الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فتح مكة شرفها الله تعالى وكانت فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ
وَكَانَ السَّبَبُ فيها فيما ذكر ابن إسحق: أَنَّ بَنِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كنانة عدت على خزاعة وهم على ما لَهُمْ بِأَسْفَلِ مَكَّةَ يُقَالُ لَهُ: الْوَتِيرُ، وَكَانَ الَّذِي هَاجَ مَا بَيْنَ بَكْرٍ وَخُزَاعَةَ أَنَّ رَجُلا مِنْ بَنِي الْحَضْرَمِيِّ يُقَالُ لَهُ: مَالِكُ بْنُ عَبَّادٍ- وَحِلْفُ الْحَضْرَمِيِّ يَوْمَئِذٍ إِلَى الأَسْوَدِ بْنِ رَزْنٍ- خَرَجَ تَاجِرًا، فَلَمَّا تَوَسَّطَ أَرْضَ خُزَاعَةَ عَدَوْا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ وَأَخَذُوا مَالَهُ، فَعَدَتْ بَنُو بَكْرٍ عَلَى رَجُلٍ مِنْ خُزَاعَةَ فَقَتَلُوهُ، فَعَدَتْ خُزَاعَةُ قَبْلَ الإِسْلامِ عَلَى بَنِي الأَسْوَدِ بن رزن الديلي، وهم متجر [1] بَنِي كِنَانَةَ وَأَشْرَافُهُمْ، سُلْمَى وَكُلْثُومٌ وَذُؤَيْبٌ، فَقَتَلُوهُمْ بِعَرَفَةَ عِنْدَ أَنْصَابِ الْحَرَمِ، فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ حَجَزَ بَيْنَهُمُ الإِسْلامُ [2] ، وَتَشَاغَلَ النَّاسُ بِهِ، فَلَمَّا كَانَ صُلْحُ الْحُدَيْبِيَةِ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَبَيْنَ قُرَيْشٍ، كَانَ فِيمَا شَرَطُوا [3] أَنَّهُ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَدْخُلَ فِي عَقْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَعَهْدِهِ فَلْيَدْخُلْ فِيهِ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَدْخُلَ في عقد قريش وعهدهم فليدخل [فيه][4] فَدَخَلَتْ بَنُو بَكْرٍ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ [5] وَدَخَلَتْ خُزَاعَةُ فِي عَقْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا كَانَتِ الْهُدْنَةُ اغْتَنَمَهَا بَنُو الدِّيلِ بْنِ بَكْرٍ [6] مِنْ خُزَاعَةَ، وَأَرَادُوا أَنْ يُصِيبُوا مِنْهُمْ ثَأْرًا بِأُولَئِكَ النَّفَرِ الَّذِينَ أَصَابُوا مِنْهُمْ فِي الأَسْوَدِ بْنِ رَزْنٍ، فَخَرَجَ نَوْفَلُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الدِّيلِيُّ فِي بَنِي الدِّيلِ بْنِ بكر من [7]
[ (1) ] وعند ابن هشام: وهم منحز أي المتقدمين.
[ (2) ] وعند ابن هشام: فبينا بنو بكر وخزاعة على ذلك حجز بينهم الإسلام.
[ (3) ] وعند ابن هشام: كان فيما شرطوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وشرط لهم.
[ (4) ] زيدت على الأصل من سيرة ابن هشام.
[ (5) ] وعند ابن هشام: فدخلت بنو بكر في عقد قريش وعهدهم.
[ (6) ] وعند ابن هشام: بنو الديل من بني بكر.
[ (7) ] وعند ابن هشام: فَخَرَجَ نَوْفَلُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الدِّيلِيُّ فِي بَنِي الديل، وهو يومئذ قائدهم. وهو يومئذ قائدهم، وليس كل بني بكر تابعه.
كِنَانَةَ، حَتَّى بَيْتِ خُزَاعَةَ وَهُمْ عَلَى الْوَتِيرِ، مَاءٍ لَهُمْ، فَأَصَابُوا مِنْهُمْ رَجُلا وَتَحَاوَرُوا وَاقْتَتَلُوا [1] ، وَرَفَدَتْ [2] بَنِي بَكْرٍ قُرَيْشٌ بِالسِّلاحِ، وَقَاتَلَ مَعَهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ قَاتَلَ بِاللَّيْلِ مُسْتَخْفِيًا.
ذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ مِنْهُمْ: صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ، وَحُوَيْطِبُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى، وَمكْرزُ بْنُ حَفْصِ بْنِ الأَخْيَفِ، حَتَّى جَاوَزُوا خُزَاعَةَ إِلَى الْحَرَمِ [3] . فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَيْهِ قَالَتْ بَنُو بَكْرٍ: يَا نَوْفَلُ، إِنَّا قَدْ دَخَلْنَا الْحَرَمَ إِلَهَكَ إِلَهَكَ. فَقَالَ: كَلِمَةٌ عَظِيمَةٌ، لا إِلَهَ الْيَوْمَ يَا بَنِي بَكْرٍ، أَصِيبُوا ثَأْرَكُمْ، فَلَعَمْرِي إِنَّكُمْ لَتُسْرَقُونَ فِي الْحَرَمِ، أَفَلا تُصِيبُونَ ثَأْرَكُمْ فِيهِ، وَقَدْ أَصَابُوا مِنْهُمْ لَيْلَةَ بَيَّتُوهُمْ بِالْوَتِيرِ رَجُلا يُقَالُ لَهُ: منبه [4] ، فلما دخلت خزاعة مكة لجأوا إِلَى دَارِ بُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيِّ، وَدَارِ مَوْلًى لَهُمْ يُقَالُ لَهُ: رَافِعٌ وَلَمَّا تَظَاهَرَ بنو بكر وقريش على خزاعة [وأصابوا منهم ما أصابوا][5] وَنَقَضُوا مَا كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ، [6] ، خَرَجَ عَمْرُو بْنُ سَالِمٍ الْخُزَاعِيُّ، قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: فِي أَرْبَعِينَ رَاكِبًا، حَتَّى قَدِمَ عَلَى رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وَكَانَ ذَلِكَ مَا هَاجَ فَتْحَ مَكَّةَ، فَوَقَفَ عَلَيْهِ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ بَيْنَ ظَهْرَيِ النَّاسِ فَقَالَ:
يَا رَبُّ إِنِّي نَاشِدٌ مُحَمَّدَا
…
حِلْفَ أَبِينَا وَأَبِيهِ الأَتْلَدَا
قَدْ كُنْتُمُ وَلَدًا وكنا والدا
…
نمت أَسْلَمْنَا فَلَمْ نَنْزِعْ يَدَا
فَانْصُرْ هَدَاكَ اللَّهُ نَصْرًا أَعْتَدَا
…
وَادْعُ عِبَادَ اللَّهِ يَأْتُوا مَدَدَا
فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ قَدْ تَجَرَّدَا
…
إِنْ سِيمَ خَسْفًا وَجْهُهُ تَرَبَّدَا
فِي فَيْلَقٍ كَالْبَحْرِ يَجْرِي مزبدا
…
إِنَّ قُرَيْشًا أَخْلَفُوكَ الْمَوْعِدَا
وَنَقَضُوا مِيثَاقَكَ الْمُوَكَّدَا
…
وجعلوا لي في كداء رصدا
[ (1) ] وعند ابن هشام: وتحاوزوا واقتتلوا.
[ (2) ] أي دعموهم وأمدوهم بالسلاح.
[ (3) ] أي ساقوهم إلى الحرم.
[ (4) ] وعند ابن هشام: وَقَدْ أَصَابُوا مِنْهُمْ لَيْلَةَ بَيَّتُوهُمْ بِالْوَتِيرِ رَجُلا يقال له: منبه، وكان منبه رجلا مفؤودا- أي ضعيف القلب- خرج هو ورجل من قومه يقاله: تميم بن أسد، فقال له منبه: يا تميم: أنج بنفسك، فأما أنا فوالله إني لميت، قتلوني أو تركوني، لقد أنبت فؤادي- أي انقطع- وانطلق تميم فأفلت، وأدركوا منبها فقتلوه.
[ (5) ] زيدت على الأصل من سيرة ابن هشام.
[ (6) ] وعند ابن هشام: بما استحلوا من خزاعة، وكان في عقده وعهده.
