الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نهيه عن ظلم الموتى، وذلك لأنه لا يعلمنا بحصول شيء أو عدم حصوله، وليس لمدلول لفظه قبل النطق به وجود خارجي يمكن أن يقارن به، فإن طابقه قيل: إنه صادق، أو خالفه قيل: إنه كاذب.
ومثل هذا القول ينطبق على سائر أساليب الإنشاء من أمر واستفهام وتمن ونداء، فليس لمدلول أي لفظ منها قبل النطق به وجود خارجي يعرض عليه مدلوله ويقارن به، فإن طابقه قيل: إنه صادق، أو خالفه قيل: إنه كاذب.
وعدم احتمال الأسلوب الإنشائي للصدق والكذب إنما هو بالنظر إلى ذات الأسلوب بغض النظر عما يستلزمه، وإلا فإن كل أسلوب إنشائي يستلزم خبرا يحتمل الصدق والكذب.
فقول القائل: «اجتهد» يستلزم خبرا هو «أنا طالب منك الاجتهاد» ، وقوله:«لا تكسل» يستلزم خبرا هو: «أنا طالب منك عدم الكسل» وهكذا
…
فالخبر الذي يستلزمه الأسلوب الإنشائي ليس مقصودا ولا منظورا إليه، وإنما المقصود والمنظور إليه هو ذات الأسلوب الإنشائي، وبذلك يكون عدم احتمال الإنشاء الصدق والكذب إنما هو بالنظر إلى ذات الإنشاء.
أقسام الإنشاء:
والإنشاء قسمان: طلبي وغير طلبي.
أ- فالإنشاء الطلبي: هو ما يستدعي مطلوبا غير حاصل وقت الطلب. وهو خمسة أنواع على الوجه التالي:
1 -
الأمر: نحو قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا.
2 -
النهي: نحو قوله تعالى: وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً.
3 -
الاستفهام: نحو قوله تعالى: هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ؟
4 -
التمني: نحو قوله تعالى: يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ.
5 -
النداء: نحو قوله تعالى: يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا.
هذه هي أساليب الإنشاء الطلبي الخمسة، وكل واحد منها لا يحتمل صدقا ولا كذبا، وإنما يطلب به حصول به شيء لم يكن حاصلا وقت الطلب، ولذلك يسمى الإنشاء فيها طلبيا.
ب- أما الإنشاء غير الطلبيّ: فهو ما لا يستدعي مطلوبا. وله أساليب وصيغ كثيرة منها:
1 -
صيغ المدح والذم من مثل: نعم وبئس، وحبذا ولا حبذا.
وفيما يلي أمثله لهذه الصيغ:
قال زهير:
نعم امرأ هرم لم تعر نائبة
…
إلا وكان لمرتاع لها وزرا
وقال تعالى: وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ، بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ.
وقال حرير:
يا حبذا جبل الريّان من جبل
…
وحبذا ساكن الريّان من كانا
وحبذا نفحات من يمانية
…
تأتيك من قبل الريان أحيانا
وقال شاعر:
ألا حبذا عاذري في الهوى
…
ولا حبذا العاذل الجاهل
2 -
التعجب: وهو تفضيل شخص من الأشخاص أو غيره على أضرابه في وصف من الأوصاف. والتعجب يأتي قياسيا بصيغتين: «ما أفعله» و «أفعل به» .
فمن الصيغة الأولى قول شقران الهزيمي:
أولئك قوم بارك الله فيهم
…
على كل حال، ما أعف وأكرما!
ومن الصيغة الثانية: قوله تعالى: أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا.
3 -
القسم: ويكون بأحرف ثلاثة تجر ما بعدها وهي «الباء، والواو والتاء» ، كما يكون بالفعل «أقسم» أو ما في
معناه من مثل «أحلف» .
«فالباء» هي الأصل في أحرف القسم الثلاثة، وهي تدخل على كل مقسم به، سواء أكان اسما ظاهرا أو ضميرا، نحو «أقسم بالله» و «أقسم بك» .
و «الواو» فرع عن الباء، وتدخل على الاسم الظاهر فقط، نحو قوله تعالى: وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى، وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى، وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى.
و «التاء» فرع من الواو، بمعنى أنها لا تدخل على كل الأسماء الظاهرة، وإنما تدخل على اسم الله تعالى فقط، نحو قوله تعالى: تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ.
ومن صيغ القسم التي ترد كثيرا في الأساليب العربية «لعمر» مضافة إلى اسم ظاهر أو ضمير مثل «لعمر الله» و «لعمرك» والتقدير: لعمر الله، ولعمرك قسمي أو يميني أو ما أحلف به، وذلك نحو قول معن بن أوس:
لعمرك ما أدري وإني لأوجل
…
على أينا تعدو المنية أول
وقول ابن الرومي:
لعمرك ما الدنيا بدار إقامة
…
إذا زال عن نفس البصير غطاؤها
وكيف بقاء العيش فيها وإنما
…
ينال بأسباب الفناء بقاؤها؟
4 -
الرجاء: ويكون بحرف واحد هو «لعلّ» ، وبثلاثة أفعال هي:
عسى، وحرى، واخلولق.
و «لعل» التي تعد من صيغ الإنشاء غير الطلبي هي التي تفيد الرجاء، نحو قول ذي الرمّة:
لعل انحدار الدمع يعقب راحة
…
من الوجد أو يشفي شجيّ البلابل (1)
أما «لعل» التي تكون بمعنى «كي» نحو قوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ*، ولَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ*، ولَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أي كي تتقوا، وكي تتذكروا، وكي يتذكر، وكذلك «لعل» التي بمعنى «ظنّ» نحو قول امرئ القيس:
وبدلت قرحا داميا بعد صحة
…
لعل منايانا تحولنّ أبؤسا
فإن «لعل» في هاتين الحالين لا تفيد الرجاء، وبالتالي لا تعد من صيغ الإنشاء غير الطلبي.
ومن أمثلة أفعال الرجاء قوله تعالى: عسى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ، وقول الشاعر:
عسى فرج يأتي به الله إنه
…
له كلّ يوم في خليقته أمر
وقول الأعشى:
إن يقل هنّ من بني عبد شمس
…
فحرى أن يكون ذاك، وكانا
ونحو «اخلوقت السماء أن تمطر» بمعنى «عسى» .
5 -
صيغ العقود: من نحو قولك: بعت، واشتريت، ووهبت، وقولك لمن أوجب لك الزواج «قبلت هذا الزواج» .
والفرق بين الإنشاء الطلبي وغير الطلبي، أن الإنشاء الطلبي هو ما يتأخر وجود معناه عن وجود لفظه، فإذا أمرت الأم ولدها قائلة:«اغسل يديك وفمك قبل الأكل وبعده» فإن لفظ الأمر «اغسل» قد سبق إلى الوجود قبل وجود معناه، أي قبل قيام المأمور، بتنفيذ ما أمر به وهو «غسل اليدين
(1) الشجي: الحزين، والبلابل: جمع بلبال وهو الهم ووسواس الصدر. والمراد بشجي البلابل المحزون الذي امتلأ صدره حزنا وهما.