الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قَدْ عَلِمَتْ ضَوَامِرُ الْمَطِيِّ
…
وَضُمَّرَاتُ عُوَّجِ الْقِسِيِّ
أَنَّ الْأَمِيرَ بَعْدَهُ عَلِيُّ
…
وَفِي الزُّبَيْرِ خَلَفٌ رضىّ
وطلحة الحامى لها ولى.
فَلَمَّا سَمِعَهَا مُعَاوِيَةُ لَمْ يَزَلْ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ حَتَّى كَانَ مَا كَانَ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَبِهِ الثِّقَةُ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مات أبو عبس بن جبير بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ بَدْرِيٌّ. وَمَاتَ أَيْضًا مِسْطَحُ بْنُ أثاثة. وغافل بْنُ الْبُكَيْرِ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ.
ثم دخلت سنة خمس وثلاثين فَفِيهَا مَقْتَلُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رضي الله عنه
وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ حِينَ عَزَلَهُ عُثْمَانُ عَنْ مِصْرَ ولى عليها عبد الله بن سعد ابن أَبِي سَرْحٍ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْخَوَارِجَ مِنَ الْمِصْرِيِّينَ كَانُوا مَحْصُورِينَ مِنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مَقْهُورِينَ مَعَهُ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَتَكَلَّمُوا بِسُوءٍ فِي خَلِيفَةٍ وَلَا أَمِيرٍ فَمَا زَالُوا حَتَّى شَكَوْهُ إِلَى عُثْمَانَ لِيَنْزِعَهُ عَنْهُمْ وَيُوَلِّيَ عَلَيْهِمْ مَنْ هُوَ أَلْيَنُ مِنْهُ. فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبُهُمْ حَتَّى عَزَلَ عَمْرًا عَنِ الْحَرْبِ وَتَرَكَهُ عَلَى الصَّلَاةِ، وَوَلَّى عَلَى الْحَرْبِ وَالْخَرَاجِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ. ثُمَّ سَعَوْا فِيمَا بَيْنَهُمَا بِالنَّمِيمَةِ فَوَقَعَ بَيْنَهُمَا، حَتَّى كَانَ بَيْنَهُمَا، كَلَامٌ قَبِيحٌ. فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ فَجَمَعَ لِابْنِ أَبِي سَرْحٍ جَمِيعَ عِمَالَةِ مِصْرَ، خَرَاجَهَا [وَحَرْبَهَا] وَصَلَاتَهَا، وَبَعَثَ إِلَى عَمْرٍو يَقُولُ لَهُ: لَا خَيْرَ لَكَ فِي الْمَقَامِ عِنْدَ مَنْ يَكْرَهُكَ، فَاقْدُمْ إِلَيَّ، فَانْتَقَلَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ إِلَى الْمَدِينَةِ وَفِي نَفْسِهِ مِنْ عُثْمَانَ أَمْرٌ عَظِيمٌ وَشَرٌّ كَبِيرٌ فَكَلَّمَهُ فِيمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ بِنَفْسٍ، وَتَقَاوَلَا فِي ذَلِكَ، وَافْتَخَرَ عمرو بن العاص بأبيه على عُثْمَانَ، وَأَنَّهُ كَانَ أَعَزَّ مِنْهُ. فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: دَعْ هَذَا فَإِنَّهُ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ. وَجَعَلَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ يُؤَلِّبُ النَّاسَ عَلَى عُثْمَانَ. وَكَانَ بِمِصْرَ جَمَاعَةٌ يُبْغِضُونَ عُثْمَانَ وَيَتَكَلَّمُونَ فِيهِ بِكَلَامٍ قَبِيحٍ عَلَى مَا قَدَّمْنَا، وَيَنْقِمُونَ عَلَيْهِ فِي عَزْلِهِ جَمَاعَةً مِنْ عِلْيَةِ الصَّحَابَةِ وَتَوْلِيَتِهِ مَنْ دُونِهِمْ، أَوْ مَنْ لَا يَصْلُحُ عِنْدَهُمْ لِلْوِلَايَةِ.