وَزَعَمُوا أَنْ لَسْتُ أَدْعُو أَحَدَا
…
وَهُمْ أَذَلُّ وَأَقَلُّ عَدَدَا
هُمْ بَيَّتُونَا بِالْوَتِيرِ هُجَّدَا
…
وَقَتَّلُونَا رُكَّعًا وَسُجَّدَا
يَقُولُ قُتِلْنَا وَقَدْ أَسْلَمْنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:«نُصِرْتَ يَا عَمْرُو بْنَ سَالِمٍ» ثُمَّ عَرَضَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم [1] عَنَانٌ مِنَ السَّمَاءِ فَقَالَ: «إِنَّ هَذِهِ السَّحَابَةَ لَتَسْتَهِلُّ بِنَصْرِ بَنِي كَعْبٍ» .
ثُمَّ خَرَجَ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ فِي نَفَرٍ مِنْ بَنِي خُزَاعَةَ: حَتَّى قَدِمُوا علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرُوهُ بِمَا أُصِيبَ مِنْهُمْ، وَبِمُظَاهَرَةِ قُرَيْشٍ بَنِي بَكْرٍ عَلَيْهِمْ. قُلْتُ: لَعَلَّ الأَرْبَعِينَ رَاكِبًا الَّذِينَ ذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ قَوْمَهُمْ مِنْ خُزَاعَةَ مَعَ عمرو بن سالم هم هؤلاء.
رجع إلى خبر ابن إسحق: ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى مَكَّةَ [2] وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِلنَّاسِ: «كَأَنَّكُمْ بِأَبِي سُفْيَانَ قَدْ جَاءَكُمْ لِيَشُدَّ الْعَقْدَ وَيَزِيدَ فِي الْمُدَّةِ» .
وَمَضَى بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ فِي أَصْحَابِهِ حَتَّى لَقُوا أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ بِعُسْفَانَ [3] ، وَقَدْ بَعَثَتْهُ قُرَيْشٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِيَشُدَّ الْعَقْدَ وَيَزِيدَ فِي الْمُدَّةِ، وَقَدْ رَهِبُوا الَّذِي صَنَعُوا فَلَمَّا لَقِيَ أَبُو سُفْيَانَ بُدَيْلَ بْنَ وَرْقَاءَ قَالَ: مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ يَا بُدَيْلُ؟ وَظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:
سِرْتُ فِي خُزَاعَةَ فِي هَذَا السَّاحِلِ: وفي بعض هذا الوادي [4] قال: أو ما جِئْتَ مُحَمَّدًا قَالَ: لا، فَلَمَّا رَاحَ بُدَيْلٌ إِلَى مَكَّةَ، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: لَئِنْ كَانَ جَاءَ الْمَدِينَةَ لَقَدْ عَلَفَ بِهَا النَّوَى [5] ، فَأَتَى مَبْرَكَ رَاحِلَتِهِ، فَأَخَذَ مِنْ بَعْرِهَا فَفَتَّهُ، فَرَأَى فِيهِ النَّوَى، فَقَالَ: أَحْلِفُ بِاللَّهِ لَقَدْ جَاءَ بُدَيْلٌ مُحَمَّدًا، ثُمَّ خَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ حَتَّى قدم المدينة [6] ، فدخل على ابنته
[ (1) ] وعند ابن هشام: حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة.
[ (2) ] وعند ابن هشام: ثم انصرفوا- راجعين إلى مكة.
[ (3) ] قال الإمام النووي في تهذيب الأسماء واللغات (3/ 56) عسفان: بعين مضمومة ثم سين ساكنة مهملتين، قرية جامعة بها منبر، وهي بين مكة والمدينة على نحو مرحلتين من مكة، وقد نقل صاحب المهذب في أول باب صلاة المسافر عن الإمام مالك رحمه الله تعالى أنه قال: بين مكة وعسفان أربعة برد، وهذا الذي نقله عن مالك رحمه الله تعالى صحيح عنه، ذكره في الموطأ، وأربعة لبرد ثمانية وأربعون ميلا، وذلك مرحلتان، وهذا الذي ذكرناه هو الصواب، وأما قول صاحب المطالع أن بينهما ستة وثلاثين ميلا فليس بمنقول.
[ (4) ] وعند ابن هشام: قال: تسيرت في خزاعة في هذا الساحل، وفي بطن الوادي.
[ (5) ] وعند ابن هشام: لئن جاء المدينة لقد علف بها النوى.
[ (6) ] وعند ابن هشام: ثم خرج أبو سفيان حَتَّى قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في المدينة.
أُمِّ حَبِيبَةَ، فَلَمَّا ذَهَبَ لِيَجْلِسَ عَلَى فِرَاشِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم طَوَتْهُ عَنْهُ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّةُ، مَا أَدْرِي أَرَغِبْتِ بِي عَنْ هَذَا الْفِرَاشِ أَمْ رَغِبْتِ بِهِ عَنِّي؟ قَالَتْ: بَلْ هُوَ فِرَاشُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَنْتَ مُشْرِكٌ نَجِسٌ [1]، قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ أَصَابَكِ بَعْدِي شَرٌّ، ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَكَلَّمَهُ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا، ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَكَلَّمَهُ أَنْ يُكَلِّمَ لَهُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ، ثُمَّ أَتَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَكَلَّمَهُ فَقَالَ: أَنَا أَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم! فَوَاللَّهِ لَوْ لَمْ أَجِدْ إِلَّا الذَّرَّ [2] لَجَاهَدْتُكُمْ بِهِ.
ثُمَّ جَاءَ فَدَخَلَ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَعِنْدَهُ فَاطِمَةُ، وَحَسَنٌ غُلامٌ يَدِبُّ بَيْنَ يَدَيْهَا، فَقَالَ: يَا عَلِيُّ إِنَّكَ أمس القوم به رَحِمًا، وَإِنِّي قَدْ جِئْتُ فِي حَاجَةٍ فَلا أَرْجِعُ كَمَا جِئْتَ خَائِبًا، اشْفَعْ لِي إِلَى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: وَيْحَكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ، وَاللَّهِ لَقَدْ عَزَمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم على أَمْرٍ مَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نُكَلِّمَهُ فِيهِ، فَالْتَفَتَ إِلَى فَاطِمَةَ فَقَالَ: يَا بِنْتَ مُحَمَّدٍ، هَلْ كل أَنْ تَأْمُرِي ابْنَكِ هَذَا فَيُجِيرُ بَيْنَ النَّاسِ [3] فَيَكُونُ سَيِّدَ الْعَرَبِ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ، قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا يَبْلُغُ بُنَيَّ ذَاكَ أَنْ يُجِيرَ بَيْنَ النَّاسِ، وَمَا يُجِيرُ أَحَدٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: يَا أَبَا الْحَسَنِ، إِنِّي أَرَى الأُمُورَ قَدِ اشْتَدَّتْ عَلَيَّ فَانْصَحْنِي؟ قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ لَكَ شَيْئًا يُغْنِي عَنْكَ، وَلَكِنَّكَ سَيِّدُ بَنِي كِنَانَةَ، فَقُمْ وَأَجِرْ بَيْنَ النَّاسِ ثُمَّ الْحَقْ بِأَرْضِكَ، قَالَ: أَوَ تَرَى ذَلِكَ مُغْنِيًا عَنِّي شَيْئًا؟ قَالَ: لا وَاللَّهِ مَا أَظُنُّهُ، وَلَكِنِّي لا أَجِدُ لَكَ غَيْرَ ذَلِكَ،
فَقَامَ أَبُو سُفْيَانَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ أَجَرْتُ بَيْنَ النَّاسِ، ثُمَّ رَكِبَ بَعِيرَهُ فَانْطَلَقَ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى قُرَيْشٍ قَالُوا: مَا وَرَاءَكَ؟ قَالَ: جِئْتُ مُحَمَّدًا فَكَلَّمْتُهُ، فَوَاللَّهِ مَا رَدَّ عَلَيَّ شَيْئًا، ثُمَّ جِئْتُ ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ فَلَمْ أَجِدْ فِيهِ خَيْرًا، ثُمَّ جِئْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَوَجَدْتُهُ أَدْنَى الْعَدُوِّ. كَذَا قَالَ ابن إسحق، قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَعْدَى الْعَدُوِّ، ثُمَّ جِئْتُ عَلِيًّا فَوَجَدْتُهُ أَلْيَنَ الْقَوْمِ، وَقَدْ أَشَارَ عَلَيَّ بِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ، فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي هَلْ يُغْنِي عَنِّي شَيْئًا أَمْ لا، قَالُوا: وَبِمَ أَمَرَكَ؟ قَالَ: أَمَرَنِي أَنْ أُجِيرَ بَيْنَ النَّاسِ فَفَعَلْتُ، قَالُوا: فَهَلْ أَجَازَ ذَلِكَ مُحَمَّدٌ؟ قَالَ: لا، قَالُوا: وَيْلَكَ، وَاللَّهِ إِنْ زَادَ الرَّجُلُ عَلَى أَنْ لَعِبَ بِكَ [4]، قَالَ: لا وَاللَّهِ مَا وجدت غير ذلك.
