المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌فصلالمثال الخامس: الحزن - طريق الهجرتين وباب السعادتين - ط عطاءات العلم - جـ ٢

[ابن القيم]

فهرس الكتاب

- ‌فصلالمثال الثاني: الزهد

- ‌[قاعدة نافعة في إثبات الصفات]

- ‌فصل

- ‌أصل القولين

- ‌الوجه الثالث

- ‌ النقص في الزهد يكون من أحد وجوه ثلاثة

- ‌الوجه الرَّابع:

- ‌فصلالمثال الثالث(1): التوكّل

- ‌الوجه الثالث:

- ‌الوجه الخامس:

- ‌الوجه السادس:

- ‌الوجه السابع:

- ‌[أقسام الفناء عند السالكين]

- ‌الوجه التاسع:

- ‌الوجه العاشر:

- ‌الوجه الثاني عشر:

- ‌الوجه الرَّابع عشر:

- ‌الوجه الخامس عشر:

- ‌فصلالمثال الرَّابع(1): الصبر

- ‌منازل الإيمان كلُّها بين الصبر والشكر

- ‌الوجه الثاني:

- ‌الوجه الثالث:

- ‌الوجه الرَّابع:

- ‌الوجه السادس:

- ‌الوجه السابع:

- ‌الوجه الثامن:

- ‌الوجه التاسع:

- ‌فصلالمثال الخامس: الحزن

- ‌الوجه الثاني:

- ‌الوجه الثالث:

- ‌الوجه الرابع

- ‌الوجه الخامس:

- ‌الوجه السابع:

- ‌الوجه الثامن:

- ‌الوجه التاسع:

- ‌الوجه الثاني عشر:

- ‌الوجه الثالث عشر:

- ‌فصل [في المحبّة]

- ‌المحبّة المشتركة ثلاثة أنواع:

- ‌فصل [حدّ آخر للمحبة]

- ‌الفرق بين الإيثار والأثرة

- ‌فصل [حدّ آخر للمحبة]

- ‌فصل [حدود أخرى للمحبَّة]

- ‌فصل

- ‌ غيرة المحب

- ‌الفصل الأوَّل في حقيقته

- ‌فصل في مراتب المكلَّفين في الدار الآخرة وطبقاتهم فيها. وهم ثمانِ عشرةَ طبقةً

- ‌الطبقة الثانية: من عداهم من الرسل

- ‌الطبقة الخامسة: أئمة العدل وولاته

- ‌الطبقة السابعة: أهل الإيثار والصدقة والإحسان

- ‌الطبقة التاسعة: طبقة أهل النجاة

- ‌ثبت المصادر والمراجع

الفصل: ‌فصلالمثال الخامس: الحزن

‌فصل

المثال الخامس: الحزن

.

قال أبو العبّاس: "وهو من منازل العوامّ. وهو انخلاعٌ عن السرور وملازمةُ الكآبة لتأسُّفٍ عن

(1)

فائت، أو توجُّع لممتنع، وإنَّما كان من منازل العامَّة

(2)

لأنَّ فيه نسيانَ المنّة، والبقاءَ في رِقِّ الطبع. وهو في مسالك الخواصّ حجاب؛ لأنَّ معرفةَ اللَّه جلا نورُها كلَّ ظلمة، وكشف سرورُها كلَّ غُمَّة؛ فبذلك فليفرحوا. وقيل: أوحى اللَّه تعالى إلى داود: بي

(3)

فافرَحْ، وبذكري فتلذَّذْ، وبمعرفتي فافتخِرْ. فعمَّا قليل أفرِغُ الدار من الفاسقين، وأنزِلُ نقمتي على الظالمين"

(4)

.

اعلم أنَّ الحزن من عوارض الطريق، ليس من مقامات الإيمان ولا من منازل السائرين. ولهذا لم يأمر اللَّه به في موضع قطّ، ولا أثنى عليه

(5)

، ولا رتَّب عليه جزاءً وثوابًا

(6)

. بل نهى سبحانه عنه في غير موضع

(7)

، كقوله تعالى:{وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139)} [آل عمران/ 139]. وقال تعالى: {وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127)} [النحل/ 127]. وقال تعالى: {فَلَا تَأْسَ عَلَى

(1)

كذا في الأصل وغيره. وفي محاسن المجالس: "على".

(2)

"ط": "العوام".

(3)

"ك، ط": "يا داود بي. . . ".

