الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يريد المتنبي أن يبين لسيف الدولة أنه، المتنبي، عالم بمضمون الخبر الذي أورده في بيته.
وفي المثال الثالث لا يقصد الشاعر منه أن يفيد مخاطبه علما بمضمون البيت الذي أسنده إليه، من اغتيابه له في كل مكان يكون فيه، ومن الزعم بأنه ليس كفئا له، لأن المخاطب يعلم أن ذلك قد حدث منه ويحدث، وإنما يبغي الشاعر من وراء إلقاء هذا الخبر على من يخاطبه به بأنه يعلم مضمونه ولا يجهله.
فالمخاطب إذن في كل مثال من الأمثلة الثلاثة لم يستفد علما بالخبر نفسه، لأنه يعلمه مسبقا ولا يجهله، وإنما استفاد أن المتكلم عالما به، ويسمى ذلك النوع من الخبر «لازم الفائدة» .
ومن الأمثلة السابقة ونظائرها يمكن القول بأن الخبر «لازم الفائدة» يأتي في مواضع المدح والعتاب واللوم وما أشبه ذلك من كل موضع يأتي فيه إنسان ما عملا ما، ثم يأتي شخص آخر فيخبره به لا على أساس أن المخاطب يجهله، وإنما على أساس أن المتكلم عالم بالحكم، أي بمضمون الخبر الذي أسنده إليه.
…
أضرب الخبر:
على أن الخبر سواء أكان الغرض منه «فائدة الخبر» أو «لازم الفائدة» لا يأتي على ضرب واحد من القول. وإنما ينبغي على صاحب الخبر أن يأخذ في اعتباره حالة المخاطب عند إلقاء الخبر، وذلك بأن ينقله إليه في صورة من الكلام تلائم هذه الحالة بغير زيادة أو نقصان.
والمخاطب بالنسبة لحكم الخبر، أي مضمونه، له ثلاث حالات هي:
1 -
أن يكون المخاطب خالي الذهن من الحكم، وفي هذه الحال يلقى
إليه الخبر خاليا من أدوات التوكيد ويسمى هذا الضرب من الخبر «ابتدائيا» .
2 -
أن يكون المخاطب مترددا في الحكم شاكا فيه، ويبغي الوصول إلى اليقين في معرفته، وفي هذه الحال يحسن توكيده له ليتمكن من نفسه، ويحل فيها اليقين محل الشك. ويسمى هذا الضرب من الخبر «طلبيا» .
3 -
أن يكون المخاطب منكرا لحكم الخبر، وفي هذا الحال يجب أن يؤكد له الخبر بمؤكد أو أكثر، على حسب درجة إنكاره من جهة القوة والضعف. ويسمى هذا الضرب من الخبر «إنكاريا» .
وتبيانا لأضرب الخبر السابقة بالنسبة لحالات المخاطب نورد فيما يلي ثلاث طوائف من الأمثلة توضح كل طائفة منها ضربا من أضربه.
أما الطائفة الأولى، وجميعها من شعر المتنبي، فهي:
أ- سبقنا إلى الدنيا فلو عاش أهلها
…
منعنا بها من جيئة وذهوب
تملّكها الآتي تملّك سالب
…
وفارقها الماضي فراق سليب
ب- أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي
…
وأسمعت كلماتي من به صمم
أنام ملء جفوني عن شواردها
…
ويسهر الخلق جرّاها ويختصم
ج- وكل امرئ يولي الجميل محبّب
…
وكل مكان ينبت العزّ طيّب
د- لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى
…
حتى يراق على جوانبه الدّم
هـ- أتى الزمان بنوه في شبيبتهم
…
فسرّهم وأتيناه على الكبر
فالمتنبي يلقي الخبر في كل مثال من هذه الأمثلة إلى مخاطب خالي الذهن من حكمه؛ أي مضمونه، ومن أجل ذلك جاء بالخبر خاليا من أدوات التوكيد. وهذا هو ضرب الخبر «الابتدائي» .
والطائفة الثانية من شعر أبي العلاء المعري وهي:
أ- إن الذي بمقال الزور يضحكني
…
مثل الذي بيقين الحق يبكيني
ب- إذا ما الأصل ألفى غير زاك
…
فما تزكو مدى الدهر الفروع
ج- وقد يغشى الفتى لجج المنايا
…
حذارا من أحاديث الرفاق
فالمعري يوجّه الخبر الذي تضمنه كل بيت هنا إلى مخاطب متردد في حكم الخبر ومضمونه، ولهذا حسن توكيد الكلام له بمؤكد تمكينا له من نفسه وحسما للشك في حقيقته. وهذا الضرب من الخبر «طلبيّ» . وأداة التوكيد في البيت الأول «إنّ» المشددة النون. وفي البيت الثاني «ما الزائدة» بعد كلمة «إذا» ، وفي البيت الثالث «قد» .
والطائفة الثالثة من شعر أبي العلاء المعري أيضا، وهي:
أ- ألا إنّ أخلاق الفتى كزمانه
…
فمنهنّ بيض في العيون وسود
ب- لعمرك ما في الأرض كهل مجرّب
…
ولا ناشئ إلّا لإثم مراهق (1)
ج- لقد نفق الرديء، وربّ مر
…
من الأقوات يجعل في الصحاف (2)
فالمعري في هذه المرة يتجه بالخبر في كل مثال من الأمثلة هنا إلى شخص ينكر حكم الخبر ويعتقد فيما يخالفه، ولذلك كان من الواجب تأكيد الخبر له على حسب إنكاره قوة وضعفا، بمعنى أن يزاد له في التأكيد كلما اشتد إنكاره.
وقد أكد له الخبر في البيت الأول بمؤكدين هما: حرف التنبيه «ألا» و «إنّ» المشددة النون، وفي البيت الثاني
بمؤكدين هما: لام الابتداء، والقسم في «لعمرك» إذ معناها «لعمرك قسمي» ، وفي البيت الثالث أكد له الخبر بمؤكدين أيضا هما: لام الابتداء، وقد في «لقد» . وهذا الضرب من الخبر «إنكاريّ» .
وتجدر الإشارة هنا إلى أن الحكم على الخبر بأنه ابتدائي، أو طلبي، أو إنكاري، إنما هو على حسب ما يخطر في نفس القائل من أن سامعه خالي الذهن أو متردد أو منكر.
…
(1) مراهق: مرتكب.
(2)
نفق الرديء: راج وكثر طلابه. الصحاف: جمع صحفة، والصحفة: إناء أو وعاء كالقصعة.