وَكَرِهَ أَهْلُ مِصْرَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، بَعْدَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَاشْتَغَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ عَنْهُمْ بِقِتَالِ أَهْلِ الْمَغْرِبِ، وَفَتْحِهِ بِلَادَ الْبَرْبَرِ وَالْأَنْدَلُسِ وَإِفْرِيقِيَّةَ. وَنَشَأَ بِمِصْرَ طَائِفَةٌ مِنْ أَبْنَاءِ الصَّحَابَةِ يُؤَلِّبُونَ النَّاسَ عَلَى حَرْبِهِ وَالْإِنْكَارِ عَلَيْهِ، وَكَانَ عُظْمُ ذَلِكَ مُسْنَدًا إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حُذَيْفَةَ، حَتَّى اسْتَنْفَرَا نَحْوًا مِنْ سِتِّمِائَةِ رَاكِبٍ يَذْهَبُونَ إِلَى الْمَدِينَةِ فِي صِفَةِ مُعْتَمِرِينَ فِي شَهْرِ رَجَبٍ، لِيُنْكِرُوا عَلَى عُثْمَانَ فَسَارُوا إِلَيْهَا تَحْتَ أَرْبَعِ رفاق، وأمر الجميع إلى عَمْرِو بْنِ بُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيِّ، وَعَبْدِ الرحمن بن عديس البلوي، وكنانة بن بشر التُّجِيبِيِّ، وَسَوْدَانَ بْنِ حُمْرَانَ السَّكُونِيِّ. وَأَقْبَلَ مَعَهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، وَأَقَامَ بِمِصْرَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ يُؤَلِّبُ النَّاسَ وَيُدَافِعُ عَنْ هَؤُلَاءِ. وَكَتَبَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ إِلَى عُثْمَانَ يُعْلِمُهُ بِقُدُومِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ إِلَى الْمَدِينَةِ مُنْكِرِينَ عَلَيْهِ فِي صِفَةِ مُعْتَمِرِينَ. فَلَمَّا اقْتَرَبُوا مِنَ الْمَدِينَةِ أَمَرَ عُثْمَانُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لِيَرُدَّهُمْ إِلَى بِلَادِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلُوا الْمَدِينَةَ. وَيُقَالُ: بَلْ نَدَبَ النَّاسَ إِلَيْهِمْ، فَانْتَدَبَ عَلِيٌّ لذلك فبعثه،
وَخَرَجَ مَعَهُ جَمَاعَةُ الْأَشْرَافِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَعَهُ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ. فَقَالَ عَلِيٌّ لِعَمَّارٍ فَأَبَى عَمَّارٌ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهُ. فَبَعَثَ عُثْمَانُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى عَمَّارٍ لِيُحَرِّضَهُ عَلَى الْخُرُوجِ مَعَ عَلِيٍّ إِلَيْهِمْ، فَأَبَى عَمَّارٌ كُلَّ الْإِبَاءِ، وَامْتَنَعَ أَشَدَّ الِامْتِنَاعِ، وكان متعصبا على عثمان بسبب تأديبه له فيما تقدم عَلَى أَمْرٍ وَضَرْبِهِ إِيَّاهُ فِي ذَلِكَ، وَذَلِكَ بِسَبَبِ شَتْمِهِ عَبَّاسَ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ، فَأَدَّبَهُمَا عُثْمَانُ، فَتَآمَرَ عَمَّارٌ عَلَيْهِ لِذَلِكَ، وَجَعَلَ يُحَرِّضُ النَّاسَ عَلَيْهِ، فَنَهَاهُ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ ذَلِكَ وَلَامَهُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يُقْلِعْ عَنْهُ وَلَمْ يَرْجِعْ وَلَمْ يَنْزِعْ، فَانْطَلَقَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ إِلَيْهِمْ وَهُمْ بِالْجُحْفَةِ، وَكَانُوا يُعَظِّمُونَهُ وَيُبَالِغُونَ فِي أَمْرِهِ، فَرَدَّهُمْ وَأَنَّبَهُمْ وَشَتَمَهُمْ، فَرَجَعُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْمَلَامَةِ، وَقَالُوا: هَذَا الَّذِي تُحَارِبُونَ الْأَمِيرَ بِسَبَبِهِ، وَتَحْتَجُّونَ عَلَيْهِ بِهِ. وَيُقَالُ إِنَّهُ نَاظَرَهُمْ فِي عُثْمَانَ، وَسَأَلَهُمْ مَاذَا يَنْقِمُونَ عَلَيْهِ، فَذَكَرُوا أَشْيَاءَ مِنْهَا أَنَّهُ حَمَى الْحِمَى، وَأَنَّهُ حَرَقَ الْمَصَاحِفَ، وَأَنَّهُ أَتَمَّ الصَّلَاةَ، وأنه ولى الاحداث، اعطى الولايات وترك الصحابة الأكابر وأنه أعطى بَنِي أُمَيَّةَ أَكْثَرَ- مِنَ النَّاسِ. فَأَجَابَ عَلِيٌّ عن ذلك: أما الحمى فأنما حماه لا بل الصَّدَقَةِ لِتَسْمَنَ، وَلَمْ يَحْمِهِ لِإِبِلِهِ وَلَا لِغَنَمِهِ وَقَدْ حَمَاهُ عُمَرُ مِنْ قَبْلِهِ. وَأَمَّا الْمَصَاحِفُ فَإِنَّمَا حَرَقَ مَا وَقَعَ فِيهِ اخْتِلَافٌ، وَأَبْقَى لَهُمُ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الْعَرْضَةِ الْأَخِيرَةِ، وَأَمَّا إِتْمَامُهُ الصَّلَاةَ بِمَكَّةَ، فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ تَأَهَّلَ بِهَا وَنَوَى الْإِقَامَةَ فَأَتَمَّهَا، وَأَمَّا تَوْلِيَتُهُ الْأَحْدَاثَ فَلَمْ يُوَلِّ إِلَّا رَجُلًا سَوِيًّا عَدْلًا، وَقَدْ وَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَتَّابَ بْنَ أُسِيدٍ عَلَى مَكَّةَ وَهُوَ ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً، وَوَلَّى أُسَامَةَ بْنَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ. وَطَعَنَ النَّاسِ فِي إِمَارَتِهِ فقال انه لخليق بالإمارة وَأَمَّا إِيثَارُهُ قَوْمَهُ بَنِي أُمَيَّةَ. فَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُؤْثِرُ قريشا على الناس، وو الله لَوْ أَنَّ مِفْتَاحَ الْجَنَّةِ بِيَدِي لَأَدْخَلْتُ بَنِي أُمَيَّةَ إِلَيْهَا. وَيُقَالُ: إِنَّهُمْ عَتَبُوا عَلَيْهِ فِي عَمَّارٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، فَذَكَرَ عُثْمَانُ عُذْرَهُ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّهُ أَقَامَ فِيهِمَا مَا كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِمَا. وَعَتَبُوا عَلَيْهِ فِي إِيوَائِهِ الْحَكَمَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ، وَقَدْ نَفَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى الطَّائِفِ، فَذَكَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ قَدْ نَفَاهُ إِلَى الطَّائِفِ ثُمَّ رَدَّهُ، ثُمَّ نَفَاهُ إِلَيْهَا، قَالَ فَقَدْ نَفَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ رَدَّهُ، وَرُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ خَطَبَ النَّاسَ بِهَذَا كُلِّهِ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَجَعَلَ يَسْتَشْهِدُ بِهِمْ فَيَشْهَدُونَ لَهُ فِيمَا فِيهِ شَهَادَةٌ لَهُ. وَيُرْوَى أَنَّهُمْ بَعَثُوا طَائِفَةً مِنْهُمْ فَشَهِدُوا خُطْبَةَ عُثْمَانَ هَذِهِ، فَلَمَّا تَمَهَّدَتِ الْأَعْذَارُ وَانْزَاحَتْ عِلَلُهُمْ وَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ شُبْهَةٌ، أَشَارَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ على عثمان بتأديبهم فصفح عنهم، رضي الله عنه. وَرَدَّهُمْ إِلَى قَوْمِهِمْ فَرَجَعُوا خَائِبِينَ مِنْ حَيْثُ أَتَوْا، وَلَمْ يَنَالُوا شَيْئًا مِمَّا كَانُوا أَمَّلُوا وَرَامُوا، وَرَجَعَ عَلِيٌّ إِلَى عُثْمَانَ، فَأَخْبَرَهُ بِرُجُوعِهِمْ عَنْهُ، وَسَمَاعِهِمْ مِنْهُ، وَأَشَارَ عَلَى عُثْمَانَ أَنْ يَخْطُبَ النَّاسَ خُطْبَةً يَعْتَذِرُ إِلَيْهِمْ فِيهَا مِمَّا كَانَ وَقَعَ مِنَ الْأَثَرَةِ لِبَعْضِ أَقَارِبِهِ، وَيُشْهِدُهُمْ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ قَدْ تَابَ مِنْ ذَلِكَ، وَأَنَابَ إِلَى الِاسْتِمْرَارِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ سِيرَةِ الشَّيْخَيْنِ قَبْلَهُ، وَأَنَّهُ لَا يَحِيدُ عَنْهَا، كَمَا كَانَ الْأَمْرُ أَوَّلًا فِي مُدَّةِ سِتِّ سِنِينَ الْأُوَلِ، فَاسْتَمَعَ عُثْمَانُ هَذِهِ النَّصِيحَةَ، وَقَابَلَهَا بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَخَطَبَ النَّاسَ، رَفَعَ يَدَيْهِ فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَةِ، وَقَالَ اللَّهمّ إِنِّي أَسْتَغْفِرُكَ
وَأَتُوبُ إِلَيْكَ، اللَّهمّ إِنِّي أَوَّلُ تَائِبٍ مِمَّا كَانَ مِنِّي، وَأَرْسَلَ عَيْنَيْهِ بِالْبُكَاءِ فَبَكَى الْمُسْلِمُونَ أَجْمَعُونَ، وَحَصَلَ لِلنَّاسِ رِقَّةٌ شَدِيدَةٌ عَلَى إِمَامِهِمْ، وَأَشْهَدَ عُثْمَانُ النَّاسَ عَلَى نَفْسِهِ بِذَلِكَ، وَأَنَّهُ قد لزم ما كان عليه الشيخان، وأبو بَكْرٍ وَعُمَرَ رضي الله عنهما، وَأَنَّهُ قَدْ سَبَّلَ بَابَهُ لِمَنْ أَرَادَ الدُّخُولَ عَلَيْهِ، لَا يمنع أحد مِنْ ذَلِكَ، وَنَزَلَ فَصَلَّى بِالنَّاسِ ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ وَجَعَلَ مَنْ أَرَادَ الدُّخُولَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ لِحَاجَةٍ أَوْ مَسْأَلَةٍ أَوْ سُؤَالٍ، لَا يُمْنَعُ أَحَدٌ مِنْ ذَلِكَ مُدَّةً. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: فَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: ثُمَّ إِنَّ عَلِيًّا جَاءَ عُثْمَانَ بَعْدَ انْصِرَافِ المصريين فقال له: تكلم كلاما تسمعه النَّاسُ مِنْكَ وَيَشْهَدُونَ عَلَيْكَ، وَيَشْهَدُ اللَّهُ عَلَى مَا فِي قَلْبِكَ مِنَ النُّزُوعِ وَالْإِنَابَةِ، فَإِنَّ الْبِلَادَ قَدْ تَمَخَّضَتْ عَلَيْكَ، وَلَا آمَنُ رَكْبًا آخَرِينَ يَقْدَمُونَ مِنْ قِبَلِ الْكُوفَةِ، فَتَقُولُ يَا عَلِيُّ ارْكَبْ إِلَيْهِمْ، وَيَقْدَمُ آخَرُونَ مِنَ الْبَصْرَةِ فَتَقُولُ يَا عَلِيُّ ارْكَبْ إِلَيْهِمْ، فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ قَطَعْتُ رَحِمَكَ وَاسْتَخْفَفْتُ بِحَقِّكَ. قَالَ: فَخَرَجَ عُثْمَانُ فَخَطَبَ الْخُطْبَةَ الَّتِي نَزَعَ فِيهَا، وَأَعْلَمَ النَّاسَ مِنْ نَفْسِهِ التَّوْبَةَ، فَقَامَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أما