(4)

محاسن المجالس (82).

(5)

"ب": "على أهله".

(6)

"ك، ط": "ولا ثوابًا".

(7)

وانظر: مدارج السالكين (1/ 598)، ومجموع الفتاوى (10/ 16).

ص: 605

الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (26)} [المائدة/ 26]. وقال تعالى: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة/ 40]. فالحزن هو بليَّة من البلايا التي نسأل اللَّه دفعها وكشفها، ولهذا يقول أهل الجنَّة:{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ} [فاطر/ 34] فحمدوه سبحانه

(1)

على أن أذهب عنهم تلك البلية ونجَّاهم منها.

وفي الصحيح عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنَّه كان يقول في دعائه: "اللّهم إنِّي أعوذُ بك من الهمِّ والحزَن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضلَع الدَّيْن وغلبة الرِّجال"

(2)

. فاستعاذَ صلى الله عليه وسلم من ثمانية أشياءَ كلُّ شيئين منها قرينان.

فالهمُّ والحزن قرينان، وهما الألم الوارد على القلب، فإن كان على ما مضى فهو الحزن، وإن كان على ما يستقبل فهو الهمّ. فالألم الوارد إن كان مصدره فوت الماضي أثَّرَ الحزنَ، وإن كان مصدره خوف الآتي أثَّر الهمَّ.

والعجز والكسل قرينان، فإن تخلّف مصلحةِ العبد وكماله عنه

(3)

إن كان من عدم القدرة فهو عجز. وإن كان من عدم الإرادة فهو كسل.

والجبن والبخل قرينان، فإنَّ الإحسان يفرح القلب، ويشرح الصدر، ويجلب النعم، ويدفع النقم. وتركه يوجب الغمّ

(4)

والضيق، ويمنع

(1)

"ط": "فحمده على".

(2)

أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير (2893) وغيره، ومسلم في الذكر والدعاء (2706) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه. وضلع الدين: ثقله.

(3)

"ط": "مصلحة العبد وبعدها عنه".

(4)

"ط": "الضيم"، تحريف.

ص: 606

وصول النعم إليه. فالجبن ترك الإحسان بالبدن، والبخل ترك الإحسان بالمال.

وضلع الدَّين وغلبة الرجال

(1)

قرينان، فإنَّ القهر والغلبة الحاصلة للعبد إمَّا منه، وإمَّا من غيره. وإن شئت قلت: إمَّا بحقٍّ، وإمَّا بباطل. فضلعُ الدين غلبةٌ سببها منه، وهي غلبة

(2)

بحقٍّ. وغلبةُ الرجال قهرٌ بباطل

(3)

من غيره

(4)

.

والمقصود أنَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم جعل الحزن مما يستعاذ منه. وذلك لأنَّ الحزن يُضعِف القلب، ويُوهِن العزم، ويغيّر

(5)

الإرادة؛ ولا شيء أحبُّ إلى الشيطان من حزن المؤمن، قال تعالى:{إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا} [المجادلة/ 10].

فالحزن مرض من أمراض القلب يمنعه من نهوضه وسيره وتشميره، والثواب عليه ثواب

(6)

على المصائب التي يُبتلى العبدُ بها بغير اختياره، كالمرض والألم ونحوهما. وأمَّا أن يكون عبادةً مأمورًا بتحصيلها وطلبها فلا. فَفرْقٌ [بين]

(7)

ما يثاب عليه العبد من المأمورات، وما يثاب عليه

(1)

"ك، ط": "وغلبة الدَّين وقهر الرِّجال". وهي رواية أخرى في الحديث. ومن هنا قال المؤلف في الجملة التالية: "فإنَّ القهر والغلبة".

(2)

"ف": "عليه"، تصحيف.

(3)

"فضلع الدين. . . " إلى هنا ساقط من "ط".

(4)

وانظر في شرح الحديث أيضًا: مفتاح دار السعادة (1/ 375)، وبدائع الفوائد (714).

(5)

"ب": "يفتر"، قراءة محتملة. وفي "ك، ط": "يضر".

(6)

"ثواب" ساقط من "ك، ط".

(7)

ما بين الحاصرتين من "ف" وغيرها، ولعله سقط من الأصل سهوًا. وفي =

ص: 607

من البليَّات.

ولكن يُحمَد في الحزن سببُه ومصدرُه ولازمُه، لا لذاته. فإنَّ المؤمن إمَّا أن يحزنَ على تفريطه وتقصيره في خدمة ربه وعبوديته، وإمَّا أن يحزن على تورّطه في مخالفته ومعصيته وضياع أيامه وأوقاته. وهذا يدلُّ على صحّة الإيمان في قلبه وعلى حياته، حيث شعر

(1)

قلبُه بمثل هذا الألم، فحزن عليه. ولو كان قلبه ميّتًا لم يحسّ بذلك، ولم يحزن، ولم يتألَّم، فما لِجُرحٍ بميّتٍ إيلام

(2)

. وكلَّما كان قلبُه أشدَّ حياةً كان شعوره بهذا الألم أقوى، ولكنَّ الحزن لا يجدي عليه، فإنَّه يُضعِفه، كما تقدّم. بل الذي ينفعه أن يستقبل السيرَ، ويجدّ، ويشمِّر، ويبذل جهده.

وهذا نظيرُ من انقطع عن رُفْقتِه في السفر، فجلس في الطريق حزينًا كئيبًا يشهد انقطاعَه وسبقَ رفقته، فقعودُه لا يجدي شيئًا. بل إذا عرف الطريق فالأولى له أن ينهض، ويجدّ في السير

(3)

، ويحدّث نفسَه باللَّحاق بالقوم. وكلَّما

(4)

فترَ وحزِن حدّث نفسَه باللحاق برفقته، ووعدها -إن صبرَتْ- أن تلحق بهم، وتزول عنها وحشةُ الانقطاع. فهكذا السالك إلى منازل الأبرار، وديار المقرَّبين.

= "ب": "فقرن بين"، تحريف.

(1)

"ك، ط": "شغل"، تحريف.

(2)

من قول المتنبي (ديوانه 245):

من يَهُنْ يسهلِ الهوانُ عليه

ما لجُرْحٍ بميِّتٍ إيلَامُ

(3)

"وسبق رفقته. . . " إلى هنا ساقط من "ب، ك، ط". وقد استدركها بعضهم في حاشية "ك".

(4)

"ك، ط": "فكلّما".

ص: 608

وأخمصُّ من هذا الحزنُ

(1)

على قطع الوقت بالتفرقة المضعِفة للقلب عن تمام سيره وجدّه في سلوكه، فإنَّ التفرقة من أعظم البلاءِ على السالك، ولا سيما في ابتداءِ أمره. فالأول حزن على التفريط

(2)

في الأعمال، وهذا حزن على نقص حاله مع اللَّه، وتفرقة قلبه عنه

(3)

، وكيف صار ظرفًا لتفرقة حاله، واشتغال قلبه بغير معبوده؟

وأخصُّ من هذا الحزنِ حزنُه على جزءٍ من أجزاءِ قلبه كيف هو خالٍ من محبة اللَّه؟ وعلى جزءٍ من أجزاءِ بدنه كيف هو متصرّف

(4)

في غير محابّ اللَّه؟ فهذا حزن الخاصَّة. ويدخل في هذا حزنهم على كلِّ معارض يشغلهم عمَّا هم بصدده، من خاطر أو إرادة أو شاغل من خارج.

فهذه المراتب من الحزن لا بدَّ منها في الطريق، ولكن الكيِّس من

(5)

لا يدعها تملكه وتُقعِده، بل يجعل عوضَ فكرتَه فيها فكرتَه فيما يدفعها به. فإنَّ المكروه إذا وردَ على النفس، فإن كانت صغيرةً اشتغلت بفكرها فيه وفي حصوله عن الفكرة في الأسباب التي تدفعها

(6)

به، فأورثَها الحزن. وإن كانت نفسًا كبيرةً شريفةً لم تفكّر فيه، بل تصرف فكرَها إلى ما ينفعها. فإن علمتْ منه مخرجًا فكّرتْ في طريق ذلك المخرج وأسبابه، وإن علمتْ أنه لا مخرجَ منه، فكَّرت في عبودية اللَّه فيه،

(1)

"ك، ط": "من هذا الحزن حزنُه".

(2)

"ف": "التوسط"، تحريف.

(3)

"عنه" ساقط من "ك، ط".

(4)

"ط": "منصرف".

(5)

"من" ساقط من "ك، ط".

(6)

في "ف" وغيرها: "يدفعها" والأصل غير منقوط. والسياق يقتضي قراءتنا.