[ (1) ] وعند ابن هشام: بَلْ هُوَ فِرَاشُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وأنت رجل مشرك نجس، ولم أحب أن تجلس عَلَى فِرَاشِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وأنت رجل مشرك نجس.
[ (2) ] أي صغار النمل.
[ (3) ] وعند ابن هشام: فَالْتَفَتَ إِلَى فَاطِمَةَ فَقَالَ: يَا بِنْتَ مُحَمَّدٍ، هل لك أن تأمري بنيك هذا فيجير بين الناس.
[ (4) ] وعند ابن هشام: قَالُوا: وَيْلَكَ، وَاللَّهِ إِنْ زَادَ الرَّجُلُ عَلَى أن لعب بك، فما يغني عنك ما قلت.
وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بِالْجِهَازِ، وَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يُجَهِّزُوهُ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى ابْنَتِهِ عَائِشَةَ وَهِيَ تُحَرِّكُ بَعْضَ جِهَازِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّةُ أَمَرَكُنَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِتَجْهِيزِهِ [1] ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَتَجَهَّزَ، قَالَ: فَأَيْنَ تَرَيْنَهُ يُرِيدُ؟ قَالَتْ: لا وَاللَّهِ مَا أَدْرِي،
ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَعْلَمَ النَّاسَ أَنَّهُ سَائِرٌ إِلَى مَكَّةَ، وَأَمَرَهُمْ بِالْجِدِّ وَالتَّجَهُّزِ [2] وَقَالَ:
«اللَّهُمَّ خُذِ الْعُيُونَ وَالأَخْبَارَ عَنْ قُرَيْشٍ حَتَّى نَبْغَتَهَا في بلادها» ،
فتجهز الناس [3] فَكتب حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى قُرَيْشٍ كِتَابًا يُخْبِرُهُمْ بِذَلِكَ [4] ، ثُمَّ أَعْطَاهُ امْرَأَةً [5] ، وَجَعَلَ لَهَا جُعْلا عَلَى أَنْ تُبَلِّغَهُ قُرَيْشًا، فَجَعَلَتْهُ فِي قُرُونِ رَأْسِهَا، ثُمَّ خَرَجَتْ بِهِ [6] ، وَأَتَى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر مِنَ السَّمَاءِ بِمَا صَنَعَ حَاطِبٌ، فَبَعَثَ عَلِيًّا والزبير- وغير ابن إسحق يَقُولُ:
بَعَثَ عَلِيًّا وَالْمِقْدَادَ- فَقَالَ: أَدْرِكَا امْرَأَة، قَدْ كتب مَعَهَا حَاطِبٌ بِكِتَابٍ إِلَى قُرَيْشٍ يُحَذِّرُهُمْ مَا قَدْ أَجْمَعْنَا لَهُ فِي أَمْرِهِمْ، فَخَرَجَا حَتَّى أَدْرَكَاهَا [7] فَاسْتَنْزَلاهَا، وَالْتَمَسَا فِي رَحْلِهَا فَلَمْ يَجِدَا شَيْئًا، فَقَالَ لَهَا عَلِيٌّ: إِنِّي أَحْلِفُ بِاللَّهِ مَا كَذَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلا كَذَبْنَا، وَلْتُخْرِجَنَّ هَذَا الْكِتَابَ أَوْ لَنَكْشِفَنَّكِ، فَلَمَّا رَأَتِ الْجِدَّ مِنْهُ قَالَتْ:
أَعْرِضْ، فَأَعْرَضَ، فَحَلَّتْ قُرُونَ رَأْسِهَا فَاسْتَخْرَجَتِ الكتاب، فدفعته إليه فأتى به
[ (1) ] وعند ابن هشام: أي بنية، أأمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه تجهزوه؟
[ (2) ] وعند ابن هشام: وأمرهم بالجد والتهيؤ.
[ (3) ] وعند ابن هشام: فقال حسان بن ثابت يحرض الناس ويذكر مصاب رجال خزاعة:
عناني ولم أشهد ببطحاء مكة
…
رجال بني كعب تحز رقابها
بأيدي رجال لم يسلوا سيوفهم
…
وقتلي كثير لم تجن ثيابها
ألا ليت شعري هل تنالن نصرتي
…
سهيل بن عمرو وخزها وعقابها
وصفوان عود حن من شفر استه
…
فهذا أوان الحرب شد عصابها
فلا تأمننا يا بن أم مجالد
…
إذا احتليت صرفا وأعصل نابها
ولو تجزعوا منها فإن سيوفنا
…
لها وقعة بالموت يفتح بابها
[ (4) ] وعند ابن هشام: قَالَ ابْنُ إِسْحَاق: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّد بْنُ جَعْفَرِ بن الزبير، عن عروة بن الزبير وغيره من علمائنا قالوا: لما أَجْمَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم المسير إلى مكة، كتب حاطب بن أبي بلتعة كتابا إلى قريش يخبر هم بالذي أجمع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأمر في السير إليهم.
[ (5) ] وعند ابن هشام عن ابن إسحاق: زعم محمد بن جعفر أنها من مزينة، وزعم لي غيره أنها سارة، مولاة لبعض بني عبد المطلب.
[ (6) ] وعند ابن هشام: فجعلته في رأسها، ثم فتلت عليه قرونها، ثم خرجت به.
[ (7) ] وعند ابن هشام: فخرجا حتى أدركاها بالخليقة، خليقة بني أحمد، فاستنزلاها.
رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَدَعَا حَاطِبًا فَقَالَ لَهُ:«مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا: [1] فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لَمُؤْمِنٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ مَا غُيِّرْتُ وَلا بُدِّلْتُ، وَلَكِنِّي لَيْسَ لِي فِي الْقَوْمِ أَصْلٌ وَلا عَشِيرَةٌ، وَلِي بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ وَلَدٌ وَأَهْلٌ، فَصَانَعْتُهُمْ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دَعْنِي فَلأَضْرِبْ عُنُقَهُ، فَإِنَّ الرَّجُلَ قَدْ نَافَقَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «وَمَا يُدْرِيكَ يَا عُمَرُ، لَعَلَّ اللَّهَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَصْحَابِ بَدْرٍ يَوْمَ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شئتم فقد غفرت لكم» [2] .
ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لسفره، فاستخلف على المدينة أبارهم كُلْثُومَ بْنَ الْحُصَيْنِ الْغِفَارِيَّ، وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ: عبد الله بن أُمِّ مَكْتُومٍ، فَخَرَجَ لِعَشْرِ مَضَيْنَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَصَامَ وَصَامَ النَّاسُ مَعَهُ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْكَدِيدِ أَفْطَرَ [3] ، ثُمَّ مَضَى حَتَّى نَزَلَ مَرَّ الظَّهْرَانِ فِي عَشَرَةِ آلافٍ، وَعَمِيتِ الأَخْبَارُ عَنْ قُرَيْشٍ، فَهُمْ عَلَى وَجَلٍ وَارْتِقَابٍ، فَخَرَجَ أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حِزَامٍ وَبُدَيلُ بْنُ وَرْقَاءَ يَتَجَسَّسُونَ الأَخْبَارَ، وَكَانَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَدْ خَرَجَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعِيَالِهِ مُسْلِمًا مُهَاجِرًا، فَلَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قِيلَ: بِالْجُحْفَةِ، وَقِيلَ: بِذِي الْحُلَيْفَةِ، وَكَانَ فِيمَنْ خَرَجَ وَلَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِبَعْضِ الطَّرِيقِ أبو سفيان بن الحرث، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بِالأَبْوَاءِ، وَقِيلَ: بَيْنَ السُّقْيَا وَالْعَرْجِ، فَأَعْرَضَ عَنْهُمَا، فَقَالَتْ لَهُ أُمُّ سَلَمَةَ: لا يَكُنِ ابْنُ عَمِّكَ وَابْنُ عَمَّتِكَ أَخِي أَشْقَى النَّاسِ بِكَ،
وَقَالَ عَلِيٌّ لأَبِي سُفْيَانَ فِيمَا حَكَاهُ أَبُو عُمَرَ: ائْتِ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ فَقُلْ لَهُ مَا قَالَ إِخْوَةُ يُوسُفَ عليه السلام لِيُوسُفَ: تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ [4] فَإِنَّهُ لا يَرْضَى أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ أَحْسَنَ قَوْلا مِنْهُ، فَفَعَلَ ذَلِكَ أَبُو سُفْيَانَ، قَالَ له رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [5] وَقَبِلَ مِنْهُمَا إِسْلامَهُمَا، فَأَنْشَدَهُ أَبُو سُفْيَانَ مُعْتَذِرا أَبْيَاتًا مِنْهَا:
لَعَمْرُكَ إِنِّي يَوْمَ أَحْمِلَ رَايَةً
…
لتغلب خيل اللات خيل محمد
[ (1) ] وعند ابن هشام: فقال: «يا حاطب، ما حملك على هذا» ؟
[ (2) ] وعند ابن هشام: فأنزل الله تعالى في حاطب: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ إلى قوله: قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ.
