو خير منه)) كما قال تعالي: {وإن تتولوا يستبدل قومًا غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} أي يخلق قومًا سواكم علي خلاف صفتكم راغبين في الإيمان والتقوى غير متولين عنهما.

قوله: ((عضاهها)) ((نه)): العضاه شجر أم غيلان، وهو شجر عظيم له شوك، الواحد عضة بالتاء وأصلها عضهة، وقيل: واحدتها عضاهة. قوله: ((شفيعًا أو شهيدًا)) ((مح)): قيل: ((أو)) للشك، والأظهر أنها للتقسيم؛ لأن الحديث رواه جابر وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وأبو سعيد وأبو هريرة وغيرهم بهذا اللفظ، ويبعد اتفاقهم علي الشك، فمعناه يكون شهيدًا للمطيعين منهم وشفيعًا للعاصين، أو شهيدًا لمن مات في حياته وشفيعًا لمن مات بعده. قال القاضي

ص: 2052

2730 -

وعن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((لايصبر علي لأواء المدينة وشدتها أحدٌ من أمتي إلا كنت له شفيعًا يوم القيامة)) رواه مسلم.

2731 -

وعنه، قال: كان الناس إذا رأوا أول الثمرة جاءوا به إلي النبي صلى الله عليه وسلم فإذا أخذه قال: ((اللهم بارك لنا في ثمرنا، وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في مدنا، اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك، وإني عبدك ونبيك، وإنه دعاك لمكة وأنا أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه)). ثم قال: يدعو

أصغر وليدٍ له، فيعطيه ذلك الثمر. رواه مسلم.

ــ

عياض: وهذه خصوصية زائدة علي الشفاعة للمذنبين، وللعاملين في القيامة، وعلي شهادته علي جميع الأمة. وقد قال صلى الله عليه وسلم في شهداء أحد:((أنا شهيد علي هؤلاء)) فيكون تخصيصهم بذلك مزية ورفعة منزلة وحظوة.

قوله: ((إلا أبدل الله)) ((مح)): قال القاضي: اختلفوا في هذا فقيل: هو مختص بمدة حياته صلى الله عليه وسلم، وقال آخرون: هو عام أبدًا. واللاواء بالمد الشدة والجوع. والجهد - بالفتح - المشقة، و- بالضم- الوسع والطاقة.

الحديث الثالث والرابع عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((جاءوا به إلي النبي صلى الله عليه وسلم)((تو)): إنما كانوا يؤثرونه بذلك علي أنفسهم حبًا له وكرامة لوجهه المكرم؛ وطلبًا للبركة فيما جدد الله عليهم من نعمة، ويرونه أولي الناس بما سيق إليهم من رزق ربهم. وأما إعطاؤه صلى الله عليه وسلم أصغر وليد يراه، فإنه من تمام المناسبة الواقعة بين الولدان وبين الباكورة، وذلك حدتان عهدهما بالإبداع، فخص به أصغر وليد يراه. أقول: قول الشيخ: أصغر وليد يراه، يؤذن بأن الوليد مطلق، وعليه الرواية الأخرى لمسلم، ((ثم يعطيه أصغر من يحضر من الولدان)) وهذه الرواية وهي قوله:((ثم يدعو أصغر وليد له)) صريحة بأنه مقيد بأن الوليد له. فإما أن يتأول هذه الرواية وهو الأنسب، أو يحمل المطلق علي المقيد. ((مح)): في إعطائه الوليد الثمر، بيان مكارم أخلاقه صلى الله عليه وسلم، وكمال الشفقة والرحمة وملاطفة الكبار والصغار. وخص به الصغير؛ لكونه أرغب وأكتر تطلعًا إليه وحرصًا عليه. ((شف)): وفي ايثاره علي الغير قمع الشره الموجب لتناوله، وكسر الشهوة المقتضية لذوقه، ومن أن النفوس الزكية لا تركن إلي تناول شيء من أنواع الباكورة، إلا بعد ما عم وجوده، فيقدر كل علي أكله.

وإنما لم يذكر الخلة لنفسه - مع أنه أيضًا خليل الله تعالي، علي ما دل عليه قوله صلى الله عليه وسلم في باب مناقب أبي بكر رضي الله عنه:((وقد اتخذ الله صاحبكم خليلًا)) - رعاية للأدب في ترك

ص: 2053

المساواة بين نفسه وبين آبائه وأجداده الكرام. أقول: لو صرح به لقيل: عبدك وحبيبك، وفي عدم تصريحه به مع رعاية الأدب تنبيه علي تنويهه وجلالة شأنه، وأنه أرفع درجة وأعظم قدرًا. ونحوه قوله تعالي:{تلك الرسل فضلنا بعضهم علي بعض- إلي قوله – درجات}

الكشاف: الظاهر أنه أراد محمدًا صلى الله عليه وسلم، وفي هذا الإبهام من تفخيم فضله وإعلاء قدره ما لا يخفي؛ لما فيه من الشهادة علي أنه العلم الذي لا يشتبه، والمتميز الذي لا يلتبس. وسئل الحطيئة عن أشعر الناس، فذكر زهيرًا والنابغة، تم قال: ولو شئت لذكرت التالت، أراد نفسه، ولو صرح به لم يفخم أمره.

