الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عادة الأيام لا أنكرها
…
فرح تقرنه لي بترح
وقد قصر علماء المعاني عنايتهم في هذا الباب على البحث في عطف الجمل «بالواو» دون بقية حروف العطف كما أشرت سابقا، لأن «الواو» هي الأداة التي تخفى الحاجة إليها ويتطلب فهم العطف بها دقة في الإدراك.
وسبب ذلك أنها لا تدل إلا على مطلق الجمع والاشتراك، أما غيرها من أحرف العطف فتفيد مع الاشتراك معاني زائدة كالترتيب مع التعقيب في الفاء، والترتيب مع التراخي في «ثم» وهلم جرا. فإذا عطفت بواحد منها ظهرت الفائدة وسهل إدراك موطنها.
وبعد
…
فلكل من الفصل والوصل بالواو في الكلام مواضع خاصة تدعو إليها الحاجة ويقتضيها المقام. والآن نعرض بالشرح والتفصيل لهذه المواضع بادئين بالفصل.
مواضع الفصل
يجب الفصل في ثلاثة مواضع:
1 -
أن يكون بين الجملتين اتحاد تام، وذلك بأن تكون الجملة الثانية توكيدا للأولى، أو بيانا لها، أو بدلا منها. ويقال
حينئذ إن بين الجملتين «كمال الاتصال» .
أ- فمن أمثلة الفصل الذي تكون فيه الجملة الثانية توكيدا للجملة الأولى قول الشاعر:
يهوى الثناء مبرّز ومقصر
…
حب الثناء طبيعة الإنسان
فالبيت هنا يشتمل على جملتين، وإذا تأملناهما وجدنا بينهما اتحادا تاما في المعنى، فالجملة الثانية وهي «حب الثناء طبيعة الإنسان» . لم تجيء إلا توكيدا للأولى وهي جملة «يهوى الثناء مبرز ومقصر» ، فإن معنى الجملتين واحد.
ومن أمثلة هذا النوع أيضا قول المتنبي:
وما الدهر إلا من رواة قصائدي
…
إذا قلت شعرا أصبح الدهر منشدا
فإذا تدبرنا جملتي البيت وجدنا بينهما كذلك اتحادا تاما في المعنى، فالجملة الثانية وهي «إذا قلت شعرا أصبح الدهر منشدا» لم تجيء في الواقع إلا توكيدا للجملة الأولى وهي «وما الدهر إلا من رواة قصائدي» لأن معنى الجملتين واحد.
ب- ومن أمثلة الفصل الذي تكون فيه الجملة الثانية بيانا للجملة الأولى قول الشاعر:
كفى زاجرا للمرء أيام دهره
…
تروح له بالواعظات وتغتدي
فإذا تدبرنا جملتي البيت وجدنا بينهما اتحادا تاما في المعنى، فالجملة الثانية وهي «تروح له بالواعظات وتغتدي» لم تجيء في الواقع إلا لإيضاح إبهام جملة «كفى زاجرا للمرء أيام دهره» فهي بيان لها.
ومن أمثلة هذا النوع كذلك قول الشاعر:
الناس للناس من بدو وحاضرة
…
بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم
فإذا تأملنا جملتي هذا البيت وجدنا بينهما اتحادا تاما في المعنى، فالجملة الثانية وهي «بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم» لم تأت إلا لإيضاح إبهام الأولى وهي «الناس للناس من بدو وحاضرة» فهي بيان لها.
ج- ومن أمثلة الفصل الذي تكون فيه الجملة الثانية بدلا من الجملة الأولى قوله تعالى: أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ. أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ.
فالتأمل في الآية الكريمة يظهر أن بين جملة أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ وجملة أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ كمال الاتصال، ذلك لأن الجملة الثانية بدل بعض من كل من الجملة الأولى، إذ الأنعام والبنون والجنات والعيون بعض ما يعلمون.
ومن أمثلة هذا النوع أيضا قوله تعالى: يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ
يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ. فالجملة الثانية هنا وهي يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ بدل بعض من كل من الأولى لأن تذبيح الأبناء بعض ما يسومونهم ويحمّلونهم إياه من سوء العذاب.