[ (3) ] وعند ابن هشام: حتى إذا كان بالكديد بين عسفان وأمج أفطر.
[ (4) ] سورة يوسف: الآية 91.
[ (5) ] سورة يوسف: الآية 92.
لَكَالْمُدْلِجِ الْحَيْرَانِ أَظْلَمَ لَيْلُهُ
…
فَهَذَا أَوَانِي حِينَ أُهْدَى فَأَهْتَدِي
هَدَانِيَ هَادٍ غَيْرُ نَفْسِي وَدَلَّنِي
…
على الله من طردته كُلَّ مُطَرَّدِ [1]
فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَدْرَهُ وَقَالَ: «أَنْتَ طَرَّدْتَنِي كُلَّ مُطَرَّدٍ» . وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ بَعْدَ ذَلِكَ مِمَّنْ حَسُنَ إِسْلامُهُ، فَيُقَالُ أَنَّهُ مَا رَفَعَ رَأْسَهُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مُنْذُ أَسْلَمَ حَيَاءً مِنْهُ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُحِبُّهُ وَيَشْهَدُ لَهُ بِالْجَنَّةِ وَيَقُولُ:«أَرْجُو أَنْ يَكُونَ خَلَفًا مِنْ حَمْزَةَ» ،
وَيُرْوَى أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ: لا تَبْكُوا عَلَيَّ فَلَمْ أَنْتَطِفْ [2] بِخَطِيئَةٍ مُنْذُ أسلمت. فَلَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَرَّ الظَّهْرَانِ، وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ: نَزَلَهُ عِشَاءٌ، فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ فَأَوْقَدُوا عَشَرَةَ آلافِ نَارٍ، وَجَعَلَ عَلَى الْحَرَسِ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، رَقَّتْ نَفْسُ الْعَبَّاسِ لأَهْلِ مَكَّةَ، قَالَ: فَجَلَسْتُ عَلَى بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم الْبَيْضَاءِ، فَخَرَجْتُ عَلَيْهَا حَتَّى جِئْتُ الأَرَاكَ فَقُلْتُ لَعَلِّي: أَجِدُ بَعْضَ الْحَطَّابَةِ، أَوْ صَاحِبَ لَبَنٍ، أو ذا جاجة يَأْتِي مَكَّةَ فَيُخْبِرُهُمْ بِمَكَانِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَيَخْرُجُوا إِلَيْهِ فَيَسْتَأْمِنُوهُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَهَا عَنْوَةً، فَوَاللَّهِ إِنِّي لأَسِيرُ عَلَيْهَا إذا سَمِعْتُ كَلامَ أَبِي سُفْيَانَ، وَبُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ وَهُمَا يَتَرَاجَعَانِ، وَأَبُو سُفْيَانَ يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ كَاللَّيْلَةِ نِيرَانًا قَطُّ وَلا عَسْكَرًا، قَالَ يَقُولُ: بُدَيْلٌ: هَذِهِ وَاللَّهِ، خُزَاعَةُ حَمَشَتْهَا الْحَرْبُ [3]، فَيَقُولُ أَبُو سُفْيَانَ: خُزَاعَةُ أَذَلُّ وَأَقَلُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ نِيرَانُهَا وَعَسْكَرُهَا، قَالَ: فَعَرَفْتُ صَوْتَهُ فقلت: أنا أَبَا حَنْظَلَةَ، فَعَرَفَ صَوْتِي فَقَالَ: أَبُو الْفَضْلِ! قلت: نعم، قال: مالك فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي قَالَ: قُلْتُ: وَاللَّهِ هَذَا رسول الله صلى الله عليه وسلم وَاصَبَاحَ قُرَيْشٍ وَاللَّهِ، قَالَ: فَمَا الْحِيلَةُ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي؟ قَالَ: قُلْتُ: وَاللَّهِ لَئِنْ ظَفِرَ بِكَ لَيَضْرِبَنَّ عُنُقَكَ، فَارْكَبْ فِي عَجُزِ هَذِهِ الْبَغْلَةِ حَتَّى أَتِيَ بِكَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَسْتَأْمِنَهُ لَكَ، فَرَكِبَ خَلْفِي ورجع صاحباه، قال: فجئت به، كما مررت بنار من نيران
[ (1) ] وبقية الأبيات كما ذكرهما ابن هشام في السيرة (4/ 43) .
أصد وأنأى جاهدا عن محمد
…
وادعى وإن لم أنتسب من محمد
هم ما هم من لم يقل بهواهم
…
وإن كان ذا رأي يلم ويفند
أريد لأرضيهم ولست بلائط
…
مع القوم ما لم أهد في كل مقعد
فقل لثقيف لا أريد قتالها
…
وقل لثقيف تلك غيري أو عدي
فما كنت في الجيش الذي نال عامرا
…
وما كان جرا لساني ولا يدي
قبائل جاءت من بلاد بعيدة
…
نزائع جاءت من سها وسردد
[ (2) ] أي لم أتلطخ.
[ (3) ] أي جمعتهم الحرب.
الْمُسْلِمِينَ قَالُوا: مَنْ هَذَا؟ وَإِذَا رَأَوْا بَغْلَةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عَلَيْهَا قَالُوا: عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى بَغْلَتِهِ، حَتَّى مَرَرْتُ بِنَارِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: مَنْ هَذَا؟ وَقَامَ إِلَيَّ، فَلَمَّا رَأَى أَبَا سُفْيَانَ عَلَى عَجُزِ الدَّابَّةِ قَالَ: أَبُو سُفْيَانَ، عَدُوُّ اللَّهِ! الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَمْكَنَ مِنْكَ بِغَيْرِ عَقْدٍ وَلا عَهْدٍ، ثُمَّ خَرَجَ يَشْتَدُّ نَحْوَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وركضت البغلة، [فسبقته بما تسبق الدابة البطينة الرجل البطيء][1] ، فَاقْتَحَمْتُ عَنِ الْبَغْلَةِ، فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَدَخَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا أَبُو سُفْيَانَ فَدَعْنِي فَلأَضْرِبْ عُنُقَهُ [2] قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي قَدْ أَجَرْتُهُ، ثُمَّ جَلَسْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَخَذْتُ بِرَأْسِهِ فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لا يُنَاجِيهِ اللَّيْلَةَ رَجُلٌ دُونِي، فَلَمَّا أَكْثَرَ عُمَرُ فِي شَأْنِهِ قُلْتُ: مَهْلا يَا عُمَرُ، فَوَاللَّهِ لَوْ كَانَ مِنْ رِجَالِ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ مَا قُلْتَ مِثْلَ هَذَا [3]، قَالَ: مَهْلا يَا عَبَّاسُ، فَوَاللَّهِ لإِسْلامُكَ يَوْمَ أَسْلَمْتَ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ إسلام الخطاب لو أسلم، وما بني إِلَّا أَنِّي قَدْ عَرَفْتُ أَنَّ إِسْلامَكَ كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ إِسْلَامِ الْخَطَّابِ،
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «اذْهَبْ بِهِ يَا عَبَّاسُ إِلَى رَحْلِكَ، فَإِذَا أَصْبَحْتَ فَأْتِنِي بِهِ» ، فذهبت به [4] فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَوْتُ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا رَآهُ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:
«وَيْحَكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ، أَلَمْ يَأْنِ لَكَ أَنْ تعلم أنه لا إله إلا اللَّهِ؟» قَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي مَا أَحْلَمَكَ وأكرمك وأوصلك، لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى شيئا بعد [5]، قَالَ:«وَيْحَكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ، أَلَمْ يَأْنِ لَكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟» قَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، مَا أَحْلَمَكَ وَأَكْرَمَكَ وَأَوْصَلَكَ، أَمَا وَاللَّهِ هَذِهِ فَإِنَّ فِي النَّفْسِ حَتَّى الآنَ مِنْهَا شَيْئًا، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ: وَيْحَكَ أَسْلِمْ وَاشْهَدْ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وأن محمد رَسُولُ اللَّهِ قَبْلَ أَنْ تُضْرَبَ عُنُقُكَ، قَالَ: فَشَهِدَ شَهَادَةَ الْحَقِّ فَأَسْلَمَ، قَالَ الْعَبَّاسُ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ يُحِبُّ الْفَخْرَ، فَاجْعَلْ لَهُ شَيْئًا؟ قَالَ: «نَعَمْ، مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ عَلَيْهِ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دخل المسجد فهو آمن،
ثم أمر
[ (1) ] وردت في الأصل: فسقت، وما أثبتناه من سيرة ابن هشام.