قوله: ((بارك لنا في مدينتنا)): ((مح)): قال القاضي عياض: البركة تكون بمعنى النماء والزيادة، وبمعنى الثبات واللزوم، ويحتمل أن تكون هذه البركة دينية، وهي ما يتعلق بهذه المقادير من حقوق الله تعالي في الزكوات والكفارات، فتكون بمعنى الثبات والبقاء لها لبقاء الحكم بها ببقاء الشريعة وإثباتها، وأن تكون دنيوية من تكثير المكيال والقدر بها، حتى يكفي منه ما لا يكفي من غيره في غير المدينة، أو ترجع البركة إلي التصرف بها في التجارة وأرباحها وإلي كثرة ما يكال بها من غلاتها وأثمارها، أو لا تساع عيش أهلها بعد ضيقه، لما فتح الله عليهم ووسع من فضله لهم؛ بتمليك البلاد الخصب والريف بالتام والعراق وغيرهما، حتى كثر الحمل إلي المدينة ووسع عيشهم. وفي هذه كلها ظهور إجابة دعوته صلى الله عليه وسلم وقبولها. قال الشيخ محيي الدين: والظاهر من هذا كله أن المراد البركة في نفس المكيل بالمدينة بحيت يكفي المد فيها لمن لا يكفيه في غيرها.

أقول: ولعل الظاهر هو قوله: أو لاتساع عيش أهلها – إلي آخره؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قال: ((وأنا أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة))، ودعاء إبراهيم عليه السلام هو قوله:{فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وأرزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون} ، يعني وارزقهم من الثمرات بأن تجلب إليهم من البلاد؛ لعلهم يشكرون النعمة في أن يرزقوا أنواع الثمرات حاضرة في واد يباب، ليس فيه نجم ولا شجر ولا ماء. لا جرم أن الله عز وجل أجاب دعوته، فجعله حرمًا آمنًا تجبى إليه ثمرات كل شيء رزقًا من لدنه. ولعمري! إن دعاء حبيب الله صلى الله عليه وسلم استجيب لها، وضاعف خيرها علي خيرها، بأن جلب إليها في زمن الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم من

ص: 2054

2732 -

وعن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:((إن إبراهيم حرم مكة فجعلها حرامًا، وإني حرمت المدينة حرامًا ما بين مأزميها أن لا يهراق فيها دمٌ، ولا يحمل فيها سلاحٌ لقتال، ولا تخبط فيها شجرةٌ إلا لعلف)). رواه مسلم.

2733 -

وعن عامر بن سعيد: أن سعدًا ركب إلي قصره بالعقيق، فوجد عبدًا يقطع شجرًا، أو يخبطه، فسلبه، فلما رجع سعدٌ جاءه أهل العبد فكلموه أن يرد علي غلامهم أو عليهم ما أخذ من غلامهم. فقال: معاذ الله أن أرد شيئًا نفلنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي أن يرد عليهم. رواه مسلم.

ــ

مشارق الأرض ومغاربها، من كنوز كسرى وقيصر وخاقان ما لا يحصى ولا يحصر. وفي آخر الأمر بادر الدين إليها من أقاصي الأرض وشاسع البلاد، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم:((مثله معه))، وينصر هذا الحديث حديث أبي هريرة رضي الله عنه بعد هذا ((أمرت بقرية تأكل القرى)) ومكة أيضًا من مأكولها كما سنقرر. والله أعلم.

الحديث الخامس والسادس عن أبي سعيد رضي الله عنه: قوله: ((حرمت المدينة)) ((تو)): أراد بذلك تحريم التعظيم دون ما عداه من الأحكام المتعلقة بالحرم. ومن الدليل عليه قوله في هذا الحديث: ((لا يخبط شجرها إلا لعلف))، وأشجار حرم مكة لا يجوز خبطها بحال وصيدها، وإن رأي تحريمه نفر يسير من الصحابة؛ فإن الجمهور منهم لم ينكروا اصطياد الطيور بالمدينة. ولم يبلغنا فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم نهي من طريق يعتمد عليه. وقد قال لأبي عمير:((ما فعل النغير؟))، ولو كان حرامًا لم يسكت عنه في موضع الحاجة. و ((حرامًا)) نصب علي المصدر، أي حرمت المدينة فحرمت حرامًا، كقوله تعالي:{أنبتكم من الأرض نباتًا} . و ((مأزميها)) بدل من ((المدينة))، ويحتمل آن يكون ((حراما)) مفعول فعل محذوف، أي جعلت حرامًا ما بين مأزميها، و ((ما بين مأزميها)) مفعولًا ثإنيا. والمأزم كل طريق بين جبلين.

وقوله: ((أن لا يهراق فيها دم)) وقع موقع التفسير لما حرم، كأنه قال: وذلك أن لا يهراق فيها دم، وليس من المفعولية في شيء، ولو كان مفعولًا به لقيل: إني حرمت أن يهراق بها دم، والمراد من النهي عن إراقة الدم هو النهي عن القتال فيها. وذلك أن إراقة الدم الحرام ممنوع عنها علي الإطلاق، والمباح منه لم نجد فيه اختلافًا يعتد به إلا في حرم مكة.

