الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أما الإيجاز بدون حذف فيقسمه قسمين: أحدهما إيجاز «القصر» وهو ما زاد معناه على لفظه، والآخر إيجاز
«التقدير» وهو ما ساوى لفظه معناه.
وهذا القسم هو ما أطلق عليه رجال البلاغة فيما بعد اسم «المساواة» (1).
وإذا تتبعنا «الإيجاز» عند غير هؤلاء الأدباء والبلغاء من أمثال السكاكي والقزويني وغيرهما فإننا نجد أن مفهومه، وإن اختلفت صيغ التعبير عنه، واحد وهو «جمع المعاني الكثيرة تحت الألفاظ القليلة مع الإبانة والإفصاح» .
…
والإيجاز عند البلاغيين ضربان:
[انواع الايجاز]
أ- إيجاز قصر:
وهو تقليل الألفاظ وتكثير المعاني. وقيل: هو تضمين العبارات القصيرة معاني كثيرة من غير حذف. وقيل أيضا: هو الذي لا يمكن التعبير عن معانيه بألفاظ أخرى مثلها وفي عدّتها.
وهذا النوع، كما يقول ابن الأثير، هو أعلى طبقات الإيجاز مكانا وأعوزها إمكانا، وإذا وجد في كلام بعض البلغاء فإنما يوجد شاذا نادرا.
ومما ورد من إيجاز القصر في القرآن الكريم قوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ، فإن قوله تعالى: الْقِصاصِ حَياةٌ لا يمكن التعبير عنه بألفاظ كثيرة، لأن معناه أنه إذا قتل القاتل امتنع غيره عن القتل، فأوجب ذلك حياة للناس.
ويتبين فضل هذا الكلا إذا قرنته بما جاء عن العرب في معناه وهو قولهم: «القتل أنفى للقتل» . فقد يخيل لمن لا يعلم أن هذا القول على وزن الآية الكريمة، وليس الأمر كذلك، بل بينهما فروق من ثلاثة أوجه: أحدها
(1) المثل السائر ص 194 - 217.
أن «القصاص حياة» لفظتان، «والقتل أنفى للقتل» ثلاثة ألفاظ، والوجه الثاني أن في قولهم «القتل أنفى للقتل» تكريرا ليس في الآية، والوجه الثالث أنه ليس كل قتل نافيا للقتل إلا إذا كان القتل على حكم القصاص.
ومن أمثلة إيجاز القصر في القرآن الكريم أيضا، قوله تعالى: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ كلمتان استوعبتا جميع الأشياء على غاية الاستقصاء. روي أن ابن عمر قرأها، فقال: من بقي له شيء فليطلبه.
وقوله تعالى: وَالْفُلْكِ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ جمع أنواع التجارات، وصنوف المرافق التي لا يبلغها العد
والإحصاء.
وقوله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ، فجمع جميع مكارم الأخلاق بأسرها؛ لأن في العفو صلة القاطعين، والصفح عن الظالمين وإعطاء المانعين، وفي الأمر بالمعروف تقوى الله وصلة الرحم، وصون اللسان عن الكذب، وغض الطرف عن الحرمات والتبرؤ من كل قبيح، لأنه لا يجوز أن يأمر بالمعروف وهو يلابس شيئا من المنكر.
وفي الإعراض عن الجاهلين الصبر والحلم وتنزيه النفس عن مقابلة السفيه بما يفسد الدين.
وقوله تعالى: وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. فهذه الآية الكريمة تتضمن مع الإيجاز والفصاحة دلائل القدرة.
وقوله تعالى: أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها، فدل بشيئين «الماء والمرعى» على جميع ما أخرجه من الأرض قوتا ومتاعا للناس، من العشب والشجر والحطب واللباس والنار والملح والماء، لأن النار من العيدان، والملح من الماء. والشاهد على أنه أراد ذلك كله قوله تعالى: مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ*.
ومما ورد من إيجاز القصر في أحاديث الرسول قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «كفى بالسلامة داء» ، وقوله:«إنكم لتكثرون عند الطمع، وتقلون عند الفزع» ،