[ (2) ] وعند ابن هشام: فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا أَبُو سُفْيَانَ قد أمكن الله منه بغير عقد ولا عهد، فدعني فلأضرب عنقه.
[ (3) ] وعند ابن هشام: قلت: مهلا يا عمر، فوالله إن لو كان من بني عدي بن كعب ما قلت هذا، ولكنك قد عرفت أنه من رجال بني عبد مناف.
[ (4) ] وعند ابن هشام: فذهبت به إلى رحلي فبات عندي،
[ (5) ] وعند ابن هشام: والله لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنني عني شيئا بعد.
الْعَبَّاسَ أَنْ يَحْبِسَ أَبَا سُفْيَانَ بِمَضِيقِ الْوَادِي، عِنْدَ خَطْمِ الْجَبَلِ [1] حَتَّى تَمُرَّ بِهِ جُنُودُ اللَّهِ فَيَرَاهَا، فَفَعَلَ، فَمَرَّتِ الْقَبَائِلُ عَلَى رَايَاتِهَا، كُلَّمَا مَرَّتْ قَبِيلَةٌ قَالَ: يَا عَبَّاسُ مَنْ هذه؟ فأقول: سليم، قال: يقول: مالي وَلِسُلَيْمٍ، ثُمَّ تَمُرُّ بِهِ الْقَبِيلَةُ فَيَقُولُ: يَا عباس ما هؤلاء؟ فأقول: مزينة، فيقول: مالي وَلِمُزَيْنَةَ، حَتَّى نَفِدَتِ الْقَبَائِلُ، مَا تَمُرُّ بِهِ قَبِيلَةٌ إِلَّا سَأَلَنِي عَنْهَا، فَإِذَا أَخْبَرْتُهُ بِهِمْ قال، مالي وَلِبَنِي فُلانٍ، حَتَّى مَرَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي كَتِيبَتِهِ الْخَضْرَاءِ، وَفِيهَا الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ، لا يُرَى مِنْهُمْ إِلَّا الْحَدَقُ [2] مِنَ الْحَدِيدِ، قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، يَا عَبَّاسُ مَنْ هَؤُلاءِ؟ قَالَ: قُلْتُ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، قَالَ: مَا لأَحَدٍ بِهَؤُلاءِ قِبَلٌ وَلا طَاقَةٌ.
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: أَنَّ كَتِيبَةَ الأَنْصَارِ جَاءَتْ مَعَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ وَمَعَهُ الرَّايَةُ قَالَ: وَلَمْ يُرَ مِثْلُهَا، ثُمَّ جَاءَتْ كَتِيبَةٌ هِيَ أَقَلُّ الْكَتَائِبِ، فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابُهُ، وَرَايَةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَعَ الزُّبَيْرِ [3] . كَذَا وَقَعَ عِنْدَ جَمِيعِ الرُّوَاةِ، وَرَوَاهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي كَتَابِهِ:
هِيَ أَجَلُّ الْكَتَائِبِ، وَهُوَ الأَظْهَرُ.
رَجْعٌ إِلَى الأَوَّلِ: فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: وَاللَّهِ يَا أَبَا الْفَضْلِ لَقَدْ أَصْبَحَ مُلْكُ ابْنِ أَخِيكَ الْيَوْمَ عَظِيمًا، قَالَ: قُلّْتُ: يَا أَبَا سُفْيَانَ إِنَّهَا النُّبُوَّةُ، قَالَ: فَنَعَمْ إِذَنْ. قَالَ:
قُلْتُ: النَّجَاءَ إِلَى قَوْمِكَ، حَتَّى إِذَا جَاءَهُمْ صَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، هَذَا مُحَمَّدٌ قَدْ جَاءَكُمْ فِيمَا لا قِبَلَ [4] لَكُمْ بِهِ، فَمَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، فَقَامَتْ إليه هند بنت عتبة فأخذت بشار به فقالت: اقتلوا الحميت الدَّسِمَ الأَحْمَسَ [5] ، قَبُحَ مِنْ طَلِيعَةِ قَوْمٍ، قَالَ: وَيْلَكُمْ، لا تَغُرَّنَّكُمْ هَذِهِ مِنْ أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَكُمْ مَا لا قِبَلَ لَكُمْ بِهِ، مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، [قالوا] [6] : قَاتَلَكَ اللَّهُ، وَمَا تُغْنِي عَنَّا دَارُكَ! قَالَ: وَمَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ، فَتَفَرَّقَ النَّاسُ إِلَى دورهم وإلى المسجد.
[ (1) ] أي مضيقة.
[ (2) ] الحدقة: السواد المستدبر وسط العين، والجمع: حدق وحداق، وأحداق.
[ (3) ] أنظر صحيح البخاري كتاب المغازي باب غزوة الفتح (5/ 91) .
[ (4) ] أي لا قدرة ولا طاقة لكم في رده.
[ (5) ] الحيمت: الزق يجعل فيه السمن أو العسل أو الزيت، والدسم: كثير الدهن والشحم واللحم، والأحمس: شديد اللحم، شبهته هنا بالزق عند ما ينتفخ بالعسل أو الزيت أو السمن.
[ (6) ] وردت في الأصل: قال، وما أثبتناه من سرة ابن هشام.
وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَجَّهَ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ مَعَ أَبِي سفيان بعد إسلامها إِلَى مَكَّةَ وَقَالَ: «مَنْ دَخَلَ دَارَ حَكِيمٍ فَهُوَ آمِنٌ» - وَهِيَ بِأَسْفَلِ مَكَّةَ- «وَمَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ» - وَهِيَ بِأَعْلَى مَكَّةَ- فَكَانَ هَذَا أَمَانًا مِنْهُ لِكُلِّ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ.
وَلِهَذَا قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمُ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رحمه الله: إِنَّ مَكَّةَ مُؤْمِنَةٌ، وَلَيْسَتْ عَنْوَةٌ، وَالأَمَانُ كَالصُّلْحِ، وَرَأَى أَنَّ أَهْلَهَا كَانُوا مَالِكُونَ رباعهم، فلذلك كان يحيز كِرَاءَهَا لأَرْبَابِهَا وَبَيْعَهَا وَشِرَاءَهَا، لأَنَّ مَنْ آمَنَ فَقَدْ حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ وَذُرِّيَّتُهُ وَعِيَالُهُ، فَمَكَّةُ مُؤْمِنَةٌ عِنْدَ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ، إِلَّا الَّذِينَ اسْتَثْنَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَمَرَ بِقَتْلِهِمْ وَإِنْ وُجِدُوا مَتَعَلِّقِينَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ أَنَّ فَتْحَ مَكَّةَ عَنْوَةٌ، لأَنَّهَا إِنَّمَا أُخِذَتْ بِالْخَيْلِ وَالرِّكَابِ، وَالْخِلافُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي جَوَازِ أَخْذِ أَجْرِ الْمَسَاكِنِ بِمَكَّةَ أَوِ الْمَنْعِ مِنْهُ مَشْهُورٌ مَعْرُوفٌ، وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثٍ عَنْ عَائِشَةَ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ فِي مَكَّةَ أَنَّهَا مَنَاخُ مَنْ سَبَقَ. أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْفَتْحِ الصُّورِيُّ بِمَرْجِ دِمَشْقَ قال: أنا أسد بْنُ سَعِيدِ بْنِ رَوْحٍ، وَعَائِشَةُ بِنْتُ مَعْمَرِ بْنِ الْفَاخِرِ إِجَازَةً مِنْ أَصْبَهَانَ قَالا: أَخْبَرَتْنَا أُمُّ إِبْرَاهِيمَ فَاطِمَةُ الْجَوْزِدَانِيَّةُ سَمَاعًا قَالَتْ: أَنَا أبو بكر بن ربذة الضَّبِّيُّ قَالَ: أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ، ثَنَا يُوسُفُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعَبَّادَانِيُّ، ثَنَا نَصْرُ بُْْن عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، ثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، ثَنَا أَبِي، عَنْ محمد بن إسحق، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الأَنْصَارِيِّ، عْنَ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَعَلَى الكعبة ثلاثمائة وَسِتُّونَ صَنَمًا قَدْ شَدَّ لَهُمْ إِبْلِيسُ أَقْدَامَهَا بِرَصَاصٍ، فَجَاءَ وَمَعَهُ قَضِيبٌ، فَجَعَلَ يَهْوِي بِهِ إِلَى كُلِّ صَنَمٍ مِنْهَا فَيَخِرُّ لِوَجْهِهِ، فَيَقُولُ: جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً [1] حتى مر عليها كلها.