((مح)): في الأحاديت الصحيحة حجة ظاهرة للشافعى ومالك وموافقيهما في تحريم صيد المدينة وشجرها. وأباح أبو حنيفة ذلك، [واحتج عليه] بحديت أبي عمير، وأجاب أصحابنا

ص: 2055

2734 -

وعن عائشة [رضي الله عنها] قالت: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وعك أبو بكر وبلالٌ، فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال:((اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، وصححها، وبارك لنا في صاعها، ومدها، وانقل حماها فاجعلها بالجحفة)) متفق عليه.

ــ

بأنه يحتمل أن حديت النغير كان قبل تحريم المدينة، أو أنه صاده من الحل لا من الحرم. وهذا الجواب لا يلزمهم علي أصولهم؛ لأن مذهبهم أن صيد الحل إذا أدخله الحلال إلي الحرم ثبت له حكم ما بالحرم. ولكن أصلهم هذا ضعيف؛ فرد عليهم. والمشهور من مذهب مالك والشافعي والجمهور أنه لا ضمان في صيد المدينة وقطع شجرها، بل حرام بلا ضمان، وقال بعض العلماء: يجب فيه الجزاء كحرم مكة، وللشافعي فيه قول قديم: إنه يسلب القاتل؛ لحديت سعد بن أبي وقاص، وقد ذكر مسلم في صحيحه تحريمها مرفوعًا عن النبي صلى الله عليه وسلم، من رواية علي بن أبي طالب رضي الله عنه وسعد بن أبي وقاص وأنس بن مالك وجابر وأبي سعيد وأبي هريرة وغيرهم، فلا يلتفت إلي ما خالف هذه الأحاديت الصحيحة.

وقال الشيخ: ولا يضر الشافعي مخالفة أئمة الأمصار في قوله القديم، إذا كانت السنة معه وعمل الصحابة به، ولم يثبت له دفع، فعلي هذا في كيفية الضمان وجهان أحدهما: يضمن كما يضمن في حرم مكة، وأصحهما أنه يسلب الصائد وقاطع الشجر والكلأ، وفي السلب وجهان أحدهما: ثيابه فقط، وأصحهما ثيابه وفرسه وسلاحه وغير ذلك مما يدخل في سلب القتيل. وفي مصرفه أقوال: أحدها: أنه لمساكين الحرم أو لبيت المال أو للسالب، وهو الأصح لحديث سعد. و ((العلف)) - بإسكان اللام - مصدر علفت علفًا، وبالفتح اسم للحشيش والتبن والشعير ونحوها، وفيه جواز أخذ أوراق الشجر للعلف.

قوله: و ((لا تخبط)) ((نه)): الخبط ضرب الشجر بالعصا ليتناثر ورقها، واسم الورق الساقط خبط - بالتحريك - فعل بمعنى مفعول، وهو من علف الإبل. ((مظ)):((نفلنيه)) بالتشديد أي جعله لي نفلًا أي غنيمة.

الحديث السابع عن عائشة رضي الله عنها: قوله: ((وعك)) ((نه)): الوعك الحمى، وقيل: ألمها وقد وعكه المرض وعكًا فهو موعوك. قوله: ((حبب إلينا المدينة)) سببه أنه صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة، وعك أبو بكر وبلال رضي الله عنهما، قالت عائشة: دخلت عليهما، فقلت: يأبت! كيف تجدك؟ ويا بلال! كيف تجدك؟ وكان أبو بكر إذا أخذته الحمى، يقول:

كل امريء مصبح في أهله

والموت أدنى من شراك نعله

وكان بلال إذا أقلع عنه الحمى يرفع عقيرته، فيقول:

ص: 2056

2735 -

وعن عبد الله بن عمر في رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة: ((رأيت امرأة سوداء، ثائرة الرأس، خرجت من المدينة حتى نزلت مهيعة، فتأولتها: أن وباء المدينة نقل إلي مهيعة وهي الجحفة)) رواه البخاري.

2736 -

وعن سفيان بن أبي زهير [رضي الله عنه] قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((يفتح اليمن فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لوكانوا يعلمون. ويفتح الشام فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم، والمدينة خيرٌ لهم لوكانوا يعلمون .. ويفتح العراق فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون)) متفق عليه.

ــ

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بواد وعندي إذخر وجليل

وهل أردن يومًا مياه مجنة وله يبدون لي شامة وطفيل

فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال:((اللهم حبب إلينا المدينة)).

قوله: ((فاجعلها بالجحفة)) ((مح)): قال الخطابي وغيره: كان ساكنو الجحفة في ذلك الوقت يهودًا. وفيه دليل علي جواز الدعاء علي الكفار بالأمراض والأسقام والهلاك، والدعاء للمسلمين بالصحة وطيب بلادهم والبركة فيها وكشف الضر والشدائد عنهم، وفيه إظهار معجزة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإن الجحفة من يومئذ محمةٌ، فمن شرب من مائها حم.

