الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يلي أهم الدواعي التي ترجح حذف كليهما.
دواعي حذف المسند إليه إذا كان مبتدأ:
1 -
الاحتراز عن العبث: وذكر المسند إليه في الجملة ليس عبثا في الحقيقة لأنه ركن للإسناد، ولكن المراد هنا «بالاحتراز من العبث» أن ما قامت عليه القرينة وظهر عند المخاطب يعد ذكره عبثا من حيث أنه يقلل من قيمة العبارة بلاغيا.
فإذا تقرر ذلك قلنا إن المبتدأ يكثر حذفه لداعي الاحتراز عن العبث في المواضع التالية:
أ- إذا وقع المبتدأ الذي هو المسند إليه في جواب الاستفهام، نحو قوله تعالى في شأن الهمزة (1) اللمزة: كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ؟ نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ، أي هي نار الله الملتهبة التهابا شديدا. وقوله تعالى:
فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ؟ نارٌ حامِيَةٌ «1» ، أي هي نار حامية. وقوله تعالى: وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ؟ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (2)، أي هم في سدر (3) مخضود وطلح منضود.
ب- وإذا وقع بعد الفاء المقترنة بجواب الشرط، نحو قوله تعالى: مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها،* أي فعمله لنفسه، وإساءته
(1) الهمزة: كثير الهمز والعيب في غيره، واللمزة: الكثير الطعن في غيره خفية، لينذبن: والله ليطرحن.
(2)
أمه: المراد مرجعه الذي يأوي إليه كما يأوي الطفل إلى أمه، والهاوية: أصلها المكان المنخفض كثيرا، الذي لا يرجع من سقط فيه، والكلام هنا من قبيل التهكم، وماهيه؟:
أصلها: ما هي؟ والعرب تزيد هاء ساكنة على آخر الكلمة ويسمونها هاء السكت.
(3)
السدر: هو شجر ثمره النبق، ولكنه ليس كما في الدنيا بل هو فاكهة تليق بالجنة، مخضود:
مقطوع الشوك ولم يبق إلا الثمر، وطلح منضود: موز متراكب بعضه. فوق بعض، والكلام هنا على سبيل التمثيل.
عليها. وقوله تعالى: وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ، أي فهم إخوانكم. وقوله تعالى: فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ، أي فهو طل.
ونحو قوله تعالى: لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ، أي فهو يئوس قنوط. ونحو قوله في شهود المداينة بالدين: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ، أي فالشاهد رجل
وامرأتان.
ج- وإذا وقع المبتدأ بعد القول وما اشتق منه، نحو قوله تعالى: فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَها وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (1)، أي أنا عجوز عقيم. وقوله تعالى: وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، أي قالوا: القرآن أساطير الأولين. وقوله تعالى في أصحاب الكهف: سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ، وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ، أي يقولون: هم ثلاثة، ويقولون: هم خسمة، ويقولون: هم سبعة.
2 -
ضيق المقام عن إطالة الكلام إما لتوجع وإما لخوف فوات فرصة. فمن أمثلة حذف المبتدأ لضيق المقام للتوجع قول الشاعر:
قال لي: كيف أنت؟ قلت: عليل
…
سهر دائم وحزن طويل
أي قلت: أنا عليل. وهذا يصلح مثالا أيضا للمبتدأ المحذوف بعد القول.
ومن أمثلته أيضا قول الشاعر:
لم تبكين؟ من فقدت؟ فقالت
…
والأسى غالب عليها: حبيبي
أي قالت: الفقيد حبيبي.
(1) امرأته: امرأة إبراهيم عليه السلام وهي «سارة» ، في صرة بفتح الصاد وتشديد الراء: أي في صوت مرتفع بقولها: يا ويلتا الخ تعجبا، وصكت وجهها بتشديد الكاف: ضربت وجهها بأطراف أصابعها.
ومن أمثلة حذف المبتدأ لضيق المقام من خوف فوات الفرصة قولك عند رؤية نار تنبعث فجأة من منزل مجاور: حريق. تريد: هذه حريق.
وكقولك عند رؤية شخص يعوم في البحر ثم يختفي في مائه ولا يظهر:
غريق. تريد: هذا غريق. وقول الصياد: غزال. يريد: هذا غزال.
3 -
تيسير الإنكار عند الحاجة إلى الإنكار:
وتفصيل ذلك أنه قد تجد مواقف يصرح فيها المتكلم بذكر شيء ثم تدعوه اعتبارات خاصة إلى جحدها وإنكارها. مثال ذلك أن يذكر شخص بعينه في معرض الحديث عن الكرم والكرماء، فيبدي فيه أحد الحضور رأيه قائلا: بخيل شحيح. يريد: هو بخيل شحيح.
فحذف المبتدأ في هذا الموقف تقتضيه البلاغة، لأن في حذفه فرصة لصاحب الرأي أن ينكر نسبة هذا الرأي إلى
نفسه. ولو أنه صرح بذكره فقال مثلا: فلان بخيل شحيح، لأقام البينة على نفسه بهذا التصريح ولما استطاع الإنكار.
4 -
تعجيل المسرة بالمسند، كأن يلوح شخص بكأس فاز بها في مسابقة قائلا: جائزتي. يريد: هذه جائزتي. ونحو قول القائل: دينار. يريد:
هذا دينار.
5 -
إنشاء المدح أو الذم أو الترحم: فالمسند إليه إذا كان مبتدأ يترجح حذفه إذا قصد به إنشاء المدح أو الذم أو الترحم، وكان في الكلام قرينة تدل عليه.
فمن أمثلة حذفه لإنشاء المدح قولنا: «الحمد لله أهل الحمد» برفع «أهل» ، أي هو أهل الحمد. ومنه قولهم، بعد أن يذكروا الممدوح، فتى من شأنه كذا وكذا، وأغرّ من صفته كيت وكيت، كقول الشاعر:
سأشكر عمرا ما تراخت منيتي
…
أيادي لم تمنن وإن هي جلت
فتى غير محجوب الغنى عن صديقه
…
ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت
أي هو فتى
…
الخ.