وَلا خِلافَ أَنَّهُ لَمْ يَجْرِ فِيهَا قَسْمٌ وَلا غَنِيمَةٌ وَلا سُبِيَ مِنْ أَهْلِهَا أَحَدٌ، لِمَا عَظَّمَ اللَّهُ مِنْ حُرْمَتِهَا، أَلَا تَرَى إِلَى
قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «مَكَّةُ حَرَامٌ مُحَرَّمٌ، لَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلا تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثَمَّ هِيَ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» .
قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَالأَصَحُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهَا بَلْدَةٌ مُؤْمِنَةٌ، أَمِنَ أَهْلُهَا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَكَانَتْ أَمْوَالُهُمْ تَبَعًا لَهُمْ. وَقَالَ الأُمَوِيُّ: كَانَتْ راية رسول الله صلى الله عليه وسلم يَوْمَ الْفَتْحِ بِيَدِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَلَمَّا مَرَّ بِهَا عَلَى أَبِي سُفَيْانَ وَكَانَ قَدْ أَسْلَمَ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ سَعْدٌ إِذْ نَظَرَ إليه:
[ (1) ] قال تعالى في سورة الإسراء: الآية 81: وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً.
الْيَوْمَ يَوْمُ الْمَلْحَمَةِ الْيَوْمَ تُسْتَحَلُّ الْحُرْمَةُ، الْيَوْمَ أَذَلَّ اللَّهُ قُرَيْشًا. فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي كَتِيبَةِ الأَنْصَارِ، حَتَّى إِذَا حَاذَى أَبَا سُفْيَانَ نَادَاهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُمِرْتَ بِقَتْلِ قَوْمِكَ، فَإِنَّهُ زَعَمَ سَعْدٌ وَمَنْ مَعَهُ حِينَ مَرَّ بِنَا أَنَّهُ قَاتِلُنَا، أَنْشُدُكَ اللَّهَ فِي قَوْمِكَ، فَأَنْتَ أَبَرُّ النَّاسِ وَأَرْحَمُهُمْ وَأَوْصَلُهُمْ. وَقَالَ عُثْمَانُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ لا نَأْمَنُ سَعْدًا أَنْ تَكُونَ مِنْهُ فِي قُرَيْشٍ صَوْلَةٌ،
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يَا أَبَا سُفْيَانَ، الْيَوْمَ يَوْمُ الْمَرْحَمَةِ، الْيَوْمَ أَعَزَّ اللَّهُ فِيهِ قُرَيْشًا» .
وَقَالَ ضِرَارُ بْنُ الْخَطَّابِ الْفِهْرِيُّ يَوْمَئِذٍ:
يَا نَبِيَّ الْهُدَى إِلَيْكَ لجا حي
…
ي قُرَيْشٍ وَلاتَ حِينَ لَجَاءِ
حِينَ ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ سعة الأر
…
ض وَعَادَاهُمُ إِلَهُ السَّمَاءِ
وَالْتَقَتْ حَلْقَتَا الْبِطَانُ عَلَى القو
…
م وَنُودُوا بِالصَّيْلَمِ الصَّلْعَاءِ
أَنَّ سَعْدًا يُرِيدُ قَاصِمَةَ الظه
…
ر بِأَهْلِ الْحُجُونِ وَالْبَطْحَاءِ
خَزْرَجِيٌّ لَوْ يَسْتَطِيعُ مِنَ الغي
…
ظ رمانا بالنسر والعواء
وغر الصدر لأيهم بِشَيْءٍ
…
غَيْر سَفْكِ الدَّمَا وَسَبْيِ النِّسَاءِ
قَدْ تَلَظَّى عَلَى الْبطَاحِ وَجَاءَتْ
…
عَنْهُ هِنْدٌ بِالسَّوْءَةِ السَّوَّاءِ
إِذْ يُنَادِي بِذُلِّ حَيِّ قُرَيْشٍ
…
وَابْنُ حرب بذا مِنَ الشُّهَدَاءِ
فَلَئِنْ أَقْحَمَ اللِّوَاءَ وَنَادَى
…
يَا حُمَاةَ اللِّوَاءِ أَهْلَ اللِّوَاءِ
ثُمَّ ثَابَتْ إِلَيْهِ من بهم الخز
…
رج وَالأَوْسِ أَنْجُمُ الْهَيْجَاءِ
لَتَكُونَنَّ بِالْبِطَاحِ قُرَيْشٌ
…
فَقعَةَ الْقَاعِ فِي أَكُفِّ الإِمَاءِ
فَانْهَيَنْهُ فَإِنَّهُ أَسَدُ الأس
…
د لَدَى الْغَابِ وَالِغٌ فِي الدِّمَاءِ
أَنَّهُ مُطْرِقٌ يدير لنا الأم
…
ر سُكُوتًا كَالْحَيَّةِ الصَّمَّاءِ
فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَنَزَعَ اللِّوَاءَ مِنْ يَدِهِ، وَجَعَلَهُ بِيَدِ قَيْسٍ ابْنِهِ، وَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أن اللواء لم يخرج عنه إذا صَارَ إِلَى ابْنِهِ قَيْسٍ، قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَعْطَى الرَّايَةَ لِلزُّبَيْرِ إِذْ نَزَعَهَا مِنْ سعد.
رجع إلى الخبر عن ابن إسحق: وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فَدَخَلَ مِنَ اللِّيطِ أَسْفَلَ مَكَّةَ فِي بَعْضِ النَّاسِ، فَكَانَ خَالِدٌ عَلَى الْمُجَنَّبَةِ الْيُمْنَي، وَفِيهَا أَسْلَمَ وَسُلَيْمٌ وَغِفَارٌ وَمُزَيْنَةُ وَجُهَيْنَةُ وَقَبَائِلُ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ، وَأَقْبَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ بِالصَّفِّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ينصبُ لِمَكَّةَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. وَرُوِّينَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ كَانَ عَلَى الْبَيَاذِقَةِ يَعْنِي الرَّجَّالَةَ.