الحديث الثامن عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: قوله: ((في رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم) أي قال لي حديث رؤيا النبي في شان المدينة ((رأيت امرأة سوداء)) فيكون قوله: ((رأيت امرأة سوداء)) حكاية حكاها ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قوله: ((مهيعة)) ((تو)): مهيعة هي الجحفة، وأرض مهيعة أي مبسوطة، وبها كانت تعرف، فلما ذهب السيل بأهلها سميت جحفة. والوباء مرض عام، وأرض موبوءة إذا كثر مرضها، والوباء يمد ويقصر، وكانت الجحفة بعد رؤياه هذه أكثر أرض الله وباء، ومنها غدير خم أو خم البلاد ماء وهواء، وقد ذكر عن الأصمعي أنه قال: لم يولد بغديرخم أحد فعاش إلي أن يحتلم إلا أن يتحول منها.

((مح)): الوباء الموت الذريع، ويطلق أيضًا علي الأرض الوخمة التي تكثر بها الأمراض، لا سيما للغرباء. فإن قيل: كيف قدموا علي الوباء، وفي الحديث الصحيح النهي عن القدوم إلي الوباء؟ أجاب القاضي أن هذا القدوم كان قبل النهي، أو أن النهي عنه إنما هو في القدوم علي الوباء الذريع والطاعون، وما كان في المدينة إنما هو من القبيل الثاني، يدل عليه قوله:((وانقل حماها)) في الحديث السابق.

الحديث التاسع عن سفيان: قوله: ((يبسون)) ((نه)): يقال: بست الناقة وأبستها، إذا سقتها

ص: 2057

6737 -

وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أمرت بقرية تأكل القرى يقولون: يثرب، وهي المدينة تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد)). متفق عليه.

ــ

وزجرتها، وقلت لها: بس بكسر الباء وفتحها. ((تو)) و ((قض)): المعنى أنه يفتح اليمن فأعجب قومًا بلادها وبلهنية أهلها، فيحملهم علي المهاجرة إليها بأنفسهم وأموالهم حتى يخرجوا منها، والحال أن المدينة خير لهم؛ لأنها حرم الرسول صلى الله عليه وسلم وجواره ومهبط الوحي ومنزل البركات، لو كانوا يعلمون ما فيها والإقامة بها من الفوائد الدينية والعواتد الأخروية، التي يستحقر دونها ما يجدونه من الحظوظ الفإنية العاجلة بسبب المهاجرة عنها والإقامة في غيرها. ((مظ)): أخبر صلى الله عليه وسلم في أول الهجرة إلي المدينة بأن سيفتح اليمن فيأتي من اليمن قوم إلي المدينة، حتى يكثر أهل المدينة، والمدينة خير لهم من غيرها.

أقول: الوجه هو الأول؛ لأن تنكير ((قوم)) ووصفه بقوله: ((يبسون)) ثم توكيده بقوله: ((لوكانوا يعلمون)) لا يساعد الثاني. بيانه أن تنكير ((قوم)) لتحقيرهم وتوهين أمرهم، ثم الوصف بـ ((يبسون)) - وهو سوق الدواب - يشعر بركاكة عقولهم، وأنهم ممن ركنوا إلي الحظوظ البهيمية، وحطام الدنيا الفإنية العاجلة، وأعرضوا عن الإقامة في جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم ومهبط الوحي ومنزل البركات؛ ولذلك كرر قومًا ووصفه في كل قرينة بـ ((يبسون)) استحضارًا لتلك الهيئة القبيحة. ومعنى ((لو كانو يعلمون)) قد سبق في الحديث الثالث، والذي يقتضي هذا المقام أن ينزل ((يعلمون)) منزلة اللازم؛ لينتفي عنهم العلم والمعرفة بالكلية، ولو ذهب مع ذلك إلي معنى التمني لكان أبلغ؛ لأن معنى التمني طلب ما لا يمكن حصوله، أي ليتهم كانوا من أهل العلم تغليظًا وتشديدًا.

الحديث العاشر عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((بقرية)) ((تو)) و ((قض)): أي بنزولها واستيطانها، ((تأكل القرى)) أي تغلبها وتظهر عليها، بمعنى أن أهلها تغلب أهل سائر البلاد فتفتح منها، يقال: أكلنا بني فلان أي غلبناهم وظهرنا عليهم؛ فإن الغالب المستولي علي الشيء كالمغني له إفناء الأكل إياه، و ((يثرب)) من أسماء المدينة، سميت باسم واحد من العمالقة نزل بها، وكانت تدعى به قبل الإسلام، فلما هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم كره ذلك؛ لما فيه من إيهام معنى التثريب أو غيره، فبدله بطابة والمدينة؛ ولذلك قال: يقولون ذلك، والاسم الحقيق بأن تدعى به هي المدينة، وهي فعيلة من مدن بالمكان إذا قام به، وإنما قلنا: إنه الحقيق بأن يدعى بها؛ لأن التركيب يدل علي التفخيم، كقول الشاعر:

هم القوم كل القوم يا أم خالد!

أي هي المستحقة لأن تتخذ دار إقامة. ((مح)):حكي عن عيسى بن دينار: أن من سماها يثرب

ص: 2058

2738 -

وعن جابر بن سمرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الله سمى المدينة طابة)). رواه مسلم.

