الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مسألة - كل ميتة نجسة غير ميتة الآدمي والسمك والجراد وما لا نفس له سائلة كالعقرب والخنفساء والبق والقمل والبراغيث
.
اشتملت هذه المسألة على أربعة أحكام:
الأول - كل ميتة نجسة:
وهذا من باب العام المخصوص وقد خصصه بقوله: (غير
…
)، والميتة نجسة وإن كانت طاهرة حال الحياة، والعلة فسادها بانحباس الدم بداخلها، قال الدهلوي في " حجة الله البالغة" (2/ 280):(الْميتَة حرَام فِي جَمِيع الْملَل والنحل، أما الْملَل فاتفقت عَلَيْهَا لما تلقى من حَظِيرَة الْقُدس أَنَّهَا من الْخَبَائِث، وَأما النَّحْل فَلَمَّا أدركوا أَن كثيرا مِنْهَا يكون بِمَنْزِلَة السم من أجل انتشار أخلاط سميَّة تنَافِي المزاج الإنساني عِنْد النزع).
والدليل على ذلك قوله تعالى: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} [الأنعام: 145]
وقد نقل ابن رشد الإجماع على نجاسة الميتة، فقال في "بداية المجتهد" (1/ 83): (وأما أنواع النجاسات، فإن العلماء اتفقوا من أعيانها على أربعة: ميتة الحيوان ذي الدم الذي ليس بمائي
…
).
فائدة - يدخل في ذلك ما يقطع من الحي:
والدليل على ذلك ما رواه أحمد وغيره بإسناد حسن عن أبي واقد الليثي، قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وبها ناس يعمدون إلى أليات الغنم وأسنمة الإبل فَيَجُبُّونَهَا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" ما قطع من البهيمة وهي حية، فهو ميتة ".
الثاني - ميتة الآدمي طاهرة.
قال المرداوي في "الإنصاف"(1/ 337): (قوله (ولا ينجس الآدمي بالموت). هذا المذهب. وعليه جمهور الأصحاب، مسلما كان أو كافرا، وسواء جملته وأطرافه وأبعاضه. وقاله الزركشي في بعض كتبه، وقاله القاضي في بعض كتبه. قال المصنف في المغني: لم يفرق أصحابنا بين المسلم والكافر، لاستوائهما في الآدمية وفي الحياة).
• قال ابن قدامة في "المغني"(1/ 34): (الآدمي الصحيح في المذهب أنه طاهر حيا وميتا؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «المؤمن لا ينجس» متفق عليه، ولأنه آدمي، فلم ينجس بالموت، كالشهيد؛ ولأنه لو نجس بالموت لم يطهر بالغسل؛ كسائر الحيوانات التي تنجس).
ومن الأدلة على طهارة المسلم ما رواه البيهقي وغيره عن ابن عباس، قال:" إن ميتكم لمؤمن طاهر وليس بنجس " قال الأرناؤوط: (وسنده جيد، وهو عند الحاكم مرفوع وصححه، وعند البيهقي موقوف، ورواية الوقف أصح).
• ومن الأدلة على طهارة الكافر أن الله تعالى أباح طعام أهل الكتاب وأباح نكاح نسائهن ويلزم من حل طعامهم لنا مع مباشرتهم لها طهارة أبدانهم، كما أنه يلزم من المعاشرة الزوجية مباشرة كل واحد من الزوجين للآخر وفي هذا لا يسلم من إصابة عرقهن وريقهن فدل على طهارة أبدانهن.
وأما قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} [التوبة: 28] فالمقصود نجاستهم الاعتقادية المعنوية لا الحسية، والمقصود منعهم من الحج كما في الحديث الذي عند أحمد وغيره عن علي رضي الله عنه مرفوعا:(لا يحج المشركون والمسلمون بعد عامهم هذا) ومما يدل على أن نجاستهم معنوية: ذكر المسجد الحرام دون غيره من المساجد، وما صح من ربط النبي صلى الله عليه وسلم لثمامة في المسجد.
ولا يوجد دليل على نجاسة الكافر بعد وفاته، وأما ترك غسله والصلاة عليه فلأنه لم يكن من أهل العبادة في حال الدنيا وليس هذا راجعا إلى نجاسته.
الثالث - ميتة السمك والجراد طاهرة.
روى أحمد وابن ماجه وغيرهما عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«أحلت لكم ميتتان ودمان، فأما الميتتان، فالحوت والجراد، وأما الدمان، فالكبد والطحال» ، وقال ابن قدامة في "المغني" (9/ 395):(يباح أكل الجراد بإجماع أهل العلم).
قال ابن ضويان في "المنار"(1/ 52): (لأنها لو كانت نجسة لم يحل أكلها).
الرابع - ميتة ما لا نفس له سائلة كالعقرب والخنفساء والبق والقمل والبراغيث طاهرة.
قال ابن أبي الفتح في "المطلع"(ص/ 55): ("ما لا نَفْسٌ له سائلةٌ كالذُّبَابِ": النفس السائلة: الدم السائل: قال الشاعر: "من الطويل"
تَسِيلُ عَلى حَدِّ الظُّبَاةِ نُفُوسُنَا
…
ولَيْسَتْ عَلَى غَيْرِ الظُّباة تَسِيلُ (1)
وسمي الدم نفسا لنفاسته في البدن، وقيل للمولود منفوس؛ لأنه مما ينفس به، أي يضن به).
• قال ابن ضويان في "المنار"(1/ 52): (لحديث "إذا وقع الذباب إناء أحدكم فليمقله" وفي لفظ "فليغمسه فإن في أحد جناحيه داءً وفي الآخر شفاءً" رواه البخاري. وهذا عام في كل حار وبارد ودهن مما يموت الذباب بغمسه فيه، فلو كان ينجسه كان أمراً بإفساده، فلا ينجس بالموت، ولا ينجس الماء إذا مات فيه. قال ابن
المنذر: لا أعلم في ذلك خلافاً، إلا ما كان من الشافعي في أحد قوليه. قاله في الشرح).
فائدة:
خالف الشيخ مرعي الصحيح من المذهب، قال المرداوي في "الإنصاف" (1/ 338):(قوله (وما لا نفس له سائلة) يعني: لا ينجس بالموت إذا لم يتولد من النجاسة. وهذا المذهب. وعليه جماهير الأصحاب). وما تولد من النجاسة كصراصير الكنف والدود الذي يكون من العذَرَة فإنها نجسة على الصحيح من المذهب، وهو الراجح؛ لأن الفرع آخذ حكم أصله، وما تولد من نجس فهو نجس (2).
(1) والظباة هي أطراف السيوف، ومعنى البيت أنه يمتدح قبيلته بأنهم لا يموتون إلا في ميدان الحرب، وفيه كناية عن شجاعتهم.
(2)
انظر شرح الشنقيطي لعمدة الفقه.