قال ابن إسحق: ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مِنْ أَذَاخِرَ حَتَّى نَزَلَ بِأَعْلَى مَكَّةَ، وَضُرِبَتْ لَهُ هُنَاكَ قُبَّةٌ، وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو قَدْ جَمَعُوا أُنَاسًا بِالْخَنْدَمَةِ لِيُقَاتِلُوا، وَقَدْ كَانَ حِمَاسُ بْنُ قَيْسِ بْنِ خَالِدٍ أَخُو بَنِي بَكْرٍ يُعِدُّ سِلاحًا قَبْلَ دُخُولِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَيُصْلِحُ مِنْهُ، فَقَالَتْ لَهُ امَرَأُتُه، لِمَاذَا تُعِدُّ مَا أَرَى؟
قَالَ: لِمُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ، قَالَتْ: وَاللَّهِ ما أَرَاهُ يَقُومُ لِمُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ شَيْء، قَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَخْدمكَ بَعْضَهُمْ، ثُمَّ قَالَ:
إِنْ يُقْبِلُوا اليوم فمالي عِلَّةْ
…
هَذَا سِلاحٌ كَامِلٌ وَأَلَّةْ
وَذُو غِرَارَيْنِ سريع السلة ثُمَّ شَهِدَ الْخَنْدَمَةَ مَعَ صَفْوَانَ وَسُهَيْلٍ وَعِكْرِمَةَ، فَلَمَّا لَقِيَهُمُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَصْحَابِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَنَاوَشُوهُمْ شَيْئًا مِنَ الْقِتَالِ، فَقَتَلَ كُرْزُ بْنُ جَابِرٍ الْفِهْرِيُّ، وَحُبَيْشُ بْنُ خَالِدِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ أَصْرَمَ الْخُزَاعِيُّ، وَكَانَا فِي خَيْلِ خالد بن الوليد، فشذا عَنْهُ، فَسَلَكَا طَرِيقًا غَيْرَ طَرِيقِهِ، فَقُتِلا جَمِيعًا، وَأُصِيبَ مِنْ جُهَيْنَةَ: سَلَمَةُ بْنُ الْميلاءِ، وَأُصِيبَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَرِيبٌ مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلا أَوْ ثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلا ثُمَّ انْهَزَمُوا. وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ: قُتِلَ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ رَجُلا مِنْ قُرَيْشٍ، وَأَرْبَعَةٌ مِنْ هُذَيْلٍ، قَالَ: فَخَرَجَ حِمَاسٌ مُنْهَزِمًا حَتَّى دَخَلَ بَيْتَهُ، ثُمَّ قَالَ لامْرَأَتِهِ: أَغْلِقِي عَلَيَّ بَابِي، قَالَتْ: وَأَيْنَ مَا كُنْتَ تَقُولُ؟ فَقَالَ:
إِنَكَ لَوْ شَهِدْتَ يَوْمَ الْخَنْدَمَهْ
…
إِذْ فَرَّ صَفْوَانُ وَفَرَّ عِكْرِمَهْ
وَاسْتَقْبَلَتْنَا بِالسُّيُوفِ المصلمة
…
يقطعن كل ساع وَجُمْجُمَهْ
ضَرْبًا فَلا تَسْمَعُ إِلَّا غَمْغَمَهْ
…
لَهُمْ نَهِيتٌ حَوْلَنَا وَهَمْهَمَهْ
لَمْ تَنْطِقِي فِي اللَّوْمِ أَدْنَى كَلِمَهْ
أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ الْمَوْصِلِيُّ بِقِرَاءَةِ وَالِدِي رَحِمَهُمَا اللَّهُ عَلَيْهِ قَالَ: أَنَا الشَّيْخُ أبو علي حنبل بن عبد الله بن الْفَرَجِ بْنِ سَعَادَةَ الرُّصَافِيِّ الْمُكَبّرِ سَمَاعًا عَلَيْهِ بسفح قاسيون سنة إثنتين وستمائة قَالَ: أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ الْحُصَيْنِ الشَّيْبَانِيُّ قَالَ: أَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُذْهِبِ قَالَ: أَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ بْنِ مَالِكٍ الْقَطِيعِيُّ قَالَ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا بَهْزٌ وَهَاشِمٌ، ثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، قَالَ هشام: حدثني
ثَابِتٌ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبَاحٍ قَالَ: وَفَدَتْ وُفُودٌ إِلَى مُعَاوِيَةَ أَنَا فِيهِمْ وَأَبُو هُرَيْرَةَ فَذَكَرَ حَدِيثًا.
وَفِيهِ قَالَ: فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَلَا أُعْلِمُكُمْ بِحَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِكُمْ يَا مَعَاشِرَ الأَنْصَارِ؟ قَالَ: فَذَكَرَ فَتْحَ مَكَّةَ، قَالَ: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فَدَخَلَ مَكَّةَ، قَالَ: فَبَعَثَ الزُّبَيْرَ عَلَى إِحْدَى الْمُجَنَّبَتَيْنِ، وَبَعَثَ خَالِدًا عَلَى الْمُجَنَّبَةِ الأُخْرَى، وَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ عَلَى الْحُسَّرِ، [1] فَأَخَذُوا بَطْنَ الْوَادِي، وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي كَتِيبَةٍ، قَالَ: قَدْ وَبَّشَتْ قُرَيْشٌ أَوْبَاشَهَا [2] قَالَ: فَقَالُوا: نُقَدِّمُ هَؤُلاءِ، فَإِنْ كَانَ لَهُمْ شَيْءٌ كُنَّا مَعَهُمْ، وَإِنْ أُصِيبُوا أَعْطَيْنَا الَّذِي سُئِلْنَا وَفِيهِ: فَقَالَ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ» ؟ قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَقَالَ: «اهْتِفْ لِي: يَا لِلأَنْصَارِ، وَلا يَأْتِنِي إِلَّا أَنْصَارِيٌّ» فَهَتَفَ بِهِمْ فَجَاءُوا، فَأَطَافُوا بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «تَرَوْنَ إِلَى أَوْبَاشِ قُرَيْشٍ وَأَتْبَاعِهِمْ» ثُمَّ قَالَ بِيَدَيْهِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى: «احْصُدُوهُمْ حَصْدًا حَتَّى تُوَافُونِي بِالصَّفَا» قَالَ:
فَقَالَ: أَبُو هُرَيْرَةَ: فَانْطَلَقْنَا، فَمَا يَشَاءُ أَحَدٌ مِنَّا أَنْ يَقْتُلَ مِنْهُمْ مَا شَاءَ، وَمَا أَحَدٌ يُوَجِّهُ إِلَيْنَا مِنْهُمْ شَيْئًا قَالَ: فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُبِيحَتْ خَضْرَاءُ قُرَيْشٍ، لا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ، قَالَ: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ» قَالَ: فَغَلَقَ النَّاسُ أَبْوَابَهُمْ، قَالَ: فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْحَجَرِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ، قَالَ: وَفِي يَدِهِ قَوْس آخِذًا بِسَيّةِ الْقَوْسِ [3] ، فَأَتَى فِي طَوَافِهِ عَلَى صَنَمٍ إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ يَعْبُدُونَهُ، قَالَ: فَجَعَلَ يَطْعَنُ بِهَا فِي عَيْنِهِ وَيَقُولُ: جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ [4]، قَالَ: ثُمَّ أَتَى الصَّفَا فَعَلاهُ حَيْثُ يَنْظُرُ إِلَى الْبَيْتِ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يَذْكُرُ اللَّهَ بِمَا شَاءَ أَنْ يَذْكُرَهُ وَيَدْعُوهُ، قَالَ: وَالأَنْصَارُ تَحْتَهُ، قَالَ: يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَمَّا الرَّجُلُ فَأَدْرَكَتْهُ رَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ، وَرَأْفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ، قَالَ: وَجَاءَ الْوَحْيُ، وَكَانَ إِذَا جَاءَ الْوَحْيُ لَمْ يَخْفَ عَلَيْنَا، فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ يَرْفَعُ طَرْفَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى يَقْضِيَ، قَالَ هَاشِمٌ: فَلَمَّا قَضَى الْوَحْيُ رَفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ قَالَ: «يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ: قُلْتُم:
أَمَّا الرَّجُلُ فَأَدْرَكَتْهُ رَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ وَرَأْفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ قَالُوا: قُلْنَا ذَلِكَ يَا رسول الله، قال:
[ (1) ] أي على الكتائب التي لا دروع عليه.
[ (2) ] أي جمعت جموعها.
[ (3) ] السية من الفوس: ما عطف من طرفيها.
[ (4) ] سورة سبأ الآية 49.