2739 -

وعن جابر بن عبد الله: أن أعرابيًا بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأصاب الأعرابي وعك بالمدينة، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:((يا محمد! أقلني بيعتي، فأبي رسول الله صلي الله عليه، ثم جاءه فقال: أقلني يعتي، فأبي، ثم جاءه فقال: أقلني بيعتي. فأبي، فخرج الأعرابي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنما المدينة كالكير تنفي خبثها وتنصع طيبها)) متفق عليه.

ــ

كتبت عليه خطيئة، وذلك لأن التثريب هو التوبيخ والملامة، وكان صلى الله عليه وسلم يحب الاسم الحسن ويكره القبيح، وأما تسميتها في القرآن بيثرب، فهي حكاية قول المنافقين والذين في قلوبهم مرض.

أقول: وتحقيق ذلك إنما يتبين ببيان النظم؛ فنقول - وبالله التوفيق -: إن الله تعالي سمى المدينة؛ لكونها دار الهجرة ومكان ظهور الإيمان، في قوله:{والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم} وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم بالاستيطان والإقامة بها في هذا الحديث، ووصفها بأنها تأكل القرى، بمعنى أن الذين تبوءوها دارًا وإيمانًا من الأنصار ينصرون رسول الله ونبيه صلى الله عليه وسلم علي أعدائه، ويفتحون سائر ما حولها من القرى والمدن حتى مشارق الأرض ومغاربها ثم استأنف قول الحساد من اليهود والمنافقين، بأنهم يقولون: إنها يثرب توبيخًا وتعييرًا، وأنها ليست موضع إقامة واستيطان للمؤمنين، والحال بخلافه؛ إذ هي موضع استقرار واستيطان لمثلي ومثل أنصار ديني، لكي نجلي مثل أولئك الخبثة الأشرار من اليهود إلي أقاصى الشام، ونستأصل شأفة المنافقين من أصلها، كما ينفي الكير خبث الحديد. فظهو من هذا أن من يحقر شأن ما عظمها، ومن وصف ما سماه الله تعالي بالإيمان بما لايليق به، يستحق أن يسمى عاصيًا بل هو كافر. والله أعلم.

الحديث الحادي عشر عن جابر رضي الله عنه: قوله: ((طابة)) ((نه)): إنه صلى الله عليه وسلم أمر أن تسمى بها، وسماها طيبة وطابة، وهما تإنيث طيب، وطاب بمعنى الطيب، وقيل: هو من الطيب الطاهر؛ لخلوصها من الشرك وتطهيرها منه.

الحديث الثاني عشر عن جابر رضي الله عنه: قوله: ((بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم)((مح)) قالوا: إن هذا الأعرابي كان ممن هاجر وبايع النبي صلى الله عليه وسلم علي المقام معه في المدينة، وقيل: يحتمل أن

ص: 2059

2740 -

وعن أي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تقوم الساعة حتى تفي المدينة شرارها كما ينفي الكير حبث الحديد)). رواه مسلم.

2741 -

وعنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((علي أنقاب المدينة ملائكةٌ، لا يدخلها الطاعون، ولا الدجال)) متفق عليه.

ــ

تكون بيعته بعد فتح مكة وسقوط الهجرة، وإنما بايع للإسلام، والصحيح الأول. وقالوا: إنما لم تقبل بيعته؛ لأنه لا يجوز لمن أسلم أن يترك الإسلام، ولا لمن هاجر إلي النبي صلى الله عليه وسلم للمقام عنده أن يترك الإقامة معه ويذهب إلي وطنه. وقوله:((تنصع)) بفتح التاء والصاد المهملة، أي تصفو وتخلص وتميز، والناصع الصافي الخالص، ولفظ جامع الأصول ((تصنع)) بالصاد المهملة والنون، وقال: هكذا هو الرواية.

قوله: ((كالكير)) ((تو)): كير الحداد هو المبني من الطين، وقيل: الكير الزق، والكور ما بني من الطين، وأصل الكلمة من الكور الزيادة، وضموا الكاف علي الأصل في أحدهما، وكسروها في الآخر؛ للفرق بين البنائين. و ((خبثها)) - مفتوحة الخاء والباء - ما تبرزه النار من الجواهر المعدنية فيخلصها بما يميزه عنها من ذلك، وتروى مضمومة الخاء ساكنة الباء، أي الشيء الخبيث، والأول أشبه لمناسبته الكير، وأنت ضمير الخبث؛ لأنه نزل المدينة بمنزلة الكير، فأعاد الضمير إليها، ويروى ((طيبها)) - بكسر الطاء وضم الباء - ويروى بفتح الطاء وكسر الياء المشددة، وهي الرواية الصحيحة، وهو أقوم معنى؛ لأنه ذكر في مقابلة الخبيث، وأية مناسبة بين الكير والطيب! شبه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وما يصيب ساكنها من الجهد والبلاء بالكير، وما يوقد عليه في النار، فيميز به الخبيث من الطيب فيذهب الخبيث ويبقى الطيب فيه أزكى ما كان وأخلص، وكذلك المدينة تنفي شرارها بالحمى والوصب والجوع، وتطهر خيارهم وتزكيهم.

الحديث الثالث عشر عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((حتى تنفي المدينة شرارها)) يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون ذلك في زمن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن بعثته من أشراط الساعة وعلاماتها، وثإنيهما: أن يكون في آخر الزمان وخروج الدجال، وذلك أنه يقصد المدينة فترجف المدينة ثلاث رجفات، فيخرج إليه كل كافر ومنافق. ((مح)): يحتمل أن يكون مختصًا بزمن الدجال، وأن يكون في أزمنة متفرقة.

الحديث الرابع عشر عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((علي أنقاب المدينة)) ((نه)): هي جمع قلة للنقب، وهو الطريق بين الجبلين. قوله:((لا يدخلها)) جملة مستأنفة بيان لموجب استقرار الملائكة علي الأنقاب، واستقرارهم عليها إما علي التمثيل، يعني أن الله تعالي منعها أن يصيب أهلها، أو الحقيقة فيكون منع الطاعون عن دخول الأنقاب علي سبيل التغليب.

ص: 2060

2742 -

وعن أنس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة ليس نقبٌ من أنقابها إلا عليه الملائكة صافين يحرسونها، فينزل السبخة فتربحف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، فيخرج إليه كل كافر ومنافق) متفق عليه.

2743 -

وعن سعد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يكيد أهل المدينة أحدٌ إلا انماع كما ينماع الملح في الماء)) متفق عليه.

2744 -

وعن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من سفرٍ فنظر إلي جدرات المدينة، أوضع راحلته، وإن كان علي دابة حركها من حبها. رواه البخاري.

الحديث الخامس عشر عن أنس رضي الله عنه: قوله: ((إلا سيطؤه الدجال)) خبر ((ليس))، أي ليس بلد من البلاد يسكن الناس فيه وله شأن، إلا سيدخله الدجال، وقوله:((إلا مكة)) مستثنى من المستثنى. قوله: ((السبخة)) ((نه)): هي الأرض التي تعلوها الملوحة، ولا تكاد تنبت إلا بعض الشجر، وجمعها السباخ. قوله:((بأهلها)) الباء يحتمل أن تكون سببية، أي تتزلزل وتضطرب بسبب أهلها؛ لينفض إلي الدجال الكافر والمنافق، وأن يكون حالًا، أي ترجف ملتبسة بأهلها. ((مظ)):((ترجف المدينة بأهلها)) أي تحركهم وتلقي ميل الدجال في قلب من ليس بمؤمن خالص، فعلي هذا الباء صلة الفعل.

الحديث السادس عشر عن سعد رضي الله عنه: قوله: ((كما ينماع)) ((نه)): أي يذوب ويجري، ماع الشيء يميع وإنما ينماع إذا ذاب وسال. أقول: وفيه معنى قوله تعالي: {ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله} شبه أهل المدينة مع وفور علمهم وصفاء قريحتهم بالماء، وشبه من يريد المكيد بهم بالملح؛ لأن نكاية كيدهم لما كانت راجعة إليهم شبهوا بالملح الذي يريد إفساد الماء، فيذوب هو بنفسه.

فإذ قلت: يلزم علي هذا كدورة أهل المدينة بسبب فنائهم. قلت: المراد مجرد الإفناء، ولا يلزم في وجه التشبيه أن يكون شاملًا لجميع أوصاف المشبه به، نحو قولهم: النحو في الكلام كالملح في الطعام.

((مح)): يعني من أراد المكر بهم لا يمهله الله تعالي، ولم يمكن له سلطانًا بل يذهبه عن قريب، كما انقضى شأن من حاربها أيام بني أمية مثل مسلم بن عقبة؛ فإنه هلك في منصرفه عنها، ثم هلال بن يزيد بن معاوية وغيرهما ممن صنع صنيعهما. وقيل: المراد من كادها اغتيالًا وطلبًا لغرتها في غفلة، فلايتم له أمر، بخلاف من أتاها جهارًا.

ص: 2061

2745 -

وعنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم طلع له أحدٌ، فقال:((هذا جبل يحبنا ونحبه، اللهم إن إبراهيم حرم مكة، وإني أحرم ما بين لا بتيها)) متفق عليه.

2746 -

وعن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أحد جبلٌ يحبنا ونحبه)) رواه البخاري.

الفصل الثاني

2747 -

عن سليمان بن أبي عبد الله، قال: رأيت سعد بن أبي وقاص أخذ رجلًا يصيد في حرم المدينة الذي حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسلبه ثيابه، فجاء مواليه،

ــ

الحديث السابع عشر عن أنس رضي الله عنه: قوله: ((حركها)) خص الحركة بالدابة نحو الفرس والبغل والحمار، والوضع بالراحلة أي البعير؛ لأن الوضع مختص به. ((نه)): يقال: وضع البعير يضع وضعًا وأوضعه راكبه إيضاعًا، إذا حمله علي سرعة السير. أقول: قوله: ((من حبها)) تنازع فيه ((أوضع)) و ((حرك)) وأنشد في معناه:

إذا دنت المنازل زاد شوقي ولا سيما إذا بدت الخيام

فلمح العين دون الحي شهر ورجع الطرف دون السير عام

الحديث الثامن عشر والتاسع عشر عن أنس رضي الله عنه: قوله: ((هذا جبل يحبنا ونحبه)) ((نه)): هذا محمول علي المجاز، أراد أنه جبل يحبنا أهله ونحب أهله وهم الأنصار، ويجوز أن يكون من باب المجاز الصريح، أي إننا نحب الجبل بأهله؛ لأنه في أرض من نحب. ((مظ)): أراد به المدينة وسكانها، كما قال تعالي:{وسئل القرية} أي أهلها. ((حس)): الأولي إجراؤه علي ظاهره، ولا ننكر وصف الجمادات بحب الأنبياء والأولياء وأهل الطاعة، كما حنت الإسطوانة علي مفارقته، حتى سمع القوم حنينها إلي أن سكنها النبي صلى الله عليه وسلم، وكما أخبر صلى الله عليه وسلم أن حجرًا كان يسلم عليه قبل الوحي، فلا ينكر أن يكون جبل أحد وجميع أجزاء المدينة كانت تحبه، وتحن إلي لقائه حال مفارقته. أقول: هذا هو المختار الذي لا محيد عنه؛ وإن كان ما قاله الشيخ التوربشتى، ولعله أراد بالجبل أرض المدينة كلها؛ وإنما خص الجبل بالذكر؛ لأنه أول ما يبدو من أعلامها؛ له وجه مناسبة بالحال؛ لقوله في الحايث أولًا:((طلع له أحد)) وثإنيا: ((اللهم إن إبراهيم حرم مكة)) إلي آخره. وإلي المعنى الأول تلميح قول بلال: وهل يبدون لي شامة وطفيل؟ وليس المتمني ظهور هذين الجبلين، بل لأنهما من أعلام مكة.

الفصل الثاني

الحايث الأول عن سليمان: قوله: ((ثيابه)) بدل اشتمال من الضمير في ((سلبه)) وتكريره

ص: 2062

فكلموه فيه. فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم هذا الحرم وقال: ((من أخذ أحدًا يصيد فيه فليسلبه)) فلا أرد عليكم طعمة أطعمنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن إن شئتم دفعت إليكم ثمنه. رواه أبو داود. [2747]

2848 -

وعن صالح مولي لسعد، أن سعدًا وجد عبيدًا من عبيد المدينة يقطعون من شجر المدينة، فأخذ متاعهم وقال- يعني لمواليهم-: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهي أن يقطع من شجر المدينة شيءٌ، وقال:((من قطع منه شيئًا فلمن أخذه سلبه)) رواه أبو داود. [2748].

2749 -

وعن الزبير، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن صيد وج وعضاهه حرمٌ محرمٌ لله)) رواه أبو داود. وقال محيي السنة: ((وج)) ذكروا أنها من ناحية الطائف وقال الخطأبي: ((نه)) بدل ((أنها)). [2749]

2750 -

وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من استطاع أن يموت

ــ

وصف الحرم تارة بقوله: ((في حرم المدينة الذي حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم) وتارة بقوله: ((حرم هذا الحرم)) دليل علي أنه اعتقد أن تحريمها كتحريم مكة. قوله: ((دفعت إليكم)) ((مظ)): دفع الثمن إليهم تبرع منه عليهم؛ لأن السلب لو لم يكن جاظزًا للزمه أن يرد ما أخذه، وإذا لم يلزمه رد ما أخذ لم يلزمه قيمته أيضًا.

الحديث الثاني والثالث عن الزبير: قوله: ((إن صيد وج)) قيل: إنها من ناحية الطائف. ((خط)): لست أعلم لتحريمه صلى الله عليه وسلم وجا معنى إلا أن يكون علي سبيل الحمى لنوع من منافع المسلمين، وقد يحتمل أن يكون ذلك التحريم في وقت معلوم وفي مدة محصورة، ثم نسخ كسائر بلاد الحل. ذكر الشافعي أنه لا يصاد فيه، ولا يعضد شجره، ولم يذكر فيه ضمانًا، وفي هذا المعنى النقيع. ((حس)): حماه رسول الله صلى الله عليه وسلم نظرًا لعامة المسلمين لإبل الصدقة ونعم الجزية، فيجوز الاصطياد فيه؛ لأن المقصود منه منع الكلأ من العامة، ولا يجوز بيع النقيع، ولا بيع شيء من أشجاره كالموقوف. قوله:((حرم)) أي حرام، وهما لغتان كحل وحلال، و ((محرم)) جيء به علي وجه التأكيد لقوله:((حرم)) وقوله: ((لله)) متعلق بالتحريم، أي حرم الله ذلك. قوله: وقال الخطابي: ((أنه)) التإنيث بحسب البقعة، والتذكير بحسب البلد.

الحديث الرابع عن ابن عمر رضي الله عنهما: قوله: ((فليمت بها)) أمر له بالموت بها، وليس ذلك من استطاعته بل هو إلي الله تعالي، لكنه أمر بلزومها والإقامة بها بحيث لا يفارقها،

ص: 2063

بالمدينة فليمت بها، فإني أشفع لمن يموت بها)). رواه أحمد، والترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيحٌ، غريبٌ، إسنادًا. [2750]

2751 -

وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((آخر قرية من قرى الإسلام خرابًا المدينة)). رواه الترمذي وقال: هذا حديثٌ محسنٌ غريبٌ.

