الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الرجاء التي يطلب بها الأمر المحبوب المطموع فيه والممكن حصوله هي «لعل» و «عسى» .
ومن أمثلة ذلك في القرآن الكريم قوله تعالى: لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً، وقوله: فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ، وقوله:
عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها.
ومن الشعر:
لعل خيال العامرية زائر
…
فيسعد مهجور ويسعد هاجر
على الليالي التي أضنت بفرقتنا
…
جسمى ستجمعني يوما وتجمعه (1)
عسى فرج يأتي به الله إنه
…
له كل يوم في خليقته أمر
عسى الأيام أن تدني حبيبا
…
لقيت ببعده الكرب الشدادا
وقد تستعمل «ليت» في الرجاء لغرض بلاغي هو إبراز المرجو في صورة المستحيل مبالغة في بعد نيله.
ومن أمثلة ذلك:
فليت هوى الأحبة كان عدلا
…
فحمل كل قلب ما أطاقا
ليت الملوك على الأقدار معطية
…
فلم يكن لدنيء عندها طمع (2)
ليت المدائح تستوفي مناقبه
…
فما كليب وأهل الأعصر الأول؟
إن كان يجمعنا حبّ لغرّته
…
فليت أنا بقدر الحب نقتسم (3)
خامسا- النداء:
والنوع الخامس والأخير من أنواع الإنشاء الطلبي النداء: وهو طلب إقبال
(1) أضنت جسمي: أمرضته.
(2)
أي ليت الملوك يعطون الشعراء على قدر فضلهم ونبل أنفسهم فلا يطمع في عطائهم دنيء خسيس.
(3)
الغرة: الطلعة.
المدعو على الداعي بأحد حروف مخصوصة ينوب كل حرف منها مناب الفعل «أدعو» .
وأحرف النداء أو أدواته ثمان: الهمزة، و «أي» ، و «يا» ، و «أيا» ، و «هيا» و «آ» و «آي» و «وا» .
وهذه الأدوات في الاستعمال نوعان:
1 -
الهمزة، وأي لنداء القريب.
2 -
والأدوات الستّ الأخرى لنداء البعيد.
فمن أمثلة استعمال الهمزة وأي لنداء القريب جريا على الأصل، ما يلي:
أمحمد افتح النافذة التي بجوارك.
أي زينب ناوليني كتابك لأقرأ فيه قليلا.
أبني إن أباك كارب يومه
…
فإذا دعيت إلى المكارم فاعجل (1)
أي صديقي إني قصدتك لما
…
لم أجد في الحياة غيرك شهما
ومن أمثلة استعمال الأدوات الأخرى لنداء البعيد جريا على الأصل أيضا.
يا ساري البرق غاد القصر واسق به
…
من كان صرف الهوى والود يسقينا
ويا نسيم الصبا بلغ تحيتنا
…
من لو على البعد حيّى كان يحيينا
أيا رب قد أحسنت عودا وبدأة
…
إليّ فلم ينهض بإحسانك الشكر
أيا جامع الدنيا لغير بلاغة
…
لمن تجمع الدنيا وأنت تموت؟
هيا غائبا عني وفي القلب عرشه
…
أما آن أن يحظى بوجهك ناظري؟
أنعشتنا روائح من ديار
…
كم حننا لها وللساكنيها
يا دار الأحباب: أهلا وسهلا
…
من غريب عنها وإن كان فيها
وقد ينزّل البعيد منزلة القريب، وعندئذ ينادى بالهمزة وأي، إشارة
(1) كارب يومه: مقارب يومه الذي يموت فيه.
إلى قربه من القلب وحضوره في الذهن، لا يغيب عن البال.
ومن أمثلة ذلك:
أسكان نعمان الأراك تيقنوا
…
بأنكم في ربع قلبي سكان (1)
أعلي إن تك بالعراق نسيتني
…
فأنا بمصر على هواك مقيم
أي بلادي في القلب مثواك مهما
…
طال منفاي عن ثراك الحبيب
وقد ينزّل القريب منزلة البعيد فينادى بغير الهمزة وأي، إشارة إلى علو مرتبته، أو انحطاط منزلته، أو غفلته وشرود ذهنه.
فمن أمثلة تنزيل القريب منزلة البعيد لعلو مرتبته وارتفاع شأنه:
يا من يرجى للشدائد كلها
…
يا من إليه المشتكى والمفزع
يا رجاء العيون في كل أرض
…
لم يكن غير أن أراك رجائي
أيا آخذا من دهره حق نفسه
…
ومثلك يعطي حقه ويهاب
يا ربة الحسن: هل لي فيك من أمل؟
…
إني هجرت وكل الناس عاداني!