ص: 609

فكان

(1)

ذلك عوضًا لها من الحزن. فعلى كلّ حالٍ لا فائدة لها في الحزن أصلًا. واللَّه أعلم.

وقال بعض العارفين: "ليست الخاصَّة من الحزن في شيءٍ"

(2)

.

وقوله رحمه الله: "معرفة اللَّه جلا نورُها كلّ ظلمة، وكشف سرورُها كلَّ غمَّة" كلام في غاية الحسن. فإنَّ من عرف اللَّه أحبَّه ولا بدَّ، ومن أحبَّه انقشعتْ عنه سحائبُ الظلمات، وانكشفتْ عن قلبه الهمومُ والغمومُ والأحزان، وعمر قلبه بالسرور والأفراح، وأقبلت إليه وفودُ التهاني والبشائر من كلِّ جانب، فإنَّه لا حزن مع اللَّه أبدًا.

ولهذا قال تعالى حكايةً عن نبيّه أنَّه قال لصاحبه

(3)

: {لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة/ 40]. فدلَّ على

(4)

أنَّه لا حزنَ مع اللَّه، وأنَّ من كان اللَّه معه فما له وللحزن؟ وإنَّما الحزن كلّ الحزن لمن فاته اللَّه، فمن حصل اللَّهُ له، فعلى أيّ شيءٍ يحزَن؟ ومن فاته اللَّه، فبأيّ شيءٍ يفرح؟ قال تعالى:{قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا} [يونس/ 58].

فالفرحُ بفضله وبرحمته

(5)

تبعٌ للفرح به سبحانه، فالمؤمن يفرح بربّه أعظمَ من فرح كلّ أحد بما يفرح به، من حبيب أو جاه

(6)

أو مال أو نعمة

(1)

"ط": "وكان".

(2)

من كلام الهروي في منازل السائرين (20). وانظر: مدارج السالكين (1/ 603).

(3)

"ط": "لصاحبه أبي بكر".

(4)

"على" ساقط من "ك، ط".

(5)

"ك، ط": "ورحمته".

(6)

"ك، ط": "حياة"، تحريف.

ص: 610

أو مُلك، ففرحُ

(1)

المؤمن بربِّه أعظمُ من هذا كلّه. ولا ينال القلبُ حقيقةَ الحياة حتّى يجدَ طعمَ هذه الفرحة والبهجة، فيظهرَ سرورُها في قلبه ونضرتُها

(2)

في وجهه، فيصير له حال من حال أهل الجنة حيث لقَّاهم اللَّه نضرةً وسرورًا. فلمثل هذا فليعمل العاملون، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون! فهذا هو العلَم الذي شمَّر إليه أولو الهمم والعزائم، واستبق إليه أصحاب الخصائص والمكارم.

تلك المكارمُ لا قَعْبان من لبَنٍ

شِيبا بماءٍ فعادا بعدُ أبوالا

(3)

(1)

"ك، ط": "يفرح".

(2)

"ط": "مضرّتها"، تحريف.

(3)

البيت لأميّة بن أبي الصلت في ديوانه (459).

ص: 611

فصل

والمثال السادس: الخوف.

قال أبو العبّاس: "هو الانخلاعُ عن طمأنينة الأمن، والتيقّظُ لنداءِ الوعيد، والحذرُ من سطوة العقاب. وهو من منازل العوامّ أيضًا. وليس في منازل الخواصّ خوف، لأنَّه لا أمان للغافل، إنَّما يعبد

(1)

مولاه على وحشة من نظره، ونفرة من الأنس به عند ذكره. {تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ} [الشورى/ 22]. وأمَّا الخواصّ أهل الاختصاص

(2)

، فإنَّهم جعلوا الوعيد منه وعدًا، والعذابَ فيه عَذْبًا، لأنَّهم شاهدوا المبتلي في البلاءِ، والمعذِّب في العذاب، فاستعذبوا ما وجدوا في جنب ما شاهدوا. وفي ذلك

(3)

قال قائلهم:

سَقَمي في الحبِّ عافيتي

ووجودي في الهوى عدَمي

وعذابٌ ترتضون به

في فمي أحلى من النِّعم

(4)

ومن كان مستغرقًا في المشاهدة حلَّ

(5)

في بساط الأنس، فلا يبقى للخوف بساحته ألم

(6)

؛ لأنَّ المشاهدة تُوجِب الأنس، والخوف يُوجِبُ

(1)

في محاسن المجالس: ". . خوف؛ لأنه لا يليق للعبد أن يعبد".