2752 -

وعن جرير بن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:((إن الله أوحى إلي: أي هؤلاء الثلاثة نزلت فهي دار هجرتك المدينة، أو البحرين، أو قنسرين)). رواه الترمذي. [2752]

الفصل الثالث

2753 -

عن أبي بكرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:((لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال، لها يومئذ سبعة أبواب، علي كل باب ملكان)) رواه البخاري.

2754 -

وعن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:((اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكة من البركة)) متفق عليه.

ــ

فيكون ذلك سببًا لأن يموت فيها، فأطلق المسبب وأراد السبب، كقوله تعالي:{فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} .

الحديث الخامس عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((المدينة)) لأنها دار الهجرة للنبي صلى الله عليه وسلم، وبها أقام وفيها دفن.

الحديث السادس عن جرير رضي الله عنه: قوله: ((أي هؤلاء)) ((شف)): ((أي)) ظرف لـ ((نزلت)) مقدم عليه للاستفهام، و ((القنسرين)) بلد بالشام و ((البحرين)) جزيرة ببحر عمان.

الفصل الثالث

الحديث الأول والثاني عن أنس رضي الله عنه: قوله: ((رعب المسيح)) مبالغة؛ لأن خوفه إذا لم يكن يدخلها فهي بالطريق الأولي أن لا يدخلها المخذول، ويغتالها، نحوه قوله صلى الله عليه وسلم:((نصرت بالرعب مسيرة شهر)). قوله: ((ضعفي ما جعلت بمكة)) معناه ما سبق في الحديث الثالث من الفصل الأول في قوله: ((بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه)).

ص: 2064

2755 -

وعن رجل من آل الخطاب، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:((من زارني متعمدًا كان في جواري يوم القيامة، ومن سكن المدينة وصبر علي بلائها كنت له شهيدًا وشفيعًا يوم القيامة، ومن مات في أحد الحرمين بعثه الله من الآمنين يوم القيامة)). [2755].

2756 -

وعن ابن عمر مرفوعًا: ((من حج، فزار قبري بعد موتي؛ كان كمن زارني في حياتي)). رواهما البيهقي في ((شعب الإيمان)) [2756].

2757 -

وعن يحيى بن سعيد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالسًا وقبرٌ يحفر بالمدينة، فاطلع رجلٌ في القبر، فقال: بئس مضجع المؤمن! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بئس ما قلت!)) قال الرجل: إني لم أرد هذا، إنما أردت القتل في سبيل الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((لا مثل القتل في سبيل الله، ما علي الأرض بقعةٌ أحب إلي أن يكون قبري بها منها)) ثلاث مرات. رواه مالك مرسلًا [2757].

ــ

الحديث الثالث عن رجل: قوله: ((من زارني متعمدًا)) فيه وجهان: أحدهما: أن لا يقصد غيرها، وسمعت أن بعض العارفين حين قصد حجة الإسلام، لم يزر النبي صلى الله عليه وسلم، فقيل له في ذلك، فقال: أتجرد للزيارة نية أخرى فأزوره. وثإنيهما: أن يقعدهما معًا، وينوي الحجة والزيارة بحيث لا تشوبه شائبة من أغراض الدنيا، ولو قصد مكة فحسب، فهجم علي الزيارة اتفاقًا لا يكون متعمدًا.

الحديث الرابع عن ابن عمر رضي الله عنهما: قوله: ((فزار)) الفاء ليست للتعقيب؛ لأن من لم يعقب الزيارة بالحج لا يخرج من هذا الوعد، بل هو للتفاوت في رتبتها كقولك: خذ الأفضل فالأفضل واعمل الأحسن فالأجمل. وهذا التفسير يؤيد الوجه الثاني في الحديث السابق.

الحديث الخامس عن يحيى: قوله: ((وقبر يحفر)) حال من الضمير في ((جالسًا)) لا من اسم ((كان))؛ لأنه مختلف فيه، والمخصوص بالذم في قوله:((بئس مضجع المؤمن)) محذوف، أي هذا، وقوله:((لم أرد هذا)) يعني ما أردت أن القبر بئس مضجع المؤمن مطلقًا، بل أردت أن

ص: 2065

2758 -

وعن ابن عباس، قال: قال عمر بن الخطاب: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بوادي العقيق يقول: ((أتإني الليلة آت من ربي، فقال: صل في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرةٌ في حجة)). وفي رواية: ((قل: عمرةٌ وحجةٌ)) رواه البخاري.

موت المؤمن في الغربة شهيدًا خير من موته في فراشه وبلده، فأجاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله:((لا مثل القتل)) أي ليس الموت بالمدينة مثل القتل في سبيل الله أي في الغربة بل هو أفضل وأكمل فوضع قوله: ((ما علي الأرض بقعة)) إلي آخره موضع قوله: ((بل هو أفضل وكمل)) فإذن ((لا)) بمعنى ((ليس)) واسمه محذوف، و ((مثل القتل)) خبره.

الحديث السادس عن ابن عباس رضي الله عنهما: قوله: ((وقل: عمرة في حجة)) أي احسب صلاتك في هذا الوادي المبارك واعتدها بعمرة داخلة في حجة، ((نه)): العرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال، وقد سبق بحثه. والله أعلم بالصواب.

ص: 2066