بعد، أيها الناس، فو الله مَا عَابَ مَنْ عَابَ شَيْئًا أَجْهَلُهُ، وَمَا جِئْتُ شَيْئًا إِلَّا وَأَنَا أَعْرِفُهُ، وَلَكِنْ ضَلَّ رُشْدِي وَلَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:«مَنْ زَلَّ فَلْيَتُبْ، وَمَنْ أَخْطَأَ فَلْيَتُبْ، وَلَا يَتَمَادَى فِي الْهَلَكَةِ، إِنَّ مَنْ تَمَادَى فِي الْجَوْرِ كَانَ أَبْعَدَ عَنِ الطَّرِيقِ» فَأَنَا أَوَّلُ مَنِ اتَّعَظَ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مما فعلت وأتوب، فَمِثْلِي نَزَعَ وَتَابَ، فَإِذَا نَزَلْتُ فَلْيَأْتِنِي أَشْرَافُكُمْ، فو الله لَأَكُونَنَّ كَالْمَرْقُوقِ إِنْ مَلَكَ صَبَرَ، وَإِنْ عُتِقَ شَكَرَ، وَمَا عَنِ اللَّهِ مَذْهَبٌ إِلَّا إِلَيْهِ. قَالَ: فَرَقَّ النَّاسُ لَهُ وَبَكَى مَنْ بَكَى، وَقَامَ إِلَيْهِ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ فَقَالَ:
يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! اللَّهَ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ! فَأَتْمِمْ عَلَى مَا قُلْتَ. فَلَمَّا انْصَرَفَ عُثْمَانُ إِلَى مَنْزِلِهِ وَجَدَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَكَابِرِ النَّاسِ، وَجَاءَهُ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ فَقَالَ: أَتَكَلَّمُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَمْ أَصْمُتُ؟ فَقَالَتِ امْرَأَةُ عُثْمَانَ- نَائِلَةُ بِنْتُ الْفَرَافِصَةِ الْكَلْبِيَّةُ- مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ: بل اصمت، فو الله إِنَّهُمْ لَقَاتِلُوهُ، وَلَقَدْ قَالَ مَقَالَةً لَا يَنْبَغِي النُّزُوعُ عَنْهَا. فَقَالَ لَهَا: وَمَا أَنْتِ وَذَاكَ!؟ فو الله لقد مات أبوك وما يحسن أن يَتَوَضَّأُ. فَقَالَتْ لَهُ: دَعْ ذِكْرَ الْآبَاءِ، وَنَالَتْ مِنْ أَبِيهِ الْحَكَمَ، فَأَعْرَضَ عَنْهَا مَرْوَانُ. وَقَالَ لِعُثْمَانَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَتَكَلَّمُ أَمْ أَصْمُتُ؟ فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: بَلْ تَكَلَّمْ، فَقَالَ مَرْوَانُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، لَوَدِدْتُ أَنَّ مَقَالَتَكَ هَذِهِ كانت وأنت ممنع مَنِيعٌ، فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ رَضِيَ بِهَا وَأَعَانَ عليها، ولكنك قلت ما قلت حين جاوز الحزام الطبيين، وبلغ السيل الزبا، وَحِينَ أَعْطَى الْخُطَّةَ الذَّلِيلَةَ الذَّلِيلُ، وَاللَّهِ لَإِقَامَةٌ عَلَى خَطِيئَةٍ يُسْتَغْفَرُ مِنْهَا، خَيْرٌ مِنْ تَوْبَةٍ خوف عَلَيْهَا، وَإِنَّكَ لَوْ شِئْتَ لَعَزَمْتَ التَّوْبَةَ وَلَمْ تُقَرِّرْ لَنَا بِالْخَطِيئَةِ، وَقَدِ اجْتَمَعَ إِلَيْكَ عَلَى الْبَابِ مِثْلُ الْجِبَالِ مِنَ النَّاسِ. فَقَالَ عُثْمَانُ: قم فَاخْرُجْ إِلَيْهِمْ فَكَلِّمْهُمْ، فَإِنِّي أَسْتَحِي أَنْ أُكَلِّمَهُمْ، قَالَ: فَخَرَجَ مَرْوَانُ إِلَى الْبَابِ وَالنَّاسِ يَرْكَبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَقَالَ: مَا شَأْنُكُمْ