الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومن الإطناب المعجز ما ورد في قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا- وَلَنْ تَفْعَلُوا- فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ، فاعتراض بقوله وَلَنْ تَفْعَلُوا يفيد استحالة معارضة القرآن والإتيان بسورة من نوعه.
فالإطناب باعتراض كما يبدو من الأمثلة السابقة وعلى اختلاف أغراضه لا يكمّل المعنى فحسب، وإنما يضفي عليه ظلالا من الحسن.
ويمكن إدراك هذه الحقيقة في أي مثال من هذه الأمثلة إذا ما قارنا بين معناه باعتراض ومعناه مجردا منه.
…
8 - التذييل:
والإطناب بالتذييل هو تعقيب الجملة بجملة أخرى تشتمل على معناها للتوكيد.
وقد تحدث أبو هلال العسكري عن أثر التذييل في الكلام وموقعه منه فقال: «وللتذييل في الكلام موقع جليل، ومكان شريف خطير؛ لأن المعنى يزداد به انشراحا والمقصد اتضاحا. والتذييل هو إعادة الألفاظ المترادفة على المعنى بعينه، حتى يظهر لمن لا يفهمه، ويتوكد عند من فهمه
…
وينبغي أن يستعمل في المواطن الجامعة، والمواقف الحافلة، لأن تلك المواطن تجمع البطيء الفهم، والبعيد الذهن، والثاقب القريحة، والجيد الخاطر، فإذا تكررت الألفاظ على المعنى الواحد توكد عنه الذهن اللقن، وصح للكليل البليد» (1).
أقسام التذييل:
والإطناب بالتذييل قسمان:
أ- تذييل جار مجرى المثل، وذلك إن استقل معناه واستغنى عما
(1) كتاب الصناعتين ص 373، ولقن الكلام بكسر القاف يلقنه بفتحها: فهمه، واللقن بكسر القاف: الفهم بكسر الهاء، والاسم اللقانة بمعنى الفهم بسكون الهاء.
قبله، نحو قوله تعالى: وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ، فجملة قوله تعالى: إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ تشتمل على معنى الجملة السابقة: وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي وقد عقب بها عليها توكيدا لمعناها. وإذا تأملنا جملة التذييل وهي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ وجدناها مستقلة بمعناها لا يتوقف فهمها على فهم ما قبلها. ومن أجل ذلك يقال لهذا النوع من الإطناب بالتذييل إنه «جار مجرى المثل» .
ومنه أيضا قوله تعالى: وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً، فجملة إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً تعقيب على الجملة السابقة تشتمل على معناها توكيدا لها، وهي في الوقت ذاته مستقلة بمعناها لا يتوقف فهمها على فهم ما قبلها. ولهذا يقال إنها إطناب بالتذييل جار مجرى المثل.
ومما ورد شعرا من هذا النوع قول إبراهيم بن المهدي في رثاء ابنه:
تبدل دارا غير داري وجيرة
…
سواي، وأحداث الزمان تنوب
فجملة «أحداث الزمان تنوب» إطناب بالتذييل جار مجرى المثل، لأنه كلام مستقل بمعناه ومستغن عما قبله.
ومنه قول الشاعر:
فإن أك مقتولا فكنت أنت قاتلي
…
فبعض منايا القوم أكرم من بعض
فالشطر الثاني من البيت جاء تأكيدا للأول لاشتماله على معناه، وهو في ذات الوقت كلام مستقل بمعناه ومستغن عما قبله في فهمه، ولهذا فهو إطناب بالتذييل جار مجرى المثل.
ومنه قول أبي نواس:
عرم الزمان على الذين عهدتهم
…
بك قاطنين وللزمان عرام (1)
(1) عرم الزمان بفتح الراء: اشتد وشرس بكسر السين، والعرام بضم العين: الشدة والشراسة والأذى.
فقول أبي نواس «للزمان عرام» تأكيد للمعنى السابق لاشتماله على معناه، وهو مستقل عنه بمعناه، فهو لهذا إطناب بالتذييل جار مجرى المثل.