فالجملة الثانية في كل مثال من الأمثلة السابقة مفصولة عن الجملة الأولى، ولا سبب لهذا الفصل سوى ما بينهما من تمام التآلف وكمال الاتحاد. ومن أجل ذلك يقال إن بين الجملتين «كمال الاتصال» .
…
2 -
والموضع الثاني من المواضع التي يجب فيها الفصل بين الجمل هو: أن يكون بين الجملتين «تباين تام» ، وذلك بأن تختلفا خبرا وإنشاء، أو بألا تكون بينهما مناسبة ما، ويقال حينئذ إن بين الجملتين «كمال الانقطاع» .
أ- فمن الأمثلة التي يجب فيها الفصل بين الجملتين لاختلافهما خبرا وإنشاء قول الشاعر:
لا تحسب المجد تمرا أنت آكله
…
لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا
فبين الجملة الثانية والأولى في هذا البيت تمام التباين وغاية الابتعاد، لاختلافهما خبرا وإنشاء، وذلك لأن الجملة الأولى إنشائية والثانية خبرية، ومن أجل ذلك تعين الفصل بينهما.
ومن أمثلة هذا النوع أيضا قول الشاعر:
لست مستمطرا لقبرك غيثا
…
كيف يظمأ وقد تضمن بحرا؟
فالجملة الأولى هنا خبرية والثانية إنشائية، فبينهما تمام التباين ومنتهى الابتعاد، ولهذا تعين الفصل بينهما لاختلافهما خبرا وإنشاء.
ب- ومن الأمثلة التي يجب فيها الفصل بين الجملتين لعدم وجود مناسبة بينهما قول القائل: «كفى بالشيب داء صلاح الإنسان حفظ الوداد» فبين الجملتين كما ترى تباين تام، إذ لا مناسبة بينهما في المعنى.
وهذا الحكم ينطبق على كل جملتين لا تكون بينهما مناسبة ما كقولك:
«السماء ممطرة عليّ يغدو إلى عمله مبكرا» ، وكقول الشاعر:
وإنما المرء بأصغريه
…
كل امرئ رهن بما لديه (1)
فبين الجملة الثانية هنا والجملة الأولى تمام التباين ومنتهى الابتعاد، لأنه لا مناسبة بينهما مطلقا، إذ لا رابطة في المعنى بين قوله:«وإنما المرء بأصغريه» وقوله: «كل امرئ رهن بما لديه» ففي جميع هذه الأمثلة والأمثلة التي تختلف فيها الجملتان خبرا وإنشاء نجد الجملة الثانية مفصولة عن الجملة الأولى، ولا سر لذلك إلا كمال التباين
وشدة التباعد، ولذلك يقال في هذا الموضع من مواضع الفصل إن بين الجملتين «كمال الانقطاع» .
…
3 -
والموضع الثالث من المواضع التي يجب فيها الفصل بين الجملتين هو أن تكون الجملة الثانية جوابا عن سؤال يفهم من الأولى، ويقال حينئذ إن بين الجملتين «شبه كمال الاتصال» .
ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ (2)، ففي هذه الآية الكريمة فصلت جملة قالُوا لا تَخَفْ عن جملة وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً لأن بينهما شبه كمال الاتصال، إذ الثانية جواب لسؤال يفهم من الأولى، كأن سائلا سأل: فماذا قالوا له حين رأوه قد أحس منهم خوفا؟ فأجيب «قالوا لا تخف» .
ومن أمثلة هذا النوع من الفصل أيضا قول الشاعر:
يقولون إني أحمل الضيم عندهم
…
أعوذ بربي أن يضام نظيري (3)
(1) الأصغران: القلب واللسان، ورهن بما لديه: يجازى بما عمل.
(2)
أوجس منهم خيفة: أحس منهم خوفا.
(3)
الضيم: الذل، وضامه يضيمه بفتح ياء المضارعة: أذله يذله.
