الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الأداتين إذا كانت للعرض بالدخول على الجملة الفعلية، نحو قوله تعالى:
أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ؟ ونحو: أما تزورونا فتدخل السرور علينا؟
ومنه شعرا:
ألا تقول لمن لا زال منتظرا
…
منك الجواب كلاما يبعث الأملا؟
أما تضيف لما أسديت من نعم
…
فضل المعونة في اللأواء والمحن؟ (1)
ألا فتى من بني ذبيان يحملني؟
…
وليس يحملني إلّا ابن حمّال (2)
ألا فتى يورد الهنديّ هامته
…
كيما تزول شكوك الناس والتّهم؟
19 - التحضيض:
ومعناه طلب الشيء بحثّ. ومن أدواته «لولا» و «لو ما» و «هلّا» بتشديد اللام، و «ألّا» بفتح الهمزة وتشديد اللام. وهذه الأدوات إذا كانت للتحضيض فإنها تختص بالدخول على جملة فعلية فعلها ماض أو مستقبل.
فإذا وقع بعد أداة من هذه الأدوات فعل ماض، فإن معناها يخرج إلى اللوم والتوبيخ فيما تركه المخاطب، أو يقدّر فيه الترك، نحو قولك لمن قصّر في الامتحان: هلّا أعددت للإمتحان عدّته؟ ولمن جاء متأخرا: لولا حضرت مبكرا؟ ولمن تراخى وتباطأ في عمله: ألّا بدأت عملك؟ ولمن تسرّع في القيام بواجبه فلم يحسنه: لو ما تأنيت في أداء واجبك؟ فالتحضيض في كل هذه المعاني قد خرج إلى اللوم والتوبيخ، وذلك لوقوع الفعل الماضي بعد كل أداة تحضيض.
ومنه قول أبي فراس الحمداني من قصيدة طويلة في التشيع لآل علي والرد على خصومهم:
هلّا صفحتم عن الأسرى بلا سبب
…
للصافحين «ببدر» عن أسيركم؟
(1) اللأواء: الشدة.
(2)
فتى في هذا البيت والذي يليه فاعل لفعل محذوف تقديره في هذا البيت «ألا يحملني فتى» وفي البيت الذي يليه «ألا يورد فتى»
والسبب أن أداة العرض كما ذكرنا تختص بالدخول على الجمل الفعلية.
هلا كففتم عن «الديباج» سوطكم؟
…
وعن بنات «رسول الله» شتمكم؟ (1)
أما إذا وقع المستقبل بعد أي أداة من الأدوات السابقة فإن معنى التحضيض يخرج إلى الحث في طلب الشيء، كقول المعلم لتلميذه الذي لا يظهر اجتهادا: لولا تجتهد؟ ولمن لا يصغي إليه أثناء شرح الدرس: لو ما تصغي إليّ؟ ولمن ينقطع عن المدرسة أحيانا: ألّا تواظب على الحضور إلى المدرسة؟ ولمن يقرأ من غير جدّ: هلّا تقرأ خيرا من ذلك؟
فالتحضيض في كل هذه المعاني قد خرج إلى الحث أو الاستحثاث على الفعل، وذلك لوقوع الفعل المستقبل بعد أدوات التحضيض. ومما ورد من ذلك في القرآن الكريم قوله تعالى: لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ؟ وفي هذا شاهد على وقوع الفعل المستقبل بعد أداة التحضيض فأفاد طلب الفعل بحثّ، وقد خرج الاستفهام هنا إلى معنى الأمر، أي «إيتنا بالملائكة» .
وقد يلي الفعل الماضي أداة التحضيض فلا يفيد اللوم والتوبيخ وإنما يفيد الطلب بحث، وذلك لأن الماضي في تأويل الفعل المستقبل، نحو قوله تعالى: لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ؟، إذ المعنى: لولا تأخرني إلى أجل قريب؟
وقد تستعمل أداة العرض «ألا» المفتوحة الهمزة المخففة اللام للتحضيض إذا دلت على طلب الفعل بحثّ نحو قوله تعالى: أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أيمانكم؟، وكقولك لمن يخلف الوعد: ألا تفي بوعدك؟ ولمن يضيع وقته سدى: ألا تملأ وقتك بعمل نافع؟ وهكذا
…
...
تلك هي أهم المعاني الزائدة التي قد يخرج الاستفهام عن معناه الحقيقي لأدائها عن طريق قرائن تستفاد من سياق الكلام.
وقد ذكر ابن فارس في كتابه «الصاحبي في فقه اللغة» معاني أخرى
(1) الديباج: محمد بن عبد الله، وسمي «الديباج» لحسنه، ضربه المنصور ثمانين سوطا على رأسه. انظر ديوان أبي فراس ج 3 ص 352 طبعة سامي الدهان.
يخرج الاستخبار، أي الاستفهام عن معناه الحقيقي للدلالة عليها.
وعن هذه المعاني يقول: «ويكون اللفظ استخبارا والمعنى «تفجّع» نحو: مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً؟ ويكون استخبارا والمعنى «تبكيت» نحو: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ؟ تبكيت للنصارى فيما
ادعوه، ويكون استخبارا والمعنى «استرشاد» نحو:
أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها؟، ويكون استخبارا، والمراد به «الإفهام» نحو قوله جل ثناؤه: وَما تِلْكَ (1) بِيَمِينِكَ يا مُوسى؟، قد علم الله أن لها أمرا قد خفي على موسى عليه السلام فأعلمه من حالها ما لم يعلم، ويكون المعنى استخبارا، والمعنى «تكثير» نحو قوله جل ثناؤه: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها؟ وكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها، وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ؟، ومثله:
كم من دنيّ لها قد صرت أتبعه
…
ولو صحا القلب عنها كان لي تبعا.
وقد يكون اللفظ استخبارا، والمعنى «إخبار وتحقيق» نحو قوله جل ثناؤه: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ؟، قالوا معناه:«قد أتى» .
ثم يستطرد فيقول: ومن دقيق باب الاستفهام أن يوضع في «الشرط» وهو في الحقيقة للجزاء، وذلك كقول القائل: إن أكرمتك تكرمني؟ المعنى:
أتكرمني إن أكرمتك؟ قال الله جل ثناؤه: أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ؟.
تأويل الكلام: أفهم الخالدون إن متّ؟ ومثله: أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ؟ تأويله: أفتنقلبون على أعقابكم إن مات؟ (2).
ولكن بالتأمل يمكن إدخال بعض المعاني التي أشار إليها ابن فارس في بعض المعاني السابقة التي خرج إليها الاستفهام.
كذلك ذكر ابن فارس أن العرب ربما حذفت همزة الاستفهام، وأورد
(1) الإشارة هنا إلى عصا موسى.
(2)
انظر كتاب الصاحبي ص 181.