ومنه قول الحطيئة:
نزور فتى يعطي على الحمد ماله
…
ومن يعط أثمان المكارم يحمد
فالشطر الثاني إطناب بالتذييل للشطر الأول جار مجرى المثل لأنه مستقل بمعناه ولا يتوقف فهمه على فهم ما قبله.
ب- تذييل غير جار مجرى المثل: هذا هو القسم الثاني من أقسام الأطناب بالتذييل، وهو الكلام الذي لا يستقل بمعناه، ولا يفهم الغرض منه إلا بمعونة ما قبله.
ومن أمثلته قوله تعالى: ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ؟ فقوله تعالى: وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ؟ تذييل لقوله: ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وقد جاء هذا التذييل توكيدا لما قبله لاشتماله على معناه، ولكنه هو غير مستقل بمعناه ولا يفهم الغرض منه إلا بمعونة ما قبله. ومن أجل ذلك يقال له: إطناب بالتذييل غير جار مجرى المثل، إذ المعنى: وهل نجازي ذلك الجزاء الذي ذكرناه إلا الكفور؟.
ومنه أيضا قوله تعالى: وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ؟ فقوله تعالى: أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ؟، تذييل لقوله وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ. وهو إطناب بالتذييل غير جار مجرى المثل، لأنه غير مستقل في معناه عما قبله.
ومنه شعرا قول ابن نباتة السعدي:
لم يبق جودك لي شيئا أؤمله
…
تركتني أصحب الدنيا بلا أمل
فالشطر الثاني من البيت إطناب بالتذييل غير جار مجرى المثل للشطر الأول. فهو تأكيد له لاشتماله على معناه، ولكنه غير مستقل بمعناه، إذ لا
يفهم الغرض منه إلا بمعونة ما قبله.
ومنه قول عنترة:
فدعوا نزال فكنت أول نازل
…
وعلام أركبه إذا لم أنزل؟
فالشاعر استوفى المعنى في الشطر الأول وذيل بالشطر الثاني وهذا إطناب بالتذييل غير جار مجرى المثل، فهو تأكيد لمعنى سابقه لاشتماله على معناه، ولكنه هو غير مستقل بمعناه، إذ لا يفهم الغرض منه إلا بمعونة ما قبله.
…
ذلك هو الإطناب مقابل الإيجاز، وفيما يلي تلخيص لكل قواعده التي سبق شرحها وتفصيل القول فيها.
أ- الإطناب زيادة اللفظ على المعنى لفائدة.
ب- والإطناب يأتي في الكلام على أنواع شتى منها:
1 -
الإيضاح بعد الإبهام، لتقرير المعنى وتمكينه في ذهن السامع.
2 -
ذكر الخاص بعد العام للتنبيه على فضل الخاص.
3 -
ذكر العام بعد الخاص، لإفادة العموم مع الاهتمام بشأن الخاص.
4 -
التكرير لداع: كتأكيد الإنذار، وكالتحسر، وكطول الفصل.
5 -
الإيغال: وهو ختم البيت بكلمة أو عبارة يتم المعنى بدونها، ولكنها تعطيه قافيته، وتضيف إلى معناه التام معنى زائدا.
6 -
الاحتراس: ويكون حينما يأتي المتكلم بمعنى يمكن أن يدخل عليه فيه لوم، فيفطن لذلك ويأتي بما يخلصه منه.
7 -
الاعتراض: وهو أن يؤتى في أثناء الكلام أو بين كلامين متصلين في المعنى بجملة أو أكثر لا محل لها من الإعراب لفائدة سوى دفع الإبهام.
ومن هذه الفوائد التنزيه، والدعاء، والتنبيه على أمر من الأمور، والتحسر والتعظيم.
8 -
التذييل: وهو تعقيب الجملة بجملة أخرى تشتمل على معناها توكيدا، وهو ضربان:
أ- جار مجرى المثل إن استقل معناه واستغني في فهمه عما قبله.
ب- غير جار مجرى المثل إن لم يستقل معناه ولم يستغن في فهمه عما قبله.
…