«فَمَا اسْمِي إِذَنْ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، هَاجَرْتُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَيْكُمْ، فَالْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ» قَالَ: فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَبْكُونَ وَيَقُولُونَ: وَاللَّهِ مَا قُلْنَا الَّذِي قُلْنَا إِلَّا الضِّنَّ [1] بِاللَّهِ ورسوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«فَإِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَعْذِرَانِكُمْ وَيُصَدِّقَانِكُمْ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنِ الإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ،
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قَدْ عَهِدَ إِلَى أُمَرَائِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حِينَ أَمَرَهُمْ بِدُخُولِ مَكَّةَ أَنْ لا يُقَاتِلُوا إِلَّا مَنْ قَاتَلَهُمْ إِلَّا أَنَّهُ قَدْ عَهِدَ فِي نَفَرٍ سَمَّاهُمْ بِقَتْلِهِمْ، وَإِنْ وُجِدُوا تَحْتَ أَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، مِنْهُمْ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ الْعَامِرِيُّ، وَعَبْدُ الْعُزَّى بْنُ خَطْلٍ، وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَالْحُوَيْرِثُ بْنُ نُقَيْدِ بْنِ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ بْنِ قُصَيٍّ، وَمِقْيَسُ بْنُ صُبَابَةَ، وَهَبَّارُ بْنُ الأَسْوَدِ، وَقَيْنَتَا ابْنِ خطل، كانتا تغنيان ابن خطل يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَسَارَّةُ مَوْلاةٌ لِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ،
فَأَمَّا ابْنُ أَبِي سَرْحٍ فَكَانَ مِمَّنْ أَسْلَمَ قَبْلَ ذَلِكَ وَهَاجَرَ، وَكَانَ يَكتب الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ ارْتَدَّ مُشْرِكًا وَصَارَ إِلَى قُرَيْشٍ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ فَرَّ إِلَى عُثْمَانَ وَكَانَ أَخَاهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ أَرْضَعَتْ أُمُّهُ عُثْمَانَ، فَغَيَّبَهُ حَتَّى أَتَى بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ مَا اطْمَأَنَّ النَّاسُ، فَاسْتَأْمَنَهُ لَهُ، فَصَمَتَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم طَوِيلا ثُمَّ قَالَ:«نَعَمْ فَلَمَّا انْصَرَفَ عُثْمَانُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِمَنْ حَوْلَهُ: «مَا صَمَتُّ إِلَّا لِيَقُومَ إِلَيْهِ بَعْضُكُمْ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: فَهَلَّا أَوْمَأْتَ إِلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: «إِنَّ النَّبِيَّ لا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ أَعْيُنٍ» ،
قُلْتُ: وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ مِمَّنْ حَسُنَ إِسْلامُهُ، وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ شَيْءٌ يُنْكَرُ عَلَيْهِ، وَهُوَ آخِرُ النُّجَبَاءِ الْعُقَلاءِ الْكُرَمَاءِ مِنْ قُرْيَشٍ، وَكَانَ فَارِسَ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ الْمُقَدَّمَ فِيهِمْ، وَوَلَّاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، ثُمَّ عُثْمَانُ رضي الله عنهم.
وَأَمَّا ابْنُ خَطْلٍ، فَإِنَّمَا أَمَرَ بِقَتْلِهِ، فَإِنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا، فَبَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُصْدَقًا، وَبَعَثَ مَعَهُ رَجُلا مِنَ الأَنْصَارِ، وَكَانَ مَعَهُ مَوْلًى لَهُمْ يَخْدِمُهُ، وَكَانَ مُسْلِمًا، فَنَزَلَ مَنْزِلا، وَأَمَرَ الْمَوْلَى أَنْ يَذْبَحَ لَهُ تَيْسًا فَيَصْنَعُ لَهُ طَعَامًا، فَنَامَ، فَاسْتَيْقَظَ ابْنُ خَطْلٍ وَلَمْ يَصْنَعْ لَهُ شَيْئًا، فَعَدَا عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ ارْتَدَّ مُشْرِكًا، وَكَانَتْ لَهْ قَيْنَتَانِ: فَرْتَنَا وَقُرَيْبَةُ، وَكَانَتَا تُغَنِّيَانِ بِهِجَاءِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر بِقَتْلِهِمَا مَعَهُ، فَقَتَلَهُ سَعِيدُ بْنُ حُرَيْثٍ الْمَخْزُومِيُّ وَأَبُو بَرْزَةَ الأَسْلَمِيُّ.
وَرُوِّينَا عَنِ ابْنِ جُمَيْعٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَد الْخَوْلَانِيُّ بِمَكَّةَ، ثَنَا أحمد بن رشد بن قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
[ (1) ] الضن: المضنون به، أو الشيء النفيس تضن به لمكانته منك وموقعه عندك.
أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، أَنَّهُ دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ [1]، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: ابْنُ خَطْلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ:«اقْتُلُوهُ» .
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَئِذٍ مُحْرِمًا، وَأَمَّا عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ فَفَرَّ إِلَى الْيَمَنِ، فَاتَّبَعَتْهُ امْرَأَتُهُ أُمُّ حَكِيمِ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ فَرَدَّتْهُ فَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلامُهُ، وَكَانَ يُعَدُّ مِنْ فُضَلاءِ الصَّحَابَةِ. وَأَمَّا الْحُوَيْرِثُ بْنُ نُقَيْدٍ فَكَانَ يُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِمَكَّةَ، فَقَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَأَمَّا مِقْيَسُ بْنُ صُبَابَةَ فَكَانَ قَدْ أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مُسْلِمًا قَبْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ عَدَا عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَتَلَهُ بِأَخِيهِ هِشَامِ بْنِ صُبَابَةَ بَعْدَ أَنْ أَخَذَ الدِّيَةَ، وَكَانَ الأَنْصَارِيُّ قَتَلَ أَخَاهُ مُسْلِمًا خَطَأً فِي غَزْوَةِ ذِي قُرَدَ [2] وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ مِنَ الْعَدُوِّ. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي غَزْوَةِ ذِي قُرَدَ وَأَبْيَاتُ مِقْيَسٍ فِي ذَلِكَ ثُمَّ لَحِقَ بِمَكَّةَ مُرْتَدًّا فَقَتَلَهُ يَوْمَ الْفَتْحِ نُمَيْلَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ اللَّيْثِيُّ وَهُوَ ابْنُ عَمِّهِ.
قَالَ أَبُو عُمَرَ وَمِنْ سُنَّتِهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «لا أُعْفِي أَحَدًا قَتَلَ بَعْدَ أَخْذِ الدِّيَةِ هَذَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ» .
وَأَمَّا مِقْيَسُ فَارْتَدَّ أَيْضًا.
وَأَمَّا هَبَّارُ بْنُ الأَسْوَدِ فَهُوَ الَّذِي عَرَضَ لِزَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي سُفَهَاءٍ مِنْ قُرَيْشٍ حِينَ بَعَثَ بِهَا أَبُو الْعَاصِ زَوْجُهَا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَأَهْوَى إِلَيْهَا هَبَّارٌ هَذَا وَنَخَّسَ بِهَا فَسَقَطَتْ على صخرة فألقت ذا بطنها وأهرقت الدِّمَاء، فَلَمْ يَزَلْ بِهَا مَرَضُهَا ذَلِكَ حَتَّى مَاتَتْ سَنَةَ ثَمَانٍ،
فَقَالَ عليه السلام: «إِنْ وَجَدْتُمْ هَبَّارًا فَاحْرِقُوهُ بِالنَّارِ» ثُمَّ قَالَ:
«اقْتُلُوهُ، فَإِنَّهُ لا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّ النَّارِ» . فَلَمْ يُوجَدْ، ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَحَسُنَ إِسْلامُهُ، وَصَحِبَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم. وَذَكَرَ الزُّبَيْرَ أَنَّهُ لَمَّا أَسْلَمَ وَقَدِمَ مُهَاجِرًا جعلوا يسبونه، فَذُكِرَ لِرَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فقال:«سب من سبك» فانتهوا عنه، وأمها قَيْنَتَا ابْنِ خَطْلٍ:
فَرْتَنَا وَقُرَيْبَةُ، فَقُتِلَتْ إِحْدَاهُمَا وَاسْتُؤْمِنَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِلأُخْرَى فَأَمَّنَهَا، فَعَاشَتْ مُدَّةً ثُمَّ مَاتَتْ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. وَأَمَّا سَارَّةُ فَاسْتُؤْمِنَ لَهَا أَيْضًا، فَأَمَّنَهَا عليه السلام، فعاشت إلى أن وطأها رَجُل فَرَسًا بِالأَبْطَحِ فِي زَمَنِ عُمَرَ فَمَاتَتْ، وَاسْتَجَارَ بِأُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ رَجُلانِ، قيل: هما الحرث بْنُ هِشَامٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ، وَقِيلَ: أَحَدُهُمَا جَعْدَةُ بْنُ هُبَيْرَةَ، فَأَجَارَتْهُمَا، فَأَرَادَ عَلَى قَتْلِهِمَا، فَدَخَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يُصَلِّي الضُّحَى، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَأَمْضَى جِوَارَهَا، وَقَالَ:«قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ، وَآمَنَّا مَنْ أَمَّنْتِ» .
وَأَسْلَمَتْ أُمُّ هَانِئٍ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَهِيَ شَقِيقَةُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طالب،
[ (1) ] المغفر: زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس يلبس تحت القلنسوة. والجمع: مغافر.
[ (2) ] وورد أنه قتله في غزوة بني المصطلق.