(2)

"ف": "وأهل الاختصاص"، سهو.

(3)

"ك، ط": "شاهدوا في ذلك".

(4)

البيتان مع ثالث في المدهش (451). وذكر في نفح الطيب (5/ 598) أنَّها تنسب إلى الحلّاج.

(5)

في المجالس: "حالّ" وفي نسخة منه: "جائلًا".

(6)

كذا في الأصل وغيره. وفي المجالس: "إلمام". وهو الصواب الظاهر.

ص: 612

القبض".

ثمَّ ذكر حكاية المضروب الذي ضُرِب مائةَ سوط فلم يتألّم لأجب نظرِ محبوبه إليه، ثمَّ ضُرِبَ سوطًا، فصاحَ لمَّا توارى عنه محبوبُه. قال:"وقد قيل في قوله تعالى: {وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} [الشورى/ 26]: دليلُ خطابه أنَّ المؤمنين لهم عذاب، ولكن ليس بشديد. وإنَّما كان عذاب الكافرين شديدًا لأنّهم لا يشاهدون المعذِّب لهم. والعذابُ على شهود المعذِّب عَذْبٌ، والثوابُ على الغفلة من المعطي صَعْبٌ. فالخوفُ إذًا من منازل العوامّ"

(1)

.

والكلام على ما ذكره من وجوه:

أحدها: أنَّ الخوف أحد أركان الإيمان والإحسان الثلاثة التي عليها مدار مقامات السالكين جميعها، وهي: الخوف، والرجاءُ، والمحبَّة. وقد ذكره سبحانه في قوله:{قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (56) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} [الإسراء/ 56 - 57]. فجمع بين المقامات الثلاثة، فإنَّ ابتغاءَ الوسيلة إليه هو التقرّب إليه بحبّه وفعلِ ما يحبّه. ثمَّ قال

(2)

: {وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} ، فذكر الحبّ، والخوف، والرجاءَ. والمعنى أنَّ هؤلاء

(3)

الذين تدعونهم من دون اللَّه من الملائكة والأنبياء والصالحين يتقرّبون إلى ربّهم ويخافونه ويرجونه، فهم عبيده، كما أنكم عبيده، فلماذا تعبدونهم من دونه،

(1)

محاسن المجالس (83 - 84).

(2)

"ط": "يقول".

(3)

"هؤلاء" ساقط من "ط".

ص: 613

وأنتم وهم عبيد له؟

وقد أمر سبحانه بالخوف منه في قوله: {فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175)}

(1)

[آل عمران/ 175]، فجعل الخوف منه شرطًا في تحقّق الإيمان، وإن كان الشرط داخلًا في الصيغة على الإيمان فهو المشروط في المعنى، والخوف شرط في حصوله وتحقّقه. وذلك لأنَّ الإيمان سبب الخوف الحامل

(2)

عليه، فحصول

(3)

المسبَّب شرط في تحقّق السبب، كما أنَّ حصول السبب موجب لحصول مسبَّبه. فانتفاءُ الإيمان عند انتفاءِ الخوف انتفاءٌ للمشروط عَند انتفاء شرطه، وانتفاءُ الخوف عند انتفاءِ الإيمان انتفاءٌ للمعلول عند انتفاء علَّته. فتدبَّره! والمعنى: إن كنتم مؤمنين فخافوني. والجزاءُ محذوف مدلولٌ عليه بالأوَّل عند سيبويه وأصحابه، أو هو المتقدّم نفسه، وهو جزاءٌ وإن تقدّم كما هو مذهب الكوفيين. وعلى التقديرين فأداة الشرط قد دخلت على السبب المقتضي للخوف وهو الإيمان. وكل منهما مستلزمٌ للآخر، لكنَّ الاستلزام مختلف؛ وكلٌّ منهما منتفٍ عند انتفاء الآخر، لكن جهة الانتفاءِ مختلفة، كما تقدّم. والمقصود: أنَّ الخوف من لوازم الإيمان وموجباته، فلا يتخلَّف

(4)

عنه.

وقال تعالى: {فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ} [المائدة/ 44]. وقد

(1)

في الأصل و"ف": "وخافوني" على قراءة أبي عمرو في الأصل. انظر: الإقناع (626).

(2)

"ك، ط": "الحاصل"، تحريف.

(3)

"ط": "وحصول".