فبين جملة «أعوذ بربي أن يضام نظيري» وجملة «يقولون إني أحمل الضيم عندهم» شبه كمال الاتصال، لأن الثانية جواب عن سؤال نشأ من الأولى، فكأن الشاعر بعد أن أتى بالشطر الأولى من البيت أحس أن سائلا يقول له:«وهل ما يقولونه من أنك تتحمل الضيم صحيح؟» فأجاب بالشطر الثاني.
ففي هذين المثالين نرى أن الجملة الثانية في كليهما مفصولة من الأولى، ولا سبب لهذا الفصل إلا قوة الرابطة المعنوية بين الجملتين، فإن الجواب شديد الارتباط بالسؤال، فأشبهت الحال هنا من بعض الوجوه حال «كمال الاتصال» السابقة الذكر. ومن أجل ذلك يقال إن بين الجملتين «شبه كمال الاتصال» .
…
تلك هي مواضع الفصل الثلاثة بين الجمل في الكلام، وفيما يلي تجميع للقواعد التي تحكمها.
أ- الوصل عطف جملة على أخرى بالواو، والفصل ترك هذا العطف.
ب- يجب الفصل بين الجملتين في ثلاثة مواضع:
1 -
أن يكون بين الجملتين اتحاد تام، وذلك بأن تكون الجملة الثانية توكيدا للأولى، أو بيانا لها، أو بدلا منها. وفي هذه الأحوال الثلاثة يقال إن موجب الفصل بين الجملتين هو «كمال الاتصال» .
2 -
أن يكون بين الجملتين تباين تام، وذلك بأن يختلفا خبرا وإنشاء، أو بألا تكون بينهما أي مناسبة معنوية. وفي
هاتين الحالتين يقال إن موجب الفصل بين الجملتين هو «كمال الانقطاع» .
3 -
أن تكون الجملة الثانية جوابا عن سؤال يفهم من الأولى.
وفي هذه الحالة يقال إن موجب الفصل بين الجملتين هو «شبه كمال الاتصال» .
وفيما يلي طائفة أخرى من أمثلة الفصل يستطيع الدارس أن يتبين مواضعها وموجبات الفصل فيها على ضوء الشرح السابق.
1 -
قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بربهم سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ.
2 -
وقال تعالى: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ.
3 -
وقال تعالى: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى.
4 -
وقال تعالى: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً.
5 -
أصون عرضي بمالي لا أدنسه
…
لا بارك الله بعد العرض في المال
6 -
أعلمت من حملوا على الأعواد؟
…
أعلمت كيف خبا ضياء النادي؟
7 -
الرأي قبل شجاعة الشجعان
…
هو أول وهي المحل الثاني
8 -
حسب الخليلين نأي الأرض بينهما
…
هذا عليها وهذا تحتها بالي (1)
9 -
يا من يقتّل من أراد بسيفه
…
أصبحت من قتلاك بالإحسان
10 -
لا يعجبنك إقبال يريك سنا
…
إن الخمود لعمري غاية الضرم (2)
11 -
لا تسأل المرء عن خلائقه
…
في وجهه شاهد من الخبر
12 -
أقول له ارحل لا تقيمنّ عندنا
…
وإلا فكن في السر والجهر مسلما
13 -
قال لي: كيف أنت؟ قلت: عليل
…
سهر دائم وحزن طويل
14 -
يا واردا سؤر عيش كلّه كدر
…
أنفقت عمرك في أيامك الأول (3)
15 -
إن نيوب الزمان تعرفني
…
أنا الذي طال عجمها عودي (4)
(1) حسب الخليلين: كفاهما، والنأي: البعد، والبالي: الفاني والممزق، يقول: كفاني وأخي حيلولة الأرض بيننا، فأنا حي فوقها، وهو بالي الجسم تحتها، وهذا نهاية البعد. البيت قاله النابغة في رثاء أخ له.
(2)
السنا: ضوء البرق، وخمود النار: سكون لهبها، والضرم: اشتعال النار والتهابها.
(3)
سؤر العيش: بقيته.
(4)
عجم العود: عضه ليعرف أصلب هو أم رخو.