ومن أمثلة تنزيل القريب منزلة البعيد لانحطاط منزلته:
أولئك آبائي فجئني بمثلهم
…
إذا جمعتنا يا جرير المجامع
أيا هذا أتطمع في المعالي
…
وما يحظى بها إلا الرجال؟
وجهك يا عمرو فيه طول
…
وفي وجوه الكلاب طول
يأيها الرجل المدلس نفسه
…
في جملة الكرماء والأدباء
بالبيت ينشد ربعه أو نصفه
…
والخبز يرزأ عنده والماء (2)
ومن أمثلة تنزيل القريب منزلة البعيد لغفلته وشرود ذهنه، قول أبي العتاهية:
أيا من عاش في الدنيا طويلا
…
وأفنى العمر في قيل وقال
(1) نعمان الأراك: موضع في بلاد العرب، والربع: المنزل.
(2)
المدلس نفسه: المخفي عيوبها، يرزأ: يصاب منه شيء قليل. والمعنى أنه يغطي على عيوبه بإنشاد ربع بيت من الشعر أو نصفه، وبإعطاء شيء قليل من الخبز والماء.
وأتعب نفسه فيما سيفنى
…
وجمع من حرام أو حلال
هب الدنيا تقاد إليك عفوا
…
أليس مصير ذلك للزوال؟
وقوله أيضا:
أيا من يؤمل طول الحياة
…
وطول الحياة عليه خطر
إذا ما كبرت وبان الشباب
…
فلا خير في العيش بعد الكبر
وقد يخرج النداء عن معناه الأصلي من نداء القريب أو البعيد إلى معان أخرى تستفاد من سياق الكلام وقرائن الأحوال، كالإغراء والتحسر والزجر.
1 -
ومن النداء الذي خرج عن معناه الأصلي إلى الإغراء قول أبي الطيب المتنبي مخاطبا سيف الدولة:
يا أعدل الناس إلا في معاملتي
…
فيك الخصام وأنت الخصم والحكم
أعيذها نظرات منك صادقة
…
أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم
وقول شاعر مصري معاصر:
يا بلادي اليوم فاستقبلي النو
…
ر، وعيشي طليقة يا بلادي
لم يعد فيك مأمل للألى كا
…
نوا يعيشون عيشة الأوغاد
لم يعد فيك مأرب للألى كا
…
نوا يظنون أننا كالجماد
وقوله أيضا:
يا شباب البلاد أحييتموها
…
وأبيتم على المدى أن تهونا
كل يوم لكم مواقف صدق
…
تملأ الأرض روعة وفتونا
أرسلوها في قوة وإباء
…
صيحة ترهب الألد الخئونا
علموه كيف احترام الأماني
…
أشعروه بأننا لن ندينا
2 -
ومن النداء الذي خرج من معناه الأصلي إلى التحسر قول ابن الرومي:
يا شبابي! وأين مني شبابي؟
…
آذنتني حباله بانقضاب
لهف نفسي على نعيمي ولهوي
…
تحت أفنانه اللدان الرطاب (1)
وقوله أيضا:
يا أبا القاسم الذي كنت أرجو
…
هـ لدهري: قطعت حبل الرجاء!
وقول عربية تتحسر على ابنها:
دعوتك يا بني فلم تجبني
…
فردت دعوتي يأسا عليا!
3 -
ومن النداء الذي خرج عن معناه الأصلي إلى الزجر قول شاعر معاصر:
إلام يا قلب تستبقي مودتهم
…
وقد أذاقوك ألوانا من الوصب؟
تظل تسعى مدى الأيام تطلبهم
…
والعمر يذهب بين السعي والطلب
يا قلب حسبك ما قد ذقت من حرق
…
يا قلب حسبك ما قد نلت من تعب
وقوله أيضا:
قل لهذا الغرب: يا غرب إلاما
…
تعشق الجور وتهوى الانقساما؟
كم بزيف القول أشقيت الورى
…
وبمحض الكيد آذيت السلاما!
قد هبطت الشرق داء معضلا
…
لم يفت شيخا ولم يرحم غلاما!
كلما طفت بواد آمن
…
... طار عنه الأمن والخوف أقاما
4 -
وقد يخرج النداء عن معناه الأصلي إلى معان أخرى غير هذه، كأن يوجه إلى «أ» الاستغاثة نحو: يا أولي القوة للضعفاء، «ب» والتعجب، نحو: يا لجمال الربيع! «ج» الندبة نحو: وا كبدي! ويا ولداه! «د» الاختصاص نحو: بعلمكم أيها الشباب يعتز الوطن وينهض.
…
(1) الانقضاب: الانقطاع، وأفنانه اللدان الرطاب: أغصانه اللينة المخضلة.