(4)

"ط": "يختلف"، تحريف.

ص: 614

أثنى سبحانه على أقرب عباده إليه بالخوف منه، فقال تعالى عن أنبيائه بعد أن أثنى عليهم ومدحهم:{إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا} [الأنبياء/ 90]. فالرغَب: الرجاءُ والرغبة، والرهب: الخوف والخشية. وقال عن ملائكته الذين قد آمنهم من عذابه: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (50)} [النحل/ 50].

وفي الصحيح عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: "إنِّي أعلمُكم باللَّه وأشدُّكم له خشيةً"

(1)

. وفي لفظ آخر: "إنِّي أخوَفُكم للَّه وأعلمُكم بما أتَّقِي"

(2)

. وكان صلى الله عليه وسلم يصلِّي ولصدره أزيزٌ كأزيز المِرجَل من البكاءِ

(3)

. وقد قال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28)} [فاطر/ 28] فكلَّما كان العبد باللَّه أعلَم كان له أخوفَ. قال ابن مسعود: "كفى بخشية اللَّه علمًا"

(4)

. ونقصان الخوف من اللَّه إنَّما هو لنقصان معرفة العبد به، فأعرف الناس أخشاهم للَّه. ومن عرف اللَّه اشتدَّ حياؤه منه وخوفه له وحبّه له، وكلَّما ازداد معرفةً ازداد حياءً وخوفًا وحبًّا.

فالخوف من أجلّ منازل الطريق، وخوفُ الخاصّة أعظم من خوف

(1)

أخرجه البخاري في كتاب الأدب (6101) وغيره، ومسلم في الفضائل (2356) عن عائشة رضي الله عنها.

(2)

أخرجه مسلم في الصيام (1110) عن عائشة رضي الله عنها. ولفظه: "وإنّي لأرجو أن أكون أخشاكم للَّه وأعلمكم بما أتَّقي".

(3)

أخرجه أبو داود (904)، والنسائي (3/ 13)، وفي الكبرى له (544، 545)، وابن خزيمة (900)، وابن حبان (655، 753)، والحاكم (971) وغيرهم من حديث عبد اللَّه بن الشخير. وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، ووافقه الذهبي. (ز).

(4)

تقدم تخريجه في ص (589).

ص: 615

العامة، وهم إليه أحوج، وهو بهم ألصق

(1)

، ولهم ألزم. فإنَّ العبد إمَّا أن يكون مستقيمًا، أو مائلًا عن الاستقامة. فإن كان مائلًا عن الاستقامة فخوفه من العقوبة على مَيله، ولا يصحّ الإيمان إلا بهذا الخوف. وهو ينشأ من ثلاثة أمور:

أحدها: معرفته بالجناية وقبحها.

والثاني: تصديق الوعيد وأنَّ اللَّه رتَّب على المعصية عقوبَتها.

والثالث: أنَّه لا يعلم لعلّه يُمنَع من التوبة ويُحال بينه وبينها إذا ارتكبَ الذنبَ.

فبهذه الأمور الثلاثة يتم له الخوف، وبحسب قوتها وضعفها تكون قوة الخوف وضعفه. فإنَّ الحامل على الذنب إمَّا أن يكون عدم علمه بقبحه، وإمَّا عدم علمه بسوءِ عاقبته، وإمَّا أن يجتمع له الأمران لكن يحمله عليه اتّكاله على التوبة، وهو الغالب من ذنوب أهل الإيمان. فإذا علم قبحَ الذنب، وعلم سوءَ مغبّته، وخاف أن لا يُفتح له بابُ التوبة بل يُمنعها ويحال بينه وبينها = اشتدَّ خوفُه. هذا قبل الذنب، فإذا عمله كان خوفه أشدّ. وبالجملة، فمن استقرَّ في قلبه ذكرُ الدار الآخرة وجزائها، وذكرُ المعصية والتوعّد عليها، وعدمُ الوثوق بإتيانه بالتوبة النصوح = هاج من

(2)

قلبه من الخوف ما لا يملكه ولا يفارقه حتَّى ينجو.

وأمَّا إن كان مستقيمًا مع اللَّه، فخوفه يكون مع جرَيان الأنفاس، لِعلمه بانَّ اللَّه مقلب القلوب، وما من قلب إلا وهو بين إصبَعين من

(1)

"ك، ط": "أليق".

(2)

كذا في الأصل وغيره. وفي "ط": "في".

ص: 616